انتخاب الرئيس أولوية البرلمان اللبناني المقبل

صورة من موقع البرلمان اللبناني لصندوق تجمع فيه أوراق اقتراع النواب أثناء انتخاب رئيسي البرلمان والجمهورية
صورة من موقع البرلمان اللبناني لصندوق تجمع فيه أوراق اقتراع النواب أثناء انتخاب رئيسي البرلمان والجمهورية
TT

انتخاب الرئيس أولوية البرلمان اللبناني المقبل

صورة من موقع البرلمان اللبناني لصندوق تجمع فيه أوراق اقتراع النواب أثناء انتخاب رئيسي البرلمان والجمهورية
صورة من موقع البرلمان اللبناني لصندوق تجمع فيه أوراق اقتراع النواب أثناء انتخاب رئيسي البرلمان والجمهورية

تتباين الآراء في استقراء العناوين السياسية التي يُفترض أن تتصدر مرحلة ما بعد إجراء الانتخابات النيابية اللبنانية في 15 مايو (أيار) الحالي؛ إذ تتراوح بين رأي يعطي الأولوية لانتخاب رئيس جمهورية جديد قبل انتهاء الولاية الرئاسية للحالي العماد ميشال عون في 31 أكتوبر (تشرين (تشرين الأول) المقبل لتأمين الانتقال السلمي للسلطة، وبين آخر يدعو للإسراع بتشكيل الحكومة الجديدة فور إنجاز الاستحقاق النيابي في موعده الدستوري بذريعة أن هناك ضرورة لتشريع الإصلاحات التي من دونها لا يمكن إخراج لبنان من التأزم الذي يحاصره، خصوصاً أنها الممر الإلزامي للتفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي يبدي كل استعداد لمساعدته للنهوض من الوضع الكارثي الذي أوصله إلى قعر الانهيار.
لكن من السابق لأوانه، كما يقول مصدر وزاري بارز لـ«الشرق الأوسط»، الخوض منذ الآن في ملف تشكيل الحكومة الجديدة قبل الوقوف على ما ستحمله الانتخابات النيابية من نتائج، «للتأكد مما إذا كان البرلمان العتيد سيضم وجوهاً نيابية تتمثل فيها القوى التغييرية للمرة الأولى، أم إن التركيبة النيابية ستكون نسخة طبق الأصل عن البرلمان الحالي المنتهية ولايته في 21 مايو الحالي مع تعديل في ميزان القوى في ضوء ما تشيعه قوى (8 آذار) المتحالفة مع الوسطي رئيس المجلس النيابي نبيه بري و(التيار الوطني الحر) برئاسة النائب جبران باسيل، بأنها ستحصد هذه المرة مزيداً من المقاعد النيابية التي تؤمن لها الحصول على أكثرية نيابية تفوق الأكثرية التي تتمتع بها حالياً».
ويدعو المصدر الوزاري إلى عدم حرق المراحل قبل أوانها، «خصوصاً لجهة التعامل مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على أنه المرشح الوحيد لتولي رئاسة الحكومة العتيدة»، ويؤكد أنه «ليس مع إعادة تكليفه تشكيل حكومة بأي ثمن، وإذا كان هذا هو المطلوب فما عليهم إلا البحث عن مرشح آخر؛ لأن لبنان بأزماته المتراكمة لم يعد يحتمل إقحام الحكومة الجديدة في اشتباك سياسي أعاق التزام لبنان بالإصلاحات التي حددها صندوق النقد الدولي وتعامل معها على أنها خريطة الطريق لإنقاذه».
ويتوقف المصدر الوزاري أمام «الأجواء السياسية التصعيدية للحملات الانتخابية التي من شأنها أن تعيد الانقسام السياسي إلى ما كان عليه، وبنبرات عالية غير مسبوقة»، ويسأل: «كيف يمكن للرئيس ميقاتي أن يتعايش مع تصاعد الاشتباك السياسي؟ وهل يُطلب منه أن يرأس حكومة منقسمة على نفسها وتأتي على شاكلة البرلمان المنتخب وتقتصر مهمتها على إدارة الأزمة والتدخل من حين لآخر لنزع فتيل تفجيرها من الداخل؟ هذا في حال أن المعارضة وافقت على الاشتراك فيها لئلا تتشكل من لون واحد، رغم أن قواها الرئيسة؛ وتحديداً المسيحية منها، ليست في وارد التعايش مع ما تسميه محور الممانعة تحت سقف واحد».
ويلفت إلى أنه «لا بد من التوقف أمام الاستحقاق الأول الذي ينتظر البرلمان المنتخب، ويتعلق بإعادة تكوين السلطة؛ بدءاً بانتخاب رئيس جديد للبرلمان»، ويسأل: «هل يُعاد انتخاب الرئيس بري لولاية جديدة بأصوات أكثرية نيابية من لون واحد يضاف إليها النواب المنتمون إلى (اللقاء النيابي الديمقراطي)، فيما الكُتل النيابية المسيحية سارعت إلى الإعلان عن امتناعها عن انتخابه».
ويضيف المصدر الوزاري أن «الثنائي الشيعي» يبدي ارتياحه المسبق لنتائج الانتخابات النيابية، و«سيعيد ترشيحه بري لرئاسة البرلمان، ولن يكون من منافس له؛ لأن (الثنائي)، كما تروج أوساطه، سيُطبق سيطرته على المقاعد النيابية المخصصة للطائفة الشيعية وعددها 27 مقعداً، وهذا ما سيقطع الطريق منذ الآن على الرهان على مرشح شيعي لمنافسته»، ويقول إن «التيار الوطني» و«إن كان يدخل حالياً في المزايدة على حزبي (الكتائب) و(القوات اللبنانية) بعدم انتخابه بري، فإنه سيضطر إلى تعديل موقفه فور انتهاء الانتخابات باتجاه ترك الحرية لنوابه في انتخاب رئيس جديد للبرلمان».
ويؤكد أن «الرهان على نقص في الميثاقية رافق إعادة التجديد لبري ليس في محله؛ لسبب يتعلق بغياب المرشح المنافس له»، ويقول إن الأمر يختلف بالنسبة إلى تشكيل الحكومة، «خصوصاً إذا ما نأى ميقاتي عن الترشح لتشكيل الحكومة، هذا في حال أن الطريق سالكة سياسياً لتشكيل حكومة مهمة أبعد من أن تكون في تركيبتها شبيهة بالحالية التي جاءت بوزراء من خارج الطقم السياسي؛ وإن كانوا ملحقين ببعض القوى السياسية، وبعضهم أخفق في أدائه، ولم يكن هؤلاء بالمستوى المطلوب».
ويرى المصدر نفسه أن هناك ضرورة لاستكشاف موقف رئيس الجمهورية ميشال عون لاختبار مدى استعداده للمجيء بحكومة غير الحكومة الحالية، «خصوصاً أنه لم يبق من ولايته الرئاسية سوى 5 أشهر ونصف يبدأ احتسابها فور إنجاز الاستحقاق النيابي»، ويقول إن السؤال يجب أن يوجه إلى باسيل؛ «لأنه رئيس الظل ويعود إليه اتخاذ القرار المناسب بموافقة على بياض من (العهد القوي)!».
وفي هذا السياق، هل لعون مصلحة بأن تتحول الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال لما لباسيل من نفوذ على معظم الوزراء المسيحيين؟ أم إنه سيوافق على أن يودع ولايته بحكومة جديدة لا تجيز لوريثه السياسي حرية التصرف؟ علماً بأن ضيق الوقت قد لا يسمح بالخوض في تجربة حكومية جديدة لن تكون تركيبتها على قياس عون استجابة لطموحات باسيل ولا يعود إلى «حزب الله» التحكم في مصيرها.
لذلك، يقول المصدر الوزاري إن «ضيق الوقت لم يعد يسمح بتشكيل حكومة جديدة حتى لو كانت الطريق معبدة أمام ولادتها؛ نظراً إلى أن المجلس النيابي سيتحول قبل شهرين من انتهاء ولاية عون إلى هيئة ناخبة تبقى جلساتها مفتوحة إلى حين انتخاب رئيس جديد، وبالتالي لا يحق لها طوال هذه الفترة الالتفات إلى أي عمل آخر».
وقد يكون المخرج الوحيد أن تتحول الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال ويحق للبرلمان الانعقاد كما جرت العادة للتشريع؛ إنما للضرورة، ولم يعد هناك من ضرورة سوى إقرار الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد لتفعيل التفاوض معه من دون إبرام الاتفاق النهائي الذي يبقى عالقاً إلى حين تشكيل أول حكومة في عهد الرئيس المنتخب.
وعليه؛ فإن الأولوية ستُعطى منذ الآن وقبل انتظار النتائج التي ستحملها الانتخابات النيابية إلى انتخاب رئيس جديد بعد أن بادرت قوى المعارضة على اختلاف انتماءاتها السياسية والطائفية إلى فتح المعركة الرئاسية على خلفية قرارها بعدم انتخاب رئيس ينتمي إلى محور الممانعة يتيح لـ«حزب الله» السيطرة عليه لضمان احتفاظه بسلاحه شرط أن يكون على القياس السياسي لعون ويُحسن تدوير الزوايا ولا يُقحمه في اشتباكات سياسية متنقلة.
ويبدو أن محور الممانعة يميل إلى حسم موقفه بترشيح رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، وإن كان يتريث في إعلانه عن موقفه إلى ما بعد إنجاز الاستحقاق النيابي، وهذا ما يلقى معارضة من حزبي «القوات» و«الكتائب» و«اللقاء النيابي الديمقراطي» المدعوم من الحزب «التقدمي الاشتراكي»، مع أن المعركة الرئاسية هذه المرة لن تكون محصورة في القوى المحلية وستكون لها امتداداتها إلى الإقليم والمجتمع الدولي في ظل الحراك الدائر في المنطقة.
فلبنان لا يحتمل المجيء برئيس جديد ما لم تكن هناك ثمار تسوية تجمع بين الداخل والخارج لضمان إدراجه على لائحة الاهتمام الدولي لإنقاذه، رغم أن ميقاتي لم يقصر في هذا المجال واصطدم بعوائق داخلية حالت دون ترجمة الضمانات الدولية التي أُعطيت له لوقف الانهيار إلى خطوات ملموسة.
ويكشف مصدر حكومي سابق عن أن لبنان في ضوء التجربة المريرة التي مر بها بانتخاب عون رئيساً، لم يعد يحتمل المجيء برئيس حزبي في ظل استخدام «حزب الله» فائض القوة التي يتمتع بها لفرض سيطرته على البلد بغطاء مباشر من عون، ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن «تكرار تجربة عون بانتخاب رئيس حزبي يعني حكماً التمديد للأزمات الخانقة التي تُطبق على البلد وتقطع عنه الهواء السياسي المفترض أن يأتيه من الخارج لتمكينه من أن يستعيد عافيته ودوره في الحاضنة العربية بعد أن هدم عون وفريقه السياسي الجسور، التي كانت وراء تقطيع أوصاله ليس بمحيطه العربي فحسب؛ وإنما بالمجتمع الدولي».
ويختم المصدر بقوله: «ليس المهم أن يكون الرئيس الماروني الأقوى في طائفته أو يتزعم أكبر كتلة نيابية؛ وإنما يجب أن يكون الأقوى بين اللبنانيين، وأن يكون الجامع والقادر على التوفيق بينهم، بدلاً من أن يستقوي على معظم القوى السياسية، مكرراً ما فعله عون من حروب الإلغاء والتحرير التي خاضها في السابق ولم تغب عن باله حتى اليوم».



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)