فيلم «النبي» يستلهم حياة جبران خليل جبران و«الربيع العربي»

مأخوذ عن كتابه الأشهر ومصنوع برهافة فنية عالية

الميترا وكاملة في فيلم «النبي»، و مصطفى في طريقه إلى الميناء
الميترا وكاملة في فيلم «النبي»، و مصطفى في طريقه إلى الميناء
TT

فيلم «النبي» يستلهم حياة جبران خليل جبران و«الربيع العربي»

الميترا وكاملة في فيلم «النبي»، و مصطفى في طريقه إلى الميناء
الميترا وكاملة في فيلم «النبي»، و مصطفى في طريقه إلى الميناء

وسط صخب الأفلام التجارية العملاقة، يبدو فيلم «النبي» المأخوذ عن الكتاب الشهير لجبران خليل جبران، وأطلقته الممثلة سلمى حايك من بيروت نهاية الشهر الماضي، وكأنه لا يشبه أفلاما أخرى غيره؛ فهو ليس روائيًا طويلاً، ولا يحاول أن يتشبه بسواه من أفلام الرسوم المتحركة العنفية، أحيانا، التي تصنع لتجتذب أكبر عدد ممكن من المتفرجين. يبدو هذا العمل، في صيغته والجمهور الذي يستهدفه، وكأنما أنتج ليبقى طويلاً، وليشاهده الصغار والكبار، بروح تناسب، من حيث رومانسيتها وإنسانيتها الشفافة، الكتاب الذي أخذ عنه. هكذا أريد للفيلم أن يعيش إلى جانب الكتاب، حياة تهم التواقين إلى السمو بالنفس والفكر وفتح نوافذ التأمل، بعيدًا عن البهرجة والضخامة، قريبًا من الشغل الفني المتقن.
مع عشرة مخرجين على رأسهم المشرف الأساسي وكاتب السيناريو رودجرز الرز، الذي سبق له أن أخرج «الأسد الملك»، وبتمويل تسعة من المنتجين بينهم سلمى حايك، وكاتب الموسيقى التصويرية البديع غابريل يارد، وفريق عمل فني كبير، يعيش المتفرج 84 دقيقة من المتعة الإبداعية.
الميترا التي كانت في الكتاب، هي العرافة وأول من سعى إلى المصطفى، نراها في الفيلم طفلة بريئة، ذات ملامح لطيفة ومحببة، ترافقه وتسعى لمساعدته، مع أنها تعاني صعوبة في النطق لا تتغلب عليها إلا في اللحظات الأخيرة.
والدة الميترا، كاملة في الفيلم، مستوحى اسمها وشخصيتها من والدة جبران خليل جبران، وتعمل مثلها في خدمة البيوت، وتنطق بصوت سلمى حايك. وهي شخصية دخيلة على النص الأصلي، لكنها أدخلت على الموضوع حيوية سينمائية يفتقدها كتاب جبران الشاعري، ولها ملامح والدة جبران التي رحلت مع أولادها الأربعة إلى أميركا وأعالتهم من عرق جبينها.
مصطفى بطل الكتاب، تماما كما جبران، رسام وأديب وصاحب حكمة في كلماته، مطرود من رحمة السلطة، في أورفاليس (المدينة المتخيلة عند جبران) التي يزورها وتدور فيها أحداث الكتاب - الفيلم، وتهمته الأساسية أنه شاعر وأفكاره تثير الفوضى.
مصطفى سجين، مع بداية الفيلم، يطلق سراحه للتو، بعد سبع سنوات من الأسر، ويساق إلى الميناء لنفيه من هناك وإعادته إلى بلاده.
ما بين المنزل الذي سجن فيه مصطفى وأطلق سراحه منه والميناء الذي سيغادر من شواطئه، تدور كل الأحداث. المصطفى يمشي مع سجانيه، وأهل أورفاليس يتجمعون حوله، يحاولون استمهاله للإفادة من حكمته والتحدث إليه، وهو يجيب برحابة ومحبة، فيما تحاول الميترا إعاقة المسير صوب الميناء وتأخيره قدر الممكن، مرة بإلهاء الحرس، ومرة أخرى بافتعال المشكلات أو تدبير المقالب. وما بين النص الرفيع لكتاب «النبي» الذي اشترطت «لجنة جبران خليل جبران» على منتجي الفيلم عدم المساس به، وتوظيفه كما هو من دون تعديل أو تبديل - وحسنًا فعلت - وتلك التعديلات الإضافية على الشخصيات، والقفشات الظريفة والطريفة التي أضيفت إلى القصة، يجمع الفيلم ما بين الأدب والطرفة والواقعية.
الكتاب الذي طبع منذ عام 1923 في أميركا وترجم إلى 40 لغة، وبيعت ملايين النسخ منه لغاية اليوم، تتحدث مقاطعه الـ26 عن المحبة، والحرية، والصداقة، والموت، والدين، والجمال، واللذة، وغيرها، بجمل بات بعضها مأثورًا لكثرة تردادها على ألسن الناس، لا سيما تلك التي تتطرق إلى العمل والزواج والأبناء. المصطفى في الفيلم الذي أطلق سراحه وأمر بترحيله، يطلب إليه الأهالي وهو يمر بين الناس، في أورفاليس، أن يقدم نصائحه، فنراه يلقي أقواله المنثورة في الكتاب في مناسبات عدة، إحداها حفلة عرس، اللطيف فيها لأن أجواءها لبنانية. ربما أنها المرة الأولى التي نرى فيها البيئة اللبنانية في فيلم تحريك، والمائدة بتنويعاتها، وأكلة «مقادم الغنم» الشعبية التي يسيل لها اللعاب، والموسيقى والرقص العربيين. الملامح شرقية، والمكان يتحدث عن ذاته، من دون أن يعطي له اسما جغرافيا محددا. إننا في أورفاليس المدينة التي ابتكرتها مخيلة جبران، وأضيفت عليها اللمسات السينمائية لتزيدها شبها بلبنان. فمرة نرى الجبال والوديان، وكأننا في مكان مشابه لبلدة بشري التي ولد فيها جبران، ومرة أخرى نرى مصطفى في أسواق لا تختلف كثيرا عن تلك الضيقة الشعبية التي يمكن أن نزورها في أي مدينة عربية، وتارة ثالثة هو في بيت محتوياته شرقية كأي بيت عربي، وهناك المآذن، والغسيل المنشور على الحبال والآثار الرومانية التي تذكر ببعلبك. ملامح الشخصيات التي يقابلها جبران هي طالعة من هذه البيئة أيضًا. حين يبدأ، في كل مرة، المصطفى يجيب سائليه، تتحول الشاشة إلى مكان لعرض رسومات فنية، تتناسب وطبيعة النص.
وعلى الرغم من صعوبة توظيف هذه النصوص الجميلة والشاعرية، في فيلم تحريك، فإن المخرجين العشرة بقيادة رودجرز الرز، قاموا بعمل بديع بحيث يتزاوج كل مقطع من المقاطع برسوم ذات طابع خاص بها، وكأنما نحن أمام عوالم مختلفة في كل مرة، لكنها تبقى جميعها تدور في إطار شرقي روحاني، وكثيرًا ما نراها تستعير من لوحات جبران بعض ملامحها أو من الموزاييك الإسلامي روحها. وقد تمكن غابريال يارد بموسيقاه التي تمزج الشرقي بالغربي، من ابتكار مقطوعات مذهلة حقًا في تناغمها مع المشاهد، على الرغم من أنه يقول بأن الموسيقى كتبت حتى قبل رؤيته لهذه اللوحات.
تحقق حلم قديم لسلمى حايك إذن، التي لم يعلق في ذهنها من غرفة جدها الذي توفي وهي صغيرة، سوى صورة كتاب «النبي» الذي كان يحب أن يقرأه إلى جانب سريره. وتمكنت من أن تهدي هذا الجد اللبناني الذي يبدو أنه لم يبق له من وطنه في مهجره المكسيكي البعيد سوى كلمات جبران، فيلمًا فنيًا ومشغولا بحب كبير وتفان واضح. وحايك زوجة الملياردير الفرنسي المعروف فرنسوا بينو، تمكنت من إقناع المشاركين في الفيلم بأن يتقاضوا مبالغ الحد الأدنى كي تتبرع بإرادات الفيلم للأعمال الخيرية، كما تمكنت من جعل منتجين من لبنان وكندا والإمارات وفرنسا وأميركا وقطر، يدخلون في مشروع، تعتبره هي نفسها مغامرة، لكنها، في الوقت نفسه، تستحق أن تخاض.
«النبي» بصيغته السينمائية، يجعل مصطفى رهين دولة ديكتاتورية، وسلطة تفرض عليه أثناء مسيره إلى الميناء، إما التراجع عن أفكاره أو الموت، لكن السلطة وتحت ضغط الجماهير المعتصمة، التي يشبه تجمعها ما نشاهده في ساحات الربيع العربي، تتوصل مع مصطفى إلى صيغة تصالحية تحفظ السلم.
مسير المصطفى في السوق، وصوله إلى الميناء، وداعه لأهالي أورفاليس، كل ذلك يتم في أجواء تشبه إلى حد بعيد ما يمكن أن نراه في مدينة جبيل اللبنانية، أو مدينة متوسطية ساحلية أخرى. إنه فيلم عن الحرية، والدفاع عنها بالكلمة، وتحرر الشعب من الطغيان بالحكمة والمعرفة، وذود الناس المستميت عن شاعرهم، وبمعنى آخر صوت ضميرهم.



قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.


وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

جيسون أرداي
جيسون أرداي
TT

وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

جيسون أرداي
جيسون أرداي

عُثر يوم الجمعة الماضي على جثة جيسون أرداي، أصغر أستاذ جامعي أسود في جامعة كمبريدج، التي كانت قد تجاهلت سلسلة من التحذيرات بشأنه.

وكان جيسون أرداي قد عين عام 2023 ليصبح أصغر أستاذ أسود في الجامعة. وعندما أجرت جامعة كامبريدج مقابلة مع جيسون أرداي لشغل أحد أرقى المناصب في مجال علم الاجتماع على مستوى العالم، كان أكاديمياً في بداية مسيرته المهنية ويفتقر إلى المؤهلات الكافية وفقاً لمعايير الجامعة نفسها.

كانت متطلبات الجامعة -التي اطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز»- تشترط وجود «سجل بحثي متميز ذي مكانة دولية» و«سجل نجاح مثبت» في الإشراف على طلاب الدكتوراه. في المقابل، كان لدى الدكتور أرداي سجل متواضع في النشر العلمي، كما تنقل بين عدة جامعات دون البقاء في أي منها لفترة كافية للإشراف على برنامج دكتوراه كامل يمتد 3 سنوات أو أكثر.

ورغم ذلك، وظّفته كامبريدج في عام 2023، ليصبح -وهو في السابعة والثلاثين من عمره- أصغر أستاذ أسود في الجامعة، وذلك في وقت كانت فيه المؤسسة تواجه ضغوطاً لتعزيز التنوع. وبذلك، وضعت كامبريدج أرداي تحت الأضواء العالمية، مانحةً إياه منبراً في واحدة من أرقى جامعات العالم، وفي الوقت نفسه جعلته هدفاً للانتقادات.

عُثر على الدكتور أرداي ميتاً، وذلك بعد أيام من استقالته من منصبه وسط اتهامات بأنه سرق أجزاء من أوراقه البحثية، وبالغ في تفاصيل مذكراته المنشورة حديثاً، واختلق جوانب من قصة حياته. وقد تفجرت هذه القضية المثيرة للجدل لتلامس قضايا حساسة تتعلق بالعرق، والتنوع، والوسط الأكاديمي.

في خطاب استقالته المؤرخ في 5 أغسطس (آب)، كتب أرداي: «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار، حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق والحكم العام». وأضاف: «هذه ليست نهاية عملي، بل هي مجرد نهاية لهذا الفصل». وذكرت عائلة الدكتور «أرداي» أنه واجه، منذ بدء عمله في جامعة كامبريدج، حملة تدقيق استهدفت النيل منه والتشكيك في أهليته، وهي ضغوط فاقت قدرته على التحمل.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تنتهي التساؤلات حول مسيرة الدكتور «أرداي» المهنية بوفاته، إذ هذه التساؤلات تتعلق بجامعة كامبريدج بقدر ما تتعلق به شخصياً. فالجامعة العريقة -التي يعود تاريخها لقرون مضت وتخرج فيها عظماء مثل إسحاق نيوتن وويليام وردزورث، فضلاً عن ملوك وملكات- تواجه الآن تدقيقاً واسع النطاق بشأن آليات اتخاذ القرار فيها، حتى من جانب أعضاء هيئة التدريس العاملين بها.

ورغم أن الدكتور «أرداي» لم يكن يمتلك المؤهلات الكافية للوظيفة التي شغلها، فإن قصته كانت استثنائية؛ فقد شُخِّصت حالته مبكراً بإصابة بطيف التوحد، وعانى من تأخر نمائي حادّ لدرجة أنه قضى طفولته بأكملها في مدرسة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة. ووفقاً لروايته، فإنه لم ينطق بكلمة حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، ولم يتمكن من القراءة حتى سن الثامنة عشرة، ومع ذلك نجح في الحصول على درجة الدكتوراه وبدأ في إلقاء كلمات رئيسية في المحافل الأكاديمية. وعلاوة على ذلك، فقد اشترك، كما يقول في مذكراته، في 30 سباق ماراثون خلال 35 يوماً لأغراض خيرية، وهو إنجاز كان من شأنه أن يضعه في مصافّ نخبة الرياضيين في العالم.

وإذا كانت بعض تفاصيل قصة الدكتور «أردي» تبدو -عند النظر إليها بأثر رجعي- مثالية لدرجة يصعب تصديقها، فإن جامعة كامبريدج تجاهلت مؤشرات تحذيرية متكررة. فقد أظهرت مراجعة لوثائق داخلية للجامعة ومقابلات مع زملاء سابقين ومقربين منه أن الإداريين -إلى جانب تجاوزهم لمرشحين أكثر خبرة لشغل الوظيفة- دأبوا على الإشادة علناً بالمستوى الأكاديمي للدكتور «أرداي»، بينما تجاهلوا سراً الشكاوى المتعلقة بعمله. كما رفضوا التحقيق في مخاوف بشأن الانتحال العلمي، واتهموا منتقديه بشنّ «حملة دنيئة» للنيل من مصداقيته.

وصرّح زميل سابق ومختص في علاج النطق، عمل مع الدكتور «أرداي»، لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن ادعاءاته بشأن عدم قدرته على الكلام كانت عارية عن الصحة. ويؤكد خبراء في مجال التأخر النمائي واضطرابات النطق أن مسيرته -التي وُصفت بالاستثنائية- والمتمثلة في الانتقال من طفل لا ينطق قبل سن المراهقة إلى حاصل على الدكتوراه، ليست لها سابقة في الأدبيات الطبية. وكان ينبغي لهذا الأمر أن يثير الشكوك لدى لجنة التعيين في كامبريدج، التي ضمّت في عضويتها طبيباً نفسياً متخصصاً في طب نفس الأطفال وأجرى أبحاثاً حول التوحد، حسبما أفاد الخبراء.

وقبيل وفاة الدكتور «أرداي»، استغل معلقون محافظون تعثر مسيرته كدليل على خروج جهود «التنوع والشمول» عن مسارها الصحيح؛ إذ رأوا أن حرص جامعة كامبريدج الشديد على تعزيز التنوع قد أدى إلى تشويش حكم الإداريين على الأمور. وقال جاكوب ريس-موغ، وهو نائب سابق عن حزب المحافظين في بريطانيا، في وقت سابق من هذا الأسبوع خلال مشاركته في بودكاست «ديلي تي» (Daily T) التابع لصحيفة «التلغراف»: «يبدو أنهم قد انقادوا تماماً لأفكار التنوع والإنصاف والشمول (D.E.I)».

من جانبه، بذل الدكتور أرداي جهوداً حثيثة لإسكات أي تساؤلات حول مؤهلاته. فعندما سأل صحافي من صحيفة «تايمز للتعليم العالي»، وهي مجلة أكاديمية مرموقة، عن الانتحال العام الماضي، ساعدت شركة محاماة بريطانية بارزة متخصصة في قضايا التشهير في منع نشر المقال، وفقاً لما ذكره الصحافي. وقد أبلغ الدكتور أرداي الشرطة لاحقاً عن الصحافي.

وعندما شكك باحث من جامعة أخرى في عمله، قلب الدكتور أرداي الطاولة وقدّم شكوى عنصرية إلى الجامعة الأخرى، بحسب مصدر مطلع على الشكوى. وقد تحدث هذا المصدر، كغيره ممن تحدثوا إلى صحيفة «التايمز»، شريطة عدم الكشف عن هويته لتجنب الزجّ به علناً في هذه القضية.

لم يتطرق الدكتور أرداي بشكل مباشر إلى مسألة الانتحال والتلفيق. لكن ما يتضح من المقابلات والسجلات العامة هو أن بعض جوانب القصة كان من السهل على جامعة كامبريدج التحقق منها.

مذكراته ضمّت ادّعاءات كاذبة

نشأ الدكتور أرداي، وهو ابن مهاجرين غانيين، في مساكن شعبية في حيّ مختلط الأعراق من الطبقة العاملة في جنوب لندن. وقد شُخّصت لديه صعوبات في التعلم منذ صغره.

وادّعى أنه قبل بلوغه الحادية عشرة من عمره، كان يفهم اللغة، لكنه لا يستطيع الكلام. وفي عام 2022، قبل مقابلته مع جامعة كامبريدج، صرّح بأنه تلقى تعليمه حصرياً في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة «مع تلاميذ آخرين يعانون من صعوبات تعلم شديدة وإعاقات جسدية».

وفي مذكراته، التي نُشرت يوم الثلاثاء، قدّم رواية مختلفة، إذ قال إنه التحق بمدرسة عادية، لكنه كان يقضي وقتاً معزولاً بمفرده في الفصل، دون أن يتكلم أيضاً.

كلا الروايتين كاذبتان، وفقاً لأشخاص عرفوا الدكتور أرداي في طفولته وتحدثوا إلى صحيفة «التايمز» قبل وفاته. وذكر أحد إخصائيّي النطق، الذي عمل عن كثب مع الدكتور أرداي الشاب، أنه كان يعاني من تأخر في اللغة، لكنه كان يتحدث مع الأطفال والبالغين على حد سواء. وتذكر زميل دراسة له، وهو جوناثان ستيوارت، أن الدكتور أرداي كان يطلق النكات ويقلّد لهجات عديدة عندما كانوا صغاراً.

وعلى الرغم من أن الأطفال غير الناطقين قادرون على تعلم الكلام، حتى في سن متأخرة، فإن التطور السريع الذي وصفه الدكتور أرداي غير مسبوق في الأدبيات السريرية، وفقاً لـ3 خبراء في التوحد والنطق. ويقول ستيفن كاماراتا، خبير علوم النطق في مختبر الإعاقات النمائية التابع لجامعة فاندربيلت: «خلال أكثر من 40 عاماً من الممارسة، ومع إلمامي الواسع بالأدبيات، لم أسمع بمثل هذا الأمر قط. إنه أمر يصعب تصديقه».

أصغر أستاذ أسود في الجامعة

يُعدّ منصب الأستاذية المرموق في جامعة كامبريدج، وهو منصب دائم التمويل يتمتع بمكانة مرموقة ودعم بحثي، من بين أكثر الوظائف الأكاديمية طلباً.

وتقدم الدكتور أرداي لشغل منصب الأستاذية، عندما أعلنت الجامعة عن الوظيفة دولياً، وشكّلت لجنة من 9 خبراء لمراجعة المرشحين.

اختارت اللجنة 4 مرشحين نهائيين، ودعتهم إلى كامبريدج لإجراء مقابلات لمدة يومين. وتنافس الدكتور أرداي مع 3 باحثين كبار آخرين، من بينهم سيدتان من ذوات البشرة الملونة، وفقاً لشخص مطلع على عملية التوظيف.

واحتوت أوراق الدكتور أرداي المنشورة وأطروحته على عشرات الأخطاء النحوية، بالإضافة إلى اقتباسات متطابقة منسوبة إلى أشخاص مختلفين.

وليس من الواضح ما إذا كان أعضاء لجنة التوظيف قد راجعوا خطابات الدكتور أرداي ومقابلاته. ولو فعلوا، لوجدوا في قصته عناصر يصعب تصديقها، مثل ادعائه المشاركة في الماراثون، أو عناصر زائفة بشكل واضح، مثل زعمه العلني مشاركته في المسلسل التلفزيوني البريطاني «سفن أب» (صرح المتحدث باسم الدكتور أرداي مؤخراً بأنه لا ينبغي أخذ هذا الزعم حرفياً).

وكان بإمكان بول رامشانداني، وهو طبيب نفسي للأطفال وعضو بارز في لجنة التوظيف، التشكيك في ادعاء الدكتور أرداي بأنه تعلم الكلام في سن الحادية عشرة والقراءة في سن الثامنة عشرة.

ولم يستجب الدكتور رامشانداني ولا غيره من أعضاء اللجنة لطلبات التعليق.

لقد قامت اللجنة بتعيين الدكتور أرداي، في قرار وصفه رئيس قسم التعليم آنذاك بأنه بالإجماع. وسلّط توظيفه في جامعة كامبريدج، ثم موته، الضوء على قصته الشخصية المؤثرة، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة على جانبي المحيط الأطلسي.

* خدمة «نيويورك تايمز»

في خطاب استقالته كتب أرداي «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق»