البُعد الفانتازي في رواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي

البُعد الفانتازي في رواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي

تقوم على هيكل معماري متماسك رصين تعززه حبكة متينة
الأحد - 29 رجب 1436 هـ - 17 مايو 2015 مـ
غلاف «شاهندة»
لندن: عدنان حسين أحمد
تلعب فكرة الانتقام دورًا مهمًا في البناء المعماري لرواية «شاهندة» لراشد عبد الله النعيمي، وقد تذكِّرنا بمحاولة انتقام هاملت من قاتل أبيه، لكن الأمر يتطلب وقتًا طويلاً من الانتظار الذي قد يُحيلنا هو الآخر إلى انتظار غودو أيضا مع فارق التشبيه، فحينما وقعت شاهندة في غرام محمود لم تكن تحبه أصلاً لأنه ابن سالم النخّاس الذي باعهم عبيدا، وسلبهم حريتهم الشخصية، وهي أثمن شيء في الوجود. فهي تُحبه وتكرهه في آنٍ معًا. وحينما اعترضها على مقربة من البيت المهجور، غرزت أنيابها في صدره، لكنها في الوقت ذاته كانت تريد أن تُوقعه في حبها، والأغرب من ذلك أن تجعله عبدا مملوكًا، لها في محاولة لردّ الاعتبار لكرامتها المسلوبة، وأن تكون سيدة عقله وقلبه في الوقت ذاته.
لقد بنى النعيمي روايته على هذه المفارقة والموقف الإشكالي الذي لا يخلو من تناقض ملحوظ، الأمر الذي يضعنا أمام شخصية مركّبة في أقل تقدير؛ فلقد استطاعت هذه الفتاة الوافدة الحسناء، أن تقلب قرية الحيرة رأسًا على عقب بدلعها ودلالها ومشيتها الفاتنة التي قضّت مضاجع الرجال حتى إن أحدهم، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال، قد طلب يدها للزواج، لكنها رفضته لأنها تحب محمودًا، ابن سالم، وتريد أن تقترن به ويكون من نصيبها على الرغم من فظاظة والده الذي لا يجد حرجًا في المتاجرة بالبشر.
تتعمّق العلاقة العاطفية بين شاهندة ومحمود إلى الدرجة التي تمنحه معها أعزّ ما تملك، وحينما تعرض عليه فكرة الزواج يتذرع بأنه لا يستطيع التمرّد على الأسرة والتقاليد الاجتماعية، فكان ردّها على محمود بأنه «جبان ونذل وحقير»، ثم يوغل في الإساءة إليها حينما يتهمها بممارسة البغاء «كفاكِ، كفاكِ.. لم تكوني لي وحدي قط». (الرواية، ص146). عند ذلك تهدده وتتوعده بأنه سوف يدفع ثمنًا باهظًا لخيانته. تُرى، ما الطريقة التي ستنتقم بها شاهندة من محمود؟ قد يعتقد القارئ أنها قد تقتله لتشفي غليلها وتنتقم لشرفها المُضاع بسببه، وقد تفكر بقتله معنويًا كي تُطفئ النار المتأججة في أعماقها؟ هكذا يتشظى البناء المعماري للنص، وتتوسع أحداثه؛ حيث تغرق السفينة ويموت النوخذة شهداد، لكن ميتته هي بالتأكيد ميتة بطل عظيم.
لم ينتبه حسين إلى جمال شاهندة من قبل، ولم يصخ السمع إلى الأقاويل التي شاعت عن «بغائها» كما يدّعي الوشاة الطامعون بها. وها هو الآن ينظر إليها امرأة ناضجة، بل يطلب منها أن تجلس إلى جواره طالما أن كل شيء مُباح للرجل في هذه المضارب الصحراوية، لكنها ترفض بشدة، الأمر الذي يدفع إلى الانتقام منها، فيبيعها إلى التاجر جابر بن سلطان حتى من دون أن تودّع أمها، فلا غرابة أن تتسع الرغبة عندها للانتقام من كل الرجال على حدٍ سواء.

نموّ الشخصيات

لا شك في أن شاهندة شخصية ذكية، قوية الملاحظة، سريعة التعلّم، أحبّت محمودًا، لكنه خانها وطعنها في الصميم، فقررت الانتقام منه، ومن كل الرجال الذين يمكن أن تطالهم، فحينما طلب جابر أن يقضي وطره منها، قالت له: «هاك جثتي بين يديك.. افعل بها ما تشاء» (الرواية، ص194)، الأمر الذي يدفعه للزواج منها على سُنّة الله ورسوله، وتُنجب له فتاة سوف تسمّيها حليمة، لكنها سوف تخونه مع خادمه عبد الله الدلال الذي لا يتورع عن إيصالها إلى مخادع التجار الأثرياء والموسرين في القرية. حينما عاد زوجها من إحدى رحلاته، جلب معه امرأة شقراء، فعرفت بحس الأنثى وغريزتها التي لا تُخطئ بأن جابرًا قد واقعها في ظلام الصحراء، فقررت في نفسها أن تخونه مع علي، الشاب الأسمر الذي أبدى إعجابه بها غير مرة، وحينما استدرجته إلى كهف مجاور للقرية انقضّ عليها مثل حيوان مفترس، فصرخت بأعلى صوتها وادعت أمام مجموعة من الرجال أنه حاول الاعتداء عليها، فانتقمت من رجلين في آنٍ معًا!
لم يكن عبد الله يحب سيده جابر، ولكنه يخشاه، كما أنه لم يكن يحب شاهندة، بل كان يشتهي جمالها الأخاذ، فلا غرابة أن يأخذها إلى أثرياء القرية ويتاجر بجسدها الغضّ، فلا فرق بين تجارة العبيد وتجارة البغاء! وحينما اكتشفت شاهندة طريق البغاء لوحدها، هدّدها الخادم عبد الله بالانتقام، وعاشت أيامًا غير قليلة بانتظار أن يصبّ هذا الأخير جام غضبه عليها، لكن جابرًا قد سبقه إلى الانتقام من الزوجة الخائنة والخادم غير الأمين، وشعر بأنه قد أخطأ حينما ترك الذئب والحَمَل في قفص واحد!
لم يكن انتقام جابر سهلاً، فلقد أمر رجاله أن يتركوا عبد الله كي يموت من العطش وتنهشه الصقور حتى الموت. أما شاهندة، فلقد تركها عند رجل وحيد في السبعين من عمره ماتت زوجته، وهرب أولاده بحثًا عن الحياة، وظل هو وحيدًا في هذه الواحة مكتفيًا بما لديه من ماء وطعام. لكن هذا الرجل الطاعن في السن فارق الحياة، فانقطعت القوافل. وحينما قررت أن تهيم على وجهها، سقطت في غيبوبة، ثم وجدت عند رأسها عددًا من الرجال الذين يصيدون الحُبارى، حيث سقوها بضعة قطرات من الماء واصطحبوها معهم إلى المدينة.

النهاية الفانتازية

على الرغم من أن الحياة تنطوي على مفاجآت كثيرة، فإن نهاية شاهندة لم تكن لتستقيم لولا استعانة الروائي راشد عبد الله بالبُعد الفانتازي الذي يُذكِّرنا بالأساطير والقصص الخرافية. فشاهندة التي سُلبت منها حريتها الشخصية وأصبحت أَمَةً تُباع وتُشترى للأثرياء والموسرين، تجد نفسها فجأة في صحبة قائد الحرس الملكي وتحت رعاية زوجته التي أحبتها وعاملتها كشقيقة لها، كما وجدت فيها ضالتها المنشودة بعد وفاة الملك؛ إذ كانت تتمنى أن يصبح زوجها وزيرًا، وسوف تكون شاهندة مفتاحًا لهذه الحقيبة الوزارية المغلقة.
قد تشتبك الأحداث في القصر الملكي «المُفترض» الذي «تتضبب» صورته تمامًا وكأننا أمام بلاط أسطوري بالفعل، حيث تصبح شاهندة محظية الملك الأولى وتطلب منه تعيين قائد الحرس وزيرًا، وحينما تُنجب له الأمير فايز، تصبح ملكة البلاد ومحط اهتمامه الأول على الرغم من وجود كثير من المحظيات. وبعد مرور سنتين تطلب الملكة شاهندة عبدا يُدعى محمود سالم النخّاس، فيؤتى به سريعا، وحينما تسأله إن كان يعرف فتاة اسمها شاهندة، يرد بالإيجاب، ثم تستفسر عن مكان وجودها، فينفي معرفته بذلك، مكتفيًا بالقول إنها رحلت قبل خمس عشرة سنة، ثم تصل إلى ذروة ما تصبو إليه، وربما كانت تجد عزاءها الوحيد في إجابته عن هذا السؤال ذي الشقّين المتوازيين: هل كنت تُحبها؟ فيجيب: لا يا مولاتي. وهل كانت تُحبكَ؟ لا يا مولاتي. لقد كانت بغيًا لكل شباب القرية. حينها تضطر للمواجهة فتخبره: أنت كاذب وحقير. ارفع رأسك وأنظر يا ابن النخّاس أنا شاهندة! عندها يقع مغشيًا عليه. ويبدو أن نبوءتها قد صدقت، ولكن ما شكل الطريقة التي ستنتقم بها منه وهي السيدة الأولى في هذه المملكة المُفترضة. أمرت قائد الحرس أن يأخذه معه ويعود به بعد أسبوع وقد أصبح أحد «آغوات» القصر، ووصف الآغا آنذاك هو الرجل الذي يُقطع عضوه الذكري كي لا يشكِّل خطرًا على نساء القصر.
لم يكتفِ عبد الله راشد بصدق نبوءة شاهندة وانتقامها القاسي من محمود الذي خانها، وشهّر بها، وجعلها مجرد وعاءٍ جميل لشهواته الإيروسية العابرة، بل ذهب أبعد من ذلك حينما جعل شاهندة تبكي بشكل متواصل ومرير حتى تحوّل القصر إلى دير موحش، بينما انقلبت هي إلى راهبة متوحدة فيه على الرغم من أنها سيدة البلاد الأولى.
نخلص إلى القول إن «شاهندة» رواية متماسكة، لأنها تقوم على هيكل معماري رصين، تعززه حبكة متينة جمعت بين دفتيها شخصيات متنوعة على الرغم من هيمنة شاهندة على مدار النص الروائي، الذي مزج فيه الكاتب بين الحقيقة والخيال، ليقدّم لنا نصًا روائيًا رائدًا استطاع الصمود على مدى أربعة عقود ونيّف، ولما يزل يقدّم نفسه نصا حديثا قابلا للقراءة كأي نص روائي متجدد ومتوهِّج على الدوام.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة