نظرة إلى «دبلوماسية الديون» الصينية في جنوب آسيا

المشكّكون بنيّات بكين يعتبرونها فخاً

نظرة إلى «دبلوماسية الديون» الصينية في جنوب آسيا
TT

نظرة إلى «دبلوماسية الديون» الصينية في جنوب آسيا

نظرة إلى «دبلوماسية الديون» الصينية في جنوب آسيا

تحت أعباء مديونية غير مسبوقة، وجدت سريلانكا، الدولة الجزيرة الواقعة إلى جنوب الهند في المحيط الهندي، نفسها أمام أزمة كارثية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. ما دفع حكومتها إلى إعلان حالة طوارئ عامة في عموم البلاد. فقد أثار نقص السلع الطبية والغذاء واستفحال أزمة الطاقة، حالة سخط واسعة النطاق وصلت إلى الشوارع. ومع استمرار المظاهرات ألقى المتظاهرون اللوم في الأزمة المعيشية الحادة على حكم رئيسي الحكومة والجمهورية «الشقيقين» ماهيندا وغوتابايا راجاباكسا، في حين ثمة تخوف من اندلاع أزمة دستورية في سريلانكا، ولا سيما بعدما لجأ النظام إلى نشر الجيش وتكليفه التعامل مع المظاهرات، بالتوازي مع استقالة مجلس الوزراء بأكمله تحت وطأة التطورات المتلاحقة.
أعلنت الحكومة السريلانكية
خلال الأسبوع الماضي، أنها بصورة مؤقتة، وللمرة الأولى في تاريخها بمجال الاقتراض، ستعجز عن سداد دين خارجي. واليوم، تعيش سريلانكا فعلياً على الدعم المالي الذي تقدمه لها الهند، بعد رفض الصين إعادة جدولة ديونها، واكتفائها بعرض دين جديد قد يدفع سريلانكا إلى بيع مزيد من الأصول الوطنية.
ما الذي دفع سريلانكا إلى هذه الحالة، وهي التي كان من المتوقع لها أن تحقق تعافياً طيباً بعد ثلاثة عقود من الصراعات العرقية؟ ويرى الكثير من المحللين، أن سريلانكا انزلقت إلى هذه الأزمة بسبب انجرارها وراء حلم الازدهار الصيني من خلال مبادرة «الحزام والطريق» وما تنطوي عليه من مشاريع بُنى تحتية. ويقال إن الصين قدمت على مدار السنوات لسريلانكا 12 مليار دولار أميركي.
مبادرة «الحزام والطريق»
كما هو معروف، سعت بكين وتسعى إلى توسيع نطاق نفوذها عالمياً من خلال «مبادرة الحزام والطريق»، التي خصصت لها مليارات عدة من الدولارات، وتقوم على فكرة تعزيز الاتصال بين مجموعة الدول المشاركة عبر سلسلة من مشاريع البُنى التحتية.
أعلنت بكين «مبادرة الحزام والطريق» عام 2013، وسرعان ما أصبحت البصمة المميّزة للرئيس الصيني شي جينبينغ على صعيد السياسة الخارجية. وعام 2017، أدمجت المبادرة في دستور الحزب الشيوعي الصيني، ووافقت 138 دولة و30 منظمة دولية على المشاركة فيها، مع الإعلان عن استثمارات لربط آسيا وأفريقيا وأوروبا.
من ناحية أخرى، أصدرت مؤسسة «إيد داتا» البحثية المعنية بشؤون التنمية الدولية تقريراً حديثاً خلص إلى أن إجمالي القروض الصينية في الخارج بلغت 843 مليار دولار، منها 385 مليار دولار «ديون لم يعلن عنها أو جرى التقليل من قيمتها».
على ذلك، يطلق المشككون بنيات بكين «دبلوماسية فخ الديون». وتوصلت الدراسة إلى أن 42 دولة تدين بأكثر عن 10 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي للصين. وحقاً، وقّعت ستة من أصل ثمانية دول بمنطقة جنوب آسيا ـ هي باكستان، وسريلانكا، وبنغلاديش، وأفغانستان، ونيبال، والمالديف ـ مذكرات تفاهم مع الصين بخصوص «مبادرة الحزام والطريق». إلا أنه في غضون سنوات قلائل، تحولت هذه الاستثمارات إلى مثال نموذجي لكيف يمكن أن تتخذ استثمارات ضخمة مساراً خاطئاً للدول المستضيفة.
في هذا الصدد، قال سيشادري تشاري، المحرّر الصحافي السابق «لسنوات، حاولت الصين كسر هيمنة الهند في المنطقة. ومنذ بداية الألفية الجديدة، حاولت إنجاز ذلك من خلال إغداق أكثر عن 80 مليار دولار على دول المنطقة - ما يعادل قرابة عشر إجمالي الإنفاق الذي أوردته بيانات (إيد داتا)».
في حين قال الكاتب الصحافي تريديفيش سنغ مايني معلقاً «يمكننا النظر إلى حدثين في جنوب آسيا: الأزمة الاقتصادية في سريلانكا وسقوط حكومة حركة الإنصاف الباكستانية بقيادة عمران خان في باكستان. وعند إمعان النظر إلى هذين الحدثين يتضح لنا أنه مع اقتراب الدولتين أكثر من الصين - كحال دول أخرى - فإن ثمة تداعيات بدأت سلبية تترتّب على الاعتماد المُفرط على بكين. مع العلم أن الدولتين تعرضتا، كغيرهما، لانتقادات على إفراطهما في الاعتماد على الصين، ما أسقطهما فيما أطلق عليه مسمى (فخ الديون). وهو أمر تتجاوز مخاطره الإفراط في الاتكالية الاقتصادية جراء الديون المتراكمة، بل تصل أيضاً إلى إملاء بكين خياراتها السياسية على الدول الأخرى».
حلم «الرخاء» الصيني
واقعياً، يرى كثيرون أن الأزمة الاقتصادية الراهنة في سريلانكا ليست سوى نتاج دبلوماسية «فخ الديون» التي تمارسها الصين، عبر الديون التي قدمتها إلى سريلانكا. وتبعاً لصحيفة «ساوث إيجان تريبيون»، فإن سريلانكا بعد خروجها من فترة الحرب الأهلية عام 2009، كانت متلهفة لاستعادة عافيتها الاقتصادية. وفي المقابل، سارعت بكين إلى محاولة استغلال هذه الفرصة، خاصة في ظل المساعدات العسكرية التي تقدمها لسلطات كولومبو.
وبالفعل، وفّرت الصين سياسياً الحماية لسريلانكا داخل الأمم المتحدة. واقتصادياً، تكشف الأرقام أنها بين عامي 2005 و2017 أمدت سريلانكا بمساعدات بلغت قيمتها 15 مليار دولار، بينها مجموعة من مشاريع البنى التحتية. أما تمويل معظم هذه المشاريع فسار على النهج الصيني الاستثماري المعتاد المتمثل بالاعتماد على قروض مرتفعة الفائدة ومقاولين وعمالة وتكنولوجيا صينية. وعليه، أصبحت الصين المصدر الأول للواردات السريلانكية، مع توجيه تمويل صيني لأكثر عن مشروع على مستوى سريلانكا.
من جهته، قال ساجيث بريماداسا، زعيم المعارضة المحافظة داخل البرلمان السريلانكي، في تصريحات صحافية، إنه «في ظل رئاسة ماهيندا راجاباسكا عام 2005، طمحت الحكومة لتحويل سريلانكا إلى سنغافورة جديدة من خلال بناء بنية تحتية وموانئ على أحدث الطراز. ونجحت الصين في إغواء سريلانكا بالمال من أجل إيجاد موطئ قدم لها داخل هذا البلد الذي كثيراً ما ينظر إليه باعتباره الفناء الخلفي للهند». وأردف «لقد حصلت سريلانكا على قروض من دول مختلفة، ما أدى لارتفاع هائل في الديون، وراهناً تأتي الصين في المرتبة الثانية بين أكثر الجهات إقراضاً لسريلانكا. وبحلول عام 2019، كان أكثر عن 10 في المائة من الديون الخارجية لسريلانكا من نصيب الصين».
في سياق متصل، بعث وزير التعليم السريلانكي السابق والعضو البرلماني عن الحزب الحاكم، واجياداسا راجاباكشي، يوم 3 يناير (كانون الثاني) 2022، خطاباً إلى الزعيم الصيني شي جينبينغ اتهم فيه الصين بدفع سريلانكا إلى هوة الإفلاس من خلال تقديم قروض ضخمة بمعدلات فائدة تجاوزت 6 في المائة مقارنة بقروض متاحة من كيانات دولية بأسعار فائدة تتراوح بين 0.01 في المائة و1 في المائة. هذا، ولدولة تعتمد بشدة على الواردات من إمدادات الطاقة والحبوب والسلع الأساسية والأدوية، فإن وجود احتياطي فيدرالي بقيمة 2.31 مليار دولار فقط يعد بمثابة كابوس. وبالتالي، تتعرض سريلانكا حالياً إلى ضغوط شديدة لسداد ديونها الخارجية البالغة 45 مليار دولار، منها 8 مليارات لحساب الصين، أي ما يعادل قرابة سدس إجمالي الديون الخارجية. وما زاد الوضع سوءاً، رفض الصين تقديم أي تنازلات فيما يتعلق بسداد الديون.
في هذا السياق، يرى المحلل برابهاش كيه. دوتا، أنه «لطالما كانت دبلوماسية الديون الصينية وسيلة لكسب نفوذ سياسي وأمني في مواجهة الهند وتأمين مصالحها داخل منطقة المحيط الهندي، الذي يمر من خلاله القدر الأكبر من إمدادات الطاقة الصينية». ويضيف «المعتقد أن آلام سريلانكا الاقتصادية ستسهم في فتح أعين أي دولة جنوب آسيوية لا تزال تظن أن مبادرة (الحزام والطريق) الصينية والقروض الضخمة يمكن أن تقودها إلى الرخاء. لقد تنامت المخاوف بشدة داخل سريلانكا إزاء القروض الصينية، خاصة في ظل إجبار البلاد في وقت سابق على وضع مشاريع استراتيجية، مثل ميناء هامبانتوتا، تحت السيطرة الصينية على سبيل الإيجار بسبب عجز سريلانكا عن سدد القروض».
ويُعد ميناء هامبانتوتا، في جنوب، ثالا كلاسيكيا على عبء الديون الصينية. وللعلم، فإن مدينة هامبانتوتا هي معقل الرئيس غوتابايا راجاباكسا ورئيس الوزراء ماهيندا راجاباكسا الذي كان رئيس البلاد عندما وقعت مع الصين عقد استئجار ميناء المدينة عام 2007، وبلغت تكلفة مشروع الميناء عدة مليارات وفّرت من خلال قروض من جانب الصين. وجرى تمويل المشروع من خلال منح عقود لتطوير الميناء لمقاولين صينيين. لكن سريلانكا عجزت عن سداد الفائدة والديون، ما أجبرها على الموافقة على منح شركة «تشاينا ميرتشانتس» المملوكة للدولة، إدارة ميناء هامبانتوتا بناءً على عقد إيجار لمدة 99 سنة مقابل مزيد من القروض.
«الممر الاقتصادي» الصيني الباكستاني
دولة أخرى داخل الجوار الهندي، هي باكستان، وقّعت اتفاقاً مع الصين بخصوص مشروع «الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني»، الذي تولّت الصين تحت مظلته تمويل مشاريع بنى تحتية ضخمة. وهكذا انزلقت باكستان إلى أزمة اقتصادية، وتمرّ معها بحالة من الفوضى السياسية في الوقت الراهن. ويقدر إجمالي استثمارات الصين في مشروع «الممر الاقتصادي» بينها وبين باكستان، بـ64 مليار دولار أميركي. ويذكر، أن أقل عن ثلث مشاريع «الممر الاقتصادي» المعلن عنها، أنجزت بالفعل خلال السنوات الثماني الأخيرة، وفق الحكومة الباكستانية.
على صعيد ثانٍ، بينما تروّج الصين لمشروع «الممر الاقتصادي» باعتباره محاولة من جانب الرئيس شي جينبينغ لتعزيز الروابط الصينية - الباكستانية، فإن دلالاته الاستراتيجية تبدو واضحة: إذ ستيسر هذه الاستثمارات الوجود العسكري الصيني داخل باكستان وبحر العرب، حيث يمكنه تهديد واردات الهند من النفط والغاز الطبيعي. ثم إنها ستمنح الصين وباكستان الفرصة للعب دور أكبر داخل أفغانستان خاصة، وآسيا الوسطى عامة، ما قد يضر بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الهندية على المدى الطويل.
في الوقت الحاضر، تعمد بكين إلى توريط إسلام آباد في مصيدة الديون من خلال معدلات الفائدة المرتفعة وشروط السداد الصارمة وغياب الشفافية. وقد أعلن البنك المركزي الباكستاني عن تدفق مبلغ ضخم بقيمة 2.9 مليار دولار على البلاد، وفق صحيفة «دون». كذلك أعلن البنك عن تراجع احتياطيات النقد الأجنبي إلى 12.047 مليار دولار خلال مارس (آذار) بسبب إجراءات سداد كبرى لديون صينية. وأوضح البنك «هذا التراجع يعكس سداد ديون خارجية، بينها قرض كبير من الصين. وفي هذا الشأن، كان صندوق النقد الدولي قد ذكر أخيراً أن باكستان تدين بـ18.4 مليار دولار أو خمس ديونها الخارجية للصين، في حين تقدر إسلام آباد الرقم بنحو 14 مليار دولار.
في أي حال، قال المعلق الباكستاني قمر شيما «أصبحت إسلام آباد معتمدة على نحو متزايد على الصين خلال السنوات الأخيرة - خاصة نتيجة تردي علاقات إسلام آباد مع واشنطن، وكذلك مشروع (الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني)». أما نموذج القروض الصيني فبسيط: تتودد الصين من بلد مضطرب وتعرض عليه المال ليس على سبيل المساعدة، وإنما كقرض تجاري، وتذهب العقود إلى شركات صينية، ويتحمل بلد يعاني ظروفاً اقتصادية صعبة عبء الديون، ويجري وضع المال في حساب أوفشور تملكه الصين، وإذا تعذّر سداد الفائدة أو تسديد الدين، تستحوذ الصين على الأصول، كما حدث مع الكثير من الطرق والمطارات وعدد من الأصول المهمة الأخرى جرى رهنها للصين.
ومع ذلك، فإنه بفضل الدروس المستفادة من انهيار اقتصادي سريلانكا ونيبال، اللذين تهيمن عليهما الصين، ألغت حكومة شهباز شريف الباكستانية الجديدة «هيئة مشروع الممر الاقتصادي»، سعياً لوقف انزلاق باكستان نحو مصير مماثل. ومن المقرر حاليا إعادة هيكلة «الهيئة» التي يهيمن عليها الجيش الباكستاني، ودمجها في وزارة التخطيط والتنمية.

تجاوب سريع للهند إزاء التطورات
> تحركت الهند بسرعة كبيرة، وأيضاً بحذر، لإنقاذ الدول المجاورة لها المطلة على المحيط الهادي والتي تحمل أهمية استراتيجية كبيرة لها.
عام 2018، واجهت المالديف أزمة اقتصادية حادة والآن في عام 2022، تشهد سريلانكا وضعاً مشابهاً. ولقد جاءت الهند لإنقاذ المالديف من المحنة، وقدمت على الفور حزمة مساعدات اقتصادية بقيمة 1.4 مليار دولار في شكل دعم للميزانية، واتفاقيات مبادلة العملات، وخطوط ائتمان ميسّرة. وحول ما هو حاصل صرح المحلل الأمني الهندي براكاش مينون بأن «المالديف تمثّل أهمية استراتيجية للهند، فبينما يُعدّ المحيط الهندي الطريق السريعة الرئيسية للتجارة العالمية وتدفق الطاقة، فإن جزر المالديف تقف فعلياً كبوابة رسوم. بالإضافة إلى ذلك، تعد المالديف شريكاً مهماً في دور الهند كعنصر أمان الشبكة المحيطة بالهند في منطقة المحيط الهندي».
وبالنسبة لسريلانكا، وسعياً للمساعدة في التخفيف من الوضع الاقتصادي المتأزم، قدمت الهند لها مساعدات بقيمة 2.5 مليار دولار أميركي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، منها 1.9 مليار دولار في شكل قروض وخطوط ائتمان ومقايضات عملة. كذلك سعت سريلانكا للحصول على خط ائتمان آخر بقيمة 500 مليون دولار للوقود، وأرسلت الهند إلى «جارتها» سفناً محملة بالسكر والأرز والقمح. وعلاوة على ذلك، حثت الحكومة الهندية صندوق النقد الدولي على تقديم مساعدة مالية عاجلة لسريلانكا من أجل مساعدتها على التعامل مع أسوأ أزمة اقتصادية عاشتها منذ عقود. وهنا يشرح سيشداري شاري قائلاً «من مصلحة الهند مساعدة جيرانها. خطر الديون الصينية قد يؤدي إلى انهيار الآلية الدستورية وسيادة القانون، ويحرك العناصر المعادية للمجتمع التي يمكن أن تخدم قوى معادية للمصالح الأمنية للهند في المحيط الهندي. وقد تتسبب الأزمة الاقتصادية في حدوث نزوح جماعي من الناس إلى الهند، ويمكن أن يتطور هذا التدفق إلى طوفان من اللاجئين الذين سيتعين إيواؤهم بناءً على اعتبارات إنسانية».

بعد درسي سريلانكا وباكستان... انسحابات إقليمية بالجملة
> بسبب الأزمة التي بدأت تتكشف ملامحها في باكستان وسريلانكا، بدأت دول مثل المالديف ونيبال وبنغلاديش تعبد النظر في القروض الصينية لمشاريع البنى التحتية ومسألة المشاركة في «مبادرة الحزام والطريق». وكانت نيبال والصين قد وقّعتا اتفاق تعاون تحت مظلة «مبادرة الحزام والطريق» عام 2017 وسط مساعي نيبال لأن تصبح من بين الدول ذات الدخل المتوسط بحلول عام 2030. ويذكر أن نيبال - الواقعة بين الهند والصين وكثيراً ما تجد نفسها في قلب حروب النفوذ بين البلدين - عاينت سخاءً خاصاً من جانب بكين في السنوات الأخيرة.
وخلال زيارة رئيس الوزراء النيبالي شير باهادور ديوبا الأخيرة للهند هذا الشهر، تحدث بصورة غير رسمية عن زيارة وزير خارجية الصين لنيبال أواخر مارس (آذار). وأبلغ رئيس الوزراء النيبالي الوزير الصيني، بأن بلاده لن تقبل سوى المنح من بكين، وليس القروض الموجهة لمشاريع البنى التحتية.
أما بنغلاديش، فكانت قد أقرّت وجودها في «مبادرة الحزام والطريق» عام 2016، أثناء زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لها. وتعد الصين راهناً الشريك التجاري الأكبر لبنغلاديش. ومن المقرر أن تستقبل بنغلاديش استثمارات صينية تتجاوز 40 مليار دولار أميركي في ظل الشراكة بين البلدين. لكن اللافت أن بنغلاديش أبدت حذراً واضحاً تجاه الاقتراض وتجنبت الاعتماد المفرط على القروض الصينية من خلال محاولة تحقيق توازن من خلال الاستعانة بدعم مالي هندي وياباني وخبرتهما بمجال التشييد والبناء. بخلاف الحال مع باكستان وسريلانكا، حرصت بنغلاديش على إدارة اقتصادها بحرص كي تتجنب السقوط في «فخ الديون» الصيني. وبذا لم تسمح للاستثمارات الصينية بدخول موانئ عميقة تصلح مستقبلا لوجود قطع من البحرية الصينية، وألغت مشروع «سوناديا” في أعماق البحر تحت مظلة «مبادرة الحزام والطريق»، وكانت الصين حريصة للغاية على إنجازه، وكما كان من المفترض تمويل المشروع بالاعتماد على قروض صينية وأن تبلغ قيمة الاستثمارات به 14 مليار دولار.
وأما عن المالديف، وبينما تدين سريلانكا بأكثر عن 10 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي لديها للصين، ترتفع هذه النسبة في هذه الدولة - الأرخبيل الصغيرة على نحو هائل لتصل إلى 40 في المائة. وتشير بعض التقديرات إلى أن المالديف تدين للصين بما يتراوح بين 1.1 مليار و1.4 مليار دولار، ما يعد مبلغاً هائلاً بالنسبة لها. جدير بالذكر، أن إجمالي الناتج الداخلي للمالديف يبلغ قرابة 4.9 مليار دولار أميركي. وإذا اعتمدنا على الأرقام الرسمية، فإن هذا يعني أن الديون تتجاوز نصف الإنتاج الاقتصادي السنوي للبلاد.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.