البُعد الفانتازي في رواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي

تقوم على هيكل معماري متماسك رصين تعززه حبكة متينة

غلاف «شاهندة»
غلاف «شاهندة»
TT

البُعد الفانتازي في رواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي

غلاف «شاهندة»
غلاف «شاهندة»

تلعب فكرة الانتقام دورًا مهمًا في البناء المعماري لرواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي، وقد تذكِّرنا بمحاولة انتقام هاملت من قاتل أبيه، لكن الأمر يتطلب وقتًا طويلاً من الانتظار الذي قد يُحيلنا هو الآخر إلى انتظار غودو أيضا مع فارق التشبيه، فحينما وقعت شاهندة في غرام محمود لم تكن تحبه أصلاً لأنه ابن سالم النخّاس الذي باعهم عبيدا، وسلبهم حريتهم الشخصية، وهي أثمن شيء في الوجود. فهي تُحبه وتكرهه في آنٍ معًا. وحينما اعترضها على مقربة من البيت المهجور، غرزت أنيابها في صدره، لكنها في الوقت ذاته كانت تريد أن تُوقعه في حبها، والأغرب من ذلك أن تجعله عبدا مملوكًا، لها في محاولة لردّ الاعتبار لكرامتها المسلوبة، وأن تكون سيدة عقله وقلبه في الوقت ذاته.
لقد بنى النعيمي روايته على هذه المفارقة والموقف الإشكالي الذي لا يخلو من تناقض ملحوظ، الأمر الذي يضعنا أمام شخصية مركّبة في أقل تقدير؛ فلقد استطاعت هذه الفتاة الوافدة الحسناء، أن تقلب قرية الحيرة رأسًا على عقب بدلعها ودلالها ومشيتها الفاتنة التي قضّت مضاجع الرجال حتى إن أحدهم، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال، قد طلب يدها للزواج، لكنها رفضته لأنها تحب محمودًا، ابن سالم، وتريد أن تقترن به ويكون من نصيبها على الرغم من فظاظة والده الذي لا يجد حرجًا في المتاجرة بالبشر.
تتعمّق العلاقة العاطفية بين شاهندة ومحمود إلى الدرجة التي تمنحه معها أعزّ ما تملك، وحينما تعرض عليه فكرة الزواج يتذرع بأنه لا يستطيع التمرّد على الأسرة والتقاليد الاجتماعية، فكان ردّها على محمود بأنه «جبان ونذل وحقير»، ثم يوغل في الإساءة إليها حينما يتهمها بممارسة البغاء «كفاكِ، كفاكِ.. لم تكوني لي وحدي قط». (الرواية، ص146). عند ذلك تهدده وتتوعده بأنه سوف يدفع ثمنًا باهظًا لخيانته. تُرى، ما الطريقة التي ستنتقم بها شاهندة من محمود؟ قد يعتقد القارئ أنها قد تقتله لتشفي غليلها وتنتقم لشرفها المُضاع بسببه، وقد تفكر بقتله معنويًا كي تُطفئ النار المتأججة في أعماقها؟ هكذا يتشظى البناء المعماري للنص، وتتوسع أحداثه؛ حيث تغرق السفينة ويموت النوخذة شهداد، لكن ميتته هي بالتأكيد ميتة بطل عظيم.
لم ينتبه حسين إلى جمال شاهندة من قبل، ولم يصخ السمع إلى الأقاويل التي شاعت عن «بغائها» كما يدّعي الوشاة الطامعون بها. وها هو الآن ينظر إليها امرأة ناضجة، بل يطلب منها أن تجلس إلى جواره طالما أن كل شيء مُباح للرجل في هذه المضارب الصحراوية، لكنها ترفض بشدة، الأمر الذي يدفع إلى الانتقام منها، فيبيعها إلى التاجر جابر بن سلطان حتى من دون أن تودّع أمها، فلا غرابة أن تتسع الرغبة عندها للانتقام من كل الرجال على حدٍ سواء.

نموّ الشخصيات

لا شك في أن شاهندة شخصية ذكية، قوية الملاحظة، سريعة التعلّم، أحبّت محمودًا، لكنه خانها وطعنها في الصميم، فقررت الانتقام منه، ومن كل الرجال الذين يمكن أن تطالهم، فحينما طلب جابر أن يقضي وطره منها، قالت له: «هاك جثتي بين يديك.. افعل بها ما تشاء» (الرواية، ص194)، الأمر الذي يدفعه للزواج منها على سُنّة الله ورسوله، وتُنجب له فتاة سوف تسمّيها حليمة، لكنها سوف تخونه مع خادمه عبد الله الدلال الذي لا يتورع عن إيصالها إلى مخادع التجار الأثرياء والموسرين في القرية. حينما عاد زوجها من إحدى رحلاته، جلب معه امرأة شقراء، فعرفت بحس الأنثى وغريزتها التي لا تُخطئ بأن جابرًا قد واقعها في ظلام الصحراء، فقررت في نفسها أن تخونه مع علي، الشاب الأسمر الذي أبدى إعجابه بها غير مرة، وحينما استدرجته إلى كهف مجاور للقرية انقضّ عليها مثل حيوان مفترس، فصرخت بأعلى صوتها وادعت أمام مجموعة من الرجال أنه حاول الاعتداء عليها، فانتقمت من رجلين في آنٍ معًا!
لم يكن عبد الله يحب سيده جابر، ولكنه يخشاه، كما أنه لم يكن يحب شاهندة، بل كان يشتهي جمالها الأخاذ، فلا غرابة أن يأخذها إلى أثرياء القرية ويتاجر بجسدها الغضّ، فلا فرق بين تجارة العبيد وتجارة البغاء! وحينما اكتشفت شاهندة طريق البغاء لوحدها، هدّدها الخادم عبد الله بالانتقام، وعاشت أيامًا غير قليلة بانتظار أن يصبّ هذا الأخير جام غضبه عليها، لكن جابرًا قد سبقه إلى الانتقام من الزوجة الخائنة والخادم غير الأمين، وشعر بأنه قد أخطأ حينما ترك الذئب والحَمَل في قفص واحد!
لم يكن انتقام جابر سهلاً، فلقد أمر رجاله أن يتركوا عبد الله كي يموت من العطش وتنهشه الصقور حتى الموت. أما شاهندة، فلقد تركها عند رجل وحيد في السبعين من عمره ماتت زوجته، وهرب أولاده بحثًا عن الحياة، وظل هو وحيدًا في هذه الواحة مكتفيًا بما لديه من ماء وطعام. لكن هذا الرجل الطاعن في السن فارق الحياة، فانقطعت القوافل. وحينما قررت أن تهيم على وجهها، سقطت في غيبوبة، ثم وجدت عند رأسها عددًا من الرجال الذين يصيدون الحُبارى، حيث سقوها بضعة قطرات من الماء واصطحبوها معهم إلى المدينة.

النهاية الفانتازية

على الرغم من أن الحياة تنطوي على مفاجآت كثيرة، فإن نهاية شاهندة لم تكن لتستقيم لولا استعانة الروائي راشد عبد الله بالبُعد الفانتازي الذي يُذكِّرنا بالأساطير والقصص الخرافية. فشاهندة التي سُلبت منها حريتها الشخصية وأصبحت أَمَةً تُباع وتُشترى للأثرياء والموسرين، تجد نفسها فجأة في صحبة قائد الحرس الملكي وتحت رعاية زوجته التي أحبتها وعاملتها كشقيقة لها، كما وجدت فيها ضالتها المنشودة بعد وفاة الملك؛ إذ كانت تتمنى أن يصبح زوجها وزيرًا، وسوف تكون شاهندة مفتاحًا لهذه الحقيبة الوزارية المغلقة.
قد تشتبك الأحداث في القصر الملكي «المُفترض» الذي «تتضبب» صورته تمامًا وكأننا أمام بلاط أسطوري بالفعل، حيث تصبح شاهندة محظية الملك الأولى وتطلب منه تعيين قائد الحرس وزيرًا، وحينما تُنجب له الأمير فايز، تصبح ملكة البلاد ومحط اهتمامه الأول على الرغم من وجود كثير من المحظيات. وبعد مرور سنتين تطلب الملكة شاهندة عبدا يُدعى محمود سالم النخّاس، فيؤتى به سريعا، وحينما تسأله إن كان يعرف فتاة اسمها شاهندة، يرد بالإيجاب، ثم تستفسر عن مكان وجودها، فينفي معرفته بذلك، مكتفيًا بالقول إنها رحلت قبل خمس عشرة سنة، ثم تصل إلى ذروة ما تصبو إليه، وربما كانت تجد عزاءها الوحيد في إجابته عن هذا السؤال ذي الشقّين المتوازيين: هل كنت تُحبها؟ فيجيب: لا يا مولاتي. وهل كانت تُحبكَ؟ لا يا مولاتي. لقد كانت بغيًا لكل شباب القرية. حينها تضطر للمواجهة فتخبره: أنت كاذب وحقير. ارفع رأسك وأنظر يا ابن النخّاس أنا شاهندة! عندها يقع مغشيًا عليه. ويبدو أن نبوءتها قد صدقت، ولكن ما شكل الطريقة التي ستنتقم بها منه وهي السيدة الأولى في هذه المملكة المُفترضة. أمرت قائد الحرس أن يأخذه معه ويعود به بعد أسبوع وقد أصبح أحد «آغوات» القصر، ووصف الآغا آنذاك هو الرجل الذي يُقطع عضوه الذكري كي لا يشكِّل خطرًا على نساء القصر.
لم يكتفِ عبد الله راشد بصدق نبوءة شاهندة وانتقامها القاسي من محمود الذي خانها، وشهّر بها، وجعلها مجرد وعاءٍ جميل لشهواته الإيروسية العابرة، بل ذهب أبعد من ذلك حينما جعل شاهندة تبكي بشكل متواصل ومرير حتى تحوّل القصر إلى دير موحش، بينما انقلبت هي إلى راهبة متوحدة فيه على الرغم من أنها سيدة البلاد الأولى.
نخلص إلى القول إن «شاهندة» رواية متماسكة، لأنها تقوم على هيكل معماري رصين، تعززه حبكة متينة جمعت بين دفتيها شخصيات متنوعة على الرغم من هيمنة شاهندة على مدار النص الروائي، الذي مزج فيه الكاتب بين الحقيقة والخيال، ليقدّم لنا نصًا روائيًا رائدًا استطاع الصمود على مدى أربعة عقود ونيّف، ولما يزل يقدّم نفسه نصا حديثا قابلا للقراءة كأي نص روائي متجدد ومتوهِّج على الدوام.



أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».