جائحة «التفكير السيئ»: من أين تأتي القناعات الفاسدة؟

المحتوى المتداول على الصحف والمواقع وأدوات التواصل الاجتماعي يشير إلى أزمة معرفية

جائحة «التفكير السيئ»: من أين تأتي القناعات الفاسدة؟
TT

جائحة «التفكير السيئ»: من أين تأتي القناعات الفاسدة؟

جائحة «التفكير السيئ»: من أين تأتي القناعات الفاسدة؟

لعل جولة سريعة للبحث في عقلانية المحتوى المتداول على الصحف والمواقع الإعلامية وأدوات التواصل الاجتماعي ستشير حتماً إلى أزمة معرفية شاملة مما يسميه الفلاسفة بـ«التفكير السيئ» – أي غياب الحجة وراء الادعاءات ورفض الأدلة لدى توفرها - لا تمس أفكار الناس العاديين وتعاطيهم مع العالم والأحداث من حولهم فحسب، وإنما تتغشى أيضاً طروحات المتعلمين والمثقفين على مسرح اليوم، الذين هم بشكل أو آخر نخبة عالمنا وقادته الفكريون. فهناك أعداد هائلة من البشر لم يشهدها التاريخ من قبل تتوزع أركان العالم من غربه إلى شرقه تعتنق أفكاراً غرائبية لتفسير تحولات الأزمنة، أو تتبنى طروحات فاسدة المنطق لتبرر عنصريات مقيتة – عرقية وطائفية وجندرية وحتى طبقية - ضد الآخر المختلف، أو تقضي أعمارها مسجونة في كهوف فكرية مغلقة لا ترغب في مغادرتها. والمقلق أن التكنولوجيا الحديثة التي لا شك فتحت النوافذ لفضاءات معرفية لم تكن لتتوفر لمعظم البشر قبل عقود قليلة، ساهمت كذلك في توسيع دوائر الخلل الأبستمولوجي تلك، وأوصلت شعوذات ورغائبيات، كان سوقها لقرون محلياً، إلى جمهور معولم عابر للحدود واللغات والأديان.
جائحة «التفكير السيئ» هذه - إن جاز التعبير - لا ترتبط حصراً بأذهان أصحابها كنشاط ذاتي محض يقتصر تأثيره عليهم، وإنما تنتشر كما العدوى، وقد تتسبب في دفع المصابين بها إلى ارتكاب اعتداءات وجرائم لفظية وجسدية ضد الآخرين، تصل أحياناً إلى درجة القتل. وتكتمل الكارثة عندما نجد أن كثيراً من تلك الأفكار السيئة عصية على الموت، فمهما تم نقضها أو دحضها أو تكذيبها تظل هائمة في سياقاتنا المعرفية كما (الزومبيات)، وفق توصيف بول كروجمان المفكر الأميركي الحائز على نوبل (الاقتصاد) لها، وأنها غالباً ما تكون في غير مصلحة من يتبناها كمرجعية لمعتقداته وسلوكه.
ولا تبدو «الأفكار السيئة» مرتبطة بشكل منهجي بتدن في المستوى التعليمي أو محدودية الذكاء الفطري أو غياب المعرفة والتي بمجموعها قد تكون سبباً لغياب الدربة على التفكير السليم في حالات معينة وتمنح أصحابها مبرراً مقبولاً أقله على المستوى الأخلاقي لوقوعهم في الزلل. إذ ينتشر عادة التفكير السيئ بين المتعلمين والمتخصصين والمثقفين، الذين بحكم قدرتهم على البحث عن الحقائق وراء الظلال يمكنهم بشكل إرادي مقاومة الوقوع في فخ الأفكار السيئة، لكنهم - ولأسباب متفاوتة - قد يقعون ضحية الكسل الفكري، ويمتنعون عن بذل الجهد لتمييز تلك الأفكار الخطرة من غيرها، ويجدون أنه من الأسهل الاستمرار باجترار معتقداتهم القديمة - وإن بليت - والإبقاء على الأوضاع القائمة كما هي دون امتلاك جرأة التغيير.
ويربط متخصصون ذلك الكسل الفكري بما يسمونها ظاهرة «العناد المعرفي»، أي ذلك التمسك غير العقلاني بمعتقدات توفرت أدلة متقاطعة على بطلانها. وعلى الأغلب أن المعاندين معرفياً ليسوا بالضرورة أشخاصاً سيئين، وإنما هم يتبعون العرف السائد في محيطهم دون إعمال عقولهم لتقييم ما يعرض عليهم من أفكار، أو هم يرون مصلحة ذاتية مؤقتة من وراء تلك المعتقدات. وهذه على نحو ما أخبار جيدة لأنها تشير إلى أن «التفكير السيئ» ليس قدراً، وأنه يمكن عملياً تجنب التورط في أحابيله، ولكنها في ذات الوقت تفتح باب اللوم الأخلاقي – وربما المسؤولية القانونية – لمن يمتنع عن التدقيق في معلومات معينة ويكتفي بتصديق ما يعرض عليه دون أدلة كافية أو يرفض القبول بأدلة مناقضة، لا سيما إذا تسبب هذا «العناد المعرفي» في النهاية بضرر لآخرين.
مهمة التخلص من «الأفكار السيئة» أصبحت بفضل التقدم العلمي والفلسفي المتراكم منذ عصر النهضة مسألة غير معقدة وقريبة إلى كل متعلم، حيث المنهج القائم على تدعيم كل ادعاء نظري بأدلة تجريبية أو منطقية أو كنسه خارج حرم المعرفة. لكن الإنسان العادي في عصر الرأسمالية المتأخر هذا يواجه معيقات جمة تدفعه فرادى أو سوية لتقبل الأفكار السيئة، وتجنب بذل الجهد في البحث عن أدلة تنقضها.
ولعل أخطر تلك المعيقات دور التضليل ونشر الأخبار الكاذبة وأنصاف الحقائق الذي قبلت مؤسسات الإعلام الجماهيري الكبرى القيام به لمصلحة النخب السياسية المهيمنة، لا سيما في الدول المؤثرة على ثقافة المتلقين على نطاق عالمي. وهذه بحملاتها المكثفة وتقاطعها على تعميم التصورات الفاسدة أو المنحازة بشأن ما يجري في العالم تُوقع كثيرين من ذوي النيات الطيبة المنشغلين بأمور معاشهم اليومي في شباك «الأفكار السيئة»، الذين بفضل التعزيز اليومي المستمر لتلك الأفكار في غالب وسائل الإعلام قد لا يدركون الخلل الذي يستندون إليه في تحديد توجهاتهم بشأن مسارات الأحداث.
وتوازي سطوة الإعلام الموجه تلك، منظومة التعليم التي تنازلت عن غايتها النبيلة في نشر التنوير وتعميم المعارف وتسليم الأجيال الجديدة أدوات النقد والتفكير السليم، وانخرطت بدورها في خدمة مصالح الطبقات المهيمنة عبر الاكتفاء بإنتاج كمي هائل من المستهلكين والعمال اللازمين لإدارة عجلة الاقتصاد الكلي دون تزويدهم بالمهارات العلمية والفلسفية اللازمة لطرد «الأفكار السيئة» من الفضاء العام.
وتكتمل حلقة المعيقات الجهنمية التي تحجز الفكر السليم باستقالة الفلسفة – كنطاق معرفي أكاديمي – من موقعها كخط دفاع أخير للمجتمع تعجز «الأفكار السيئة» عن اختراقه، بعدما اختار الفلاسفة المعاصرون لعب دور العرافين والمشعوذين للنخب الحاكمة، يبررون لهم تجاوزاتهم، ويجملون سياساتهم، ويهاجمون بلا هوادة كل من يختار طرائق بديلة للفكر والتحقق بغير السائد، أو هم انعزلوا في أبراج الأكاديميات العاجية، مزجين جل وقتهم في نقاشات معقدة بلغة بعيدة عن حياة الناس وهمومهم، فكأنهم ناد خاص للترفيه لا حصن للفكر المتحرر من الوهم والعرف والدعاية.
لقد أثبتت التجارب التاريخية المتعاقبة أن مجتمعات تسيطر عليها «الأفكار السيئة»، ولا يتم فيها التدقيق بالادعاءات المطلقة على عواهنها أو مساءلة الأدلة بشأنها تنتهي غالباً إلى الانحطاط أو الاندثار الكلي من خلال تجاهل التحولات الكبرى اجتماعية أو طبيعية التي قد تطيح بالحضارة القائمة، أو غلبة الاستقطابات العمياء على المجموعات السكانية فتضيع طاقتها في نزاعات واحترابات أهلية لا طائل من تحتها، أو تساق للموت والفناء في حروب ضد آخرين تحت رايات زائفة وهستيريات كراهية مفتعلة.
وإذا كانت قضية محاربة «التفكير السيء» مسألة بهذه الخطورة لأمن المجتمعات وصحتها وازدهارها وديمومتها، فإنها يجب أن تصبح قرينة المشروع السياسي وركيزة أي حكم وطني رشيد. وهو ما لاحظته الجمعية الفلسفية الأميركية في خضم جائحة (كوفيد - 19) الأخيرة وتضارب المرجعيات والتصورات حول الطرق الأنجع للتعامل مع الوباء وغياب المنطق السليم والأدلة الكافية لادعاءات مختلف الأطراف، مما حدا بها إلى إصدار نداء عاجل للقيادات السياسية للمجتمع مشرعين وتنفيذيين لإطلاق مبادرة قومية شاملة غايتها إعادة الاعتبار لطرق التفكير النقدي في الفضاء العام وبخاصة التعليم، على المدى القصير كجزء من الجهد القومي المشترك لمواجهة تحدي الجائحة، وعلى المدى البعيد لضمان ما وصفته بأمن المجتمع الأميركي وصحته ومستقبله.
لكن غياب مثل تلك المبادرات أو تغول منظومات الإعلام والتعليم الفاسدة في مجتمع ما، وانعزال الفلسفة لا تعفي الأفراد من المهمة ذات البعد الأخلاقي والواجب تجاه الآخرين للتخلص من الكسل المعرفي والبحث عن الأدلة الوافية قبل القبول بالادعاءات المعروضة على الملأ، وعندئذ فقط تستحق تجربة العيش الإنساني أن تعتبر «حياة تم اختبارها» كما قال سقراط الحكيم.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.