جائحة «التفكير السيئ»: من أين تأتي القناعات الفاسدة؟

المحتوى المتداول على الصحف والمواقع وأدوات التواصل الاجتماعي يشير إلى أزمة معرفية

جائحة «التفكير السيئ»: من أين تأتي القناعات الفاسدة؟
TT

جائحة «التفكير السيئ»: من أين تأتي القناعات الفاسدة؟

جائحة «التفكير السيئ»: من أين تأتي القناعات الفاسدة؟

لعل جولة سريعة للبحث في عقلانية المحتوى المتداول على الصحف والمواقع الإعلامية وأدوات التواصل الاجتماعي ستشير حتماً إلى أزمة معرفية شاملة مما يسميه الفلاسفة بـ«التفكير السيئ» – أي غياب الحجة وراء الادعاءات ورفض الأدلة لدى توفرها - لا تمس أفكار الناس العاديين وتعاطيهم مع العالم والأحداث من حولهم فحسب، وإنما تتغشى أيضاً طروحات المتعلمين والمثقفين على مسرح اليوم، الذين هم بشكل أو آخر نخبة عالمنا وقادته الفكريون. فهناك أعداد هائلة من البشر لم يشهدها التاريخ من قبل تتوزع أركان العالم من غربه إلى شرقه تعتنق أفكاراً غرائبية لتفسير تحولات الأزمنة، أو تتبنى طروحات فاسدة المنطق لتبرر عنصريات مقيتة – عرقية وطائفية وجندرية وحتى طبقية - ضد الآخر المختلف، أو تقضي أعمارها مسجونة في كهوف فكرية مغلقة لا ترغب في مغادرتها. والمقلق أن التكنولوجيا الحديثة التي لا شك فتحت النوافذ لفضاءات معرفية لم تكن لتتوفر لمعظم البشر قبل عقود قليلة، ساهمت كذلك في توسيع دوائر الخلل الأبستمولوجي تلك، وأوصلت شعوذات ورغائبيات، كان سوقها لقرون محلياً، إلى جمهور معولم عابر للحدود واللغات والأديان.
جائحة «التفكير السيئ» هذه - إن جاز التعبير - لا ترتبط حصراً بأذهان أصحابها كنشاط ذاتي محض يقتصر تأثيره عليهم، وإنما تنتشر كما العدوى، وقد تتسبب في دفع المصابين بها إلى ارتكاب اعتداءات وجرائم لفظية وجسدية ضد الآخرين، تصل أحياناً إلى درجة القتل. وتكتمل الكارثة عندما نجد أن كثيراً من تلك الأفكار السيئة عصية على الموت، فمهما تم نقضها أو دحضها أو تكذيبها تظل هائمة في سياقاتنا المعرفية كما (الزومبيات)، وفق توصيف بول كروجمان المفكر الأميركي الحائز على نوبل (الاقتصاد) لها، وأنها غالباً ما تكون في غير مصلحة من يتبناها كمرجعية لمعتقداته وسلوكه.
ولا تبدو «الأفكار السيئة» مرتبطة بشكل منهجي بتدن في المستوى التعليمي أو محدودية الذكاء الفطري أو غياب المعرفة والتي بمجموعها قد تكون سبباً لغياب الدربة على التفكير السليم في حالات معينة وتمنح أصحابها مبرراً مقبولاً أقله على المستوى الأخلاقي لوقوعهم في الزلل. إذ ينتشر عادة التفكير السيئ بين المتعلمين والمتخصصين والمثقفين، الذين بحكم قدرتهم على البحث عن الحقائق وراء الظلال يمكنهم بشكل إرادي مقاومة الوقوع في فخ الأفكار السيئة، لكنهم - ولأسباب متفاوتة - قد يقعون ضحية الكسل الفكري، ويمتنعون عن بذل الجهد لتمييز تلك الأفكار الخطرة من غيرها، ويجدون أنه من الأسهل الاستمرار باجترار معتقداتهم القديمة - وإن بليت - والإبقاء على الأوضاع القائمة كما هي دون امتلاك جرأة التغيير.
ويربط متخصصون ذلك الكسل الفكري بما يسمونها ظاهرة «العناد المعرفي»، أي ذلك التمسك غير العقلاني بمعتقدات توفرت أدلة متقاطعة على بطلانها. وعلى الأغلب أن المعاندين معرفياً ليسوا بالضرورة أشخاصاً سيئين، وإنما هم يتبعون العرف السائد في محيطهم دون إعمال عقولهم لتقييم ما يعرض عليهم من أفكار، أو هم يرون مصلحة ذاتية مؤقتة من وراء تلك المعتقدات. وهذه على نحو ما أخبار جيدة لأنها تشير إلى أن «التفكير السيئ» ليس قدراً، وأنه يمكن عملياً تجنب التورط في أحابيله، ولكنها في ذات الوقت تفتح باب اللوم الأخلاقي – وربما المسؤولية القانونية – لمن يمتنع عن التدقيق في معلومات معينة ويكتفي بتصديق ما يعرض عليه دون أدلة كافية أو يرفض القبول بأدلة مناقضة، لا سيما إذا تسبب هذا «العناد المعرفي» في النهاية بضرر لآخرين.
مهمة التخلص من «الأفكار السيئة» أصبحت بفضل التقدم العلمي والفلسفي المتراكم منذ عصر النهضة مسألة غير معقدة وقريبة إلى كل متعلم، حيث المنهج القائم على تدعيم كل ادعاء نظري بأدلة تجريبية أو منطقية أو كنسه خارج حرم المعرفة. لكن الإنسان العادي في عصر الرأسمالية المتأخر هذا يواجه معيقات جمة تدفعه فرادى أو سوية لتقبل الأفكار السيئة، وتجنب بذل الجهد في البحث عن أدلة تنقضها.
ولعل أخطر تلك المعيقات دور التضليل ونشر الأخبار الكاذبة وأنصاف الحقائق الذي قبلت مؤسسات الإعلام الجماهيري الكبرى القيام به لمصلحة النخب السياسية المهيمنة، لا سيما في الدول المؤثرة على ثقافة المتلقين على نطاق عالمي. وهذه بحملاتها المكثفة وتقاطعها على تعميم التصورات الفاسدة أو المنحازة بشأن ما يجري في العالم تُوقع كثيرين من ذوي النيات الطيبة المنشغلين بأمور معاشهم اليومي في شباك «الأفكار السيئة»، الذين بفضل التعزيز اليومي المستمر لتلك الأفكار في غالب وسائل الإعلام قد لا يدركون الخلل الذي يستندون إليه في تحديد توجهاتهم بشأن مسارات الأحداث.
وتوازي سطوة الإعلام الموجه تلك، منظومة التعليم التي تنازلت عن غايتها النبيلة في نشر التنوير وتعميم المعارف وتسليم الأجيال الجديدة أدوات النقد والتفكير السليم، وانخرطت بدورها في خدمة مصالح الطبقات المهيمنة عبر الاكتفاء بإنتاج كمي هائل من المستهلكين والعمال اللازمين لإدارة عجلة الاقتصاد الكلي دون تزويدهم بالمهارات العلمية والفلسفية اللازمة لطرد «الأفكار السيئة» من الفضاء العام.
وتكتمل حلقة المعيقات الجهنمية التي تحجز الفكر السليم باستقالة الفلسفة – كنطاق معرفي أكاديمي – من موقعها كخط دفاع أخير للمجتمع تعجز «الأفكار السيئة» عن اختراقه، بعدما اختار الفلاسفة المعاصرون لعب دور العرافين والمشعوذين للنخب الحاكمة، يبررون لهم تجاوزاتهم، ويجملون سياساتهم، ويهاجمون بلا هوادة كل من يختار طرائق بديلة للفكر والتحقق بغير السائد، أو هم انعزلوا في أبراج الأكاديميات العاجية، مزجين جل وقتهم في نقاشات معقدة بلغة بعيدة عن حياة الناس وهمومهم، فكأنهم ناد خاص للترفيه لا حصن للفكر المتحرر من الوهم والعرف والدعاية.
لقد أثبتت التجارب التاريخية المتعاقبة أن مجتمعات تسيطر عليها «الأفكار السيئة»، ولا يتم فيها التدقيق بالادعاءات المطلقة على عواهنها أو مساءلة الأدلة بشأنها تنتهي غالباً إلى الانحطاط أو الاندثار الكلي من خلال تجاهل التحولات الكبرى اجتماعية أو طبيعية التي قد تطيح بالحضارة القائمة، أو غلبة الاستقطابات العمياء على المجموعات السكانية فتضيع طاقتها في نزاعات واحترابات أهلية لا طائل من تحتها، أو تساق للموت والفناء في حروب ضد آخرين تحت رايات زائفة وهستيريات كراهية مفتعلة.
وإذا كانت قضية محاربة «التفكير السيء» مسألة بهذه الخطورة لأمن المجتمعات وصحتها وازدهارها وديمومتها، فإنها يجب أن تصبح قرينة المشروع السياسي وركيزة أي حكم وطني رشيد. وهو ما لاحظته الجمعية الفلسفية الأميركية في خضم جائحة (كوفيد - 19) الأخيرة وتضارب المرجعيات والتصورات حول الطرق الأنجع للتعامل مع الوباء وغياب المنطق السليم والأدلة الكافية لادعاءات مختلف الأطراف، مما حدا بها إلى إصدار نداء عاجل للقيادات السياسية للمجتمع مشرعين وتنفيذيين لإطلاق مبادرة قومية شاملة غايتها إعادة الاعتبار لطرق التفكير النقدي في الفضاء العام وبخاصة التعليم، على المدى القصير كجزء من الجهد القومي المشترك لمواجهة تحدي الجائحة، وعلى المدى البعيد لضمان ما وصفته بأمن المجتمع الأميركي وصحته ومستقبله.
لكن غياب مثل تلك المبادرات أو تغول منظومات الإعلام والتعليم الفاسدة في مجتمع ما، وانعزال الفلسفة لا تعفي الأفراد من المهمة ذات البعد الأخلاقي والواجب تجاه الآخرين للتخلص من الكسل المعرفي والبحث عن الأدلة الوافية قبل القبول بالادعاءات المعروضة على الملأ، وعندئذ فقط تستحق تجربة العيش الإنساني أن تعتبر «حياة تم اختبارها» كما قال سقراط الحكيم.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.