الأزمة الاقتصادية الراهنة تتجاوز قدرة البنوك المركزية

تزايد التكهنات بدخول الاقتصادات إلى دائرة التباطؤ

يرى كثير من المراقبين والمحللين أن الأزمة الاقتصادية الراهنة تتجاوز قدرة البنوك المركزية (رويترز)
يرى كثير من المراقبين والمحللين أن الأزمة الاقتصادية الراهنة تتجاوز قدرة البنوك المركزية (رويترز)
TT

الأزمة الاقتصادية الراهنة تتجاوز قدرة البنوك المركزية

يرى كثير من المراقبين والمحللين أن الأزمة الاقتصادية الراهنة تتجاوز قدرة البنوك المركزية (رويترز)
يرى كثير من المراقبين والمحللين أن الأزمة الاقتصادية الراهنة تتجاوز قدرة البنوك المركزية (رويترز)

عندما تعرض العالم للأزمة المالية في خريف 2008 واستمرت أغلب شهور 2009 كان صناع السياسة النقدية في البنوك المركزية الكبرى نجوم هذه المرحلة بفضل السياسات النقدية التي تبنوها لتجاوز الأزمة وإنعاش الاقتصادات. وعندما تعرض العالم لجائحة فيروس «كورونا» المستجد منذ أواخر 2019، عاد صناع السياسة النقدية في البنوك المركزية ليحتلوا مشهد الصدارة مجددا بفضل سياسات بالغة المرونة وحزم تحفيز نقدي ضخمة. ولكن يبدو أن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم حاليا تحتاج إلى ما هو أكثر من تحركات البنوك المركزية. ويقول المحلل الاقتصادي ماركوس أشوورث في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ إن الزيادات الأخيرة في أسعار الفائدة والتي جاءت متأخرة وقليلة للغاية وتقليص الميزانيات لن تمنع معدلات التضخم من الوصول إلى أكثر من 10 في المائة. في الوقت نفسه فإن تبني سياسات نقدية تدفع الاقتصاد في اتجاه الركود بعد سنوات من تبني سياسات نقدية فائقة المرونة لن يكون سوى فشل جديد بنكهة مختلفة. والمطلوب بحسب أشوورث الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في العمل في القطاع المصرفي هو أن تتحمل السياسات المالية جزءا أكبر من عبء تنشيط الاقتصاد.
وبعد فترة قصيرة من التفكير المشترك بين البنوك المركزية والحكومات عندما زاد الإنفاق الحكومي بالتنسيق مع برامج التحفيز المبتكرة من جانب البنوك المركزية، عدنا إلى الوضع الذي تكون فيه البنوك المركزية هي الحصن الوحيد ضد الركود. فالانفصال الحالي بين مستويات السياسة المالية التي تضعها الحكومات والسياسة النقدية التي تضعها البنوك المركزية يضع صناع السياسة النقدية والمسؤولين عن الاستقرار المالي واستقلالهم عن الحكومة في دائرة الهجوم بشكل خطير.
ويحذر ماركوس أشوورث من أن السير على حبل مشدود بين الرغبة في مكافحة التضخم المرتفع ودخول الاقتصاد في دائرة الركود يمثل معضلة بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي. ففي حين يطالب الصقور في مجلس محافظي البنك بسرعة سحب برامج التحفيز والتخلي عن أسعار الفائدة السلبية، تتزايد مخاطر دخول اقتصادات منطقة اليورو إلى دائرة التباطؤ خلال العام المقبل مع التسريع في سحب حزم التحفيز.
ومع ذلك يتبقى شعاع من الأمل في تجنب هذا السيناريو الكابوسي وهو تراجع احتمالات استمرار ارتفاع الأجور، مما يحد من سرعة ارتفاع معدلات التضخم. وهنا بالتحديد تستطيع الحكومات المساعدة في الأمر من خلال تخفيف تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على المستهلكين من أجل تخفيف آثار الموجة التضخمية الثانية.
وقد حقق الاتحاد الأوروبي نجاحا كبيرا عندما أنشأ «صندوق الجيل القادم» بقيمة 800 مليار يورو لمساعدة الدول الأعضاء في مواجهة التداعيات الاقتصادية لجائحة فيروس «كورونا». لكن استجابة الاتحاد المالية لتداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا كانت باهتة. وتعتبر مرونة الاتحاد الأوروبي في مواجهة الصعوبات أبرز نقاط قوته، لذلك يجب أن يطور حزمة إجراءات للحفاظ على النمو الاقتصادي والحد من تداعيات ارتفاع الأسعار بسبب الحرب الروسية، جنبا إلى جانب تنسيقه الحالي للتحركات العسكرية والعقوبات على روسيا.
وخارج دائرة الاتحاد الأوروبي نجد أن مهمة بنك إنجلترا المركزي في التعامل مع الأزمة الراهنة أصعب في ظل إصرار وزير الخزانة البريطاني ريشي سوناك على زيادة الضرائب، بدلا من تخفيفها. بالطبع لن يكون الأمر جيدا بالنسبة للبنك المركزي البريطاني عندما يقرر زيادة سعر الفائدة للمرة الرابعة على التوالي في الوقت الذي يحذر فيه من تزايد مخاطر ركود الاقتصاد. فالاعتماد على زيادة أسعار الفائدة فقط يمكن أن يؤدي إلى اشتداد حدة ارتفاع نفقات المعيشة، وهو ما أدى إلى تزايد الانقسام بين أعضاء لجنة السياسة النقدية، حيث يرى بعضهم أولوية الحاجة إلى الحد من التضخم، في حين يرى البعض الآخر مخاطر الانكماش المالي للحكومة.
وتصم الحكومة البريطانية آذانها عن دعوات خبراء المالية من أجل تخفيف حدة التراجع القادم في مستويات المعيشة. ومع المؤشرات على تراجع رغبة بنك إنجلترا المركزي في التعامل مع أزمة ارتفاع أسعار المستهلك والكساد المتوقع، يشعر المتعاملون في أسواق المال والمستثمرون بقلق متزايد مفهوم بشأن الأصول المقومة بالجنيه الإسترليني، بحسب أشوورث الذي عمل مؤخرا مديرا لتخطيط الأسواق في شركة هايتونغ سيكيوريتز في لندن.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي لا يرى مجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي) الأميركي عقبات أمام تشديد السياسة النقدية وبوتيرة متسارعة. وسيؤدي هذا إلى تزايد التباين في أسعار الفائدة بين العملة الأميركية والعملات الرئيسية الأخرى، وهو ما يدفع بالدولار إلى المزيد من الارتفاع ويسبب الفوضى في سوق الصرف، وبخاصة في الاقتصادات الصاعدة.
ولكن ليس أمام البنك المركزي الأميركي خيارات كثيرة غير التخلص من حزم التحفيز الحكومية الضخمة. كما تواجه الولايات المتحدة شبح الشلل السياسي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وسيطرة المعارضة الجمهورية المتوقعة على الأغلبية مما يزيد من مصاعب إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن.
ويسعى مجلس الاحتياط الاتحادي وبنك إنجلترا المركزي إلى تهدئة وتيرة النشاط الاقتصادي وكبح جماح الطلب الاستهلاكي من خلال تشديد السياسة النقدية. لكن هذا لا يخاطر فقط بإهدار تريليونات الدولارات التي تم إنفاقها على جهود التعافي الاقتصادي بعد جائحة «كورونا»، وإنما يهدد أيضا بخروج الأمور كلها عن السيطرة. وفي هذه الحالة يمكن أن يكون العلاج الذي يلجأ إليه البنكان المركزيان أسوأ من المرض نفسه، مع تآكل الثقة المتراجعة بالفعل في قدرة البنوك المركزية على القيام بواجباتها.
ويرى أشوورث أنه لا أحد يريد عودة سلطة السياسيين على صناعة السياسة النقدية وتحديد أسعار الفائدة. لذلك يجب إدراك حدود ما يمكن أن تحققه السياسة النقدية بمفردها، عندما تعرض العالم لإجراءات إغلاق شامل ثم إعادة الفتح مرة أخرى في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وأزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الروسية في أوكرانيا.
ولا تملك البنوك المركزية سيطرة تذكر على جانب العرض في الاقتصاد، لكنها تستطيع بالتأكيد خنق الطلب الذي سعت خلال السنوات السابقة إلى تشجيعه وتحفيزه بسخاء. في المقابل تستطيع الحكومات تشجيع جانب الإنتاج والعرض، لكن عندما يكون ذلك مبررا من الناحية التجارية. وتحتاج مشروعات البنية التحتية والمشروعات العملاقة إلى وقت طويل قبل أن تؤتي ثمارها، لكن هناك الكثير الذي يمكن أن تحققه السياسة المالية في هذا الشأن، بخاصة من خلال خفض الضرائب والحوافز الاستثمارية.
واختتم أشوورث تحليله بالقول إنه حان الوقت الآن لكي تكرر السلطات في العالم النزعة الإبداعية التي أظهرتها أثناء الجائحة. فعلى هذه السلطات التحرك دون تأخير.


مقالات ذات صلة

الصين تحث دول «البريكس» على معارضة الحمائية التجارية

الاقتصاد أعلام البرازيل وروسيا والصين وجنوب أفريقيا والهند الدول المؤسسة لـ«بريكس» (رويترز)

الصين تحث دول «البريكس» على معارضة الحمائية التجارية

دعت الصين دول «البريكس» للدفاع عن النظام التجاري متعدد الأطراف ومعارضة الحمائية، حسبما قال نائب وزير التجارة الصيني في الاجتماع السادس عشر لوزراء تجارة دول «الب

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

النفط يواصل الصعود وسط مخاوف بشأن خطط إعادة فتح مضيق هرمز

واصلت أسعار النفط مكاسبها يوم الجمعة، وسط تجدد المخاوف بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد عينات من الذهب معروضة في برازيليا (رويترز)

الذهب يتجه لأفضل أسبوع منذ يناير وسط ترقب بيانات الوظائف الأميركية

ارتفعت أسعار الذهب يوم الجمعة، متجهة إلى تسجيل أكبر مكسب أسبوعي لها منذ يناير (كانون الثاني)، بدعم من تراجع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تعكس المؤشرات قدرة السعودية على إدارة ماليتها العامة بكفاءة ومرونة في ظل المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية (واس)

المجلس الاقتصادي السعودي يستعرض فرص دعم التنمية

استعرض «مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية» السعودي تقريراً اشتمل على أبرز التطورات والتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، وآفاق نموه في ضوء المتغيرات الجيوسياسية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جيمسون غرير خلال مشاركته في محادثات مراجعة اتفاقية التجارة بين أميركا والمكسيك وكندا في مكسيكو سيتي يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)

الممثل التجاري الأميركي: رسوم ترمب الجديدة لن يكون لها تأثير اقتصادي ملموس

أوضح الممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير أن رسوم المادة «301» الجديدة تستهدف عدداً أقل من الدول مقارنة بالتعريفة المؤقتة السابقة البالغة 10 في المائة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي تدخل سوق الغاز الفنزويلية

شركة «إكس آر جي» ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة (الشرق الأوسط)
شركة «إكس آر جي» ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة (الشرق الأوسط)
TT

ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي تدخل سوق الغاز الفنزويلية

شركة «إكس آر جي» ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة (الشرق الأوسط)
شركة «إكس آر جي» ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة (الشرق الأوسط)

قالت شركة «إكس آر جي»، ذراع «أدنوك» للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة، إنها دخلت سوق الغاز الفنزويلية للمرة الأولى، عبر الحصول على حصة في امتياز حقل «لوران» البحري للغاز من «شركة النفط الوطنية الفنزويلية»، في خطوة تتطلع فيها الشركة الإماراتية إلى توسيع محفظتها الدولية في قطاع الغاز، وحضورها في أميركا اللاتينية.

وقالت الشركة، الخميس، إن «إكس آر جي» ستشارك كلاً من «بي بي» و«يو سي سي» في امتياز الحقل، الذي يضم موارد غاز مؤكدة تزيد على 4 تريليونات قدم مكعبة، وذلك بعد الحصول على الموافقات التنظيمية ذات الصلة.

ويُعد حقل «لوران» جزءاً من مكمن الغاز البحري «لوران-ماناتي»، الممتد عبر الحدود البحرية المشتركة بين فنزويلا وترينيداد وتوباغو، ويتيح موقعه الاستفادة من البنية التحتية القائمة للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

وقال محمد العرياني، رئيس منصة الغاز الدولية في «إكس آر جي» بحسب بيان، إن فنزويلا تمتلك موارد كبيرة من الغاز تؤهلها للقيام بدور أكبر في تلبية الطلب الإقليمي والدولي على الطاقة، موضحاً أن دخول الشركة إلى السوق الفنزويلية عبر مشروع «لوران» يعكس تركيزها على الاستثمار بالشراكة مع أطراف أخرى، وربط موارد الغاز بالبنية التحتية القائمة.

وأضاف أن الشركة تسعى إلى تنمية هذه الموارد بصورة مسؤولة ومستدامة، بما يسهم في خلق قيمة طويلة الأجل لفنزويلا والشركاء.

ويأتي الاستثمار في حقل «لوران» ضمن استراتيجية «إكس آر جي» لبناء منصة للغاز والغاز الطبيعي المسال في أميركا اللاتينية، إذ ستمتلك الشركة حصصاً متساوية مع «بي بي» و«يو سي سي» في الامتياز.

ويمثل المشروع إضافة جديدة إلى محفظة «إكس آر جي» العالمية في قطاع الغاز والغاز الطبيعي المسال، التي تشمل استثمارات في مشروع «ريو غراندي» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، ومشروع الأرجنتين للغاز الطبيعي المسال، إلى جانب استثماراتها في مصر من خلال شركة «أركيوس إنرجي».

كما تضم محفظة الشركة حقل «أبشيرون» للغاز والمكثفات، وشركة «ممر الغاز الجنوبي» في أذربيجان، وحقول الغاز والمكثفات ضمن «المنطقة 1» البحرية في تركمانستان، إضافة إلى امتياز «المنطقة 4» في حوض «روفوما» للغاز الطبيعي في موزمبيق.

وتخضع مشاركة «إكس آر جي» في مشروع حقل «لوران» لاستكمال اتفاقيات الامتياز والشراكة النهائية، والحصول على الموافقات الحكومية والتنظيمية ذات الصلة، والامتثال للقوانين والاشتراطات التنظيمية، ومتطلبات التراخيص اللازمة.


قناة السويس تتلقى دفعة جديدة من «ميرسك» رغم «استهدافات» البحر الأحمر

سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)
سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)
TT

قناة السويس تتلقى دفعة جديدة من «ميرسك» رغم «استهدافات» البحر الأحمر

سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)
سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)

تلقت قناة السويس، التي تعد إيراداتها أحد أهم مصادر العملة الصعبة بمصر، دفعة جديدة من شركة «ميرسك» عملاق النقل البحري، بالتأكيد على أهمية الممر الملاحي واقتراب العودة الكاملة للملاحة، رغم استهدافات لبعض السفن بالآونة الأخيرة.

ووفق خبير اقتصادي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن إعلان ميرسك «يعكس تحسناً في تقييم كبرى شركات الشحن للمخاطر الأمنية في البحر الأحمر، ويعزز الثقة الدولية في الممر الملاحي، ويشجع خطوط ملاحية أخرى على إعادة تقييم مساراتها والعودة إلى قناة السويس».

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة «ميرسك» للملاحة، فينسنت كليرك، في حديث نقلته «رويترز» الخميس، أن الظروف الحالية مهيأة لاستئناف حركة الملاحة الكاملة عبر قناة السويس خلال عام 2026.

وتصريح كليرك يأتي عقب إعلان شركتي «ميرسك» الدنماركية، وعملاق النقل البحري الألماني «هاباج - لويد» إجراء تعديل هيكلي على خدمة الشحن «AE19» ضمن تحالف «جيميني»، يقضي بعودة السفن للعبور عبر قناة السويس بدلاً من الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، في خطوة جديدة ضمن العودة التدريجية للممر الملاحي المصري.

وقالت «ميرسك» في بيان في 10 أغسطس (آب) إن التعديل دخل حيز التنفيذ فوراً، مشيرة إلى أن القرار اتخذ بالتنسيق مع «هاباغ - لويد» عقب تقييم شامل للأوضاع الأمنية في منطقة البحر الأحمر، مؤكدة أن قناة السويس تمثل ممراً بحرياً حيوياً بين الشرق والغرب ومحركاً رئيسياً لكفاءة سلاسل الإمداد العالمية، عادّةً أن المرور عبر قناة السويس والبحر الأحمر هو المسار الأسرع والأكثر استدامة وكفاءة لخدمة عمليات النقل بين آسيا وأوروبا.

حاويات شحن على متن سفينة تابعة لشركة «ميرسك» راسية بميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش بكاليفورنيا (رويترز)

دلالات إيجابية

ويرى رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة «ميرسك» تعبر عن تحول تدريجي ونوعي في استراتيجية كبرى شركات الشحن العالمية، حيث انتقلت الأدبيات التشغيلية من مرحلة إدارة الأزمات والاستجابة السريعة للمخاطر إلى مرحلة التخطيط للتعافي الملاحي والاستقرار التشغيلي المستدام.

وأضاف: «تؤكد الإشارة إلى أن الظروف باتت مواتية لعودة كاملة خلال عام 2026 بقناعة راسخة لدى تحالفات الشحن بأن مسار رأس الرجاء الصالح، رغم دوره المؤقت في تفادي المخاطر، يُشكل عبئاً مالياً ولوجستياً غير مستدام على المدى الطويل نظراً لطول مسافاته، وزيادة استهلاك الوقود، وارتباك جداول الإبحار».

وتشكل هذه التصريحات والخطوات العملية التي اتُّخذت بالتنسيق مع «هاباج - لويد» مؤشراً جلياً على تغيير عميق وحذر في منهجية تقييم المخاطر الأمنية في البحر الأحمر، حسب الشافعي.

وأكد أن عودة «ميرسك» وشريكتها «هاباج - لويد» - اللتين تشكلان تحالف «جيميني» وتسيطران على حصة مؤثرة للغاية من حركة شحن الحاويات العالمية - نقطة تحول محورية واستراتيجية لاستعادة حركة الملاحة. ولا تقتصر أهميتها على التدفق المباشر لرسوم العبور وضخ السيولة النقدية للتجارة المصرية، بل ترسل إشارة ثقة قوية للغاية لباقي شركات الشحن والمستأجرين للعودة إلى الطريق الأقصر والأكثر كفاءة بين آسيا وأوروبا، مما يُسرّع من وتيرة تعافي الإيرادات القومية المتأثرة.

وحسب إحصاءات مصرية رسمية في 4 أغسطس الحالي، ارتفعت إيرادات قناة السويس في الربع الثاني من العام الحالي إلى 1.26 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.1 مليار دولار في الربع الأول، وبنمو 13 في المائة بالتزامن مع ازدياد معدلات عبور السفن، وهو أعلى مستوى فصلي للإيرادات منذ الربع الأول من 2024.

وسجلت إيرادات القناة في شهر يونيو (حزيران) الماضي 446 مليون دولار، مقابل 414 مليون دولار في مايو (أيار)، حسب الجهاز المركزي للإحصاء، وهو أعلى مستوى شهري للإيرادات منذ يناير (كانون الثاني) 2024.

وارتفع عدد السفن العابرة للقناة في الربع الثاني من 2026 إلى 3580 سفينة، مقارنة مع 3324 سفينة في الربع الأول، بنمو 7.7في المائة، وفقاً لبيانات هيئة قناة السويس، وارتفع صافي الحمولة العابرة إلى نحو 169 مليون طن خلال الربع الثاني، مقابل 142.9 مليون طن في الربع الأول، بنمو 18.3في المائة.

تحذيرات مصرية

وتأتي تلك المؤشرات تزامناً مع بيان للخارجية المصرية الخميس رفضت خلاله أي استهدافات للسفن في البحر الأحمر، ودعت لاحترام حرية الملاحة فيه.

وجددت مصر «رفضها القاطع للأعمال كافة التي تستهدف السفن والمنشآت المدنية، أو تهدد أمن وحرية الملاحة بالبحر الأحمر والممرات المائية الدولية»، مؤكدة «الأهمية البالغة لاحترام وضمان وحماية حرية الملاحة الدولية في المضايق والممرات الدولية كافة، وبما يضمن حرية التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية؛ وفقاً لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وعادة ما تؤدي الهجمات في البحر الأحمر إلى خفض حركة الملاحة في قناة السويس المصرية، ما يكبد القاهرة خسائر مالية، بسبب تحول السفن إلى مسارات بديلة لتجنب المخاطر الأمنية.

وهذا الرفض المصري يعزز، حسب الشافعي، التفاؤل الحذر لبعض الشركات الملاحية، خصوصاً مع عدة تحديات رئيسية أمام التحقق الكامل لهذا السيناريو، أبرزها الهشاشة الأمنية والاستراتيجية في منطقة جنوب البحر الأحمر.

وأكد الشافعي أن أي تجدد لاستهداف السفن أو حدوث توترات غير محسوبة قد يُعيد خطط الاستئناف إلى نقطة الصفر، في ظل التحديات اللوجستية المتعلقة بتعديل الجداول الزمنية وسلاسل الإمداد، وازدحام بعض الموانئ العالمية نتيجة إعادة توجيه أسطول السفن الضخم.

وفي مايو الماضي، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن بلاده فقدت نحو 10 مليارات دولار من عائدات قناة السويس نتيجة الاعتداءات على السفن في مضيق باب المندب ضمن تداعيات الحرب على غزة.


«جي إف إتش» يرفع أرباحه 13 % إلى 76 مليون دولار في النصف الأول

شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)
شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)
TT

«جي إف إتش» يرفع أرباحه 13 % إلى 76 مليون دولار في النصف الأول

شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)
شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)

سجَّل بنك «جي إف إتش» نمواً في أرباحه خلال النصف الأول من عام 2026، مدعوماً بارتفاع دخل إدارة الثروات والاستثمار والائتمان والتمويل، في وقت عزَّز فيه البنك حضوره الاستثماري في السعودية والإمارات، رغم حالة عدم اليقين التي فرضتها التطوُّرات الجيوسياسية الإقليمية على الأسواق.

وأعلن البنك، الخميس، ارتفاع صافي الربح العائد على المساهمين بنسبة 13.3 في المائة خلال النصف الأول، ليصل إلى 76.2 مليون دولار، مقارنة مع 67.24 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت ربحية السهم إلى 2.21 سنت، من 1.93 سنت.

وزاد إجمالي الدخل بنسبة 4.4 في المائة إلى 309.81 مليون دولار، مقابل 296.75 مليون دولار على أساس سنوي، بينما ارتفع صافي الربح الموحد 9.8 في المائة إلى 76.57 مليون دولار. وبلغ إجمالي أصول البنك 12.44 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران)، بزيادة 1.97 في المائة مقارنة بنهاية 2025، في حين بلغت حقوق الملكية العائدة للمساهمين 1.01 مليار دولار.

وخلال الرُّبع الثاني، ارتفع صافي الربح العائد على المساهمين 10.8 في المائة إلى 41.09 مليون دولار، مدفوعاً بنمو دخل إدارة الثروات والاستثمار بنسبة 32.5 في المائة، ودخل الائتمان والتمويل بنسبة 23 في المائة. كما ارتفع إجمالي الدخل الفصلي 8.75 في المائة إلى 158.82 مليون دولار.

وقال رئيس مجلس إدارة «جي إف إتش»، عبد المحسن الراشد، إن النتائج تعكس «مرونة نموذج أعمال البنك المتنوع»، مشيراً إلى استمرار التركيز على النمو المستدام وتعزيز مصادر الدخل المتكرر، مع الانضباط في تخصيص رأس المال وإدارة المخاطر.

عبد المحسن الراشد رئيس مجلس إدارة «جي إف إتش».(الشرق الأوسط)

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي وعضو مجلس الإدارة، هشام الريس، إن الظروف الجيوسياسية الإقليمية وحالة عدم اليقين أثرتا على ثقة المستثمرين ونشاط الأسواق وتوقيت تنفيذ المعاملات، إلا أن تنوع مصادر دخل البنك وانتشاره الجغرافي أسهما في تعزيز مرونته.

وتصدر نشاط إدارة الثروات والاستثمار محركات النمو، محققاً دخلاً قدره 132.83 مليون دولار خلال النصف الأول، بينما بلغ دخل الائتمان والتمويل 69.91 مليون دولار، مع وصول صافي عقود التمويل إلى 2.64 مليار دولار. وحققت الخزانة والاستثمارات الخاصة دخلاً قدره 107.07 مليون دولار.

هشام الريس الرئيس التنفيذي وعضو مجلس الإدارة.(الشرق الأوسط)

وعلى صعيد التَّوسُّع الإقليمي، وقَّع البنك مذكرة تفاهم مع «أوكتو مانجمنت» لتطوير منصة عقارية لوجستية وصناعية بقيمة 300 مليون دولار في السعودية والإمارات، كما وسَّع منصته الصناعية واللوجستية في المملكة من خلال شراكة استراتيجية مع شركة «موطن العقارية».

وشملت تحركات البنك الاستثمارية المشاركة مستثمراً رئيسياً في طرح عام أولي مزدوج في بورصة نيويورك، إلى جانب تنفيذ استثمار استراتيجي طويل الأجل في شركة «سبايس إكس» من خلال صفقة مهيكلة.