الذاكرة الشعرية العربية في العيد... لماذا يفوح منها الحزن؟

شعراء تحوّلت حياتهم من النقيض إلى النقيض

تمثال المتنبي في بغداد
تمثال المتنبي في بغداد
TT

الذاكرة الشعرية العربية في العيد... لماذا يفوح منها الحزن؟

تمثال المتنبي في بغداد
تمثال المتنبي في بغداد

مع مناسبة كل عيد تبوح الذاكرة الشعرية العربية بنماذج من الأشعار ورد فيها ذكر للعيد، كمناسبة للتنفيس عن مكنونات النفس، والتعبير عن المشاعر المتباينة معاً، كما وردت أشعار وقصص في ذات المناسبة، وفي عصور مختلفة أبطالها: حكام، وشعراء تحوّلت حياتهم من النقيض إلى النقيض، ووجدوا في العيد فرصة للتعبير عن مشاعرهم أفراحاً وأتراحاً، هنا نماذج منتقاة عبر عصور ومناسبات مختلفة، كان العيد هو الباعث والمحرك لها.

                                                                           الشاعر السعودي حمد الحجي
عيد الصعلوك
من العصر الجاهلي، ومن طبقة الشعراء الصعاليك، وفي قصيدة أورد في مطلعها العيد، يقول أحد أشهر شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي وهو الشاعر ثابت بن جابر الفهمي الذي اشتهر بلقب «تأبط شراً»، كلاماً يقيّم شخصيته وفيها يصف الطيف، وتجشمه الأخطار، ويشيد بكرمه الشخصي، مندداً بمن يلومه في إنفاق أمواله، فقد مثّل العيد عند تأبط شراً ما اعتاد عليه من حزن وشوق، فهو يخاطب العيد بأفراحه وأحزانه التي لا تنفك تنتابه، فيستعيد بها ذكرياته الماضية وما بها من أحداث تبعث على الفرح والحزن، والتي تجعل الشاعر يلمح من جديد طيفه وهو يجتاز الأهوال ويطرق مكامن الأخطار، متذكراً نفسه وهو يسير متعباً منهك القوى حافي القدمين؛ حيث الأفاعي في الطرق المقفرة، مقيداً نفسه للإنسان السائر في البيداء وحيداً، وقد تخلى عنه الأصدقاء وبخلوا عنه بما عندهم ولم يصدقوا مودته وإخائه، لكنه سرعان ما يتخلص من هؤلاء الصحب ويبتعد عنهم ويجافيهم، كما استطاع أن يتخلص من قبيلة «بجيلة» التي أسرته حين تمكن من الفرار واجتاز الأرض الموحلة، باذلاً مجهوداً خرافياً وشاقاً في ذلك، يدل على قوة عزيمته وصلابته، وقد حدث هذا حين انطلق أفراد القبيلة وفرسانها خلفه بعد فرار عمرو بن براق، وكان هو والشنفرى صديقي تأبط شراً، وأرسلوا عدائيهم ليلقوا القبض عليه، لكنه تمكن من الفرار ونجا سالماً، واصفاً انطلاقته وعدوه بالقوة والسرعة مثل ذكر النعام الذي تناثر ريشه فسهل عليه الجري، أو مثل الغزال السريع، وهما مضربا المثل في سرعة العدو، بل لم يكن شيء أسرع منه في الركض غير الفرس الأصيلة التي غطى الشعر المنسدل أعلى جبهتها، وغير الطير الكاسر الذي يسكن أعلى الجبال.
ولذلك يأتي حديثه عن العيد مقترناً ببطولة الفرار. يقول تأبط شراً:
يا عيد مالك من شوق وإيراق
ومر طيف على الأهوال طراق
يسري على الأين والحيات مختفيا
نفسي فداؤك من سار على ساق!
إني إذا خلة ضنت بنائلها وأمسكت
بضعيف الوصل أحذاق
نجوت منها نجائي من بجيلة، إذ
ألقيت، ليلة خبت الرهط، أرواقي
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم
بالعيكتين لدى معدى ابن براق
كأنما حثحثوا حصا قوادمه أو
أم خشف، بذي شث وطباق
لا شيء أسرع مني، ليس ذا عذر
وذا جناح، بجنب الريد خفاق

