فيفيان هايوود وت. س. إليوت... الزواج في متاهته الموحشة

هل كانت «الأرض الخراب» صدى شعرياً لخواء الشاعر العاطفي؟

فيفيان هايوود وت. س. إليوت
فيفيان هايوود وت. س. إليوت
TT

فيفيان هايوود وت. س. إليوت... الزواج في متاهته الموحشة

فيفيان هايوود وت. س. إليوت
فيفيان هايوود وت. س. إليوت

لم يحدث أن حظي أحد من شعراء القرن العشرين، عدا قلة نادرة، بالشهرة والمكانة والحظوة النقدية البالغة التي حظي بها الشاعر الأميركي – البريطاني توماس ستيرنز إليوت. وهي مكانة لم تقتصر دائرتها على العالم الأنجلوسكسوني وحده، بل هي تعدت ذلك الإطار لتبلغ تردداتها حدود العالم، ولتتم ترجمة أعمال الشاعر وكتاباته النقدية إلى عشرات اللغات الحية. والأدل على أصالة هذه التجربة وعمقها الإنساني، هو استعصاؤها على الضمور وثباتها الصلب في وجه الزمن. وإذا كان نتاج إليوت الشعري منذ باكورته «بروفروك وملاحظات أخرى» ووصولاً إلى أعمال لاحقة من مثل «الرجال الجوف» و«أربعاء الرماد» و«رباعيات أربع»، قد لقي الكثير من اهتمام القراء ودارسي الأدب، فإن قصيدته «الأرض الخراب» التي تم إنجازها عام 1922، والتي عمد الشاعر إلى حذف جزء كبير منها بناءً على نصيحة صديقه عزرا باوند، قد أحدثت من الأصداء والترجيعات المدوية، كما لم تحدثه أي قصيدة أخرى في الشعر المعاصر.
أما على المستوى الإنساني، فإن أي تتبّع عميق لطفولة الشاعر ونشأته المبكرة، لا بد أن يفسر بشكل أو بآخر الكثير من سلوكياته ومكوناته النفسية والفكرية، التي وجدت تعبيراتها في المجالين الديني والعاطفي على نحو خاص. فهو لم يكن يتجاوز السادسة من عمره، حين بدأت مربيته الشخصية آني ديون تحدثه عن وجود الله وماهيته وأشكال تجلياته في العالم، قبل أن تأخذه معها إلى إحدى الكنائس الكاثوليكية القريبة من منزله العائلي؛ الأمر الذي ترك أبلغ الأثر في بلورة معتقداته الروحية والفكرية اللاحقة. وفي كتابها المميز «الحياة غير الكاملة لـت. س. إليوت» تروي الناقدة البريطانية ليندال جونسون أن إليوت كان يجلس على مقعده الدراسي محاطاً بطفلتين مشاغبتين، وأنهما في أحد الأيام راحتا تتهامسان حول الحجم الكبير لأذنيه؛ الأمر الذي أصابه بالخجل، ودفعه للذهاب إلى المنزل وشدّ أذنيه بمادة لاصقة لكي تبدوا أصغر مما هما في الواقع.
لكن إيثاره طفلاً للعزلة والانفراد، كان له وجهه الإيجابي المتمثل بإدمانه على القراءة، حيث كان الشاعر الأميركي إدغار آلان بو، بتقصياته النفسية ومناخاته العصبية المؤرقة، أقرب الكتّاب إلى نفسه. ولعل مواقف أبيه المتشددة إزاء القضايا العاطفية والجنسية، ورؤيته إلى العلاقة الجسدية بوصفها نوعاً من القذارة، قد أسهمت من جهتها في ريبته من المرأة وحذره الشديد من «جانبها الشيطاني». كما أن نزوعه المطرد للابتعاد عن الفتيات، هو الذي دفعه إلى الإلحاح على لالتصاق بأمه وأخته شارلوتت اللتين شكّلتا حدود عالمه النسائي الأثير في تلك المرحلة. ولقد عبّرت أمه غير مرة، وهي الشاعرة بالفطرة التي لم تمكّنها التزاماتها الزوجية المرهقة من تنمية موهبتها، عن إيمانها الراسخ بموهبته، وكتبت إليه حين بات طالباً في هارفرد بأنها تريد منه «أن يكون شاعراً مرموقاً، ويحقق الحلم الذي عجزت هي نفسها عن تحقيقه». وقد انعكس موقفه المتوجس من النساء في أحد نصوصه المبكرة، حيث يصف المرأة بقوله «إنها العدو الأبدي للمطلق». ومع أن تلك الهواجس لم تمنعه من الوقوع في حب زميلته في هارفارد إميلي هيل، فإن إليوت لم يتمكن من مفاتحتها بمشاعره، بسبب الخجل والخوف، إلا بعد مغادرته أميركا والتحاقه بجامعة أكسفورد في لندن، حيث تبادل معها العديد من الرسائل العاطفية التي قطعها زواجه المفاجئ من فيفيان هايوود.
ولم يكن لدراسة إليوت في هارفرد والسوربون وأكسفورد، أن تغير كثيراً من طبعه الخجول أو سلوكياته المتحفظة إزاء النساء. وإذا كان عام 1915 هو العام الذي شهد ولادة ديوانه الأول «بروفروك وملاحظات أخرى»، فهو في الوقت ذاته العام الذي التقى خلاله بفيفيان هايوود، الشابة الشغوفة بالحياة والكتابة والفن، والتي ما لبث أن اقترن بها خلال وقت قصير. وقد رأى الناقد الإنجليزي بيتر أكرويد، في مقالة له في الملحق الصحافي لجريدة «الأوبزرفر» البريطانية، أن إليوت لم يكن لدى تعرفه بهايوود قد اختبر بعد أي تجربة جنسية فعلية، وأنه كان يفتقر حينها إلى النضج الوجداني، في حين كانت فيفيان تفتقر إلى الاتزان العاطفي والعقلي. أما الناقد الإنجليزي أوزبرت ستويل فيعتبر أنها كانت «أقرب إلى الحيوية منها إلى الجمال، كما كانت شديدة الوعي بذاتها وبالآخرين، ويقظة إلى درجة الحساسية المفرطة. كما كانت تميل إلى ارتياد المسارح وإلى الرقص على موسيقى الفونوغراف». وإذ وصفها بعض أقارب إليوت بأنها شخصية مبهجة وجذابة وحساسة إزاء الجمال، فقد اعتبر ستويل أنها بدت في نظر إليوت، رغم مساواتها له في السن، تجسيداً ملموساً لانطلاقة الشباب وجرأته.
ولما كان والدا فيفيان، تشارلز وروز هايوود، ينتميان إلى طبقة ميسورة، ويجسدان الطابع الإنجليزي بامتياز، فقد وجد إليوت نفسه منجذباً بكليته إلى جو العائلة، وإلى ابنتها فيفيان التي وصفها البعض بأنها كانت مصدر إلهامه الشعري، ووصفها البعض الآخر بأنها كانت مصدر عذابه الدائم، في حين ذهب البعض الثالث إلى أنها كانت مزيجاً من كلا الأمرين. غير أن من يقرأ يوميات فيفيان، وبخاصة تلك المكتوبة قبل لقائها بإليوت بعام واحد، يتبين له أنها كانت تعاني من مرض في الأعصاب يجعلها معرضة لنوبات من القلق والكآبة حيناً، ولنوبات من المرح والابتهاج بالحياة حينا آخر. وعندما التقى بها برتراند رسل، وقد كان أستاذاً لإليوت في مادة الفلسفة، وصفها بأنها «خفيفة ومغامرة وسوقية على نحو ما».
والواضح من سياق السيرة، أن صاحب «رباعيات أربع» لم يكن قد عرف عن الشابة التي اقترن بها، سوى الوجه المتعلق بمكانة عائلتها الاجتماعية المرموقة، مع الإشارة إلى أن الأب كان رساماً موهوباً في مجال البورتريه والمناظر الطبيعية. أما حالتها المرضية ومشكلاتها العصبية التي كانت تسبب لها صداعاً حاداً وتقلصات في البدن وفقدان التوازن، فلم يكتشفها إليوت، وفق كتّاب سيرته، إلا بعد الزواج. واللافت هنا أن أياً من والدي فيفيان لم يعمد إلى اطلاع الشاب الخجول والمفتقر إلى الخبرة العاطفية، الذي كانه إليوت، على وضع الابنة الصحي، علماً بأن أطباءها كانوا يحقنونها بالمورفين حين يشتد بها الألم، وكانت أمها تخشى أن يكون ما تعاني منه نوعاً من الهستيريا أو الجنون. وحيث لم يتردد والدا فيفيان في الموافقة على زواجها من إليوت، الذي رأيا فيه نموذجاً للتهذيب والسلوك المؤدب، فإن والدي هذا الأخير أظهرا، وقد بوغتا بالحدث، الكثير من الامتعاض وعدم الارتياح. وإذ تمنيا على ابنهما العودة مع زوجته الشابة إلى أميركا ومواصلة دراساته العليا في هارفارد، رفضت فيفيان فكرة السفر، بحجة أن الغواصات الألمانية التي كانت تذرع المحيط في فترة الحرب العالمية الأولى، يمكن أن تعرّض الزوجين لمخاطر غير محمودة العواقب. ومع أن والد إليوت لم يكن راضياً عن خطوة ابنه المتسرعة وغير المحسوبة، فهو لم يشأ أن تسود القطيعة بينهما بشكل كامل، ولم يوقف المعونة المالية التي كان يمده بها بشكل دوري. أما أمه التي كانت شديدة التعلق به، فقد كان رد فعلها أكثر عصبية وتوتراً من رد فعل الأب. لكن المحزن في الأمر أن الشاعر الذي غادر منزل أبويه مغموماً ومحبطاً من تلك الزيارة، لم يقدّر له أن يرى أباه على الإطلاق بعد تلك الزيارة.
أما لحظات الهناءة التي عاشها الطرفان في بداية اقترانهما، فقد بدأت، وفق بيتر أكرويد، تخلي مكانها للعديد من تباينات الأعماق التي أتاح لها واقع الحياة اليومية الظهور على السطح. إذ سرعان ما تبين أن الزوجة المفرطة في حيويتها الجنسية والعاطفية، هي النقيض الضدي للزوج «العذري» الذي جعلته نشأته المحافظة أسير الكثير من العقد والمفاهيم المتزمتة والرغبات المكبوتة. ومع أن ألدوس هكسلي، صديق الشاعر، كان يرى بأن فيفيان استطاعت، بما تمتلكه من عوامل الإثارة والاندفاع الغريزي نحو الحياة، أن تدفع الزوج إلى مجاراتها في كل ما تفعله، إلا أن تلك المجاراة ما لبثت أن أعطت مفعولها العكسي، متسببة بتعاسة الشاعر وانشقاقه على نفسه، بعد أن بدت مفتعلة ومتكلفة، وبعيدة عن طبيعته الأصلية.
على أن الصعاب المختلفة التي واجهت الزوجين، لم تثن إليوت عن محاولة إنقاذ وضعهما المترنح، مؤثراً الابتعاد عن عائلة زوجته والسفر إلى إيستبورن، على أمل أن ينعما هناك بالراحة والهدوء. لكن الرحلة تلك بدت أشبه بشهر عسل زائف، كما عبّر برتراند رسل، الذي وصله من فيفيان رسالة قانطة وصفها لاحقاً بأنها تشبه إلى حد بعيد الرسائل التي يتركها اليائسون خلفهم قبل أن يُقدموا على الانتحار. وفي قراءته الشخصية لتدهور العلاقة بين الزوجين، رأى رسل، الذي اعترف في وقت لاحق بخيانة صديقه الأثير عبر دخوله في مغامرة عاطفية قصيرة مع هايوود، بأن مردّ ذلك التدهور هو نظرتهما المتباينة إلى الشهوة الجسدية، الأمر الذي دفع إليوت إلى اعتبار الفعل الجنسي شكلاً من أشكال العنف والفعل العدائي. والأرجح أن هذا الخلل المطرد في علاقة الزوجين، هو الذي دفع بعض الدارسين إلى الحديث عن ضعف الشاعر الجنسي، والبعض الآخر إلى الحديث عن نزوعه المثلي، في حين عمد البعض الثالث إلى نفي الأمرين معاً، معتبرين أن السبب الفعلي لابتعاده عن الفراش الزوجي، هو نفوره من شراهة زوجته الجنسية من جهة، والتفاقم المأساوي لحالتها العصبية والعقلية من جهة أخرى. وإذا كان الشعر في دلالاته العميقة هو الترجمة الأصدق لخلجات النفس، فإن إليوت يعبّر في بعض قصائده عما ينتابه إزاء رغبات الجسد وغرائزه المتأججة من عُقد وكوابيس ففي قصيدة له بعنوان «أنشودة»، نشرها عام 1920 ولم يعد إلى نشرها في أي من دواوينه، يتحدث إليوت عن عريس شاب يرى دماً على فراش عروسه ليلة الزفاف، فيصاب بنوع من الفوبيا الشديدة ويتخيلها منزوعة الأحشاء. وفي قصيدة أخرى له بعنوان «هستيريا»، يتحدث عبر أنا المتكلم، عن امرأة غير سوية تضع رجلاً على المائدة، هو إليوت بالذات، ثم تشرع في التهامه بشكل وحشي.
وإذا كان للمرء في هذه الحالة أن يتساءل عن السبب الحقيقي الذي جعل ت. س. إليوت، الذي تحول إلى الكنيسة الأنجليكانية عام 1927، يرضخ لذلك الواقع المزري لثلاثة عقود من الزمن، فإن الإجابة عن مثل هذا التساؤل المشروع تنقسم إلى قسمين اثنين، يتصل أولهما بتكوين الزوج النفسي والسلوكي، الأقرب إلى التسليم الديني والقدري بالواقع، في حين يتصل الثاني بالنتاج الإبداعي، وبالشعر على نحو خاص، حيث تم تصعيد الألم والحزن الفرديين نحو مستويات أخرى تتعلق بانهيار الحضارة الغربية وتفريغ الإنسان من معنى وجوده الفعلي، كما يظهر من قصيدتي «الأرض الخراب» و«الرجال الجوف»، على سبيل المثال لا الحصر.
ومع أن إليوت قد آثر بعد مخاض عسير، الابتعاد التدريجي عن زوجته التي أثخنتها الأمراض، وصولاً إلى انفصال الطرفين الرسمي عام 1933، إلا أن متاعبه العاطفية والنفسية لم تتوقف على الإطلاق، إلا لحظة رحيلها عن هذا العالم عام 1947. وهو إذ عمد في السنوات الأخيرة التي سبقت وفاة زوجته، إلى تجديد علاقته بإيميلي هيل، التي سبق أن أولع بها زمن شبابه الأول، إلا أنه لم يستجب لرغبتها الملحة في الزواج منه، دون أن تُعرف على نحو جلي الأسباب الحقيقية لذلك الرفض. غير أن القدر الذي شاء لإليوت، الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1948، أن يرزح تحت وطأة الألم والحزن والخواء العاطفي لعقود ثلاثة متلاحقة، لم يلبث أن وفر له الشعور بالراحة والأمان والحب الحقيقي، حين تزوج في سنوات حياته الأخيرة من سكرتيرته فاليري فلتشر. ورغم أن فلتشر كانت تصغره بثمانية وثلاثين عاماً، فهي قد استطاعت بما تختزنه في داخلها من حب وحكمة ونضج، أن تكون حتى لحظة وفاته عام 1965، ظهيره الفعلي وملاكه الحارس وصمام أمانه الأمثل، في الحقبة الفاصلة بين الكهولة والموت.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي