مواجهة حامية بين ماكرون وميلونشون في الانتخابات النيابية الفرنسية

الفرنسيون يترقبون الكشف عن اسم رئيس حكومتهم الجديد وتوقع صيف حار اجتماعياً واقتصادياً

ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الوزراء، استقالته ما يفسح المجال لتعيين خليفة له (أ.ب)
ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الوزراء، استقالته ما يفسح المجال لتعيين خليفة له (أ.ب)
TT

مواجهة حامية بين ماكرون وميلونشون في الانتخابات النيابية الفرنسية

ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الوزراء، استقالته ما يفسح المجال لتعيين خليفة له (أ.ب)
ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الوزراء، استقالته ما يفسح المجال لتعيين خليفة له (أ.ب)

منتصف ليل الجمعة - السبت، تنتهي ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون الأولى وتبدأ الثانية لخمس سنوات إضافية في قصر الإليزيه. وعقد أمس برئاسته آخر اجتماع لمجلس الوزراء فيما ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الحكومة الحالي (أيضاً لبضع ساعات) استقالته واستقالة حكومته ما يفسح المجال لماكرون لتعيين خليفته في قصر ماتينيون. وحتى هذه اللحظة لم يعرف اسم الشخصية التي ستكلف تشكيل ورئاسة الحكومة، إذ إن رئيس الجمهورية حرص على إبقاء خياره قيد الكتمان، الأمر الذي يجعل الترجيحات تذهب في كل اتجاه. والحال، أن رئيس الحكومة سيكون المسؤول عن قيادة حملة الانتخابات النيابية التي يريد ماكرون أن توفر له أكثرية مريحة في البرلمان تمكنه من الوفاء بالوعود التي قطعها يميناً ويساراً وبالالتزامات التي ضمنها برنامجه الانتخابي. ووفق الدستور الفرنسي، فإن رئيس الحكومة سيكون حكماً رئيس الأكثرية. يستعجل مرشحو ماكرون للانتخابات المقبلة التي ستجرى على دورتين يومي 12 و19 يونيو (حزيران) استكمال العملية الانتقالية للتفرغ للمعركة السياسية التي تتنافس فيها عملياً ثلاث كتل: الأولى تتمثل بالكتلة الداعمة لماكرون، والمشكلة من حزبه «الجمهورية إلى الأمام» الذي غير اسمه إلى «النهضة» أو «الانبعاث» وحزب الوسط الديمقراطي وحزب «هورايزون» (آفاق) إضافة إلى أحزاب أخرى صغيرة وشخصيات انضمت إلى ماكرون حديثاً والكل تحت مسمى «معاً». والكتلة الثانية تعود لحزب «التجمع الوطني» الذي تتزعمه مارين لوبن، منافسة ماكرون في الجولة الرئاسية الحاسمة التي حصلت على 41.5 من الأصوات. وتنوي لوبن تقديم مرشحين عن جبهتها إلى كل الدوائر الانتخابية الـ577 علماً بأنها رفضت عرض التحالف من منافسها الأكثر يمينية وشعبوية، أريك زيمور، الذي حصل على 7 في المائة من الأصوات، وحجتها في ذلك مزدوجة: من جهة، تعتبر أن الأخير خانها وسرق منها أصواتا في الجولة الرئاسية الأولى. ومن جهة ثانية، ترى أن زيمور ضعيف إلى درجة أنه لن يشكل خطرا على مرشحيها. وتطرح لوبن نفسها على أنها «المعارض» الأول لماكرون. إلا أن أملها الحقيقي أن تحظى في الندوة البرلمانية القادمة بمجموعة نيابية مستقلة تحتاج إلى 15 نائباً، الأمر الذي حرمت منه خلال ولاية البرلمان المنقضية، إذ إن نواب حزبها لا يزيدون على الثمانية. وتخوض لوبن المنافسة الانتخابية في دائرتها الحالية «هينان بومون» القائمة شمال البلاد حيث حلت في المرتبة الأولى في دورتي الانتخابات الرئاسية. أما الكتلة الثالثة فتعود لليسار بكل تلاوينه وبزعامة جان لوك ميلونشون، رئيس حزب «فرنسا المتمردة» أو «الأبية» الذي حصل في الدورة الرئاسية الأولى على أكثر من سبعة ملايين ناخب (22 في المائة من الأصوات).
- وحدة أجنحة اليسار
حقيقة الأمر أن ميلونشون حقق إنجازا أساسيا إذ نجح في تجميع كل أجنحة اليسار، التي تشمل، إلى جانب حزبه، الاشتراكيين والبيئويين والشيوعيين، تحت مسمى «الاتحاد الشعبي البيئوي والاجتماعي الجديد». وهذا النجاح افتقده اليسار الفرنسي طويلاً وتحديداً منذ وصول الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران إلى رئاسة الجمهورية عام 1981، وبقي ميتران في الإليزيه لولايتين (حتى عام 1995). ورغم الفوارق الأساسية بين الأطراف الأربعة، فإنها نجحت في الاتفاق على برنامج حكم واحد سيوفر المظلة للمرشحين الـ577.
ويريد ميلونشون من الانتخابات التشريعية أن تكون بمثابة «الجولة الرئاسية الثالثة» التي ستحمله إلى رئاسة الحكومة، الأمر الذي يؤكده علناً ويحظى بقبول شركائه. واللافت أن الحزب الاشتراكي كان، منذ بدايات الجمهورية الخامسة نهاية الخمسينات من القرن الماضي، العصب الحقيقي والمهمين لليسار. إلا أن الانتخابات الأخيرة بينت تهميشه إذ مرشحته الرئاسية آن هيدالغو، رئيسة بلدية باريس، حصلت على 1.7 في المائة من الأصوات. ورغم قيام تحالف اليسار، فإن أصواتاً من اليسار واليمين والخضر عبرت عن رفضها التسليم بقيادة ميلونشون، الذي يعتبرونه من اليسار الراديكالي الذي يختلف برنامجه عما يسمى «اليسار الحاكم» المعتدل. وما جرى حقيقة هو أن الأطراف الأربعة فضلت التركيز على القواسم المشتركة وتركت جانباً خلافاتها الأساسية حول مسائل رئيسية، مثل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي ومستقبل الاعتماد على الطاقة النووية وتحديد سن التقاعد عند الستين عاماً ورفع رواتب الحد الأدنى للأجور إلى 1400 يورو.
- خطر ميلونشون
يعكس المشهد السياسي الراهن بأمانة نتائج الانتخابات الرئاسية التي خرج منها اليمين المعتدل «حزب الجمهوريون» مثخناً بالجراح، حيث إن مرشحته فاليري بيكريس بقيت دون نسبة الـ5 في المائة. ولذا، فإن عدداً من مرشحيه أغرتهم عروض التجمع الرئاسي فالتحقوا به وكوفئوا بترشيحهم تحت لواء كتلة «معاً».
من هنا، فإن الخطر الحقيقي الذي يهدد ماكرون يأتي من اليسار. ولذا، فإنه شخصياً ووزراءه ومعاونيه لم يتأخروا في استهداف ميلونشون والتحالف الهش الذي أنشأه. ففي كلمة ألقاها أمام مرشحي «معاً» في ضاحية أوبرفيليه الواقعة على مدخل باريس الشمالي، اتهم ماكرون تحالف ميلونشون بأنه «من اليسار المتطرف» الذي قدم برنامجا ستكون نتيجته «نسف النمو الاقتصادي»، فضلاً عن أنه لن يقوى على البقاء بسبب خلافاته الداخلية. ولم يتردد ماكرون في النفخ بنار الانقسامات والتخويف من الهيمنة الآيديولوجية لليسار المتطرف وأمله في ذلك اجتذاب الأصوات اليسارية المعتدلة التي تتخوف من برنامج تحالف ميلونشون الاقتصادي.
وتجدر الإشارة إلى أن عدداً ممن يسمون «فيلة الحزب الاشتراكي» أي باروناته، وأولهم رئيس الجمهورية السابق الاشتراكي فرنسوا هولند وأمينه العام السابق كريستوف كمبادوليس ووزير الزراعة السابق ستيفان لوفول إضافة إلى هيدالغو، حذروا من ذوبان الحزب وتفتته وفقدانه هويته السياسية والآيديولوجية. ويتفق هؤلاء مع كتلة ماكرون في اعتبار أن برنامج ميلونشون «غير واقعي» و«شعبوي» وأن العمل باقتراحه اتباع سياسة «الامتناع عن الخضوع» للأحكام الأوروبية سيقود إلى خروج فرنسا من الاتحاد، إلى غير ذلك من الحجج التي يراد منها إما تسخيف مقترحاته أو تبيان خطورتها.
ودعا ستانيسلاس غيريني، الأمين العام لحزب ماكرون من سماهم بـ«الاشتراكيين - الديمقراطيين» إلى الالتحاق بحزبه حيث سيجدون «الأبواب المفتوحة». وذهب فرنسوا باتريا، رئيس مجموعة الشيوخ التابعة لحزب ماكرون، إلى وصف ميلونشون بـ«عديم المصداقية والخطير» لا بل المناضل «الأحمر» أي المغالي في الثورية، الذي يحمل برنامجاً يدعو إلى التمرد الشعبي بحسب غيريني. أما وزير الشؤون الأوروبية كليمون بون، المقرب من ماكرون، فقد ندد ببرنامج تكتل ميلونشون باعتباره «خطيراً وكاذباً» فيما عده فرنسوا بايرو، رئيس حزب الوسط الديمقراطي وحليف ماكرون منذ عام 2017، خطيراً إلى حد أنه يهدد البناء الأوروبي.
هكذا تبدو صورة المشهد السياسي قبل أقل من شهر من المعركة البرلمانية التي يتوقع أن تكون بالغة السخونة. اليسار يعتقد أنه قادر على كسبها فيما كتلة ماكرون تريد نتائج توفر لها الهيمنة على البرلمان للسنوات الخمس التالية. وبين هذين الحدين، وبانتظار أن تعرف لوائح المرشحين بالكامل وتظهر إلى الوجود حكومة جديدة تعكس توجهات عهد ماكرون الثاني، فإن الضبابية تبقى الصفة الغالبة في بلد يتوقع الكثيرون أن يكون صيفه حاراً اجتماعياً واقتصادياً.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...