                                                                     معروف الرصافي
عيد أمير الشعر
ويعدّ شاعر العربية المتنبي الذي تربع على عرش الشعر، أفضل من تحدث عن العيد وبث فيه الفرح والترح، بفضل قصيدته المعروفة، التي يهجو فيها كافور الإخشيدي، بعد أن تبخرت آماله وأحلامه بالحصول على ما يطمح إليه من إمارة أو ولاية يتربع على عرشها، يقول:
عيدٌ بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
أمّا الأحِبّة فالبَيْداءُ دونَهُمُ
فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ
لَوْلا العُلى لم تجب بي ما أجوبُ بهَا
وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرداءُ قَيْدودُ
وَكَان أطيَبَ مِنْ سَيفي مُعانَقَة
أشْبَاه رَوْنَقِه الغِيدُ الأمَاليدُ
لم يترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي
شَيْئا تُتَيّمُه عَين وَلا جِيدُ
كما سجل المتنبي السبق ذاته بتسجيله بيتاً شهيراً يهنّئ بالعيد في قصيدة له جعلها صالحة لمخاطبة أي شخص من خلال تهنئته سيف الدولة بالعيد والبيت هو:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده -
وعيد لمن صلى وضحّى وكبرا
عيد الحاكم السجين
واحتفظت الذاكرة الشعرية العربية بأبيات للمعتمد بن عباد، حاكم قرطبة، قالها يوم العيد وهو في سجن «أغامات» في المغرب بعد أن اكتوى بنار نزاعات حكام الطوائف والصراع بين حكامها، ليلقي زعيم الموحدين يوسف بن تاشفين القبض على ابن عباد ويودعه السجن، وفي أحد أعياد الفطر أوحى إليه (سجانه) بأن اليوم يوم عيد وعليه أن يفطر، وبشروه بزيارة بناته له اللاتي حضرن إلى أبيهم في زنزانته حافيات الأقدام وبلباس ممزق بعد أن كُنّ ذات يوم يخضن في خليط من الكافور والزعفران والمسك على هيئة طين اقترحه والِدُهُنّ الملك، محققاً رغبتهن في أن يخضن في الطين بعد أن شاهدن بعض الجواري في القصر يخضن في طين طبيعي ويحملن القِرَب. يقول الحاكم الشاعر:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
وكان عيدك باللذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدة
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
في لبسهن رأيت الفقر مسطورا
معاشهن بعيد العز ممتهن
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
عيونهن فعاد القلب موتورا
قد أغمضت بعد أن كانت مفترة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
تشكو فراق حذاء كان موفورا
قد لوثت بيد الأقذاء واتسخت
كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
لا خد إلا ويشكو الجدب ظاهره
وقبل كان بماء الورد مغمورا

عيد اليتيم
ومن العصر الحديث جاءت أبيات للشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي من قصيدة طويلة عن «اليتيم في العيد»، تحكي قصة شعرية مليئة بصور تحكي معاناة ومآسي الأيتام، ووجد الشاعر العيد فرصة ليبثها، ومنها:
خرجت بعيد النحر صبحا فلاح لي
مسارح للأضداد فيهن مرتع
خرجت وقرص الشمس قد ذر شارقا
ترى النور سيالا به يتدفع
بحيث تسير الناس كل لوجهة
فهذا على رسل وذلك مسرع
وبعض له أنف أشم من الغنى
وبعض له أنف من الفقر أجدع
وفي الحي مزمار لمشجي نعيره
غدا الطبل في دردابه يتقعقع
فجئت وجوف الطبل يرغو وحوله
شباب وولدان عليه تجمعوا
لقد وقفوا والطبل يهتز صوته
فتهتز بالأبدان سوق وأكرع
ترى ميعة الأطراب والطبل هـادر
تفيض وفي أعصابهم تتميع
فقد كانت الأفراح تفتح بابهـا
لمن كان حول الطبل والطبل يقرع
وقفت أجيل الطرف فيهم فراعني
هناك صبي بينهم مترعرع
صبي صبيح الوجه أسمر شاحب
نحيف المباني أدعج العين أنزع
يزين حجاجيه اتساع جبينه
وفي عينه برق الفطانة يلمع
عليه دريس يعصر اليتم ردنه
فيقطر فقر من حواشيه مدقع
يليح بوجه للكآبة فوقه
غبار به هبت من اليتم زعزع
على كثر قرع الطبل تلقاه واجما
كأن لم يكن للطبل ثمة مقرع
كأن هدير الطبل يقرع سمعه
فلم يلف رجعا للجواب فيرجع

بكائية العيد
ومن العصر الحديث أيضاً يطل شاعر أصيل من السعودية، هو: حمد بن سعد الحجي، تميز بالصدق والعذوبة وتجلت براعته في الغزَل وفي حبه وشوقه إلى وطنه وتعلقه به. وقد أصيب الشاعر بمرض نفسي لم يحجب روائعه الشعرية.
ومن أحد عنابر المصحات النفسية خارج بلاده؛ حيث كان يتلقى العلاج، حل العيد على الشاعر حمد بن سعد الحجي قبل ستة عقود، بعيداً عن الأهل والأحباب، فأطلق زفرات من قلبه المتعب بشوق اللقاء. يقول:
يا عيد وافيت والأشجان مرخية
سدولها ونعيم الروح مفقود
لا الأهل عندي ولا الأحباب جيرتهم
حولي فقلبي رهين الشوق مفؤود
تجري دموعي في محاجرها على
وسادي لها صبع وتسهيد
أمسي وأصبح والأحزان تحدق بي
لا الروض يجدي ولا القيثار والعود
يا ساكني نجد أنا بعد بينكم
كأنما قد شوى الأضلاع سفود
أنا المتيم والأحداث شاهدة
من الهموم علت وجهي تجاعيد
إني غلام ولكن حالتي عجب
أرى كأني في السبعين مولود
لم أشرب الكأس والأشواق تشربني
ولم أغرد ومن حول الأغاريد
نعم شربت كؤوس الهم مترعة
حتى كأني من الأوصاب عربيد
لما أتى العيد أبكاني وهيجني
فليتني بعدكم ما مر بي عيد
عيد الغريب سقام وانبعاث وأسى
ودمعه إن شدا الشادون تغريد



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.