الموت في شارع يابلونسكا ببوتشا... قصص 4 جثث قد توثق لجرائم حرب ارتكبت في أوكرانيا

بريطانيا سترسل خبراء لملاحقة مرتكبيها... ومجلس أوروبا يدعو إلى تشكيل محكمة جنائية دولية

دفن كوفالينكو في بوتشا وكان أرتيم واثنان من أقاربه هم المشيعون الوحيدون (أ.ف.ب)
دفن كوفالينكو في بوتشا وكان أرتيم واثنان من أقاربه هم المشيعون الوحيدون (أ.ف.ب)
TT

الموت في شارع يابلونسكا ببوتشا... قصص 4 جثث قد توثق لجرائم حرب ارتكبت في أوكرانيا

دفن كوفالينكو في بوتشا وكان أرتيم واثنان من أقاربه هم المشيعون الوحيدون (أ.ف.ب)
دفن كوفالينكو في بوتشا وكان أرتيم واثنان من أقاربه هم المشيعون الوحيدون (أ.ف.ب)

أثارت صور لوسائل إعلامية لضحايا بملابس مدنية قتل معظمهم بالرصاص في بوتشا وتركوا ليتحللوا على الطريق لأسابيع، غضبا متجددا وأدت إلى فرض عقوبات إضافية على روسيا وتقديم المزيد من المساعدة لأوكرانيا. وعثر لاحقا على ما لا يقل عن عشرين جثة لأشخاص راحوا ضحايا لما يشتبه بأنها جرائم حرب ارتكبتها القوات الروسية. ويفوق عدد الأسئلة الإجابات حول عمليات القتل، لكن صورة بدأت ترتسم مع بدء تحقيقات فيما يفصل شهود الأمور الفظيعة التي حدثت في يابلونسكا. وتقول أوكرانيا إنها تحقق في حوالي 7600 جريمة حرب محتملة وتتحرى عن 500 مشتبه به على الأقل في أعقاب الغزو الروسي في 24 فبراير (شباط). وقالت بريطانيا أمس الجمعة إنها سترسل خبراء لمساعدة أوكرانيا في جمع الأدلة وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب ومن المقرر أن يصل الفريق إلى بولندا في أوائل مايو (أيار). وذكرت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس أن لندن ستساعد في خبرتها في كشف الحقيقة ومحاسبة نظام (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين على أفعاله». وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية أن «الفريق المتخصص سيساعد الحكومة الأوكرانية في جمع الأدلة وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب وسيضم خبراء في العنف الجنسي المرتبط بالصراعات». كما دعت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا الخميس إلى إنشاء «محكمة جنائية دولية مختصة» لمحاكمة «مرتكبي جريمة العدوان ضد أوكرانيا». ودعت الجمعية التي تتخذ من ستراسبورغ مقراً لها في بيان «الدول الأعضاء والدول المراقبة في المنظمة» البالغ عددها 46 «على وجه السرعة» إلى إنشاء محكمة جنائية دولية مهمتها «التحقيق ومقاضاة» جريمة العدوان التي «قد يكون ارتكبها قادة روسيا السياسيون والعسكريون». وينبغي لهذه المحكمة أن «تطبق تعريف جريمة العدوان» المنصوص عليه في قانون العقوبات الدولي ويجب أن يكون مقرها في ستراسبورغ في شرق فرنسا نظراً لأوجه «التآزر التي يمكن أن تنشأ مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان»، الذراع القضائية لمجلس أوروبا، وفق الجمعية البرلمانية. ويجب أن تتمتع هذه المحكمة الجنائية بصلاحية إصدار «أوامر اعتقال دولية بدون تقييدها بحصانة» الدولة أو رؤساء الدول والحكومات. تخصص الجمعية جلستها الربيعية التي تعقدها هذا الأسبوع في المدينة الفرنسية من أجل «تداعيات العدوان الروسي على أوكرانيا». وعبرت عن «صدمتها من حرب العدوان» التي شنتها روسيا ومن معلومات تتحدث عن «فظائع (ضد) المدنيين». وقال مكتب المدعية العامة الأوكرانية الخميس إن عشرة جنود روس قيد التحقيق بشأن ارتكاب جرائم حرب مفترضة في بوتشا، قائلا إن المشتبه بهم متهمون باحتجاز رهائن مدنيين وإلحاق إصابات بهم لانتزاع معلومات. وتنفي روسيا أي تورط لها في مقتل مدنيين.
فيما يأتي، قصص أربعة قتلى من بوتشا:
- ميخايلو رومانيوك (58 عاما):
قال أولكسندر سماغليوك (21 عاما) الذي بدت الصدمة واضحة في عينيه وهو يروي ما حدث صباح 6 مارس (آذار) «غادرنا معا، عدت وحدي». كان قد مضى على وجود الدبابات الروسية في بوتشا أكثر من أسبوع. الهجوم المضاد الأوكراني الذي شن قبل أيام كان غير ناجح وبدأ الخناق يشدد على هذه المدينة الرئيسية المؤدية إلى كييف. أصبح إخلاء بوتشا محفوفا بالخطر ثم بات مستحيلا. كانت المدينة مقطوعة عن العالم فعليا، من دون كهرباء ومياه وخدمات الهاتف المحمول. في 6 مارس عند الساعة 10:30 صباحا، كان ميخايلو رومانيوك (58 عاما) يرافق سماغليوك وهو صديق ابنة شقيقته، لزيارة والد سماغليوك الذي كان في المستشفى بعد تعرضه لإصابة خطيرة جراء قصف. واعتقد سماغليوك ورومانيوك أنهما سيتمكنان من العثور على الكهرباء لشحن هاتفيهما في المستشفى. سارا معا ووصلا في غضون دقائق إلى شارع يابلونسكا. ثم بدأ إطلاق النار. وروى سماغليوك «لم نر أحدا. لم أدرك من أين كانت تأتي الطلقات حتى النهاية. سمعت صوت إطلاق نار ورأيته يسقط». وقال سكان لوكالة الصحافة الفرنسية إنهم سمعوا ورأوا إطلاق نار من اتجاهات مختلفة عندما كان الجنود الروس يحتلون المدينة، ما يزيد من احتمال أن يكون أكثر من قناص نفذ عمليات القتل على الطريق. وقبل أن يستوعب سكانه ذلك، أصبح الشارع المؤدي إلى إيربين نقطة متقدمة للوحدات الروسية التي سيطرت على المدينة. تمركزت دبابات في باحات السكان وفي الشارع، ونصبت متاريس وانتشر جنود في الأبنية المجاورة. وقال فيتالي لوباس قائد شرطة بوتشا «أول شيء قاموا به هو إطلاق النار على كل شيء يتحرك، كل شخص دنا منهم. حتى أنهم أطلقوا النار على تماثيل». بقيت جثة رومانيوك 28 يوما على قارعة الطريق، مع وجه متورم متجهم فيما لا يزال قفازان برتقاليان كان يضعهما، في مكانهما. سحبت جثته في 3 أبريل (نيسان) بعد تحرير المدينة. وتذكر شهادة وفاته «إصابة في الجمجمة نتيجة اختراق رصاصة... جروح دماغية متعددة وكسر في تجويف الجمجمة» لتخلص إلى أن سبب الوفاة «إصابة بسلاح ناري بقصد القتل». كان رومانيوك عامل بناء في بوتشا. دفن رومانيوك في 18 أبريل في بوتشا.
- ميخايلو كوفالينكو (62 عاما):
على نقطة تفتيش روسية عندما كان ذلك ما زال ممكنا، قرر ميخايلو كوفالينكو وزوجته وابنته في 5 مارس الهرب من بوتشا بالسيارة. وأدى القتال العنيف إلى محاصرة الناس في المنطقة، وبالإضافة إلى خطر التعرض لشظايا ورصاص قاتل، قطعت أيضاً إمدادات المياه عن المنازل. وروى أرتيم، صديق ابنة كوفالينكو الذي تحدث طالبا عدم كشف اسمه الكامل إنه عندما وصل كوفالينكو إلى يابلونسكا «ترجل من السيارة رافعا يديه» للتعريف عن نفسه على نقطة تفتيش أقامها جنود روس. وقالت ابنته وزوجته اللتان نجتا بعد فرارهما، إن الجنود أطلقوا النار رغم ذلك. وأضاف أرتيم أن زوجة كوفالينكو أصيبت بجروح خطيرة في ساقها فيما كانت تركض هاربة. بقيت جثة زوجها الذي أطلق عليه الجنود النار من مسافة قريبة، هامدة على رصيف يابلونسكا 29 يوما، وكان يرتدي سترة زرقاء وسروالا بيج. كانت نهاية وحشية ومفاجئة لرجل أحب الاستماع للموسيقى الكلاسيكية وجمع معدات التسجيل التجول وسط المناظر الطبيعية الريفية في بوتشا. تعرف أقارب كوفالينكو عليه من ملابسه في صورة التقطتها وكالة الصحافة الفرنسية عن مسافة في 2 أبريل. وقال أرتيم «كان الأمر مروعا». في 18 أبريل، استدعي أرتيم إلى مشرحة بوتشا للتعرف على الجثة. صديقته الآن لاجئة في بلغاريا حيث تعالج في مركز للصحة النفسية «وتستيقظ كل ليلة» بعدما شهدت مقتل والدها. دفن كوفالينكو في بوتشا، وكان أرتيم واثنان من أقاربه هم المشيعون الوحيدون، كما شاهد صحافي من وكالة الصحافة الفرنسية.
- مكسيم كيرييف (39 عاما):
تجمعت الدماء عند جثة مكسيم كيرييف التي كانت ملقاة عند دوار شارعي يابلونسكا وياريمتشوكا قرب بلاط للرصيف مكدس على ألواح خارج ورشة بناء. كانت جثته واحدة من ثلاث جثث في الموقع تظهر في صورة لوكالة الصحافة الفرنسية، من بينها واحدة مقيدة اليدين خلف الظهر باستخدام شرائط من القماش الأبيض الذي يرتديه الأوكرانيون لتمييز أنفسهم على أنهم غير مقاتلين. حتى تلك اللحظة، كان عامل البناء تفادى الروس ونجا من خلال توجهه إلى ملاجئ في طوابق سفلية في أبنية، على ما قالت إيرينا شيفتشوك البالغة 52 عاما، وهي من معارفه التي باتت صديقة أثناء الغزو. وأضافت لوكالة الصحافة الفرنسية على مسافة نحو 100 متر من المكان حيث لا تزال آثار دمه ظاهرة على الأرض بعد أكثر من شهر على مقتله «الجميع يسمونه مكسيم الشجاع». ويعود جزء من هذا اللقب إلى استعداده لمساعدة الأشخاص الذين يحتاجون إلى التنقل بين الملاجئ. وقتل مكسيم بعد أسابيع من الاحتلال الروسي للمدينة، وهو أمر وثقه في مقاطع فيديو ورسائل حتى بعد رحيل شيفتشوك منتصف مارس بسبب نقص الطعام. ثم في 17 مارس، خرج هو ورجل آخر على الأقل من ملجئهما، كان كيرييف يريد تبديل ملابسه من موقع بناء قريب، على حد قول شيفتشوك. لكنه لم يعد أبدا. وقالت شيفتشوك «من المهم جدا تحقيق العدالة لمكسيم لأننا إذا لم نعاقبهم (الروس)، سيفعلون الأمر نفسه في المستقبل».
- فولوديمير بروفتشينكو (68 عاما):
كان عليه أن ينجز مهمة في ذلك اليوم. وروت شقيقة زوجته ناتاليا زيلينا «في ذلك اليوم، كان عليه إحضار الدراجة الهوائية إلى فورزيل، فهو كان يعمل في فورزيل» في إشارة إلى بلدة مجاورة. وأضافت «استعار الدراجة من أحد الأشخاص، وفي ذلك اليوم، كان يريد إعادتها ببساطة» لافتة إلى أنه عمل في وظائف مختلفة في حياته بما في ذلك النجارة. حاولت زوجته ثنيه عن القيام بالرحلة نظرا إلى الوضع الخطير، لكنه كان مصمما على ذلك وانطلق في رحلته. قتل بالرصاص أثناء قيادته دراجته الهوائية في يابلونسكا في 5 مارس. تعرفت عليه زيلينا وزوجته سفيتلانا بروفتشينكو من خلال صورة لوكالة الصحافة الفرنسية تظهر جثته في يابلونسكا. وحاول أحد الجيران انتشال جثته من الشارع لكن تم إطلاق النار على هذا الرجل أيضاً، لكنه نجا وفق زيلينا (63 عاما). من جهة أخرى، همدت جثة بروفتشينكو على الرصيف مع دراجة زرقاء لأسابيع حتى انتشلت بعد انسحاب الروس. وقالت زيلينا «كان هو نفسه من روسيا، في مكان ما من منطقة غوركوفسكي. لكنه كان يعيش هنا منذ العام 1976».


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...