البُعد الفانتازي في رواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي

تقوم على هيكل معماري متماسك رصين تعززه حبكة متينة

غلاف «شاهندة»
غلاف «شاهندة»
TT

البُعد الفانتازي في رواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي

غلاف «شاهندة»
غلاف «شاهندة»

تلعب فكرة الانتقام دورًا مهمًا في البناء المعماري لرواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي، وقد تذكِّرنا بمحاولة انتقام هاملت من قاتل أبيه، لكن الأمر يتطلب وقتًا طويلاً من الانتظار الذي قد يُحيلنا هو الآخر إلى انتظار غودو أيضا مع فارق التشبيه، فحينما وقعت شاهندة في غرام محمود لم تكن تحبه أصلاً لأنه ابن سالم النخّاس الذي باعهم عبيدا، وسلبهم حريتهم الشخصية، وهي أثمن شيء في الوجود. فهي تُحبه وتكرهه في آنٍ معًا. وحينما اعترضها على مقربة من البيت المهجور، غرزت أنيابها في صدره، لكنها في الوقت ذاته كانت تريد أن تُوقعه في حبها، والأغرب من ذلك أن تجعله عبدا مملوكًا، لها في محاولة لردّ الاعتبار لكرامتها المسلوبة، وأن تكون سيدة عقله وقلبه في الوقت ذاته.
لقد بنى النعيمي روايته على هذه المفارقة والموقف الإشكالي الذي لا يخلو من تناقض ملحوظ، الأمر الذي يضعنا أمام شخصية مركّبة في أقل تقدير؛ فلقد استطاعت هذه الفتاة الوافدة الحسناء، أن تقلب قرية الحيرة رأسًا على عقب بدلعها ودلالها ومشيتها الفاتنة التي قضّت مضاجع الرجال حتى إن أحدهم، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال، قد طلب يدها للزواج، لكنها رفضته لأنها تحب محمودًا، ابن سالم، وتريد أن تقترن به ويكون من نصيبها على الرغم من فظاظة والده الذي لا يجد حرجًا في المتاجرة بالبشر.
تتعمّق العلاقة العاطفية بين شاهندة ومحمود إلى الدرجة التي تمنحه معها أعزّ ما تملك، وحينما تعرض عليه فكرة الزواج يتذرع بأنه لا يستطيع التمرّد على الأسرة والتقاليد الاجتماعية، فكان ردّها على محمود بأنه «جبان ونذل وحقير»، ثم يوغل في الإساءة إليها حينما يتهمها بممارسة البغاء «كفاكِ، كفاكِ.. لم تكوني لي وحدي قط». (الرواية، ص146). عند ذلك تهدده وتتوعده بأنه سوف يدفع ثمنًا باهظًا لخيانته. تُرى، ما الطريقة التي ستنتقم بها شاهندة من محمود؟ قد يعتقد القارئ أنها قد تقتله لتشفي غليلها وتنتقم لشرفها المُضاع بسببه، وقد تفكر بقتله معنويًا كي تُطفئ النار المتأججة في أعماقها؟ هكذا يتشظى البناء المعماري للنص، وتتوسع أحداثه؛ حيث تغرق السفينة ويموت النوخذة شهداد، لكن ميتته هي بالتأكيد ميتة بطل عظيم.
لم ينتبه حسين إلى جمال شاهندة من قبل، ولم يصخ السمع إلى الأقاويل التي شاعت عن «بغائها» كما يدّعي الوشاة الطامعون بها. وها هو الآن ينظر إليها امرأة ناضجة، بل يطلب منها أن تجلس إلى جواره طالما أن كل شيء مُباح للرجل في هذه المضارب الصحراوية، لكنها ترفض بشدة، الأمر الذي يدفع إلى الانتقام منها، فيبيعها إلى التاجر جابر بن سلطان حتى من دون أن تودّع أمها، فلا غرابة أن تتسع الرغبة عندها للانتقام من كل الرجال على حدٍ سواء.

نموّ الشخصيات

لا شك في أن شاهندة شخصية ذكية، قوية الملاحظة، سريعة التعلّم، أحبّت محمودًا، لكنه خانها وطعنها في الصميم، فقررت الانتقام منه، ومن كل الرجال الذين يمكن أن تطالهم، فحينما طلب جابر أن يقضي وطره منها، قالت له: «هاك جثتي بين يديك.. افعل بها ما تشاء» (الرواية، ص194)، الأمر الذي يدفعه للزواج منها على سُنّة الله ورسوله، وتُنجب له فتاة سوف تسمّيها حليمة، لكنها سوف تخونه مع خادمه عبد الله الدلال الذي لا يتورع عن إيصالها إلى مخادع التجار الأثرياء والموسرين في القرية. حينما عاد زوجها من إحدى رحلاته، جلب معه امرأة شقراء، فعرفت بحس الأنثى وغريزتها التي لا تُخطئ بأن جابرًا قد واقعها في ظلام الصحراء، فقررت في نفسها أن تخونه مع علي، الشاب الأسمر الذي أبدى إعجابه بها غير مرة، وحينما استدرجته إلى كهف مجاور للقرية انقضّ عليها مثل حيوان مفترس، فصرخت بأعلى صوتها وادعت أمام مجموعة من الرجال أنه حاول الاعتداء عليها، فانتقمت من رجلين في آنٍ معًا!
لم يكن عبد الله يحب سيده جابر، ولكنه يخشاه، كما أنه لم يكن يحب شاهندة، بل كان يشتهي جمالها الأخاذ، فلا غرابة أن يأخذها إلى أثرياء القرية ويتاجر بجسدها الغضّ، فلا فرق بين تجارة العبيد وتجارة البغاء! وحينما اكتشفت شاهندة طريق البغاء لوحدها، هدّدها الخادم عبد الله بالانتقام، وعاشت أيامًا غير قليلة بانتظار أن يصبّ هذا الأخير جام غضبه عليها، لكن جابرًا قد سبقه إلى الانتقام من الزوجة الخائنة والخادم غير الأمين، وشعر بأنه قد أخطأ حينما ترك الذئب والحَمَل في قفص واحد!
لم يكن انتقام جابر سهلاً، فلقد أمر رجاله أن يتركوا عبد الله كي يموت من العطش وتنهشه الصقور حتى الموت. أما شاهندة، فلقد تركها عند رجل وحيد في السبعين من عمره ماتت زوجته، وهرب أولاده بحثًا عن الحياة، وظل هو وحيدًا في هذه الواحة مكتفيًا بما لديه من ماء وطعام. لكن هذا الرجل الطاعن في السن فارق الحياة، فانقطعت القوافل. وحينما قررت أن تهيم على وجهها، سقطت في غيبوبة، ثم وجدت عند رأسها عددًا من الرجال الذين يصيدون الحُبارى، حيث سقوها بضعة قطرات من الماء واصطحبوها معهم إلى المدينة.

النهاية الفانتازية

على الرغم من أن الحياة تنطوي على مفاجآت كثيرة، فإن نهاية شاهندة لم تكن لتستقيم لولا استعانة الروائي راشد عبد الله بالبُعد الفانتازي الذي يُذكِّرنا بالأساطير والقصص الخرافية. فشاهندة التي سُلبت منها حريتها الشخصية وأصبحت أَمَةً تُباع وتُشترى للأثرياء والموسرين، تجد نفسها فجأة في صحبة قائد الحرس الملكي وتحت رعاية زوجته التي أحبتها وعاملتها كشقيقة لها، كما وجدت فيها ضالتها المنشودة بعد وفاة الملك؛ إذ كانت تتمنى أن يصبح زوجها وزيرًا، وسوف تكون شاهندة مفتاحًا لهذه الحقيبة الوزارية المغلقة.
قد تشتبك الأحداث في القصر الملكي «المُفترض» الذي «تتضبب» صورته تمامًا وكأننا أمام بلاط أسطوري بالفعل، حيث تصبح شاهندة محظية الملك الأولى وتطلب منه تعيين قائد الحرس وزيرًا، وحينما تُنجب له الأمير فايز، تصبح ملكة البلاد ومحط اهتمامه الأول على الرغم من وجود كثير من المحظيات. وبعد مرور سنتين تطلب الملكة شاهندة عبدا يُدعى محمود سالم النخّاس، فيؤتى به سريعا، وحينما تسأله إن كان يعرف فتاة اسمها شاهندة، يرد بالإيجاب، ثم تستفسر عن مكان وجودها، فينفي معرفته بذلك، مكتفيًا بالقول إنها رحلت قبل خمس عشرة سنة، ثم تصل إلى ذروة ما تصبو إليه، وربما كانت تجد عزاءها الوحيد في إجابته عن هذا السؤال ذي الشقّين المتوازيين: هل كنت تُحبها؟ فيجيب: لا يا مولاتي. وهل كانت تُحبكَ؟ لا يا مولاتي. لقد كانت بغيًا لكل شباب القرية. حينها تضطر للمواجهة فتخبره: أنت كاذب وحقير. ارفع رأسك وأنظر يا ابن النخّاس أنا شاهندة! عندها يقع مغشيًا عليه. ويبدو أن نبوءتها قد صدقت، ولكن ما شكل الطريقة التي ستنتقم بها منه وهي السيدة الأولى في هذه المملكة المُفترضة. أمرت قائد الحرس أن يأخذه معه ويعود به بعد أسبوع وقد أصبح أحد «آغوات» القصر، ووصف الآغا آنذاك هو الرجل الذي يُقطع عضوه الذكري كي لا يشكِّل خطرًا على نساء القصر.
لم يكتفِ عبد الله راشد بصدق نبوءة شاهندة وانتقامها القاسي من محمود الذي خانها، وشهّر بها، وجعلها مجرد وعاءٍ جميل لشهواته الإيروسية العابرة، بل ذهب أبعد من ذلك حينما جعل شاهندة تبكي بشكل متواصل ومرير حتى تحوّل القصر إلى دير موحش، بينما انقلبت هي إلى راهبة متوحدة فيه على الرغم من أنها سيدة البلاد الأولى.
نخلص إلى القول إن «شاهندة» رواية متماسكة، لأنها تقوم على هيكل معماري رصين، تعززه حبكة متينة جمعت بين دفتيها شخصيات متنوعة على الرغم من هيمنة شاهندة على مدار النص الروائي، الذي مزج فيه الكاتب بين الحقيقة والخيال، ليقدّم لنا نصًا روائيًا رائدًا استطاع الصمود على مدى أربعة عقود ونيّف، ولما يزل يقدّم نفسه نصا حديثا قابلا للقراءة كأي نص روائي متجدد ومتوهِّج على الدوام.



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.