موسكو تحضّر «مفاجأة» رداً على تمدد «الأطلسي»

اعتقال زعيم مجموعة أوكرانية في روسيا

الرئيس الروسي يلتقي بالرئيس التنفيذي لشركة «روساتوم» خارج موسكو أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي يلتقي بالرئيس التنفيذي لشركة «روساتوم» خارج موسكو أمس (إ.ب.أ)
TT

موسكو تحضّر «مفاجأة» رداً على تمدد «الأطلسي»

الرئيس الروسي يلتقي بالرئيس التنفيذي لشركة «روساتوم» خارج موسكو أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي يلتقي بالرئيس التنفيذي لشركة «روساتوم» خارج موسكو أمس (إ.ب.أ)

أعلن الكرملين، أمس، عن ترحيبه بمناقشة أي اقتراحات يمكن أن تقدمها إيطاليا في إطار البحث عن تسوية للوضع في أوكرانيا. لكن الناطق الرئاسي دميتري بيسكوف قال إن القيادة الروسية «لم تطلع بعد على تفاصيل الخطة المقترحة».
وأوضح في حديث مع الصحافيين أن موسكو لم تتلق عرضاً محدداً، من الجانب الإيطالي لكنها «ترحب بمشاركة جميع من يمكنهم المساهمة في التسوية». وكانت صحيفة «لا ريبوبليكا» قد ذكرت في وقت سابق أن إيطاليا اقترحت خطة لحل الأزمة في أوكرانيا تتكون من أربع مراحل. وأشارت تقارير إعلامية إلى أن وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو سلم وثيقة أعدتها وزارة الخارجية بمشاركة الحكومة الإيطالية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. وقال بيسكوف رداً على أسئلة الصحافيين في هذا الشأن أمس، إن «لا أحد يرفض مثل هذه الجهود المخلصة». وزاد: «لا نعرف للأسف تفاصيل هذه الخطة، ولا أعرف ما إذا كانت أوصلت بطريقة ما عبر القنوات الدبلوماسية. لقد علمنا بهذا الأمر من خلال وسائل الإعلام».
في غضون ذلك، أعلنت موسكو أن رئيس هيئة الأركان العامة في القوات الروسية فاليري غيراسيموف ناقش هاتفياً مع نظيره الأميركي مارك ميلي مستجدات الوضع في أوكرانيا. ولم يشر بيان أصدرته وزارة الدفاع إلى فحوى المكالمة، واكتفى بإشارة مقتضبة إلى أن الحديث ركز على جوانب التطورات الميدانية والوضع الإنساني. ويعدّ هذا ثاني اتصال منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، يجري على المستوى العسكري الرفيع بين موسكو وواشنطن، بعدما كان وزيرا دفاع البلدين بحثا الملف الأوكراني في مكالمة هاتفية الأسبوع الماضي.
على صعيد آخر، حملت إشادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس، بـ«شجاعة وصلابة» المقاتلين «الروس المسلمين» في أوكرانيا، دلالات لافتة مع اتساع مستوى وجغرافية حضور المقاتلين الشيشان الذين تولوا مهاما عديدة في الهجوم على كييف وخاركيف في بداية العملية العسكرية ثم الانخراط القوي في معركة ماريوبول، قبل أن تبدأ وحدات منهم بمساعدة القوات الانفصالية في دونيتسك ولوغانسك على التقدم وتوسيع مساحة سيطرتها في المرحلة الثانية من العملية العسكرية.
وقال بوتين في تحية وجّهها إلى المشاركين في احتفالات أقيمت في تتارستان بمناسبة الذكرى 1100 لاعتناق بلغار الفولغا الإسلام، إن «المقاتلين المسلمين أظهروا الصلابة والشجاعة والتفاني خلال العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا». ولفت بوجه خاص إلى أن «الجيل الحالي من المسلمين في روسيا يحترم تقاليد وعادات أسلافه، ويتمسك بقوة بمبادئ الخدمة الصادقة للوطن، وبالمثل العليا للوطنية والعدالة».
إلى ذلك، تواصلت التحذيرات الروسية من انضمام فنلندا والسويد المحتمل إلى حلف شمال الأطلسي، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، إن «الرد على قرار فنلندا بالانضمام إلى الناتو سيكون مفاجئاً».
ورداً على سؤال حول نوع الإجراءات العسكرية والإطار الزمني الذي وضعته روسيا للرد على فنلندا فيما يتعلق بطلبها للانضمام إلى عضوية الناتو، قالت زاخاروفا إن «هذا يعود إلى وزارة الدفاع. سيتم اتخاذ القرار مع الأخذ في الاعتبار كل عوامل وميزات تطور عضوية فنلندا في الناتو. بناء على كل هذه المعايير، سيتم اتخاذ القرار، ولكن التحرك متروك في المقام الأول للجيش». وزادت: «هذه ستكون مفاجأة».
وتقدمت كل من فنلندا والسويد أول من أمس، بطلب رسمي مشترك للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
في الأثناء، قللت رئيسة مجلس الاتحاد (الشيوخ) فالنتينا ماتفيينكو من أهمية انقطاع قنوات الاتصال حالياً بين روسيا والغرب. ورأت أن الحوار بين الطرفين سيمكن استئنافه بعد انتهاء العملية العسكرية في أوكرانيا. وقالت ماتفيينكو في مقابلة صحافية: «أعتقد أنه ستكون هناك فرصة لاستئناف الحوار عندما تنتهي العملية العسكرية خاصة، ولا أشك لدقيقة واحدة في أنها ستكتمل بنجاح». وأشارت المسؤولة إلى أن روسيا «لا تزال منفتحة على الحوار، لكن ليس وفقا للقواعد التي قد يخترعها شخص ما، إنما على أساس القانون الدولي والاحترام المتبادل».
ميدانياً، أعلنت روسيا أمس، عن وقوع هجمات عسكرية جديدة داخل أراضيها. وفي تطور لافت، تم الإعلان أمس عن اعتقال واحد من أبرز زعماء المجموعات المسلحة الأوكرانية التي تقاتل إلى جانب الجيش. ووفقا للمعطيات التي نشرتها موسكو، فقد حاول دينيس موريغا الذي تقول موسكو إنه بين أبرز قيادات «كتيبة إيدار» القومية التسلل إلى الأراضي الروسية بصفة لاجئ، لكن رجال الأمن الروسي أوقفوه بعدما تم التعرف على شخصيته.
وقال متحدث باسم وزارة العدل في منطقة روستوف إن محكمة محلية في المدينة نظرت في التماس المحقق بشأن حبس موريغا على ذمة التحقيق. ولم يتم الكشف رسمياً عن حيثيات الاتهام، لكن مصدراً أمنياً أبلغ وكالة أنباء «نوفوستي» أن موريغا هو نائب قائد إحدى وحدات كتيبة «إيدار» القومية الأوكرانية.
بالتزامن مع ذلك، أعلنت سلطات مقاطعة كورسك الروسية المتاخمة للحدود الأوكرانية، عن سقوط جرحى وقتيل واحد على الأقل بقصف أوكراني لإحدى قرى المقاطعة. وقال حاكم مقاطعة كورسك رومان ستاروفويت إن «هجوماً آخر للعدو وقع فجر اليوم (أمس) على قرية تيتكينو، انتهى للأسف بمأساة. في الوقت الحالي، هناك معلومات عن مقتل مدني واحد على الأقل». وأشار ستاروفويت إلى أن الجهود جارية لإخماد حريق اندلع بعد القصف الأوكراني الذي ألحق أضرارا بعدد من المنازل في القرية. وأضاف أن هناك تقارير عن وجود قذائف لم تنفجر، وأن متخصصين يعملون في الموقع لجمع البيانات حول الهجوم.
وكان حاكم كورسك أفاد، مساء أول من أمس، بأن قريتين حدوديتين تعرضتا لقصف أوكراني دون سقوط إصابات.
وكانت سلطات مقاطعة بيلغورود في غرب روسيا أعلنت قبل أيام، عن سقوط قتيل وثلاثة جرحى على الأقل جراء تعرض قرية على حدود أوكرانيا للقصف من قوات كييف.
وأكد حاكم المقاطعة فياتشيسلاف غلادكوف، أن «الوضع هو الأسوأ منذ بدء عمليات القصف، ووفقاً للمعلومات المؤكدة، قتل شخص، وأصيب ثلاثة آخرون يتلقون العلاج الطبي اللازم».
وكانت القوات الأوكرانية وسعت خلال الأسابيع الأخيرة عمليات قصف لمناطق في مقاطعات بيلغورود وبريانسك وكورسك الروسية الواقعة عند حدود أوكرانيا. وفي الغالب تستهدف هذه العمليات صهاريج وقود ومستودعات لتخزين المواد الحارقة التي تقول أوكرانيا إنها تستخدم لإمدادات القوات الروسية على الأراضي الأوكرانية.
على صعيد آخر، حذرت وزارة الدفاع الروسية من أن القوات الأوكرانية تستعد لـ«تصوير فبركات في منطقة كونستانتينوفكا في دونيتسك، على غرار سيناريو بوتشا». وقال رئيس مركز مراقبة الدفاع الروسي ميخائيل ميزينتسيف: «وفقاً لشهادات أسرى من القوات المسلحة الأوكرانية في كونستانتينوفكا، فإن نظام كييف يعد لفبركات أخرى وفقاً لسيناريو بوتشا، تحت قيادة الرعاة الغربيين». وأضاف أنه «حسب للسيناريو، فإن مسلحين يرتدون زي العسكريين الروس سوف يقومون بإطلاق النار على مدنيين أوكرانيين». ولفت إلى أن «الصور والفيديوهات لهذه الجريمة المفبركة، بما فيها التي التقطتها الكاميرات للسيارات التي يزعم مرورها، سيتم نشرها على نطاق واسع من قبل المتخصصين في مركز المعلومات والعمليات النفسية للقوات المسلحة الأوكرانية عبر وسائل الإعلام الغربية ومنصات الإنترنت المختلفة، بعد تحرير هذه المدينة من قبل القوات المسلحة الروسية».


مقالات ذات صلة

هجوم أوكراني يلحق أضرارا جسيمة بالبنية التحتية في بيلغورود الروسية

أوروبا مجندون أوكران يتلقون تدريبات قاسية بالقرب من الجبهة في منطقة زابوريجيا (إ.ب.أ)

هجوم أوكراني يلحق أضرارا جسيمة بالبنية التحتية في بيلغورود الروسية

وصف جلادكوف الهجوم بأنه «ضخم» ولم يقتصر تأثيره على مدينة بيلغورود، التي تبعد 40 كيلومترا عن الحدود، بل امتد للمنطقة المحيطة بها.

«الشرق الأوسط» (بيلغورود)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز)

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطا للنفط

ستعطل المجر المصادقة على حزمة العقوبات العشرين التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزود البلاد النفط من موسكو.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ.ف.ب) p-circle

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أعلنت المجر أنها لن تصادق على حزمة العقوبات الـ20 التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزوّد البلاد بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا جندي أوكراني يُطلق طائرة استطلاع متوسطة المدى من طراز «فيكتور» للتحليق فوق مواقع القوات الروسية بالقرب من بلدة باخموت في منطقة دونيتسك (أرشيفية - رويترز)

مطارات في موسكو تقيد الرحلات الجوية وسط هجوم بطائرات مسيرة

فرضت أربعة مطارات في موسكو قيوداً على الرحلات الجوية لأسباب أمنية.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا البابا ليو الرابع عشر (أ.ب)

البابا ليو: السلام في أوكرانيا «لا يمكن تأجيله»

قال البابا ليو الرابع عشر، في خطاب ألقاه يوم الأحد قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي، إن السلام في أوكرانيا «ضرورة ملحة».

«الشرق الأوسط» (روما)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended