لماذا لا يتدخل معظم الناس إذا تعرض غيرهم للتنمر؟

التنمر يؤثر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا
التنمر يؤثر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا
TT

لماذا لا يتدخل معظم الناس إذا تعرض غيرهم للتنمر؟

التنمر يؤثر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا
التنمر يؤثر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا

تخيل أنك في العمل، وشهدت زميلاً يتنمر بشكل متكرر على زميل آخر. ماذا كنت ستفعل؟ بينما يرغب الكثير منا في الاعتقاد بأننا سنتدخل لإيقافه، تظهر الدراسات الاستقصائية أن معظم الموظفين الذين يشهدون على مواقف لها علاقة بالتنمر، والمعروفين باسم المتفرجين، لا يستجيبون بطرق من شأنها أن تساعد الضحية.
وحسب تقرير نشرته مجلة «The Conversation»، أفاد ما يصل إلى 60 في المائة من الموظفين في بعض الأماكن، بأنهم لا يفعلون شيئاً عند مشاهدة التنمر. لماذا؟ وما هي عواقب ذلك؟
يحدث التنمر في مكان العمل عندما يتعرض الموظف لسلوكيات متكررة من شأنها مضايقة شخص ما أو استبعاده أو التأثير عليه سلباً. قد يتراوح هذا من أعمال العنف الجسدي الواضحة إلى السلوك الأكثر غموضاً، مثل السخرية أو الإهانة أو استبعاد شخص اجتماعياً.
يمكن أن يؤثر التنمر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا، حيث تؤدي الحالات القصوى إلى إيذاء النفس أو الانتحار. في المتوسط، يؤثر التنمر في مكان العمل على نحو 15 في المائة من الناس، على الرغم من أن بعض القطاعات، مثل الرعاية الصحية والتعليم العالي، تشير إلى معدلات أعلى.

تأثير عدم القيام بأي شيء
يُنظر إلى التنمر في مكان العمل تقليدياً على أنه مشكلة بين الضحية والمتنمر - ويتم التعامل مع الأمر وفقاً لذلك. لكن غالباً ما يحدث التنمر أمام الآخرين. تظهر الاستطلاعات أن ما يصل إلى 83 في المائة من الموظفين في بعض المنظمات أفادوا بمشاهدة التنمر في العمل.
هذا مقلق. قد تؤدي مشاهدة التنمر إلى الإضرار بالصحة النفسية للمتفرجين؛ مما يثير الخوف من كيفية معاملتهم في المستقبل.
لكن كيفية استجابة المتفرجين يمكن أن تساعد أو تؤدي إلى تفاقم وضع الضحايا. في الدراسة الأخيرة، طُلب من موظفين في جامعة كبيرة الإجابة عن أسئلة حول تجاربهم في التنمر، كضحية أو كمتفرج.
أظهرت الدراسة، أن ضحايا التنمر تعرضوا لضرر أقل عندما كان لديهم مارة متعاونون يتدخلون بنشاط. وعلى العكس من ذلك، فإن الضحايا في مجموعات من المارة الذين لم يفعلوا شيئاً قد تعرضوا لأضرار أكبر.
السبب في ذلك هو أن الضحايا في هذه المواقف لا يجب أن يتعاملوا مع التنمر فحسب، بل يجب عليهم أيضاً فهم سبب عدم استجابة الآخرين، وهو ما يزيد من الضغط. بدا أن المتفرجين هم مفتاح المساعدة في خلق ثقافة مكافحة التنمر في مكان العمل.
رأى الباحثون، أن ردود المارة تجاه التنمر في مكان العمل يمكن تصنيفها بطريقتين: النشطة مقابل السلبية، والبنّاءة مقابل الهدّامة. يصف الأول مدى استباقية الاستجابة في معالجة موقف التنمر، بينما يوضح الأخير ما إذا كانت الاستجابة تهدف إلى تحسين أو تفاقم وضع الضحايا.
هناك أربعة أنواع من المتفرجين. هناك متفرجون نشيطون بنّاؤون، يسعون بشكل استباقي ومباشر إلى تحسين حالة التنمر عن طريق، على سبيل المثال، الإبلاغ عن المتنمر أو مواجهته. هناك أيضاً متفرجون سلبيون بنّاؤون لا يحلون بشكل مباشر المشكلة، لكنهم يستمعون إلى الضحية أو يتعاطفون معه.
من ناحية أخرى، يتجنب المتفرجون السلبيون التنمر ولا يفعلون شيئاً. في حين أن هذا قد يبدو لطيفاً بالنسبة للبعض، فقد ينظر المستهدفون إلى السلبية على أنها تتغاضى عن أفعال المتنمر. أخيراً، يؤدي المتفرجون المدمرون النشطون إلى تفاقم حالة البلطجة، على سبيل المثال، من خلال الوقوف بشكل علني مع المتنمر أو إعداد مواقف يمكن فيها للمتحرش أن ينتقد الناس. يصبحون فعلياً متنمرين ثانويين.

علم النفس وراء التفهم
لماذا يفشل الكثير من الناس في التدخل عندما يرون شيئاً يعلمون أنه خاطئ أو ضار؟ أشهر نظرية لشرح هذه الظاهرة والمعروفة باسم تأثير المتفرج، مستوحاة من مقتل كيتي جينوفيز. كانت كيتي شابة في نيويورك في الستينات تعرضت للطعن حتى الموت خارج مبنى شقتها بينما كان 38 ساكناً يشاهدون من نوافذهم. في البداية، تم الإبلاغ عن عدم تدخل أي شخص أو استدعاء الشرطة.
ومع ذلك، يبدو أن التأثير يستمر في المواقف الأكثر غموضاً، مثل التنمر، والتي لا ترقى إلى مستوى حالة طبية طارئة. يفسر تأثير المتفرج تصرفاتهم من خلال اقتراح أن الأفراد تقل احتمالية مساعدتهم عند وجود أشخاص آخرين. هذا يجعلنا نشعر بمسؤولية أقل على المستوى الشخصي للتصرف، خاصة في المواقف الغامضة.
يجب أن يدرك الموظفون أن الضحية لا تستحق ما يحدث لهم. علاقات العمل معقدة وفي بعض الحالات، على سبيل المثال عندما يكون أداء المجموعة أمراً أساسياً، قد لا يوافق الموظفون على ارتكاب الآخرين للأخطاء أو إزعاجهم وقد يرون أن سوء المعاملة لها ما يبررها.
أخيراً، يجب أن يدرك الموظفون أنهم قادرون على التدخل بفاعلية. هناك العديد من الحالات التي يرغب فيها الموظفون في التصرف ولكنهم لا يشعرون بالقدرة على ذلك، مثل ما إذا كان المتنمر مشرفاً أو إذا فشلت المحاولات السابقة للتدخل.

التدخل
بينما لا يوجد حل واحد يناسب الجميع لتشجيع تدخل المتفرج، هناك أشياء تساعد على فهم موقف الضحية بشكل أفضل. تشير الأبحاث إلى أن تبني منظور، أو محاولة رؤية الأشياء من خلال وجهة نظر أخرى، يمكن أن يكون مفيداً.
أظهرت التجارب أن المشاركين الذين يُطلب منهم أخذ وجهة نظر الجاني هم أقل عرضة للاتفاق على أن سوء السلوك قد حدث من المشاركين الذين يُطلب منهم أخذ وجهة نظر الضحية.
تلعب المنظمات دوراً رئيسياً في إيقاف التنمر، ومن الناحية المثالية، يجب أن يكون لديها سياسات لمكافحة التنمر يمكن للموظفين الوصول إليها بسهولة. يجب أن تحدد هذه السياسات بوضوح ما هو التنمر وأن تحتوي على عمليات شفافة وسرية للإبلاغ عن الحوادث التي تم اختبارها أو مشاهدتها بشكل مباشر.
يجب أن تحظى السياسات ومبادرات مكافحة التنمر بتأييد الإدارة العليا. هذا من شأنه أن يساعد الموظفين في النهاية على الشعور بالأمان في التحدث علانية.
الأهم من ذلك، يجب على المنظمات محاولة العثور على الأسباب الجذرية للتنمر، وإذا كان هناك أي شيء يمكنهم تغييره للحد منه. على سبيل المثال، قد يساهم عبء العمل الكبير وضعف التواصل في ثقافة التنمر.


مقالات ذات صلة

خضراوات قد تخفض خطر الإصابة بسرطان القولون

صحتك الخضراوات الصليبية يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بسرطان القولون (رويترز)

خضراوات قد تخفض خطر الإصابة بسرطان القولون

يُعدّ سرطان القولون من أكثر أنواع السرطان انتشاراً في العالم، وتشير دراسات حديثة إلى أن النظام الغذائي يلعب دوراً مهماً في تقليل خطر الإصابة به.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُعد شراب الشعير (ماء الشعير) من المشروبات الطبيعية التي استخدمت منذ سنوات طويلة لدعم صحة الكلى والمساعدة في التخفيف من حصى الكلى (بيكسلز)

فوائد شراب الشعير لالتهاب المسالك البولية

شراب الشعير مشروب طبيعي قد يساعد في التخفيف من حصى الكلى ودعم صحة المسالك البولية، بفضل خصائصه المدرّة للبول والمهدئة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق التوأم الملتصق الصومالي «رحمة ورملا» قبل العملية (واس)

بدء عملية فصل التوأم الملتصق الصومالي «رحمة ورملا» في الرياض

بدأ الفريق الطبي والجراحي لعمليات فصل التوائم السيامية بقيادة المستشار بالديوان الملكي رئيس الفريق الدكتور عبد الله بن عبد العزيز الربيعة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك الارتفاع الحاد في هرمونات التوتر وعلى رأسها هرمون الأدرينالين قد يصبح سامّاً لعضلة القلب بشكل مؤقت (بيكسلز)

القلب تحت ضغط المشاعر... متلازمة تحاكي النوبة القلبية

هناك حالة طبية أقل شيوعاً قد تبدو في أعراضها مشابهة تماماً للنوبة القلبية، لكنها تختلف عنها في الأسباب والنتائج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قلة النوم غالباً ما تؤدي إلى ضعف التحكم في الشهية (بيكسلز)

ما المدة المثالية للنوم لتقليل خطر الإصابة بالسكري؟

حاولت دراسة حديثة تحديد المدة المثالية للنوم التي قد تساعد في تقليل خطر الإصابة بمقاومة الإنسولين وهي حالة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة احتمالات الإصابة بالسكري

«الشرق الأوسط» (لندن)

«ابتسامات رمضانية في المترو»... معرض مصري بطعم النوستالجيا

جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
TT

«ابتسامات رمضانية في المترو»... معرض مصري بطعم النوستالجيا

جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)

بلوحات باسمة عن الفوانيس والمسحراتي والكنافة والزينة ومدفع رمضان، ازدانت جدران محطة مترو صفاء حجازي، وسط العاصمة المصرية القاهرة، ووقف ركاب المترو لالتقاط الصور مع اللوحات التي ذكرتهم بالماضي، وفجّرت في أخيلتهم حالة من النوستالجيا، تمثلت في الحنين للطقوس الرمضانية التي اعتادها المصريون في الشهر الكريم.

«ابتسامات رمضانية في المترو»، هو عنوان معرض الكاريكاتير والبورتريه الذي تنظمه وزارة الثقافة المصرية بالتعاون والتنسيق مع وزارة النقل وهيئة مترو الأنفاق والجمعية المصرية للكاريكاتير، يضم أكثر من 40 عملاً لفنانين من كل الأجيال، ويحوّل محطة صفاء حجازي (حي الزمالك) إلى مساحة للبهجة؛ حيث يمنح آلاف الركاب فرصة يومية لاكتشاف الفن أثناء تنقلهم.

لوحات المعرض استعرضت مظاهر رمضانية مختلفة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

ويضم المعرض، الذي يستمر طوال شهر رمضان، نخبة من رواد ورسامي الكاريكاتير؛ حيث تُعرض أعمال لعدد من الرواد، من بينهم صلاح جاهين ومصطفى حسين وعبد العزيز تاج، إلى جانب مشاركة مجموعة من الفنانين المعاصرين، منهم أحمد عبد النعيم، وأحمد علوي، وأحمد قاعود، وأحمد جعيصة، وآمنة سعد، وثروت مرتضى، وخالد صلاح، وخضر حسن، ودسوقي البغدادي، وسمير عبد الغني، وسعيد بدوي، وشيماء الشافعي، وعمر صديق، وعمرو سليم، وغادة مصطفى، وفوزي مرسي، ومحمد الصباغ، ومصطفى الشيخ، ومصطفى سالم، وهدير يحيى.

و«تعكس الأعمال المعروضة روح الاحتفاء بشهر رمضان المعظم، بوصفه مناسبة إنسانية وثقافية جامعة؛ حيث مزج الفنانون بين الابتسامة الذكية والتعبير الإنساني الدافئ، في لوحات تستلهم تفاصيل الحياة الرمضانية ومظاهر البهجة المرتبطة به»، وفق بيان لوزارة الثقافة.

إقبال من ركاب المترو على معرض «ابتسامات رمضانية» (وزارة الثقافة)

وأعرب الفنان مصطفى الشيخ، رئيس الجمعية المصرية للكاريكاتير، عن تقديره للدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة للجمعية، من خلال تنظيم هذا المعرض، وأكد أن إقامة معرض فني في أحد الفضاءات العامة يُمثل خطوة مهمة نحو توسيع دائرة التلقي، وإتاحة الفنون البصرية لجمهور أكثر تنوعاً.

من جانبه، أوضح الفنان فوزي مرسي، قوميسير المعرض، والأمين العام للجمعية المصرية للكاريكاتير، أن «المعرض المقام حالياً يُمثل تظاهرة فنية وثقافية مميزة، تعكس الدور الحيوي لفن الكاريكاتير في قراءة الواقع والتفاعل مع قضايا المجتمع بوعي نقدي ولغة بصرية مباشرة»، كما أكد أن «هذا الفن لا يقتصر على الابتسام فحسب، بل يعد وسيلة فعّالة لتوصيل الأفكار وتبسيط القضايا المعقدة وإبراز التناقضات الاجتماعية والسياسية بأسلوب فني مؤثر».

فوازير «فطوطة» اشتهرت خلال رمضان في الثمانينات (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

ووفق حديث مرسي لـ«الشرق الأوسط»: «يعد هذا أول معرض كاريكاتير رمضاني يُنظَّم داخل محطات مترو الأنفاق بالقاهرة، ويأتي استمراراً لتجربة ناجحة بدأت في فبراير (شباط) الماضي داخل محطة صفاء حجازي، عندما استضافت المحطة معرضاً فنياً احتفاءً بافتتاح المتحف المصري الكبير، وهو ما شجّع على تكرار التجربة وتطويرها».

أعمال المعرض تستعيد مظاهر شهر رمضان (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

وأضاف أن «فكرة إقامة المعرض داخل المترو تعكس توجهاً مهماً للخروج بالفن من القاعات المغلقة إلى الفضاءات العامة؛ حيث يلتقي مباشرة بآلاف الركاب الذين يمرون بالمحطة كل يوم، فيتحول طريقهم المعتاد إلى لحظة تأمل وابتسامة».

الكنافة من الأكلات الشهيرة المرتبطة برمضان (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

وأكدت وزارة الثقافة أن «هذا المعرض وغيره من الأنشطة الأخرى تأتي ضمن استراتيجية لإتاحة الفنون في الفضاءات العامة، وتسهيل وصولها إلى مختلف فئات المجتمع، بما يُعزز الدور المجتمعي للثقافة، ويجعلها جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين».

الأغاني التي ميّزت شهر رمضان ضمن لوحات المعرض (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

فيما لفت منسق المعرض إلى أن الأعمال تستلهم روح شهر رمضان، من خلال أعمال كاريكاتيرية وبورتريهات تستعيد ملامح العادات الرمضانية المصرية القديمة، مثل أجواء السحور واللمة الرمضانية وروح البهجة في الشارع المصري، إلى جانب بورتريهات لعدد من أشهر الشخصيات المرتبطة بذاكرة الشهر الكريم، من بينها الموسيقار سيد مكاوي صاحب الصوت الرمضاني المميز في أغاني «المسحراتي»، والشخصية الكوميدية الشهيرة «فطوطة» التي ارتبطت بوجدان أجيال من المصريين.


هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
TT

هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

قال المخرج الياباني هيروتا يوسوكي إن الفكرة الأساسية لفيلم الرسوم المتحركة «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» لم تنطلق من الرغبة في تقديم مغامرة جديدة أو توسيع عالم سينمائي سبق أن حقق نجاحاً، بل جاءت نتيجة تأمل طويل في معنى الانتظار، موضحاً أنه ظل مشغولاً بسؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، وهو: لماذا يواصل بعض الناس الانتظار رغم مرور السنوات وتعاقب الخيبات؟

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الانتظار الصادق لا يعكس ضعفاً أو عجزاً، بل يكشف عن قلب لا يزال نابضاً وقادراً على الإيمان، حتى في مواجهة الفقد»، وهو المعنى الذي أراد إبرازه في الفيلم الذي عُرض بالنسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، حيث قدّم للجمهور الجزء الثاني من «بوبيل في مدينة المداخن» الذي طُرح لأول مرة عام 2020.

غير أن الجزء الجديد يذهب إلى مساحة أكثر هدوءاً وتأملاً من العمل السابق، وتبدأ الحكاية بخسارة شخصية عميقة؛ للصبي «لوبيتشي» الذي يعيش صدمة فقد صديقه «بوبيل»، لكن الفيلم لا يتعامل مع الفقد عبر مشاهد بكائية أو انفعالات صاخبة، بل يختار طريقاً أكثر صمتاً، حيث يتحول الحزن إلى جمود داخلي، يشبه ساعة توقفت عن الدوران من دون أن يسمع أحد صوت توقفها.

هذا الجمود هو ما يقود «لوبيتشي» إلى عالم غامض تحكمه قواعد صارمة؛ عالم يُقصى فيه كل ما يتوقف عن العمل. الساعات التي تتعطل تُستبعد فوراً، كأنها فقدت قيمتها، ووسط هذا النظام الحديدي يقف برج ضخم، ساعته متوقفة عند الحادية عشرة وتسع وخمسين دقيقة، ومع ذلك لم يُهدم.

المخرج الياباني هيروتا يوسوكي (مهرجان برلين)

هنا تتبلور الفكرة الرمزية التي يراها يوسوكي جوهر الفيلم. فهو يؤكد أن اختيار التوقيت لم يكن عشوائياً، بل يمثل لحظة معلّقة بين النهاية والاستمرار، بين السقوط والنجاة، لافتاً إلى أنه أراد أن يشعر المشاهد بأن شيئاً ما على وشك الحدوث، وأن النهاية ليست قدراً محتوماً طالما الدقيقة الأخيرة لم تكتمل.

ويشير المخرج إلى أن «عالم الفيلم لم يُصمَّم باعتباره مساحة فانتازية مستقلة فحسب، بل بصفته انعكاساً مباشراً للعالم الداخلي للبطل، فكل تفصيلة معمارية، وكل حجر في البرج، يمثل ذكرى أو خوفاً أو فكرة تسكن داخل (لوبيتشي) لذلك لم يكن الهدف الإبهار البصري بقدر ما كان خلق بيئة نفسية يشعر بها المشاهد، حتى لو لم يدرك أبعادها الرمزية بشكل واعٍ. لأن العالم المتخيَّل في الأحداث ليس هروباً من الواقع، بل مرآة له».

قدم المخرج الجزء الجديد بفلسفة مغايرة عن الجزء الأول (إدارة مهرجان برلين)

على مدار 98 دقيقة، تتصاعد الأحداث تدريجياً، ويخوض «لوبيتشي» رحلة تتجاوز فكرة إصلاح ساعة متوقفة، ويلتقي بـ«غاس»، الرجل الذي أمضى مائة عام منتظراً تحقيق وعد، ليصبح وجوده شهادة حية على معنى الانتظار الطويل، كما تظهر شخصيات أخرى ترافق الصبي في رحلته، وتكشف له أوجهاً مختلفة للزمن، ما بين الصبر، والأمل، والتحول، في المقابل، يبرز الفيلم التناقض الواضح بين المدينة الصناعية التي جاء منها «لوبيتشي»، بعالمها المعدني القاسي، وبين عالم البرج المشيّد من الحجر والكتل الثقيلة.

يتحدث يوسوكي بإسهاب عن شخصية «غاس»، مؤكداً أنه لم يرد تقديمه بوصفه مجرد رجل عجوز ينتظر، بل بوصفه رمزاً لفكرة الإيمان الذي يتحول مع الزمن إلى جزء من الهوية، فمرور مائة عام ليس مبالغة زمنية تهدف إلى الدهشة، بل تعبير عن أن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بقدرته على الاستمرار رغم غياب الدليل، فهو لا ينتظر لأنه متأكد من النتيجة، بل لأنه اختار ألا يتخلى عن الوعد، حتى لو بدا مستحيلاً.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

ويكشف المخرج عن أن خلفيته الممتدة في مجال الرسوم الحاسوبية أثّرت بعمق في مقاربته البصرية، لكنه كان واعياً لخطر أن تتحول التقنية إلى عنصر بارد يخلق مسافة بين العمل وجمهوره، لذلك سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين الدقة الرقمية والدفء الإنساني، مؤكداً أن الإيقاع البصري، وحرصه على ألا تبدو الصورة أقرب إلى الرسم اليدوي من حيث الملمس والحركة كانا أهم معايير العمل.

يعترف يوسوكي بأن نجاح الجزء الأول شكّل ضغطاً نفسياً حقيقياً عليه عند التفكير في تقديم جزء ثانٍ. لكنه قرر ألا يقارن العملين أو يسعى إلى تكرار ما حقق إعجاب الجمهور سابقاً، لافتاً إلى أنه تعامل مع «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» بوصفه قصة مستقلة قادرة على الوقوف بذاتها، حتى لمن لم يشاهد الفيلم الأول، لأن هدفه شعور المشاهد بأنه يدخل عالماً كاملاً لا يحتاج إلى معرفة مسبقة.


فنانون مصريون يسجلون حضورهم في مسلسلات خليجية وجزائرية برمضان

الدراما الجزائرية اجتذبت فنانين مصريين (الشركة المنتجة)
الدراما الجزائرية اجتذبت فنانين مصريين (الشركة المنتجة)
TT

فنانون مصريون يسجلون حضورهم في مسلسلات خليجية وجزائرية برمضان

الدراما الجزائرية اجتذبت فنانين مصريين (الشركة المنتجة)
الدراما الجزائرية اجتذبت فنانين مصريين (الشركة المنتجة)

لفت عدد من الفنانين المصريين الأنظار بمشاركاتهم في أعمال فنية عربية تعرض خلال موسم الدراما الرمضاني الحالي عبر قنوات ومنصات مختلفة.

وتنوع الحضور المصري بالدراما في دول عربية مختلفة -من بينها الجزائر والكويت- بين الأدوار الكوميدية والتراجيدية، وكذلك في الإخراج، وكتابة السيناريو.

ويأتي المسلسل الجزائري «حاصلة في كايرو» في مقدمة الأعمال الفنية التي تشهد على حضور فنانين مصريين، من بينهم عايدة رياض، ومحمد الصاوي، وسعد الصغير، وعزة مجاهد، وعمرو عبد العزيز، وغيرهم، والمخرج وائل فهمي عبد الحميد.

وتتابع أحداث «حاصلة في كايرو» قصة امرأة جزائرية وابنتها وحياتهما في القاهرة عبر فترتين مختلفتين، حيث تطرأ عليهما عدة تحولات اجتماعية تفرضها المدينة.

الناقد الفني الجزائري خالد بن طوبال أشاد بمسلسل «حاصلة في كايرو»، مؤكداً أن «العمل يعكس أهمية دمج الثقافات المختلفة بين البلدين من خلال قصة تجمع بين الكوميديا والدراما في قالب مشوق، مما ساهم في تسويق الممثلين الجزائريين خارج نطاق بلدهم، خصوصاً سهيلة معلم، ومحمد خساني، إلى جانب ليندة ياسمين».

وقال طوبال لـ«الشرق الأوسط»: «تكمن أهمية الدراما العربية المشتركة في تعزيز التبادل الفني والثقافي، حيث تعتبر أداة فعالة تربط الجمهور العربي بأعمال مختلفة تعكس القضايا اليومية في قالب يطرح قصصاً وسيناريوهات أكثر تنوعاً».

سوسن بدر تشارك في الدراما العربية (الشركة المنتجة)

وأشار طوبال إلى أن الجمهور الجزائري تعلق بالأجواء العائلية اللطيفة التي يدور حولها المسلسل، والشكل (اللايت كوميدي) الذي يثير الضحك تحت إدارة المخرج وائل فهمي عبد الحميد.

في السياق، وللسنة الثانية على التوالي تواصل الفنانة سوسن بدر مشاركتها في المسلسل الإماراتي «الباء تحته نقطة»، وتدور أحداثه في إطار اجتماعي كوميدي، ويشاركها بالعمل الفنانة الكوميدية إيمان السيد.

ويشارك المخرج المصري، أحمد البنداري، هذا الموسم في الدراما الإماراتية من خلال إخراج مسلسل «لحظات مسروقة» الذي تدور أحداثه في إطار اجتماعي درامي مشوق، كما يشهد العمل على عودة الفنانة الإماراتية سميرة أحمد للدراما بعد غيابها لسنوات.

وتظهر الفنانة المصرية انتصار في دور محوري خلال أحداث المسلسل الكويتي «أعوام الظلام»، ووفق صناع العمل، فإنه يحكي قصة الكاتب الكويتي بدر المطيري الذي تعرض للسجن بعد إدانته بإحدى التهم زوراً، وبراءته بعد ذلك مما ترك أثراً على نفسيته، المسلسل معالجة وسيناريو وحوار لورشة «سرد»، للكاتبة مريم نعوم، وإخراج المخرج المصري محمد سلامة، الذي أخرج أيضاً المسلسل الكويتي «وحوش 2».

الملصق الترويجي لمسلسل أعوام الظلام (الشركة المنتجة)

وتعليقاً على المشاركات المصرية اللافتة بالدراما العربية هذا العام، قال الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين إن «العمل الفني لا يعترف بجنسيات أو حدود، وإن الاستعانة بفنان مصري في عمل عربي أمر طبيعي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «طالما الفنان يصلح لدور معين حينها لا يشغلنا معرفة جنسيته، لأن الأساس بالفن والمتعارف عليه هو أن الدور ينادي صاحبه بعيداً عن أي اعتبارات أخرى».

وأوضح سعد الدين أن «المشاركة بين النجوم المصريين والعرب في الأعمال الفنية ستعود بالفائدة على الدراما بشكل عام»، لافتاً إلى أن الناس عندما يشاهدون عملاً عربياً يستمتعون به كونه يضم توليفة مختلفة من كل الجوانب.

وعد الناقد الفني «الأمر المهم هو أن يؤدي الممثل دوره بشكل صحيح مهما كانت جنسيته، لأن معيار النجاح أساسه جودة الأداء، كما في السينما العالمية، فهي قائمة على الأفضل بصرف النظر عن الجنسية».