ماكرون يرى ضرورة المحافظة على «خط للتواصل» مع بوتين

ماكرون يرى ضرورة المحافظة على «خط للتواصل» مع بوتين
TT

ماكرون يرى ضرورة المحافظة على «خط للتواصل» مع بوتين

ماكرون يرى ضرورة المحافظة على «خط للتواصل» مع بوتين

انتهت الانتخابات الرئاسية في فرنسا وأعيد انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون لولاية ثانية من خمس سنوات. ما زال أمامه استحقاقان داخليان: الأول، تشكيل حكومة جديدة يجري البحث عن رئيس لها والانتخابات التشريعية التي ستجرى يومي 12 و19 يونيو (حزيران) القادم والتي يأمل الرئيس الفرنسي من خلالها وصول أكثرية مريحة تدعم سياساته ومنها الإيفاء بالوعود التي وزعها يميناً ويساراً خلال الحملة الانتخابية. بيد أن ماكرون عاد للاهتمام بالملفات الخارجية وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا. وتجدر الإشارة إلى أنه ما زال رئيسا للاتحاد الأوروبي حتى نهاية يونيو. وجاءت أول بادرة منه الاتصال بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوم السبت الماضي وقد اتبعه أمس باتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد انقطاع قارب الأربعين يوماً. وبذلك، يكون ماكرون قاد عاد لسياسته القديمة القائلة بضرورة المحافظة على «خط للتواصل» مع الرئيس الروسي باعتبار أن نهاية الحرب الأوكرانية لا يمكن أن تتم إلا من خلال المفاوضات والتوصل إلى اتفاق سياسي. وسبق لماكرون أن تعرض لانتقادات من أطراف أوروبية على رأسها بولندا بسبب ما اعتبر «ليونة» في التعامل مع موسكو رغم الحرب «غير المبررة» التي تشنها على أوكرانيا. كذلك حصل نوع من «العتب» من جانب زيلينسكي على ماكرون لرفضه اعتبار ما يقوم به الجيش الروسي في أوكرانيا «إبادة جماعية» وهو التوصيف الذي كان الرئيس الأميركي جو بايدن أول من استخدمه. وأكثر من مرة، شرح ماكرون أن التعبير المذكور لا يمكن استخدامه يميناً ويساراً وأن هناك اعتبارات قانونية يفترض توافرها ليتم إطلاقه. كذلك سبق للرئيس الفرنسي أن حرص على عدم استخدام توصيف «مجرم حرب» بالنسبة للرئيس الروسي، وهو الأمر الذي انتقد بسببه العديد من المرات. وإضافة إلى الزيارة التي قام بها إلى موسكو يوم السابع من فبراير (شباط) ومحاولته ثني بوتين عن القيام بمهاجمة أوكرانيا، فقد اتصل به هاتفياً ما لا يقل عن عشرين مرة منها تسع مرات بعد بدء العمليات العسكرية الروسية. ويعود الاتصال ما قبل الأخير إلى 29 مارس (آذار) الماضي. وحرص ماكرون، أكثر من مرة، على القول إن اتصالاته ببوتين تتم «بناء على طلب من زيلينسكي».
ويبرز الرئيس ماكرون على أنه الشخصية الغربية الرئيسية التي تحرص على إدامة الحوار مع موسكو رغم التحول الذي برز في مقاربتها منذ اكتشاف «المجازر» التي ارتكبت في مدينة بوتشا وغيرها من الضواحي والمدن التي انسحبت منها القوات الروسية بعد أسابيع على احتلالها. ويبرز ذلك من خلال ثلاثة أمور: الأول، أن باريس أخذت تستخدم لغة أكثر تشدداً إزاء موسكو من غير أن تصل إلى المستوى الذي رست عنده اللغة الأميركية. والثاني أنها راحت تطالب بضرورة محاسبة «المجرمين» المسؤولين عن هذه المجازر وعمدت إلى إرسال محققين فرنسيين لمساعدة كييف على جمع الأدلة والبراهين. والثالث، انتقالها إلى مرحلة إرسال أسلحة ثقيلة إلى الجيش الأوكراني وأهمها منظومات مدفعية من طراز ّ«قيصر» المتقدمة وبعيدة المدى التي برهنت عن فعاليتها في الحرب ضد المتطرفين في العراق.
وأمس، أصدر قصر الإليزيه بياناً، عقب الاتصال الهاتفي مع بوتين الذي دام وفق مصادر القصر الرئاسي ساعتين وعشر دقائق، جاء فيه أن ماكرون «شدد مجدداً على النتائج الخطيرة المترتبة على الاعتداء الروسي على أوكرانيا». كذلك أشار البيان إلى أن ماكرون «عبر عن قلقه العميق إزاء ما يحصل في (مدينة ماريوبول) والوضع في منطقة الدونباس» حيث تدور المعارك الرئيسية بين القوات الروسية والميليشيات الانفصالية التابعة لها والقوات الأوكرانية وقوات الحرس الوطني ومنها كتيبة آزوف التي تعدها موسكو «نازية». وحث ماكرون نظيره الروسي على السماح باستمرار عملية إخلاء المحتجزين في مصنع أزوفستال «في ماريوبول» بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية، مشيراً في الوقت عينه إلى ضرورة تمكين المحتجزين من اختيار وجهتهم طبقاً للقانون الإنساني الدولي ما يمثل إشارة خفية إلى ما ينسب للطرف الروسي من الاحتجاز القسري لسكان عبر نقلهم إلى الأراضي الروسية، الأمر الذي تعتبره كييف بمثابة «أخذهم رهائن». وتناول ماكرون ملف الحصار المفروض على كييف لجهة حرمانها من تصدير منتوجاتها من الحبوب وعرضت باريس التعاون مع المنظمات الدولية لوضع حد لهذا الحصار نظراً لـ«تبعاتها الإنسانية» على العديد من الجدول ومنها خصوصاً الدول الأفريقية والأقل تقدماً.
أما في الشأن السياسي، فإن البيان الرئاسي أشار إلى أن ماكرون دعا روسيا لكي تكون «بمستوى مسؤولياتها باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، وذلك عن طريق وضع حد لاعتدائها المدمر» على أوكرانيا. وإذ طالب ماكرون بوقف لإطلاق النار، فإنه عبر عن «استعداده الدائم من أجل العمل على (توافر) الشروط (الضرورية) للتوصل إلى حل متفاوض عليه يتيح عودة السلام والاحترام التام لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها».
يفهم من هذا البيان أمران: الأول، أن الجانب الفرنسي فضل البقاء في العموميات ولذا فإنه لم يحمل جديداً بعكس البيان الذي صدر عن الكرملين والذي حمل تفاصيل بخصوص ما طلبه الرئيس بوتين والرسائل التي حملها لنظيره الفرنسي. والثاني أن كلا الرئيسين عرضا وجهة نظره وكأن ما قام بينهما هو، إلى حد بعيد، «حوار طرشان». ورغم استخدام البيان الفرنسي عبارة «العدوان الروسي» أكثر من مرة، فإنه يبدو بعيداً عن مفردات القاموس الغربي الأطلسي إزاء روسيا. وثمة مصادر فرنسية ترى أن أهداف الحرب في أوكرانيا لم تتغير فقط من الجانب الروسي بل أيضاً من الجانب الأوكراني والغربي، حيث لم يعد المطلوب التوصل إلى وقف لإطلاق النار والسير في مفاوضات سياسية تفضي إلى اتفاق يحظى بضمانات دولية، مثلما طالب زيلينسكي بل إن المطلوب اليوم «إلحاق الهزيمة» بروسيا حتى لا تقوم لها قائمة. من هنا، ترى باريس أن ما يحاول الرئيس ماكرون القيام به، رغم صعوبة المهمة، أمر بالغ الأهمية.


مقالات ذات صلة

تركيا تتمسك بنهجها الأمني في البحر الأسود في إطار «اتفاقية مونترو»

أوروبا نافلة نفط تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول (رويترز)

تركيا تتمسك بنهجها الأمني في البحر الأسود في إطار «اتفاقية مونترو»

نفت تركيا علاقة حلف شمال الأطلسي (ناتو) بـ«قوة أوكرانيا متعددة الجنسيات» التي يجري العمل على إنشائها من جانب «تحالف الراغبين»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)

ما حال البحرية الملكية البريطانية التي انتقدها ترمب وهيغسيث مراراً؟

تراجعت قدرات البحرية البريطانية منذ الحرب الباردة، رغم خطط التحديث، وسط انتقادات أميركية وضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي في ظل تهديدات دولية متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصربي ألكسندر فوتشيتش خلال لقاء بينهما في بكين 2 سبتمبر 2025 (رويترز) p-circle

موسكو تعلن «سيطرة كاملة» في لوغانسك وتؤكد تقدم قواتها «على كل الجبهات»

مع انشغال العالم بتطورات الحرب في إيران بدا أن موسكو نجحت عبر الهجوم على طول خطوط التماس في تعزيز مواقعها بشكل ملموس

رائد جبر (موسكو)
أوروبا سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)

اختراق طائرات مسيّرة أوكرانية أجواء إستونيا في طريقها إلى روسيا

قالت القوات المسلحة في إستونيا إنها رصدت طائرات مسيّرة دخلت المجال الجوي للبلاد، يبدو أنها جاءت من أوكرانيا وكانت موجهة إلى روسيا.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جندي روسي يقف أمام منظومة صواريخ بانتسير المضادة للطائرات بمنطقة لوغانسك (رويترز)

روسيا تسيطر بالكامل على منطقة لوغانسك بشرق أوكرانيا

نقلت وكالة الإعلام الروسية عن وزارة الدفاع في البلاد قولها، اليوم الأربعاء، إن قواتها سيطرت، بشكل كامل، على منطقة لوغانسك بشرق أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.


روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.