ذكريات : قصة لقائي بالبروفسور ألفريد لويس دو بريمار

ألفريد لويس دو بريمار
ألفريد لويس دو بريمار
TT

ذكريات : قصة لقائي بالبروفسور ألفريد لويس دو بريمار

ألفريد لويس دو بريمار
ألفريد لويس دو بريمار

كان ذلك قبل حوالي العشرين عاماً. كنت على موعد مع البروفسور ألفريد لويس دو بريمار، الأستاذ في جامعة إيكس آن بروفنس، قسم الدراسات العربية والإسلامية، وصاحب كتاب «تأسيس الإسلام بين الكتابة والتاريخ» الصادر بترجمته العربية عن دار الساقي عام 2009. كنت على موعد معه من أجل مناقشته حول هذا الكتاب وحول نظريته العامة عن التراث. بالمناسبة أنا مترجم هذا الكتاب المهم وليس الاسم المستعار الموضوع عليه: عيسى محاسبي. هذا سر أفشيه هنا للمرة الأولى. لقد تسرع الأستاذ جورج طرابيشي رحمه الله، ووضع هذا الاسم الوهمي عليه بعد أن وجدني متردداً أو متخوفاً قليلاً من التصريح باسمي الشخصي. كنا لا نزال آنذاك مرعوبين من الأصولية والأصوليين. ولماذا نكون مرعوبين والكتاب أكاديمي صرف من أعلى المستويات؟ والله مصيبة. أقسم بالله مصيبة. التراث المسيحي في الغرب يحظى بآلاف الدراسات النقدية التجديدية الحديثة ولا أحد يخاف عليه منها. بل إنه يزداد بعدها تألقاً وسطوعاً. أما نحن فممنوع منعاً باتاً أن تقول كلمة واحدة عن التراث، ما عدا تلك التي يقولها عنه التقليديون الذين أكل عليهم الدهر وشرب. كيف يمكن أن نتحلحل، أن نتقدم، في مثل هذا الجو؟ هل كتب علينا الجمود والخمود إلى أبد الدهر؟ هل كتب علينا التكرار والاجترار إلى ما لا نهاية؟ هنا يكمن الانسداد التاريخي الأعظم للعرب. لهذا السبب انخرطنا في دراسات تنويرية عن التراث، وعشنا لحظات غليان ثقافي حقيقي في بدايات هذا القرن. كان ذلك أيام «المؤسسة العربية للتحديث الفكري» التي أسسها محمد عبد المطلب الهوني وجورج طرابيشي ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وبقية أقطاب التنوير العربي الإسلامي. ولا ننسى العفيف الأخضر الذي اعتنق فلسفة الأنوار، ولم ينبطح أمام موجة الإسلام السياسي أو المسيس حتى عندما كانت في أوج صعودها وجبروتها. وهي المؤسسة التي حاولت فك الانسداد التاريخي أو فتح ثغرة في جدار التاريخ المسدود. ولأجل ذلك فقد عقدت مؤتمراً ضخماً للمثقفين العرب في بيروت عام 2004، وحققت بعض الإنجازات التي لا يستهان بها ترجمة وكتابة بعد أن تحولت إلى ما يدعى بـ«رابطة العقلانيين العرب» على يد طرابيشي ورجاء بن سلامة والدكتور الهوني ذاته إلخ. كانت تلك لحظة إشراقية رائعة في بحر من الظلمات. وقد استغرقت مني ترجمة هذا الكتاب الأكاديمي مدة سنتين تقريباً. وكنت على تواصل مستمر مع البروفسور دو بريمار، حيث ساعدني بنصائحه وإرشاداته ووثائقه التراثية على إكمالها على أفضل وجه ممكن.
لكن بعد هذه الديباجة المستفيضة دعونا ندخل في صلب الموضوع. بعد أن استقبلني المستشرق الكبير في محطة آفينيون للقطارات، وهي محطة فاجأتني بحداثتها الصارخة أنا القادم من باريس ذهبنا للغداء في مطعم ضائع وسط الحقول... آه، ما أجمل أن تكون بعيداً عن باريس مديراً ظهرك لضجيج العواصم! كنا وحدنا في مطعم كبير يتسم بالعراقة الفرنسية ويتسع لمائة شخص على الأقل. كنا اثنين فقط وحولنا حشد من المضيفين والمضيفات الذين يهتمون بنا ويحرصون على راحتنا. كيف يمكن أن تجد مثل هذه التبجيل والتعظيم في باريس؟ مستحيل. بالكاد يخدمونك، أو يشعرون بوجودك. وحولك يخيم الهدوء المريح وظلال الأشجار العملاقة العتيقة وسكينة الريف الفرنسي. قلت للبروفسور دوبريمار: الناس لا يعيشون في باريس، الناس ينهبون الحياة نهباً، أو قل إن الحياة تنهبهم وتستهلكهم وتستنفدهم. الناس يتسابقون تحت الأرض وفوق الأرض كالنمل. هل هذه حياة؟

                                                      بترارك
في نهاية الوجبة خطرت على بالي فكرة. كنت أعرف أن بيت الشاعر الكبير رينيه شار موجود في المنطقة، ولكن كنت أخشى أن يكون بعيداً جداً، وأن أكلف مضيفي ما لا طاقة له به. ومع ذلك فقد تجرأت وسألته: أين توجد مدينة ليل سور لاسورغ يا ترى؟ وحكيت له القصة قائلاً بأني كنت أحلم بزيارتها منذ زمن طويل لكي أرى المكان الذي عاش فيه هذا الشاعر الذي هجر باريس كلها من أجله. وكنت بشكل خاص أريد أن أرى نهر السورغ الذي يخترق المدينة، والذي خلده الشاعر الكبير بقصيدة عصماء. وفوجئت بالسيد دوبريمار ينهض فوراً ويقول لي: تعال معي، إنها على مبعدة عشر دقائق فقط بالسيارة. وكانت المفاجأة كبيرة... وهكذا شاهدت المدينة والنهر الجميل الذي يخلع عليها سحرها الفتان. لن أترجم هنا حرفاً واحداً من تلك القصيدة الشهيرة لأنها عمودية مقفاة، وبالتالي فأخشى أن أقتلها إذا ما ترجمتها. لو كانت قصيدة نثر لفعلت ذلك، ولكن المغامرة هنا غير مضمونة العواقب. وربما أثارت الضحك والسخرية. من يستطيع أن يترجم الشعر؟ كان جان بول سارتر يقول: الشعر لا يترجم. انتهى الموضوع.
في طريق العودة إلى البيت، أشار البروفسور دو بريمار بيده من نافذة السيارة إلى إحدى المناطق البعيدة قائلاً لي: هناك يوجد المنتجع الذي كان يختلي فيه شاعر النهضة الإيطالية بيترارك. قلت له: أرجوك، توقف! هل يمكننا أن نزوره؟ ضحك وقال: نعم يمكننا، ثم أردف قائلاً: ما كنت أعرف أنك تحب الطبيعة إلى مثل هذا الحد.
وهكذا عرجنا على تلك المنطقة الفاتنة التي كان يقصدها بيترارك، وكانت أجمل من مدينة رينيه شار. كان جمالها من النوع الذي يخطف الأبصار. وتمنيت لو بقيت هناك دهراً. نهر غزير يرحب بك ويسيل تحت قدميك في منطقة أشجار وغابات وجبال وشلالات. إنه عرس الطبيعة... لا تكاد ترى السماء فوقك. ولكن هناك صخرة معلقة كالقرص المدور في أعلى الجبل أقلقتني. قلت له: ألن تسقط على رأسنا يا ترى إذا ما تابعنا السير في الوادي حتى نصبح تحتها بالضبط؟ فأجاب: على حد علمي فإنها موجودة هنا منذ عشرات القرون ولم تسقط على رأس أحد حتى الآن... ثم أضاف: عندما كانت تصيب بيترارك نوائب الدهر كان يلجأ إلى هنا لكي يتسلى، لكي ينسى، لكي يتعزى:
يغتلي فيهم ارتيابي حتى
تتقراهم يداي بلمس
هنا كان يتذكر «لورا» تلك المرأة الإشعاعية التي لمح وجهها يوماً ما وهي خارجة من الكنيسة في مدينة آفينيون فخر على وجهه صاعقاً مصعوقاً. مبالغات وتهويلات؟ بالكاد. من يعرف متى تسقط عليه صاعقة الحب؟ من يعرف متى يصيبه الحب بالضربة القاضية؟ وهو شيء لا يحصل إلا مرة واحدة في العمر هذا إذا ما حصل. لا تطمعوا بأكثر من ذلك. هيهات! وعندما يحصل تشعر وكأن أبواب الجنة قد فتحت أمامك على مصراعيها... لقد كان حب بيترارك للورا عذرياً خالصاً مثل حب مجنون ليلى أو جميل بثينة أو ذو الرمة ومي، إلخ. وذلك لأنها كانت متزوجة وهو لم يكن يريد منها شيئاً. كان يريد فقط أن يلمحها من وقت لآخر.

                                                             رينيه شار
ثم ماتت لورا وهي في عز الشباب وتحولت إلى أسطورة ملائكية. وظل يناجيها ويكتب لها الأشعار حتى آخر لحظة في حياته. وكان واثقاً أنه سيلقاها في العالم الآخر، حيث لا منغصات ولا تعقيدات، حيث الأبدية والخلود:
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء بكم
في موقف الحشر نلقاكم وتلقونا
صاحبكم المسكين التعيس ابن زيدون ما غيره! هو الآخر أيضاً كان مفجوعاً ويحلم برؤية ولادة يوم القيامة بعد أن كانت قد لوعته ومسحت به الأرض مسحاً... ولكن يقال بأنها غيرت موقفها وندمت على ما فات بدليل قولها هذين البيتين:
أغار عليك من نفسي ومني
ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني وضعتك في جفوني
إلى يوم القيامة ما كفاني
في الواقع أن بيترارك كان شخصية خصبة تعج بالمتناقضات. فهو قد ولد عام 1304 ومات عام 1379: أي في فترة متذبذبة لم تكن فيها العصور الوسطى قد ماتت بعد، ولا العصور الحديثة قد ولدت بعد. وهي فترات تنجب عادة شخصيات متمزقة ومنقسمة على نفسها تماماً كالعصر العربي الإسلامي الذي نعيشه نحن اليوم. إنه عصر انتقال وقطيعة ونزيف داخلي حاد. لقد كان بيترارك متمزقاً بين الماضي والحاضر، بين المسيحية والوثنية، بين المتع الحسية والزهد الناسك، بين الشعر والنثر... كان شرهاً منخرطاً في شهوات هذا العالم إلى أقصى الحدود في بدايات شبابه الأول، وذلك قبل أن تصيبه الأزمة النفسية التي حولته فيما بعد إلى زاهد، ناسك، متوحد. وكان ناشطاً سياسياً لا يتردد في لعب الأدوار الخطرة وأداء المهمات السرية التي توكل إليه من قبل الأمراء والبابوات والملوك. كان محاطاً بالأصدقاء والمعجبين، وكان بيته دائماً مليئاً يعج بالبشر. ومع ذلك فكان يشعر بالوحدة أو الوحشة التي تكتسحه من الداخل اكتساحاً. كان يقول هذه العبارة الرائعة التي شفتني وعالجتني: أشعر دائماً بعطش في قلبي! ما كان يستطيع التوفيق بسهولة بين إيمانه الديني العميق من جهة، وبين شغفه بالحضارة اليونانية - الرومانية الوثنية السابقة على المسيحية من جهة أخرى. باختصار شديد: كان قلبه في جهة، وعقله في جهة أخرى. رفقاً بالأرواح الحائرة، بالأجنحة المتكسرة!



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي