بداية معقّدة ودورة طموحة لـ«كان»

المهرجان انطلق بفيلم لم يستحق العرض

لقطة من الفيلم الياباني المنتظر «بروكر»
لقطة من الفيلم الياباني المنتظر «بروكر»
TT

بداية معقّدة ودورة طموحة لـ«كان»

لقطة من الفيلم الياباني المنتظر «بروكر»
لقطة من الفيلم الياباني المنتظر «بروكر»

حسناً، إذا كان لا بد من الصراحة، فإن بداية الدورة الـ75 سيئة. والأسوأ أنها تقترح احتمال حدوث أشياء سيئة أخرى. أشياء مختلفة ومتعددة قد يقع بعضها وقد لا يقع، لكن هذا هو المهرجان الأكبر في عالم السينما والخطأ يتضاعف بحسب حجم المهرجان. التجاوزات أو الأخطاء أو حتى الهفوات التي قد ترتكبها مهرجانات صغيرة يمكن تبريرها حتى من دون قبولها، لكن مع مهرجان بحجم «كان» تتحوّل إلى بقع ملوّنة على ثوب أبيض كان عليه أن يبقى نقياً وناصعاً.

- جزء من البهجة
لا نتحدث عن فيلم الافتتاح بعد. هذا كان صدمة بحد ذاتها حتى من بعد أن توقع هذا الناقد لها أن تكون. الحديث عن أشياء سارت في خط سير معاكس لكل التوقعات. الوحيدون الذين لم يعلنوا شعورهم بالأسف لوقوعها هم المسؤولون في أركان المهرجان المختلفة وبالطبع مديره التنفيذي (أو كما يُسمى هنا بـ«المفوّض العام») تييري فريمو.
هذا العام رغب المهرجان في تأسيس نظام جديد هو تطوير لنظام العام الماضي: تستخدم هاتفك لكي تحجز كرسيك كصحافي أو كناقد. مقبول. تكتشف بعد حين أن الحجز لم يتم لأن خللاً تقنياً ضرب كل التأسيس وخلق فوضى عارمة لا تدري معها إذا ما كنت ستشاهد الفيلم فعلاً أم لا (غير مقبول). الحل هو العودة إلى ما رغب المهرجان تفاديه (أو هكذا نعتقد) وهو التجمّع الهائل لمئات الصحافيين والنقاد على رصيف الشارع كما لو كان ذلك إيذانٌ بأزمة الطحين المقبلة.
نعم، الصفوف الطويلة جزء من بهجة ما تتضاءل كلما طال الانتظار، لكن الأمر سريعاً ما ينقلب إلى نوع من العقاب. هذا بالطبع قبل أن يُعاقبنا فيلم الافتتاح الذي انتظرناه.
وراء الكواليس هناك ما هو أصعب وقعاً. لو أن أحداً حاول اليوم إجراء حديث مع أركان هذا المهرجان وجب عليه تقديم لا الأسئلة فقط، بل النسخة الكاملة التي تشمل الأسئلة والأجوبة المرسلة إليه قبل ذهابها إلى الصحيفة التي يمثلها. وحتى لو أن المقابلة كانت وجهاً لوجه، فإن على الصحافي إعادة النص المنوي نشره إلى الإدارة قبل السماح له بذلك، وإلا كان من شأن التبعات أن يخسر حظوته على أكثر من نحو. وما حدث بوضوح مع الصحافي السينمائي أندرياس وايزمان، أحد المحررين الرئيسيين لموقع «ديدلاين» يفسر الوضع على أكمل وجه.
أندرياس استجاب للطلب وبعث بالأسئلة ووصلته الأجوبة ومعها طلب إرسال النسخة الأخيرة (سمّها «فاينال كَت») إلى إدارة المهرجان. أذعن الصحافي وحين تسلمها من جديد فوجئ باختلافها عن النسخة الأولى.
يذكر الصحافي الأميركي أن شيئاً مماثلاً أيضاً حدث مع مجلة فرنسية كان من بين الأسئلة التي اعتبرت محرجة أو قد تشكل وقعاً سلبياً إذا ما نُشرت واحد عن الغياب شبه الدائم للمخرجين الأفرو - أميركيين. حين تسلمت المجلة النسخة التي تمّت مراجعتها من قِبل الإدارة لوحظ أن السؤال والجواب تم شطبهما من النسخة السابقة.
لا بأس أن معظمنا يقبل ما تفرضه التكنولوجيا علينا باسم التقدّم في كل المحالات كأمر مسلّم به، لكن هل من الصحيح أن يصل الأمر إلى قيام مهرجان كرر كثيراً أنه يصون الحرية الفنية والتعبير عن الذات (وبرهن على ذلك أكثر من مرّة بالفعل وبشكل ما زال يدعو للإعجاب) بممارسة الرقابة على النصوص المكتوبة؟

مشهد من الفيلم الفرنسي ـ السنغالي «أب وجندي»

- 3 أضلاع
للمهرجان طريقته الفريدة في الوقوف على قدميه طوال الوقت. من ناحية هناك خوف معظم النقاد والصحافيين من نشر حديث انتقادي حول المهرجان. من ناحية أخرى، هناك الحقيقة الأكبر التي مفادها أن مهرجان «كان»، رغم كل شيء هو عيد سينمائي مبهر ودليل صحة وعافية لكل جوانب الفن السابع. في أواخر التسعينات شن ناقد مجلة «ذا هوليوود ريبورتر» (آنذاك) تيم مكارثي هجوماً واضحاً على سياسة المهرجان بالنسبة لاختيارات الأفلام ملاحظاً أن 90 في المائة من أفلامه هي إما مبيعة سلفاً لشركات التوزيع الفرنسية أو أن شركات الإنتاج الفرنسية هي التي موّلتها جزئياً أو كاملاً. كلامه كان منطقياً، لكنه لم يغيّر في الممارسة هذا الثبوت على الخطأ.
الذي يحدث أن المهرجان هو ضلع والأفلام ومخرجيها ضلع والشركات الفرنسية هي ضلع ثالث وهذه الأضلع يتبادلون الزيارات والمنافع طوال الوقت. نعم مستوى العروض غالباً ما يشبع نهم الضلع غير المحسوب وهم المشاهدون (سواء هواة أو محترفين) لكنه ما زال فعلاً يشبه نشاط ناد مغلق.
في السادس عشر من هذا الشهر، قبل 24 ساعة من بداية الدورة 75 رسمياً أقيم مؤتمر صحافي التقى فيه فريمو مع الصحافة الفرنسية وبعض العالمية. من يتابع المؤتمر يكتشف دراية فريمو الماهرة في الدفاع ضد النقد الموجه.
مثلاً لمَ لم يعرض المهرجان في مسابقته الرسمية أي فيلم لمخرج أسود (من أفريقيا أو الولايات المتحدة - باستثناء سبايك لي). السؤال واضح وصريح وفيه صدق مؤكد. جواب فريمو على ذلك كان:
«يتطلب الأمر وقتاً لسينما لكي تقف على قدميها». لكنه أضاف إلى أن فيلم الافتتاح لقسم «نظرة ما»، وعنوانه «أب وجندي» هو بمثابة نموذج لفيلم أفريقي.
لكن فيلم «أب وجندي» هو - ككل فيلم جديد آخر هنا تقريباً - من تمويل فرنسي أمّن الغطاء المادّي وتم تصويره ما بين فرنسا والسنغال. أكثر من ذلك هو من إخراج رجل أبيض (ماثيو فاديبي).
المسألة بأسرها تعيد للذاكرة ما قامت به مجلة «سكرين» البريطانية سنة 2021 عندما أفشت بأن عدد الأفلام التي عرضها المهرجان الفرنسي لمخرجين سود في سنوات ما قبل الكورونا لم يزد على ثمانية أفلام (من بين 670 فيلماً رسمياً حتى العام 2019).

- طريق الريح
عجلة العروض التي بدأت بأعطال تقنية دارت من جديد بعد مشاكل اليومين الأوّلين ومنها ما يُعرض هنا وعيناه على أوسكار العام المقبل. خذ مثلاً فيلم الافتتاح «فاينال كَت»، حسب عنوانه، الإنجليزي (اقرأ عنه في زاوية «شاشة الناقد» أدناه) الذي، حسب ما قالته إحدى مجلات المهرجان السنوية، طامح بكل ثقة دخول دائرة الترشيحات من جديد. مخرجه الفرنسي ميشيل أزاناڤيسيس كان حظى بثلاثة أوسكارات سنة 2012: أفضل فيلم، وأفضل مخرج وأفضل ممثل (جان دوجاردا) ولو أن هذه الخلفية لن تنفع في محو عيوب هذا الفيلم.
من بين الأفلام التي قد تدخل المنافسة لاحقاً «زوجة تشايكوفسكي» للروسي كيريل سيريبرنيكوف و«سكارلت» للإيطالي بييترو مارسيللو. كلاهما شهدا قبولاً نقدياً هنا.
وحسب مصدر موثوق، سعى المهرجان لعرض بعض الأفلام الجديدة لمخرجيها لكن هؤلاء امتنعوا. من بينهم ترنس مالك الذي أنجز، في الوقت المناسب، فيلمه الجديد «طريق الريح» (The Way of the Wind) لكن مالك لم يستجب. من ناحية أخرى، تجنّب رومان بولانسكي التعامل مع «كان» بخصوص فيلمه الجديد «القصر» في الوقت الذي لم يشأ المهرجان الفرنسي طلب الفيلم لمشاهدته بسبب القضايا الجنسية الشائكة ذاتها التي ما زالت تحوم حول المخرج. مهرجان فنيسيا ليس معنياً بهذه الخلفية وكان عرض فيلم بولانسكي الأخير «ضابط وجاسوس» (2019) وسيعرض - على الأغلب - فيلم بولانسكي الجديد في دورته المقبلة.
لا يعني أي مما سبق أن مهرجان «كان» أقل شأناً في هذه الدورة مما كان عليه في أي دورة سابقة خلال السنوات العشر الأخيرة كمثال. العديد من الأسماء المهمّة تنتظر لحظة عرضها من بينها جديد الياباني كوري - إيدا هيروكازو «بروكر» وفيلم الأميركي جيمس غراي «زمن القيامة» وفيلم الكوري بارك تشان - ووك «إذن بالانصراف» ودراما الهجرة للمخرجين الأخوين جان - بيير ولوك داردين «توبي ولوكيتا».


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز