تعاقد مانشستر سيتي مع هالاند... خطوة صائبة أم مجازفة؟

المهاجم النرويجي أمام تحدي عدم تكرار تجربة إبراهيموفيتش الفاشلة مع غوارديولا في برشلونة

هالاند قد يكون المهاجم المثالي الذي يبحث عنه غوارديولا (أ.ف.ب)
هالاند قد يكون المهاجم المثالي الذي يبحث عنه غوارديولا (أ.ف.ب)
TT

تعاقد مانشستر سيتي مع هالاند... خطوة صائبة أم مجازفة؟

هالاند قد يكون المهاجم المثالي الذي يبحث عنه غوارديولا (أ.ف.ب)
هالاند قد يكون المهاجم المثالي الذي يبحث عنه غوارديولا (أ.ف.ب)

ذات مرة، ومنذ سنوات عديدة، كان هناك محاربان اسمهما ألف وروي، كانا يقاتلان مع قبيلتين متنافستين. اتهم ألف روي بالتظاهر بالإصابة بعد أن أصيب بتمزق في أربطة الركبة، وعلى مدى السنوات الأربع التالية، وكلما التقيا في ساحة المعركة، كان القتال بينهما يصبح شرساً للغاية. لكن بعد ذلك انضم ألف إلى مجموعة محلية منافسة للمجموعة التي يقاتل فيها روي. وخلال المواجهة بين المجموعتين، ضرب روي ألف على ركبته بقوة، وقرر ألف الانتقام بشدة لما حدث له.
كان لألف ابن صغير عمره أقل من عام، وقام بتربيته ليكون محارباً عظيماً. وكان ابنه يمتلك قوة بدنية غير عادية، فقد كان طويلاً وقوياً وسريعاً، وماهراً للغاية. وكان الملوك والملكات من جميع أنحاء العالم يريدون أن ينضم ابن ألف إلى جيوشهم. لكن ابن ألف كان أمامه هدف واحد فقط يسعى لتحقيقه وهو الانضمام إلى المجموعة المنافسة للمجموعة التي يقاتل بها روي. كانت مجموعة روي تعاني بالفعل بعد تقاعد قائدها العظيم. وكانت مجموعة ألف القديمة، وبمساعدة ثروة عائلة كبيرة من الخارج، هي المسيطرة على الساحة بالفعل. والآن أصبح لديها المحارب الشاب الجبار الذي يعتقد الكثيرون أنه قد يصبح أعظم محارب في العالم. لقد استغرق الأمر 21 عاماً، لكن ألف كان مستعداً لتحقيق الانتصار.
تشبه هذه القصة إلى حد كبير ما حدث مع إرلينغ هالاند، الذي وضع نصب عينيه الانضمام إلى مانشستر سيتي لمواصلة مسيرة والده مع «السيتيزنز». يبدو الأمر وكأن هالاند قد جاء إلى الحياة في برج في منتصف الليل أثناء عاصفة شديدة، فهل يمكن أن يكون هذا هو السحر الأسود الذي سيجعل مانشستر سيتي، أخيراً، يفوز بلقب دوري أبطال أوروبا؟ يتميز هالاند بأنه رائع في جميع النواحي، وأرقامه مذهلة للغاية، فقد سجل 78 هدفاً في 70 مباراة لعبها كأساسي بالدوري خلال المواسم الأربعة الماضية، كما سجل 23 هدفاً في 19 مباراة بدوري أبطال أوروبا. وهناك أوقات يجعل فيها المباريات تبدو سهلة للغاية، حيث يستلم الكرة ويركض بها ويضعها في الشباك من دون أي صعوبة. وعلاوة على ذلك، فإنه طويل القامة ويمتلك قوة بدنية هائلة، وهو الأمر الذي يساعده على التفوق على المنافسين، لكن ليست هذه هي ميزته الوحيدة.
يشير المديرون الفنيون الذين تولوا تدريبه وهو صغير إلى أن نموه جاء متأخراً نسبياً، وبالتالي فقبل أن يتمكن من استخدام قوته البدنية فقد تعلم أولاً كيفية استخدام ذكائه وتحركاته. وعندما كان هالاند صغيراً لم يكن مثله الأعلى لاعباً ضخم البنية من أصحاب القوة البدنية الهائلة، لكنه كان معجباً للغاية بلاعبين من أمثال روبن فان بيرسي وجيمي فاردي وميشو. وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أن هالاند يأتي ضمن أفضل ثلاثة في المائة من اللاعبين في البطولات الخمس الكبرى في أوروبا من حيث الأهداف والتمريرات الحاسمة.

علاقة إبراهيموفيتش مع غوارديولا في برشلونة لم تكن مثالية (غيتي)

ويسجل هالاند عدداً قليلاً نسبياً من الأهداف بالرأس بالنسبة للاعب بهذا الحجم، حيث لم يسجل سوى سبعة أهداف بالرأس من بين أهدافه الـ86 مع بوروسيا دورتموند في جميع المسابقات. وخلال هذا الموسم، فاز هالاند بنسبة 57.6 في المائة من الصراعات الهوائية، وهي زيادة ملحوظة للغاية بالمقارنة بالموسمين السابقين. قد لا يبدو هذا رائعاً، لكنه مرتفع بالنسبة للاعب يلعب في مركز المهاجم الصريح (معظم الصراعات الهوائية يفوز بها المدافعون). وعلاوة على ذلك، فإن هالاند ينجح بتحركاته الذكية في إبعاد المدافع طويل القامة الذي يراقبه عن مناطق الخطورة الهجومية، وهو الأمر الذي يخلق مساحات لزملائه في الفريق - لدى مانشستر سيتي بالفعل فارق هدف يصل إلى +17 من الكرات الثابتة هذا الموسم، والذي سيكون رقماً قياسياً في الدوري الإنجليزي الممتاز، إذا استمر بهذا المعدل حتى نهاية الموسم.
يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأن هالاند هو المهاجم المثالي الذي يحتاج إليه مانشستر سيتي ليكون فريقاً أكثر تدميراً مما هو عليه بالفعل - حتى لو بدت هذه القوة البدنية الهائلة غير مناسبة للأنماط الدقيقة والآليات المعقدة التي يعتمد عليها الفريق تحت قيادة المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا. لكن قد تكون هذه هي نقطة قوته الرئيسية، أي أنه يقدم شيئاً لا يمكن لأحد أن يتوقعه، ولديه القدرة على تغيير نتيجة اللقاء كما كان يفعل ليونيل ميسي مع برشلونة، وإن كان بشكل مختلف بكل تأكيد.
من الغريب للغاية أن النادي الأكثر تسجيلاً للأهداف في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم يبدو غير فعال بشكل خاص أمام المرمى. لقد كان مانشستر سيتي هو الأفضل في كل مباراة من مباريات الدوري هذا الموسم من حيث إحصائية الأهداف المتوقعة، لكنه خسر ثلاث مباريات وفقد 19 نقطة. والأهم من ذلك أن مانشستر سيتي سيطر على مقاليد الأمور تماماً أمام ريال مدريد في مباراة الذهاب بدوري أبطال أوروبا، لكن المباراة انتهت بالفوز بأربعة أهداف مقابل ثلاثة فقط، ثم لم يستطع النادي سوى إحراز هدف وحيد من تسع تسديدات على المرمى في مباراة العودة على ملعب «سانتياغو برنابيو» في الوقت الذي سجل فيه ريال مدريد هدفين من أول تسديدتين له على المرمى.
يأخذنا كل هذا مرة أخرى إلى صفقة انضمام هالاند إلى مانشستر سيتي؛ نظراً لأنه لاعب قادر على إحراز الأهداف من أنصاف الفرص. إنه ليس أحد «تلاميذ المدارس الصغار المطيعين» الذين سخر المهاجم السويدي العملاق زلاتان إبراهيموفيتش منهم في فريق برشلونة تحت قيادة غوارديولا، والدليل على ذلك أن هالاند قد ذكر أكثر من مرة بأن إبراهيموفيتش يعد مصدر إلهام بالنسبة له، كما وقّع للعمل مع نفس وكيل أعماله. لقد تعاقد برشلونة مع إبراهيموفيتش في عام 2009 حتى يكون لديه خيار هجومي قوي من الناحية البدنية، وحتى لا يعتمد بشكل كامل على اللاعبين الموهوبين الصاعدين من أكاديمية الناشئين بالنادي. لكن اتضح أن طريقة لعب إبراهيموفيتش لا تناسب الطريقة التي يلعب بها الفريق، حيث رفض المهاجم السويدي القوي أن يضحي بنفسه من أجل التكيف مع الطريقة التي يلعب بها الفريق ودخل في خلافات مع الجميع.
ويعد هالاند أيضاً خياراً مختلفاً. لقد سبق وأن عمل غوارديولا بنجاح مع المهاجمين - ديفيد فيا، وروبرت ليفاندوفسكي، وسيرجيو أغويرو – لكن كل هؤلاء المهاجمين كانوا يشعرون بالراحة عندما يتحركون على الأطراف ويتراجعون للعمق. لكن هالاند لاعب مختلف، حيث يفضل اللعب على المرمى بشكل مباشر وتقليدي. وعلى الرغم من أنه يسجل بانتظام من أمام المرمى، وبالشكل نفسه الذي تأتي منه معظم أهداف مانشستر سيتي، فإن فرص تسجيله للأهداف من خلال الانطلاق من الخلف للأمام من عمق الملعب ستكون نادرة للغاية؛ نظراً لأن مانشستر سيتي يمارس الضغط العالي على الفرق المنافسة، وبالتالي تكون مساحات الانطلاق محدودة. لكن ربما لا يهم ذلك؛ نظراً لأن هالاند سيزيد من قوة وشراسة مانشستر سيتي في المباريات التي سيلعبها أمام الفرق الأقوى، وهي الفرق التي تضغط أيضاً على مانشستر سيتي وتهاجمه، وبالتالي تكون المساحات أكبر داخل الملعب.
لكن معدل التمريرات الناجحة لهالاند هذا الموسم يصل إلى 71.3 في المائة، وهو معدل منخفض للغاية، بالنظر إلى أن معدل التمريرات الناجحة لكل لاعبي خط هجوم مانشستر سيتي في الوقت الحالي - غابرييل جيسوس، وفيل فودين، ورحيم سترلينغ، وجاك غريليش، وبرناردو سيلفا – لا يقل في المتوسط عن 85 في المائة. وحتى لو كان السبب وراء هذا المعدل المنخفض لهالاند يعود إلى الطريقة التي كان يلعب بها بوروسيا دورتموند، فمن المؤكد أن المهاجم النرويجي الشاب في حاجة إلى التحسن في هذا الأمر.
وعلاوة على ذلك، فإن هالاند أصغر من إبراهيموفيتش بست سنوات عندما انتقل المهاجم السويدي إلى برشلونة، وبالتالي فهناك إمكانية أكبر لإعادة تشكيل هالاند وتغيير طريقة لعبه بما يتناسب مع الفريق. كما أنه أكثر تحفظاً وأقل تمرداً من إبراهيموفيتش، وبالتالي فمن غير المرجح أن يحدث معه ما حدث مع إبراهيموفيتش تحت قيادة غوارديولا. لكن هذا لا يعني أن التعاقد مع هالاند ليس مجازفة. في النهاية، يحتاج مانشستر سيتي إلى أن يكون أكثر فاعلية من خلال التعاقد مع مهاجم قادر على استغلال الفرص الهائلة التي يصنعها الفريق في كل مباراة، لكن من المهم للغاية خلق حالة من التوازن، خاصة بالنسبة للفريق الذي يعتمد بشكل كبير على الاستحواذ المستمر على الكرة.


مقالات ذات صلة


أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً
TT

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

يمثل مونديال 2026 محطة تاريخية استثنائية كُسرت فيها المفاهيم التقليدية حول السن المناسبة للعطاء في عالم التدريب، حيث نجح أربعة مدربين مخضرمين في تحطيم الرقم القياسي لأكبر المديرين الفنيين سناً في تاريخ كأس العالم خلال الأيام الأولى فقط من انطلاق البطولة.

وأثبت هذا الحرس القديم أن حنكة السنين والتمرس التكتيكي يتفوقان أحياناً على حماس الشباب، ليعيدوا صياغة التاريخ الرياضي على الملاعب الأميركية بمدارس كروية متنوعة وقصص ملهمة للجيل الحالي.

وفيما يلي رصد شامل وتفصيلي لهؤلاء الأساطير الأربعة الذين قادوا منتخباتهم بخبرة العقود:

ديك أدفوكات... العراف الهولندي وعميد مدربي المونديال التاريخي

مدرب كوراساو ديك أدفوكات يحيي الجماهير بعد المباراة (رويترز)

تربع المدير الفني لمنتخب كوراساو، الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، على عرش المدربين الأكبر سناً في تاريخ كأس العالم منذ تأسيسها، حيث يخوض غمار البطولة الحالية بعمر يناهز ثمانية وسبعين عاماً وثمانية أشهر. وحطم أدفوكات بهذا العمر الرقم القياسي السابق الذي كان مسجلاً باسم الألماني أوتو ريهاغل في مونديال 2010.

ولا يقتصر إنجاز الأسطورة الهولندي عند حدود السن، بل يمتد إلى نجاحه في قيادة منتخب الجزيرة الكاريبية الصغيرة لتأهل إعجازي غير مسبوق في تاريخهم، ليسجل مشاركته المونديالية الثالثة مع ثلاثة منتخبات مختلفة بعد مسيرته السابقة مع هولندا عام 1994 وكوريا الجنوبية عام 2006.

ميروسلاف كوبيك... الصرامة التشيكية في الهرم التدريبي

مدرب منتخب جمهورية التشيك ميروسلاف كوبيك (إ.ب.أ)

يأتي المدرب التشيكي ميروسلاف كوبيك في المرتبة الثانية مباشرة ضمن قائمة حكماء المونديال، حيث يقود منتخب بلاده التشيك في محفل كأس العالم الحالية بعمر يبلغ أربعة وسبعين عاماً وتسعة أشهر. ويعد كوبيك نموذجاً حياً للانضباط التكتيكي الأوروبي الصارم، إذ نجح في بناء توليفة فنية قوية تمزج بين الاندفاع البدني والتوازن الدفاعي المنظم. وحفر كوبيك اسمه في السجلات التاريخية كونه تخطى أيضاً الرقم السابق لريهاغل، ليثبت للشارع الرياضي العالمي أن العطاء الفكري والقدرة على إدارة المجموعات داخل غرف الملابس لا يرتبطان بتقدم العمر.

هوغو بروس... ثعلب القارة السمراء وقائد نهضة بافانا بافانا

مدرب جنوب أفريقيا هوغو بروس (إ.ب.أ)

سجل البلجيكي هوغو بروس حضوراً لافتاً في النسخة الحالية من المونديال وهو يبلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً وشهرين، متولياً القيادة الفنية لمنتخب جنوب أفريقيا. ونجح بروس في إعادة منتخب «الأولاد» إلى الواجهة العالمية بعد غياب طويل من خلال فرض أسلوب لعب يتسم بالهدوء البناء والتحولات السريعة على أرضية الملعب. وافتتح بروس مشواره بالبطولة برسم ملامح شخصية قوية لفريقه مستفيداً من كاريزمته العالية وخبرته الطويلة في الملاعب الأفريقية والدولية، مما جعله أحد أبرز الوجوه التدريبية التي تحظى باحترام واسع من وسائل الإعلام والجماهير.

كارلوس كيروش... الخبير البرتغالي وملك الأرقام القياسية

كارلوس كيروش (أ.ب)

دَوّن البرتغالي كارلوس كيروش اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ اللعبة بعد أن أصبح أكبر مدرب يحقق فوزاً في مباراة بتاريخ كأس العالم، وذلك إثر قيادته لمنتخب غانا في الجولة الأولى بعمر ثلاثة وسبعين عاماً. ويعتبر كيروش ظاهرة تدريبية فريدة من نوعها كونه يخوض المونديال الخامس في مسيرته الاحترافية، بعدما قاد سابقاً منتخب البرتغال في نسخة 2010 ومنتخب إيران في ثلاث نسخ متتالية بين عامي 2014 و2022. ويتميز البرتغالي بقدرته الفائقة على قراءة الخصوم وإغلاق المساحات، وهو ما ظهر بوضوح في إدارته التكتيكية للمباراة الافتتاحية لغانا بالبطولة الحالية.


المغرب السادس عالمياً... «أسود الأطلس» يتفوقون رسمياً على هولندا وألمانيا والبرتغال

عناصر المنتخب المغربي لكرة القدم («أسوشييتد برس»)
عناصر المنتخب المغربي لكرة القدم («أسوشييتد برس»)
TT

المغرب السادس عالمياً... «أسود الأطلس» يتفوقون رسمياً على هولندا وألمانيا والبرتغال

عناصر المنتخب المغربي لكرة القدم («أسوشييتد برس»)
عناصر المنتخب المغربي لكرة القدم («أسوشييتد برس»)

شهدت خريطة كرة القدم العالمية تحولاً دراماتيكياً مع انطلاق نهائيات «كأس العالم 2026»، حيث نجح المنتخب المغربي في اقتحام المركز السادس عالمياً، لأول مرة في تاريخه، برصيد 1755.62 نقطة.

يأتي هذا الإنجاز ليكون الترتيب الأعلى لمنتخب عربي عبر التاريخ، متفوقاً على قوى كُروية أوروبية وعالمية عظمى كالبرتغال وهولندا وألمانيا وبلجيكا. وأحدثت الجولة الافتتاحية لبطولة «مونديال 2026» انقلاباً سريعاً في حسابات الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» ونظام تصنيفه الحي. ودخل المنتخب المغربي المنافسات وهو مستقر في المركز السابع عالمياً، لكن الثبات التكتيكي والشخصية القوية التي ظهر بها رجال المدرب محمد وهبي أمام البرازيل (المصنفة خامسة عالمياً بـ1765.34 نقطة) أسفرا عن انتزاع نقطة غالية رفعت الرصيد التراكمي للمغاربة.

في المقابل، تسببت المفاجأة الأفريقية الأخرى التي فجّرها منتخب الكونغو الديمقراطية بفرض التعادل بنتيجة 1-1 على البرتغال، في تجريد «برازيل أوروبا» من رصيدها السابق لتتجمد عند 1755.09 نقطة. وهذا التناقض الرقمي سمح لـ«أسود الأطلس» بالقفز خطوة تاريخية إضافية نحو الأمام، ليحتلوا المرتبة السادسة عالمياً بفارق ضئيل بلغ 0.53 نقطة فقط عن رفاق رونالدو.

ترويض عمالقة أوروبا وكسر الهيمنة التقليدية

تجاوز الإنجاز المغربي مجرد فكرة الصعود الرقمي، ليصبح مؤشراً حقيقياً على كسر احتكار منتخبات الصف الأول في أوروبا وأميركا الجنوبية قمة الهرم الكُروي. وبالنظر إلى جدول ترتيب «فيفا» الحالي، يقف المغرب بثباتٍ خلف القوى الخمس الكبرى عالمياً وهي الأرجنتين المتصدرة برصيد 1889.06 نقطة، تليها فرنسا، ثم إسبانيا، فإنجلترا، فالبرازيل. ويعني الحلول في المركز السادس أن «الأسود» نجحوا في تنحية قوى تقليدية كبرى والتقدم عليها، حيث تفوَّق المغرب رسمياً على البرتغال (السابعة)، وهولندا (الثامنة بـ1749.20 نقطة)، وألمانيا (التاسعة بـ1743.54 نقطة)، وبلجيكا التي تراجعت للمركز العاشر برصيد 1733.93 نقطة. هذا التفوق الصريح يعكس النضج الفني لجيل كُروي مغربي بات قادراً على مقارعة أعتى المدارس التكتيكية في العالم دون مركّب نقص.

التراكم الاستراتيجي من قطر إلى ملاعب أميركا الشمالية

لم يكن اقتحام المركز السادس عالمياً وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار تراكمي تصاعدي بدأ منذ الملحمة التاريخية في «مونديال قطر 2022»، حين أصبح المغرب أول منتخب عربي وأفريقي يصل إلى نصف نهائي كأس العالم ويُنهي البطولة رابعاً. ومنذ تلك المحطة، واصلت الإدارة الفنية البناء على المكتسبات عبر تدعيم خطوط الفريق بمواهب شابة متلألئة في الملاعب الأوروبية، مثل جوهرة خط الوسط الموهوب أيوب بوعدي، إلى جانب عناصر الخبرة والوزن الثقيل كأشرف حكيمي وإبراهيم دياز. هذا المزيج البشري منح المنتخب صبغة تنافسية عالية ظهرت بوضوح في قدرة الفريق على تسيير المباريات الكبرى، وتحقيق الألقاب الإقليمية، وهو ما أمّن للفريق مخزوناً نقطياً هائلاً جعله يهدد حتى الرقم القياسي الأفريقي المطلق المسجل باسم جيل نيجيريا الذهبي عام 1994، والذي بلغ المركز الخامس عالمياً.

آفاق الصدارة وطموح النجمة المونديالية الأولى

تضع هذه المرتبة التاريخية ضغوطاً إيجابية وتوقعات عريضة على كاهل «الأسود» في بقية المشوار المونديالي الحالي. ويتطلع الشارع الرياضي العربي والأفريقي إلى استثمار هذه الطفرة المعنوية الكبرى وترجمتها على أرض الواقع في الملاعب الأميركية. ويمتلك رفاق حكيمي، الآن، فرصة ذهبية لتعزيز هذا المركز والتقدم أكثر في حال تحقيق نتائج إيجابية خلال المواجهات المقبلة للمجموعة الثالثة، بدءاً من الموقعة التكتيكية المنتظَرة أمام منتخب أسكوتلندا في بوسطن. فالتحليل الرقمي لنتائج المغرب يُثبت أن الفريق لم يعد مجرد «حصان أسود» عابر في البطولات، بل تحوّل إلى قوة كُروية عظمى ومنظم هيكلي ثابت ضمن النخبة الستة الأولى التي تدير دفتها كرة القدم على كوكب الأرض.


جدران المونديال المنيعة: أفضل 6 حراس في تاريخ كأس العالم بالأرقام

جدران المونديال المنيعة: أفضل 6 حراس في تاريخ كأس العالم بالأرقام
TT

جدران المونديال المنيعة: أفضل 6 حراس في تاريخ كأس العالم بالأرقام

جدران المونديال المنيعة: أفضل 6 حراس في تاريخ كأس العالم بالأرقام

تعدّ حراسة المرمى في نهائيات كأس العالم الخط الفاصل بين المجد التاريخي والانكسار المرير، حيث يتحول حراس المرمى في الكثير من الأحيان إلى خط الدفاع الأخير وصناع الفرح الأول لمنتخبات بلادهم. وعلى مر عقود من الإثارة المونديالية، نجحت نخبة من الأساطير في حفر أسمائها بأحرف من ذهب، مستندة إلى أرقام قياسية، وتصديات إعجازية، وكاريزما هزت ثقة أعتى المهاجمين في العالم. هؤلاء الحراس لم يكتفوا بالدفاع عن شباكهم، بل غيروا بأقدامهم وقفازاتهم مجرى البطولة الكبرى في تاريخ كرة القدم.

وفيما يلي رصد لأبرز أساطير حراسة المرمى الذين صاغوا تاريخ المونديال بروايات وقصص ملهمة:

ليف ياشين... العنكبوت الأسود الذي غير مفاهيم الحراسة

الحارس الأسطورة السوفياتي ليف ياشين (فيفا)

بدأ الأسطورة السوفياتي ليف ياشين كتابة التاريخ المونديالي عبر مشاركته في أربع نسخ متتالية بين عامي 1958 و1970، متميزاً بقميصه الأسود وبنيته الجسدية المرعبة. ولم يكن ياشين حارساً تقليدياً يكتفي بالوقوف على خط المرمى، بل كان أول من أدار منطقة الجزاء بالكامل وخرج لقطع الكرات العرضية وبناء الهجمات. ويمتلك هذا الجدار التاريخي سجلاً فريداً بالحفاظ على نظافة شباكه في أربع مباريات مونديالية، بجانب كونه الحارس الوحيد في تاريخ كرة القدم الذي نال جائزة الكرة الذهبية عام 1963، بعد مسيرة حافلة تصدى خلالها لأكثر من 150 ركلة جزاء.

جانلويجي بوفون... جدار برلين المنيع وصاحب الهيبة القياسية

الحارس الإيطالي جيانلويجي بوفون (رويترز)

صنع الإيطالي جانلويجي بوفون مجداً شخصياً وجماعياً لا يُمحى في نسخة ألمانيا 2006، التي كانت واحدة من أصل خمس نسخ مونديالية وُجد فيها. وقدم بوفون في تلك البطولة أداءً دفاعياً إعجازياً حيث اهتزت شباكه مرتين فقط خلال سبع مباريات، وجاء الهدف الأول بنيران صديقة عبر زميله زاكاردو، بينما جاء الثاني من ركلة جزاء نفذها زين الدين زيدان في النهائي. ونال بوفون جائزة أفضل حارس في المونديال بعد أن حافظ على عذرية شباكه في خمس مباريات كاملة، ليقود «الآزوري» إلى النجمة الرابعة بهيبة قيادية لم تتكرر كثيراً.

إيكر كاسياس... «القديس» وصائد الأحلام الإسبانية

الحارس الإسباني إيكر كاسياس (رويترز)

جسد الحارس الإسباني إيكر كاسياس دور البطل المنقذ في اللحظات الحاسمة، وتحديداً في مونديال جنوب أفريقيا 2010 عندما قاد بلاده لمنصة التتويج التاريخية الأولى. ولم تستقبل شباك كاسياس سوى هدفين فقط طوال سبع مباريات، محققاً الشباك النظيفة في خمس مواجهات متتالية بالدور الإقصائي. ويمتلك كاسياس بصمة رقمية فريدة كونه الحارس الوحيد الذي تصدى لركلتي جزاء في نسختين مختلفتين من المونديال عامي 2002 و2010، إلى جانب إنقاذه الأسطوري لانفراد الهولندي آريين روبن في نهائي 2010، وهو التصدي الذي كفل لإسبانيا ملامسة الذهب العالمي.

مانويل نوير... الحارس القشاش وثورة التكتيك الحديث

مانويل نوير حارس مرمى المنتخب الألماني (أ.ف.ب)

أحدث الألماني مانويل نوير ثورة تكتيكية شاملة في مركز حراسة المرمى خلال مونديال البرازيل 2014، حيث قدم للعالم مفهوم «الحارس القشاش» الذي يلعب كقائد ومدافع متأخر يقطع الكرات من خارج منطقة الجزاء. وبلغت دقة تمريرات نوير بالبطولة 244 تمريرة ناجحة، متفوقاً في بناء اللعب على لاعبي خط وسط بارزين. وإلى جانب تميزه بالقدمين، كان نوير سداً منيعاً باستقباله أربعة أهداف فقط، مع الحفاظ على نظافة شباكه في أربع مباريات، ليتوج بالقفاز الذهبي وكأس العالم برفقة الماكينات الألمانية.

بيتر شمايكل... العملاق الدنماركي وبنية الرعب الجسدية

بيتر شمايكل... العملاق الدنماركي (ويكيبيديا)

فرض العملاق بيتر شمايكل هيبته على المونديال بفضل بنيته الجسدية الضخمة وتوجيهاته الصارمة للمدافعين، واشتهر عالمياً بأسلوب القفزة الانتحارية المستوحى من حراس كرة اليد للتصدي للكرات بأطرافه الأربعة. وقاد شمايكل منتخب الدنمارك لطفرة تاريخية غير مسبوقة بالوصول إلى الدور ربع النهائي في مونديال فرنسا 1998. وخاض شمايكل تسع مباريات مونديالية تاريخية تميزت بالثبات العالي والقدرة على إحباط المهاجمين بفضل حضوره الذهني والبدني الطاغي.

إيميليانو مارتينيز... ملك الحروب النفسية ومنقذ النجمة الثالثة

حارس المرمى الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز (أ.ب)

دخل الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز تاريخ كأس العالم من الباب الكبير في نسخة قطر 2022، متسلحاً بأسلوبه الفريد في إثارة الحروب النفسية وتشتيت تركيز المسددين. وقاد مارتينيز «التانغو» للفوز بحصتين حاسمتين لترجيح ركلات الجزاء ضد هولندا في ربع النهائي وضد فرنسا في المشهد الختامي، حيث تصدى لثلاث ركلات ترجيحية بمفرده. ويبقى تصديه لتسديدة الفرنسي راندال كولو مواني في الدقيقة 123 من الوقت الإضافي بالنهائي، واحداً من أثمن وأعظم التصديات في تاريخ اللعبة، إذ لولاه لتبخر حلم الأرجنتين قبل نيل اللقب والقفاز الذهبي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended