مواجهة حامية بين ماكرون وميلونشون في الانتخابات النيابية الفرنسية

الفرنسيون يترقبون الكشف عن اسم رئيس حكومتهم الجديد وتوقع صيف حار اجتماعياً واقتصادياً

ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الوزراء، استقالته ما يفسح المجال لتعيين خليفة له (أ.ب)
ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الوزراء، استقالته ما يفسح المجال لتعيين خليفة له (أ.ب)
TT

مواجهة حامية بين ماكرون وميلونشون في الانتخابات النيابية الفرنسية

ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الوزراء، استقالته ما يفسح المجال لتعيين خليفة له (أ.ب)
ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الوزراء، استقالته ما يفسح المجال لتعيين خليفة له (أ.ب)

منتصف ليل الجمعة - السبت، تنتهي ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون الأولى وتبدأ الثانية لخمس سنوات إضافية في قصر الإليزيه. وعقد أمس برئاسته آخر اجتماع لمجلس الوزراء فيما ينتظر أن يقدم جان كاستيكس، رئيس الحكومة الحالي (أيضاً لبضع ساعات) استقالته واستقالة حكومته ما يفسح المجال لماكرون لتعيين خليفته في قصر ماتينيون. وحتى هذه اللحظة لم يعرف اسم الشخصية التي ستكلف تشكيل ورئاسة الحكومة، إذ إن رئيس الجمهورية حرص على إبقاء خياره قيد الكتمان، الأمر الذي يجعل الترجيحات تذهب في كل اتجاه. والحال، أن رئيس الحكومة سيكون المسؤول عن قيادة حملة الانتخابات النيابية التي يريد ماكرون أن توفر له أكثرية مريحة في البرلمان تمكنه من الوفاء بالوعود التي قطعها يميناً ويساراً وبالالتزامات التي ضمنها برنامجه الانتخابي. ووفق الدستور الفرنسي، فإن رئيس الحكومة سيكون حكماً رئيس الأكثرية. يستعجل مرشحو ماكرون للانتخابات المقبلة التي ستجرى على دورتين يومي 12 و19 يونيو (حزيران) استكمال العملية الانتقالية للتفرغ للمعركة السياسية التي تتنافس فيها عملياً ثلاث كتل: الأولى تتمثل بالكتلة الداعمة لماكرون، والمشكلة من حزبه «الجمهورية إلى الأمام» الذي غير اسمه إلى «النهضة» أو «الانبعاث» وحزب الوسط الديمقراطي وحزب «هورايزون» (آفاق) إضافة إلى أحزاب أخرى صغيرة وشخصيات انضمت إلى ماكرون حديثاً والكل تحت مسمى «معاً». والكتلة الثانية تعود لحزب «التجمع الوطني» الذي تتزعمه مارين لوبن، منافسة ماكرون في الجولة الرئاسية الحاسمة التي حصلت على 41.5 من الأصوات. وتنوي لوبن تقديم مرشحين عن جبهتها إلى كل الدوائر الانتخابية الـ577 علماً بأنها رفضت عرض التحالف من منافسها الأكثر يمينية وشعبوية، أريك زيمور، الذي حصل على 7 في المائة من الأصوات، وحجتها في ذلك مزدوجة: من جهة، تعتبر أن الأخير خانها وسرق منها أصواتا في الجولة الرئاسية الأولى. ومن جهة ثانية، ترى أن زيمور ضعيف إلى درجة أنه لن يشكل خطرا على مرشحيها. وتطرح لوبن نفسها على أنها «المعارض» الأول لماكرون. إلا أن أملها الحقيقي أن تحظى في الندوة البرلمانية القادمة بمجموعة نيابية مستقلة تحتاج إلى 15 نائباً، الأمر الذي حرمت منه خلال ولاية البرلمان المنقضية، إذ إن نواب حزبها لا يزيدون على الثمانية. وتخوض لوبن المنافسة الانتخابية في دائرتها الحالية «هينان بومون» القائمة شمال البلاد حيث حلت في المرتبة الأولى في دورتي الانتخابات الرئاسية. أما الكتلة الثالثة فتعود لليسار بكل تلاوينه وبزعامة جان لوك ميلونشون، رئيس حزب «فرنسا المتمردة» أو «الأبية» الذي حصل في الدورة الرئاسية الأولى على أكثر من سبعة ملايين ناخب (22 في المائة من الأصوات).
- وحدة أجنحة اليسار
حقيقة الأمر أن ميلونشون حقق إنجازا أساسيا إذ نجح في تجميع كل أجنحة اليسار، التي تشمل، إلى جانب حزبه، الاشتراكيين والبيئويين والشيوعيين، تحت مسمى «الاتحاد الشعبي البيئوي والاجتماعي الجديد». وهذا النجاح افتقده اليسار الفرنسي طويلاً وتحديداً منذ وصول الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران إلى رئاسة الجمهورية عام 1981، وبقي ميتران في الإليزيه لولايتين (حتى عام 1995). ورغم الفوارق الأساسية بين الأطراف الأربعة، فإنها نجحت في الاتفاق على برنامج حكم واحد سيوفر المظلة للمرشحين الـ577.
ويريد ميلونشون من الانتخابات التشريعية أن تكون بمثابة «الجولة الرئاسية الثالثة» التي ستحمله إلى رئاسة الحكومة، الأمر الذي يؤكده علناً ويحظى بقبول شركائه. واللافت أن الحزب الاشتراكي كان، منذ بدايات الجمهورية الخامسة نهاية الخمسينات من القرن الماضي، العصب الحقيقي والمهمين لليسار. إلا أن الانتخابات الأخيرة بينت تهميشه إذ مرشحته الرئاسية آن هيدالغو، رئيسة بلدية باريس، حصلت على 1.7 في المائة من الأصوات. ورغم قيام تحالف اليسار، فإن أصواتاً من اليسار واليمين والخضر عبرت عن رفضها التسليم بقيادة ميلونشون، الذي يعتبرونه من اليسار الراديكالي الذي يختلف برنامجه عما يسمى «اليسار الحاكم» المعتدل. وما جرى حقيقة هو أن الأطراف الأربعة فضلت التركيز على القواسم المشتركة وتركت جانباً خلافاتها الأساسية حول مسائل رئيسية، مثل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي ومستقبل الاعتماد على الطاقة النووية وتحديد سن التقاعد عند الستين عاماً ورفع رواتب الحد الأدنى للأجور إلى 1400 يورو.
- خطر ميلونشون
يعكس المشهد السياسي الراهن بأمانة نتائج الانتخابات الرئاسية التي خرج منها اليمين المعتدل «حزب الجمهوريون» مثخناً بالجراح، حيث إن مرشحته فاليري بيكريس بقيت دون نسبة الـ5 في المائة. ولذا، فإن عدداً من مرشحيه أغرتهم عروض التجمع الرئاسي فالتحقوا به وكوفئوا بترشيحهم تحت لواء كتلة «معاً».
من هنا، فإن الخطر الحقيقي الذي يهدد ماكرون يأتي من اليسار. ولذا، فإنه شخصياً ووزراءه ومعاونيه لم يتأخروا في استهداف ميلونشون والتحالف الهش الذي أنشأه. ففي كلمة ألقاها أمام مرشحي «معاً» في ضاحية أوبرفيليه الواقعة على مدخل باريس الشمالي، اتهم ماكرون تحالف ميلونشون بأنه «من اليسار المتطرف» الذي قدم برنامجا ستكون نتيجته «نسف النمو الاقتصادي»، فضلاً عن أنه لن يقوى على البقاء بسبب خلافاته الداخلية. ولم يتردد ماكرون في النفخ بنار الانقسامات والتخويف من الهيمنة الآيديولوجية لليسار المتطرف وأمله في ذلك اجتذاب الأصوات اليسارية المعتدلة التي تتخوف من برنامج تحالف ميلونشون الاقتصادي.
وتجدر الإشارة إلى أن عدداً ممن يسمون «فيلة الحزب الاشتراكي» أي باروناته، وأولهم رئيس الجمهورية السابق الاشتراكي فرنسوا هولند وأمينه العام السابق كريستوف كمبادوليس ووزير الزراعة السابق ستيفان لوفول إضافة إلى هيدالغو، حذروا من ذوبان الحزب وتفتته وفقدانه هويته السياسية والآيديولوجية. ويتفق هؤلاء مع كتلة ماكرون في اعتبار أن برنامج ميلونشون «غير واقعي» و«شعبوي» وأن العمل باقتراحه اتباع سياسة «الامتناع عن الخضوع» للأحكام الأوروبية سيقود إلى خروج فرنسا من الاتحاد، إلى غير ذلك من الحجج التي يراد منها إما تسخيف مقترحاته أو تبيان خطورتها.
ودعا ستانيسلاس غيريني، الأمين العام لحزب ماكرون من سماهم بـ«الاشتراكيين - الديمقراطيين» إلى الالتحاق بحزبه حيث سيجدون «الأبواب المفتوحة». وذهب فرنسوا باتريا، رئيس مجموعة الشيوخ التابعة لحزب ماكرون، إلى وصف ميلونشون بـ«عديم المصداقية والخطير» لا بل المناضل «الأحمر» أي المغالي في الثورية، الذي يحمل برنامجاً يدعو إلى التمرد الشعبي بحسب غيريني. أما وزير الشؤون الأوروبية كليمون بون، المقرب من ماكرون، فقد ندد ببرنامج تكتل ميلونشون باعتباره «خطيراً وكاذباً» فيما عده فرنسوا بايرو، رئيس حزب الوسط الديمقراطي وحليف ماكرون منذ عام 2017، خطيراً إلى حد أنه يهدد البناء الأوروبي.
هكذا تبدو صورة المشهد السياسي قبل أقل من شهر من المعركة البرلمانية التي يتوقع أن تكون بالغة السخونة. اليسار يعتقد أنه قادر على كسبها فيما كتلة ماكرون تريد نتائج توفر لها الهيمنة على البرلمان للسنوات الخمس التالية. وبين هذين الحدين، وبانتظار أن تعرف لوائح المرشحين بالكامل وتظهر إلى الوجود حكومة جديدة تعكس توجهات عهد ماكرون الثاني، فإن الضبابية تبقى الصفة الغالبة في بلد يتوقع الكثيرون أن يكون صيفه حاراً اجتماعياً واقتصادياً.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».