«شرطة الذاكرة»... كيف تمنع تأليف القصص والحكايات؟

اليابانية «أوغاوا» تخترع عالماً لم نعد نمتلكه

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«شرطة الذاكرة»... كيف تمنع تأليف القصص والحكايات؟

غلاف الرواية
غلاف الرواية

في رواية اليابانية يوكو أوغاوا شرطة الذاكرة، «الآداب: 2021» ثمة عالمان متضادان يطرد أحدهما الآخر. عالم رجال الشرطة المطارين للذكريات، وعالم فاقدي الأشياء وذكرياتهم عنها. يمكننا أن نختصر المشهد فنتحدث عن عالمي الذاكرة ونقيضه الأبدي النسيان. أظن أن هذا الاختصار يفيد ويرضي المشتغلين بسرديات التذكر، ولا بأس؛ لكن هذا الاختصار يبعدنا عن عالم الرواية واشتغالاتها المبهرة الخاصة برغبة الفرد الأعزل بمقاومة النسيان، وهو، برأيي، جوهر العالم السردي في الرواية. تفتح الراوية / الكاتبة عينها على عالم أمها الزائل، عالم الأشياء المختفية، يقابله ويوازيه عالم آخر سيأخذ بالتشكِّل لاحقاً. إنه عالم الرواية المتخيل الذي تعكف الكاتبة / الراوية على تشييده أمامنا بصفة مخطوط. العالمان المتخيلان يؤلفان، معاً، الصياغة السردية لمقولة النسيان؛ بالضبط كيف نكتب عن عالم، عالمنا ولا شك، لم نعد قادرين على تذكَّر أشيائه؟

- أي ذاكرة... أي نسيان؟
لكن «شرطة» الذاكرة لا تبني عوالمها باستدعاء أو تذكّر ماضٍ سعيد أو تعيس، إنها رواية عن الفقدان التدريجي للماضي وعوالمه. وهي كذلك رواية عن الأشياء المختفية، عن ذلك الفقدان المفاجئ والمؤلم لموجودات العالم المحيط بنا. والمفارقة أن الرواية يصلنا عالمها السردي عبر «راوية: لا نعرف اسمها» لا تتصل سيرتها الشخصية بتاريخ الأشياء المختفية. نتحدث، هنا، في الأقل، عما ورثته «الراوية» من حكايات عن أمها تخصّ أشياء اختفت من الجزيرة، فضلاً عن أشياء شهدت، هي نفسها، اختفاءها. لا ماضٍ، إذن، ولا تاريخ عظيم الشأن أو خلافه تحيل إليه الرواية سوى تاريخ زوال أشياء المشهد العام. فهل هذا الزوال / الاختفاء هو عالم الرواية؟ وهل يمكن لـ«السردية» أن تتحقق من دون عناية «كبرى» بماضي الأشياء وتاريخها؛ أليس هذا شأن الرواية «السرديات عامة» في مجمل تاريخ نصوصها، وبمختلف اللغات، إنها حكاية متخيلة عن «ماضٍ» فردي ذي سمة شخصية خالصة، أو جماعي ذي سمات بطولية؟. هل نتحدث، من ثمّ، عن رواية تختصر عالمها السردي بما نلمسه من «مقاومة» تبديها الراوية، ومن قبلها أمها النحاتة وجدها ثم ناشرها «ر» إزاء النسيان؟ لا أظن أن ذلك هو جوهر التأويل السردي في الرواية؛ فالأم التي تفتح الرواية عالمها بكلامها تؤكد للراوية، ابنتها، وهي تعرض عليها نسخاً مخبأة من أشياء «اختفت» من الجزيرة «من الذاكرة والتداول الحكائي»، أن الاختفاء هو الأصل، هكذا أخبرتها أمها، جدة الراوية، وهي مثل سواها لا تملك جواباً، ولا تعرف متى بدأ الاختفاء، ولا الأشياء الأولى التي اختفت من الجزيرة. ثم إن الناس، مواطني الراوية وأمها على الجزيرة، لا يملكون القدرة على الاحتفاظ بقيمة الأشياء المختفية في قلوبهم. ربما نكون، هنا، إزاء قيمة مضادة لمقولة ماركيز الشهيرة: «التذكر سهل للذين لديهم ذاكرة، والنسيان صعب للذين لديهم قلب»؛ فالناس، هنا، لا يقاومون فعل الاختفاء القسري للأشياء، وهذه حقيقة تؤكدها لنا الراوية في أماكن مختلفة من الرواية: والأم في مطلع الرواية، وفي خاتمتها. نقرأ ونشهد أسف الراوية من عدم اكتراث الناس بموت الأشياء وإزالتها من الذاكرة والاستعمال اليومي. وهو ذاته المعنى الذي شرحته الأم لابنتها عما يحدثه الاختفاء في النفس من خوف وذعر. وستكون الإجابة منسجمة، بل ومتمثِّلة للمشهد العام بعدم الاكتراث والإحساس بفقدان الأشياء؛ فالفقدان / الاختفاء «لا هو بالمؤلم ولا بالمحزن. تفتحين عينيك صباحاً في سريرك، فيكون ثمة شيء قد اختفى، من غير أن تلحظي اختفاءه». أمثولة الاختفاء وكتابة تاريخ موجز له، هي، باختصار، جوهر التمثيل السردي في الرواية. ألا يعيدنا هذا الاختصار لجدل التذكَّر ومقاومة النسيان؛ لا سيما أن سلطة مخصوصة ومسماة بـ«شرطة» هي التي تفرض الاختفاء؟ ربما؛ لكن الكلام هنا ليس عن ماضٍ مكتمل تختص وقائعه وحكاياته بأشخاص محددين ومعروفين في الرواية، إنما عن فعل الإخفاء القسري للأشياء حتى يصل إلى إخفاء / محو الجسد ذاته أو أجزاء رئيسية منه.

- متحف المفقودات
تشرح الأم / النحاتة لابنتها في قبو البيت ماذا يعني اختفاء شيء، أو ماذا يحدث بعد اختفاء شيء ما؟ لا شيء؛ سوى أن اضطراباً يحدث للناس فيتجمعون ليحكوا لبعض قصصاً وحكاياتٍ عما اختفى، ثم يعمدون لحرق «الأشياء» المختفية، أو دفنها، أو رميها في النهر، ثم ينسى الجميع تفاصيل ذلك الشيء المختفي بعد أيام قليلة. لكن الأم لا تكتفي بمشهد الفرجة لجمهور يفقد «قصصـ»ـه أشياءهم على مهل و«ينسا»ـها، بل تسعى لأن تترك خلفها صواناً «متحفاً» يتضمن نسخاً من الأشياء المختفية. نشدِّد، هنا، على موضوعة المتحف وسردياته لأهميتها القصوى في رواية تبني عالمها السردي على الموت / الإخفاء التدرجي لأشياء الواقع وقصصه؛ إذ سنعرف لاحقاً أن هذه الأشياء المخفية قد «أخفتها» الأم في منحوتات وخبأتها بعيداً عن البيت وقبوه. ولكن لماذا تحظى سردية المتحف بهذه الأهمية؟ هل لأنها المقابل السردي لدلالة القمع والمطاردة المعلنة عبر العنوان الرئيسي للرواية / «الشرطة» المكلَّفة بمطاردة «المتذكرين»؟ لنتذكر مرة أخرى أن «أوغاوا» تفتتح روايتها بمحتويات الصوان / المتحف، وتكاد تختمها بها؛ وكأن «القصة» كلها تكمن في سردية «الإخفاء / الاختفاء» وتاريخها، فيما تعمل الصياغات الأخرى بصفتها عوامل «ساندة» للتاريخ السردي المقترح للمتحف.
ربما لأجل هذا لا تشرح لنا الراوية لماذا علينا أن ننسى؛ أو ما الداعي لوجود «شرطة الذاكرة»؛ وهل يقتصر عملها على حدود الجزيرة، أم يشمل باقي الجزر اليابانية؛ وهل نحن في سياق سردية الديكتاتور أو الأخ الأكبر؟ نعرف عبر إشارات متفرقة لا يجري التركيز عليها كثيراً أن «الشرطة» تحافظ على صفتها «القهرية» الدَّالة على القمع والضبط البوليسي كما يحيل إليها العنوان؛ ثمة أناس يجري اعتقالهم وتعريض حياتهم للخطر. النحاتة، أم الراوية، تُعتقل ثم تموت بعدها، مشاهد رعب عامة تتضمن اعتقالات أشخاص لا يلتزمون بقوانين شرطة الذاكرة، ومثلها مصير الجد / عامل العبارة الذي سيعتقل ثمّ يموت في الشارع، ليس بعيداً عن مكان العبارة التي غرقت «اختفت». أحداث أخرى تستعملها الرواية تضعنا في السياق السردي لرواية الأخ الكبير / الديكتاتور وتشدِّد، من طرف خفي، على مركزية «الإخفاء» بصفته مدخلاً سردياً للمتحف وتحولاته؛ ذلك أن «أولى مهام شرطة الذاكرة، الحرص على إرساء الاختفاءات»، ومنع الناس، من ثمّ، من استعادتها، بل واستخدامها في تأليف «اختراع» قصة ما.

- غرفة «سرية» لإخفاء «المتذكر»
ولكن ما الذي يجمع «مخطوط» الرواية بالغرفة السرية، حيث أخفت الراوية أشياء أمها «المخفية» و«ر» ناشر رواياتها؟ بتصوري إنها سردية المتحف مرة أخرى. يفسر «ر» الأمر للراوية، كاتبة الرواية، عندما يعبر عن دهشته من قدرة «الكلمات»، وهو يثني على مخطوط الكاتبة، على صناعة شيء في «جزيرة» تزول «تختفي» أشياؤها. إنها قوة الحكاية وسحر السرد، أو كما سنقرأ لاحقاً تأكيداً يقترب من يقين النبوءة: «لا أحد سيمحو ذكرى الروايات». هذا اليقين الذي ستنتهي به الرواية لا يغير من هيكلية العالم السردي، ولا يحسم الصراع أبداً؛ إذ ستنهي الكاتبة حوارها مع ناشرها بتساؤل معبر عن حجم الخسارات الحاصلة فيما لو اختفت الكلمات «ما الذي سيحدث؟»؛ لا حكاية، حينئذٍ، ولا عالم متخيل يمكنه مواجهة سلطة الاختفاءات.
ثمة مساران أو خطان ينتظمان مشهدية المتحف: خط يمثله مخطوط الرواية. وخط يشغله مشهد الاختفاءات. عالم المخطوط المتخيل يقابله، إلى حين، عالم متخيل، أيضاً، لكنه عالم رواية شرطة الذاكرة. تجمل الكاتبة قصة روايتها الرابعة بأنها عن «طابعة» على الآلة الكاتبة تفقد صوتها وتستخدم الآلة الكاتبة لتعويض خسارتها. وهي تستعين بمعلمها في معهد الطباعة لاستعادة صوتها، لكنها لا تحصل من «صاحبها» سوى على «حبس» منفرد في «برج»، هو أشبه بالمتاهة، مع وجبات جنس شبه يومية. في البدء، تجهل الكاتبة مصير بطلتها، مثلما نجهل، نحن كذلك، مصير الكاتبة نفسها. لكننا نعرف، في المحصلة، أنهما ينتهيان إلى المصير ذاته: بطلة الرواية محبوسة في متاهة البرج، فيما تنتهي الكاتبة، أو ما تبقى من جسدها بعد أن وصلت ظاهرة الاختفاء لأعضاء الجسد الإنساني، وحيدة في الغرفة السرية بعد أن يغادرها ناشر روايتها، المتذكر الوحيد، بقاياها. ومثلما أن بطلة الرواية تفقد صوتها نجد الكاتبة تفقد قدرتها على الكتابة بعد أن تختفي الروايات. فهل كانت الكاتبة بصدد تأليف سيرة روائية عن نفسها؟ ليس هناك إجابة مفصلة وقاطعة، إنما هناك إشارات واضحة عن «روايات» ثلاث، سبق للكاتبة أن أصدرتها، والروايات الثلاث تتحدث عن شيء ما يختفي. ومثلها الرواية/ المخطوط سبق للكاتبة أن أنجزتها في غرفة أبيها. والروايات كلها لم تكن بحاجة لـ«وثائق وتدوينات»؛ فهي محاولات فاشلة لملء «الفراغ الذي خلفته شرطة الذاكرة». المخطوط، ومن ثمّ سيرة الكاتبة، تظهران أمامنا بصفتهما محاولة أخيرة لكتابة قصة «تقتصد» بأشيائها، فهي «يوميات» الأشياء المختفية، أو إن شئت قل، إنها «شهادة» الكاتبة على عالم يفقد ذاكرته، عفوا أشياءه.



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.