ريموند عازار لـ«الشرق الأوسط»: أستمتع بالأدوار التي أقدمها حالياً... والبقية تأتي

إطلالتها الرمضانية في «ظل» و«والتقينا» لفتت انتباه المشاهد

تطل ريموند عازار في دورين مختلفين ضمن مسلسلي «ظل» و«والتقينا»
تطل ريموند عازار في دورين مختلفين ضمن مسلسلي «ظل» و«والتقينا»
TT

ريموند عازار لـ«الشرق الأوسط»: أستمتع بالأدوار التي أقدمها حالياً... والبقية تأتي

تطل ريموند عازار في دورين مختلفين ضمن مسلسلي «ظل» و«والتقينا»
تطل ريموند عازار في دورين مختلفين ضمن مسلسلي «ظل» و«والتقينا»

اعتاد المشاهد اللبناني رؤية الممثلة ريموند عازار في أدوار تجسّد فيها شخصية الأم الحزينة والمريضة أو التي تعاني من مشكلات كثيرة. ولكنها أخيراً، أخذت عهداً على نفسها بعدم إكمال مسيرتها على هذا المنوال. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «حزمت أمري منذ فترة، وقررت ألا أعود إلى أدوار مليئة بالمعاناة. فهذا الأمر أتعبني كممثلة، وانعكس سلباً حتى على من هم حولي. فكانوا يطالبونني بالقيام بأدوار مغايرة، تبرز قدراتي وطاقاتي في التمثيل. فأنا بطبيعتي متفائلة ومبتسمة دائماً. اشتقت لتقديم دور المرأة الليدي والفرحة، التي تحمل شخصيتها في العمل أبعاداً أخرى غير الحزن».
وبالفعل انتقلت ريموند عازار إلى الدفة الأخرى، وقدمت سلسلة أدوار خرجت فيها عن مألوف ما عُرفت به. وانطلاقاً من «دانتيل» كرّت السبحة، لتتلقى عروض تمثيل تروق لها، وعلى مزاجها، كما تقول. فهي اليوم نجمة رمضانية بُعيد مشاركتها في عملين مختلفين: «ظل» و«والتقينا». كما أنها انتهت من تصوير عملين آخرين هما: «الحجرة» و«بيروت 303». وتجسد فيهما أيضاً، أدواراً بعيدة عن تلك التي رافقتها لسنوات طويلة والتي تدور في أجواء الأم المنهكة.
«رفضت عروضاً كثيرة في الفترة الأخيرة، لأنها تعيدني إلى أدوار المعاناة، وقلت في نفسي إن القرار اتخذته ولن أعود عنه. وشاءت الصدف أن أتلقى من ناحية ثانية عروض تمثيل تناسب النقلة التي طمحت إليها. فأنا أعمل في هذا المجال منذ نحو 25 عاماً، وعندي طاقة تمثيلية كبرى، فكان لا بد أن أفرج عنها، فقد حان الوقت لذلك».
تتحدث عازار عن دورها في «والتقينا» مجسدة شخصية «الأميرة فاتن»، زوجة مسؤول مستقيم ورث لقب الأمير أباً عن جد. وتقول في سياق حديثها: «منذ قراءتي الأولى للدور أُغرمت به، واتصلت بالمنتج مروان حداد أعلن له موافقتي السريعة على المشاركة فيه. فهو دور غنيّ بشخصية امرأة مسؤولة وغير خاضعة التي اعتدت تقديمها في أعمال سابقة. كما أنها تلعب دوراً أساسياً في لمّ شمل عائلتها وفي إنشاء مؤسسات إنسانية. تهتم بزوجها وبأولادها، وتحثهم على مواجهة مشكلاتهم بقوة. خطوط الشخصية، إضافةً إلى النص الذي يبرز أهمية الدور، كلها أُعجبتُ كثيراً بها».
وتصف عازار الطاقة التمثيلية التي تتمتع بها بالكبيرة، وأن الأدوار الحزينة كانت تمتص قوتها وتسرق قواها وطاقتها، بشكل كبير. «لا تتخيلي أن هذا النوع من الأدوار هو بالأمر السهل أبداً، فتجسيد شخصيات تئنّ تحت وطأة الألم والوجع والمعاناة، يلزم الممثل أن يذوب بها كغيرها من الأدوار. وكي يصدقك المشاهد ويتماهى معك، المطلوب منك أن تتماهي مع الشخصية إلى حد كبير. ولكنني مللت من هذا النوع من الأدوار، وشعرت أنه عليَّ التغيير، كي لا أراوح مكاني».
تستمتع اليوم ريموند بالأدوار التي تجسدها في العملين الرمضانيين المذكورين، وفي غيرهما. «شعرت أنني جددت طاقتي وانتقلت إلى دفة أخرى كنت أحتاج إليها في مسيرتي. حتى عندما شاركت في دور صغير في الفيلم الخاص بقصة حياة جورج وسوف (مسيرتي)، قدمت دور والدة زوجته شاليمار استمتعت بالعمل».
بعد «دانتيل» و«دور العمر» و«شهر 10» (فيلم خاص بمرضى السرطان) كانت ريموند قد قلبت الصفحة. ولكن هل تشعر أنها تأخرت في القيام بذلك؟ ترد: «نعم قلبت الصفحة، وقد أكون تأخرت بعض الشيء للقيام بذلك. ولكن أشعر اليوم وكأن القدر يسهم في هذا التغيير الذي أحرزه».
كانت ريموند تعاني من الوقوف أمام الكاميرا في فترة معينة، وتقول: «لم أكن أحب بدايةً الوقوف أمامها، لا بل كنت غالباً ما أدير لها ظهري في أثناء التمثيل. فهي كانت تخيفني، ولكني اليوم نضجت بسبب تراكمات تجاربي. صرت أحب الوقوف أمامها وبراحة كبيرة».
وبالعودة إلى «والتقينا» تصف ريموند عازار العمل بأنه يواكب أحداثاً عشناها منذ سنوات قليلة، ولا نزال: «انطباع العمل بهذه الأحداث، وبقصص نابعة من واقعنا كلبنانيين تشمل الفساد والسرقة واللامبالاة من رجال السياسة، أعطاه حيزاً جميلاً. فهو عمل لا يشبه غيره، ويتابعه اللبنانيون لأنه بمثابة مرآة لحياتهم اليوم. وهذا الأمر يحث الممثل على تقديم أفضل ما عنده. وأنا سعيدة بالنجاح الذي يحققه في الشهر الفضيل، إذ احتل مساحة لا يستهان بها من اهتمام اللبنانيين».
سبق لعازار أن شاركت في أعمال رمضانية من قبل كما في «ورد جوري» و«2020» وغيرها. فهل مشاركتها في هذا الشهر تحمل لها تحديات تحبها؟ توضح لـ«الشرق الأوسط»: «من قبل لم أكن أفكر بهذه الطريقة أبداً، ولكنني اكتشفت أن طعم النجاح في شهر رمضان يكون مختلفاً عن غيره من أشهر السنة. فالناس تنكبّ على متابعة الدراما، وتبحث وتختار العمل الذي يحاكيها. كما أنهم يتفرغون لمشاهدة الدراما بشكل أكبر، وهو أمر ألمسه عندما أمشي على الطريق أو أكون في السوبرماركت. فالجميع يناديني باسم (الأميرة فاتن)، وهو أمر يسعدني. فالمساحة التي يزوّدنا بها الشهر الفضيل بخصوص أعمال الدراما تولّد هذا التفاعل ما بين الناس والممثل. وهو أمر ممتع، له وقعه الإيجابي على الفنان».
وعن دورها في مسلسل «ظل» الذي تشارك فيه إلى جانب الممثل جمال سليمان ومجموعة من الممثلين اللبنانيين تقول: «لمجرد إعلامي من الشركة المنتجة لصاحبها مفيد الرفاعي (غولدن تاتش) بأن الأستاذ جمال سليمان هو بطل العمل تحمست ووافقت من دون تردد. فلطالما تمنيت مشاركته دراما معينة.
قبل فترة كنت أطالع منشورات على (إنستغرام)، وقرأت عن هذا المسلسل الذي يحضر له. وأن بين أبطاله القدير جمال سليمان. قلت لنفسي: ليتني أستطيع المشاركة فيه، وأتعرف إلى النجم السوري عن قرب. كأن القدر سمعني وجاءني العرض صباح اليوم التالي. كنت مسرورة جداً وأخبرت القصة لجمال سليمان فيما بعد خلال التصوير».
بعدما قرأت دورها في «ظل» أعجبت به أيضاً، لأنه يمثل شخصية اجتماعية جميلة تتمتع بعلاقة وطيدة مع مصمم الأزياء جبران الصافي، الذي يجسد دوره جمال سليمان. «إنه قامة فنية كبيرة، تلمسين ذلك عن كثب عندما تتعاونين معه. فهو فنان خلوق ومتعاون ودقيق وفي غاية الاحتراف. كنا دائماً نجتمع معاً، ونحضّر للمشاهد ويعطيني رأيه، وأحياناً يعدّل في كلمة أو عبارة تمرّ في المشهد، انطلاقاً من خبرته الكبيرة. فحضوره طاغٍ وهو متعاون إلى أبعد حد مع الفريق الذي يعمل معه».
من الأعمال التي تتابعها في الشهر الفضيل «للموت2». وتقول: «لم يسبق لي أن رأيت الجزء الأول منه في العام الماضي، لانشغالي في تصوير أعمال مختلفة. ولكني اليوم أحاول التفرغ لمشاهدته بين يوم عمل وآخر. وأنا معجبة كثيراً بأبطاله، بدءاً بماغي بوغصن ودانييلا رحمة، وصولاً إلى محمد الأحمد وباسم مغنية وبديع أبو شقرا. كما أتابع أداء كارول عبود بحماس كبير، وأكتشف أكثر فأكثر قدرتها الاحترافية في التمثيل. الأمر نفسه يطبق على كل من فادي أبي سمرا وريان حركة، وخصوصاً رنده كعدي التي أُكنّ لها إعجاباً كبيراً، ناهيك بكميل سلامة الذي أعده أرزة من بلادي وإضافة فنية، لأي عمل يشارك فيه. وقد سبق وتعاونت معه في مسلسل (Awake) وكان رائعاً. كما لفتتني جويل داغر التي تحرز نقلة نوعية في دور (جنى) الذي تقدمه في (للموت2) فالعمل بأكمله رائع، ويستحق المتابعة».
ختاماً أسألها عما ترنو إليه في المستقبل القريب «عينك على شو؟»، ترد: «أتمنى دائماً أن أقدم المختلف والأفضل. وأستعد حالياً للسفر إلى تركيا للمشاركة في مسلسل يتألف من 90 حلقة. سأمكث هناك نحو 7 أشهر، وسأقدم خلاله دوراً أتجدد معه، والبقية تأتي. كما أنتظر عرض مسلسلي (الحجرة) و(303 بيروت)، لأقف على ردود فعل المشاهدين، تجاه أدائي، وأنا متحمسة لذلك».


مقالات ذات صلة

عبد الله غيث يكتسح استفتاءً «سوشيالياً» عن تمثيل «الصعايدة» درامياً

يوميات الشرق آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)

عبد الله غيث يكتسح استفتاءً «سوشيالياً» عن تمثيل «الصعايدة» درامياً

رغم مرور 33 عاماً على رحيل الفنان المصري عبد الله غيث، فإنه تصدَّر استطلاعاً للرأي حول أفضل فنان جسّد دوراً صعيدياً، وتصدر اسمه «الترند» على منصة «إكس» في مصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)

الموسم الخامس لـ«اللعبة» يجدد الجدل حول فرص نجاح أجزاء المسلسلات

جدد الموسم الخامس من مسلسل «اللعبة» الجدل حول فرص نجاح أجزاء المسلسلات بعد ردود الفعل المتباينة التي نالها الجزء الجديد المعروض حالياً على منصة «شاهد».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

تنطلق أحداث مسلسل «الفرنساوي» من فكرة مركزية تقوم على تفكيك العلاقة بين القانون والعدالة، فلا تبدو النصوص القانونية كضامن مطلق للحقيقة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان أحمد عزمي في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

أحمد عزمي: تجاوزت «الفترة الضبابية» بدعم يحيى الفخراني ووحيد حامد

أكد الفنان المصري أحمد عزمي أنَّ مسلسل «حكاية نرجس» الذي شارك في بطولته بموسم رمضان الماضي جذبه منذ الحلقات الأولى للسيناريو.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق أحمد السعدني - مهرجان مالمو

أحمد السعدني: «ولنا في الخيال حب» نجح في المعادلة الصعبة

قال الفنان المصري أحمد السعدني إن تجربته في فيلم  «ولنا في الخيال حب» تمثل محطة مميزة في مشواره.

أحمد عدلي (القاهرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.