«داعش» يسيطر على المجمع الحكومي بالرمادي.. وواشنطن تسحب خبراءها من الحبانية

تعزيزات عراقية ومن التحالف لمواجهة التنظيم في أكبر مدن الأنبار.. ونزوح جديد لأهالي المدينة

أهالي الرمادي في عملية نزوح جديدة قبيل سيطرة «داعش» على المدينة أمس («الشرق الأوسط»)
أهالي الرمادي في عملية نزوح جديدة قبيل سيطرة «داعش» على المدينة أمس («الشرق الأوسط»)
TT

«داعش» يسيطر على المجمع الحكومي بالرمادي.. وواشنطن تسحب خبراءها من الحبانية

أهالي الرمادي في عملية نزوح جديدة قبيل سيطرة «داعش» على المدينة أمس («الشرق الأوسط»)
أهالي الرمادي في عملية نزوح جديدة قبيل سيطرة «داعش» على المدينة أمس («الشرق الأوسط»)

سيطر تنظيم داعش أمس على المجمع الحكومي في الرمادي مركز محافظة الأنبار في غرب العراق، مما يعني سيطرته على كامل المدينة بعد انسحاب القوات الأمنية والحكومة المحلية من الرمادي. ما يشكل أحد أبرز إنجازاته في البلاد منذ نحو عام.
وأتى هذا التقدم في المدينة التي تبعد نحو 100 كلم إلى الغرب من بغداد، غداة شن التنظيم هجمات مكثفة على جبهات عدة في محافظة الأنبار، كبرى محافظات العراق، التي يسيطر على مساحات واسعة منها، شملت تفجيرات انتحارية واقتحام مراكز عسكرية والسيطرة على مناطق جديدة. وتشير الأنباء إلى وجود تعزيزات عراقية ومن التحالف الدولي لمواجهة التنظيم المتطرف.
وعاود مسلحو تنظيم داعش سيطرتهم على أحياء وسط مدينة الرمادي مستغلين سوء الأحوال الجوية والعواصف الترابية التي تضرب الأنبار الصحراوية بشكل مستمر، فيما تأكد سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى بين صفوف الشرطة والمدنيين.
وقال عذال الفهداوي عضو مجلس محافظة الأنبار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك قتالا عنيفاً في مدينة الرمادي منذ ساعة متأخرة من ليلة الخميس». مؤكدا «سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى بين صفوف الشرطة والمدنين»، لافتا إلى أن «الجميع عاجزون عن إخلاء العوائل والجرحى رغم اتخاذ الاستعدادات المسبقة».
وطالب مجلس محافظة الأنبار الحكومة المركزية عبر نداءات استغاثة بإنقاذ الشرطة المحلية والمدنيين المحاصرين في الرمادي، التي تشهد منذ عام معارك كر وفر بين «داعش» والقوات الحكومية مدعومة بمقاتلين من الحشد الشعبي والعشائر العراقية.
وقال فالح العيساوي نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار في حديث لـ«الشرق الأوسط» «كنت أخشى من سيطرة المسلحين مرة أخرى على المناطق التي عاد إليها أكثر من 60 ألف من النازحين من أهالي الرمادي وبقية مدن الأنبار الذين تركوا منازلهم مرة أخرى واتجهوا سيرا على الأقدام إلى شرق المدينة، ولم تنفع نداءاتنا ومطالبتنا من الحكومة المركزية بإرسال تعزيزات إلى مدينة الرمادي وهذه هي النتيجة أن مسلحي داعش عاودوا الهجوم على الأحياء السكنية وأرواح الأبرياء مهددة بكوارث أخرى على أيد المسلحين».
وقال دلف الكبيسي قائمقام قضاء الرمادي لـ«الشرق الأوسط»» إن «مسلحي تنظيم داعش استهدفوا المبنى الحكومي ومبنى قيادة شرطة الأنبار بسبع سيارات مفخخة ومدرعة مما أسفر عن انهيار مبنى قيادة شرطة الأنبار الملاصق تماما للمجمع الحكومي وتسبب الانفجار في إلحاق أضرار كبيرة بالمبنى الحكومي في مدينة الرمادي».
وقال ضابط برتبة رائد في شرطة الرمادي لوكالة الصحافة الفرنسية إن «داعش سيطر على المجمع الحكومي وسط الرمادي ورفع راية التنظيم فوق مبنى قيادة شرطة الأنبار، بعد انسحاب القوات الأمنية إلى مقر قيادة عمليات الأنبار» في شمال المدينة.
وأشار إلى أن الانسحاب سببه «شدة الاشتباكات وانفجار عدد من السيارات المفخخة التي تسببت بإلحاق أضرار كبيرة بعدد من مباني المجمع» الذي يضم مباني حكومية عدة، أبرزها مقر المحافظة ومديرية شرطة الأنبار. وأكد التنظيم السيطرة على المجمع ونسف مبان فيه.
وأعلن في بيان تداولته حسابات إلكترونية متشددة «اقتحام المجمع الحكومي الصفوي وسط الرمادي من قبل كواسر الأنبار»، مضيفا أن ذلك «أدى للسيطرة عليه بعد تصفية من فيه من المرتدين ومن ثم تفخيخ ونسف مباني مجلس محافظة الأنبار ومديرية شرطة الأنبار الصفوية المجاورين لبعض».
ويستخدم التنظيم عبارة «الصفوي» للإشارة إلى الجيش العراقي الذي يتهمه بالتبعية لإيران، وعبارة «المرتدين» للإشارة إلى المسلحين المناهضين له.
وأكد الشيخ حكمت سليمان، وهو قيادي في إحدى العشائر السنية المناهضة للتنظيم، سيطرة الأخير على المجمع وانسحاب القوات الأمنية. وأوضح أن الأخيرة «تقاتل في مناطق متفرقة من دون قيادة مركزية». وبعد فقدان المجمع الحكومي، باتت القوات الأمنية تسيطر على أحياء معدودة في شمال الرمادي وجنوبها، إضافة إلى مقر قيادة عمليات الأنبار.
وفي حال تمكن التنظيم من السيطرة على كامل الرمادي، سيصبح مسيطرا على مركزي محافظتين عراقيتين، إذ إنه يسيطر منذ يونيو (حزيران) الماضي على مدينة الموصل (شمال) مركز محافظة نينوى. وكان التنظيم يسيطر كذلك على مدينة تكريت (160 كلم شمال بغداد) مركز محافظة صلاح الدين، إلا أن القوات العراقية استعادت السيطرة عليها مطلع أبريل (نيسان). ويسيطر التنظيم منذ مطلع عام 2014 على أحياء على أطراف الرمادي، قبل أشهر من هجومه الكاسح في يونيو (حزيران)، الذي أتاح له السيطرة على مناطق واسعة في شمال العراق وغربها.
وتركزت الهجمات على الرمادي ومحيطها، ومحيط مدينة الفلوجة (60 كلم غرب بغداد) التي يسيطر عليها التنظيم كذلك منذ مطلع 2014.
وجاء في نشرة «البيان» التي يبثها تنظيم داعش: «في حي الجمعية في الرمادي نفذ جنود الله حكم الله في أربعة عشر مرتدا كانوا قد أسروا خلال المعارك الدائرة هناك». كما قال إن 13 جنديا قتلوا جراء تفجير منازل كانوا يستخدمونها شرق الرمادي.
وأعلن التنظيم سيطرته الخميس على بلدة الجبة (180 كلم شمال شرقي بغداد)، القريبة من قاعدة الأسد الجوية العراقية، حيث يدرب مئات المستشارين العسكريين الأميركيين الجنود وأبناء العشائر على قتال «داعش».
وذكر مصدر عسكري عراقي رفيع المستوى أمس أن طائرات أميركية خاصة قامت بإجلاء المستشارين الأميركيين من قاعدة الحبانية العسكرية شرقي الرمادي إلى بغداد. وقال المصدر العسكري الذي رفض الكشف عن اسمه لوكالة الأنباء الألمانية «إن طائرات عسكرية أميركية تقوم حاليا بإجلاء ونقل المستشارين والخبراء العسكريين الأميركيين من قاعدة الحبانية العسكرية شرقي الرمادي وتقلهم إلى المنطقة الخضراء ببغداد».
وأضاف: «إن نقل الخبراء العسكريين إلى بغداد جاء بسبب سيطرة تنظيم داعش على معظم مناطق الرمادي والدوائر الحكومية وخشية على أن يقتحم التنظيم قاعدة الحبانية العسكرية».
وحازت الأنبار على حيز مهم في تسجيل صوتي نشر الخميس لزعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، هو الأول له منذ ستة أشهر، ودعا فيه المسلمين «للهجرة إلى الدولة الإسلامية» وأرض «الخلافة» التي أعلن إقامتها العام الماضي في مناطق سيطرته بسوريا والعراق.
وقال البغدادي «أثني على أسود الولاء والبراء الكواسر في الأنبار الذين هدموا حصون المرتدين وانتزعوا الأنبار انتزاعا من أعين المرتدين وحلوق الروافض رغم أنف أميركا وحلفائها».
وحذر رئيس مجلس محافظة الأنبار صباح كرحوت أمس من سيطرة تنظيم داعش على مدينة الرمادي، وقال «إن سيطرة تنظيم داعش على مدينة الرمادي تشكل كارثة كبيرة ستدفع ثمنها جميع المحافظات العراقية لأن انهيار الوضع في مدينة الرمادي له تأثير كبير على الأمن الوطني العراقي».
وأضاف: «إن سيطرة داعش على الرمادي دلالة بأن الإرهابيين سينقلون عملياتهم الإرهابية إلى محافظات أخرى وستندم الحكومة المركزية لعدم معالجتها الأوضاع بصورة سريعة في المدينة».
وأعلن مصدر عسكري عراقي أمس أن طيران التحالف الدولي يشن غارات جوية مكثفة على المواقع التي سيطر عليها «داعش» في الرمادي.
وقال المصدر لوكالة الأنباء الألمانية «إن طيران التحالف الدولي يشن غارات جوية مكثفة على المواقع التي سيطر عليها داعش اليوم (أمس)».
وأضاف المصدر أن الغارات الجوية نفذت على المجمع الحكومي ومناطق الثيلة والمعلمين والجمعية ومناطق أخرى، وأسفرت عن قتل وجرح العشرات من التنظيم لافتا إلى أن الغارات متواصلة.
ورصدت «الشرق الأوسط» نزوح آلاف الأسر من مناطق الجمعية والثيلة والقطانة والبو علوان ومناطق وأحياء أخرى في وسط مدينة الرمادي سيرا على الأقدام باتجاه شرق المدينة إلى منطقة الخالدية في نزوح آخر مشابه للنزوح الأكبر في تاريخ المدينة الذي حدث قبل أقل من شهر من الآن رغم أن مسلحي تنظيم داعش أطلقوا تحذيرات عبر مكبرات الصوت وعبر الجوامع التي سيطروا عليها ضمن المناطق التي دخلها مسلحو التنظيم مطلقين تحذيرات بعدم خروج العائلات ومن سيخرج فإن دمه مهدور، وفيما دخل بعض عناصر تنظيم داعش إلى منازل في منطقة الثيلة وسط مدينة الرمادي وقاموا بتفتيش المنازل وأجهزة الهاتف بحثا عن أسماء لمطلوبين لديهم، حسب شهود عيان.
وبسيطرة تنظيم داعش على الرمادي وضمها إلى سلطته إضافة إلى أهم مدن الأنبار مثل الفلوجة كبرى مدن محافظة الأنبار ومدينتي الرطبة والقائم الحدوديتين بين العراق وسوريا والأردن ومدن هيت وراوة ونواح أخرى منها كرمة الفلوجة القريبة من حدود العاصمة بغداد، يكون التنظيم قد أحكم سيطرته على أكثر من ثلث مساحة العراق. حيث بقيت بلدات صغيرة محاصرة مثل ناحية البغدادي.
وقال الشيخ نعيم الكعود رئيس مجلس وشيوخ عشائر الأنبار المقاتلة للإرهاب في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «ناحية البغدادي أمام خطر سيطرة المسلحين عليها إذا لم تتحرك الحكومة لمعالجة الأمر بإرسال تعزيزات عسكرية سريعة». وأضاف: «إن مسلحي تنظيم داعش يقومون بهجوم شرس من عدة محاور على ناحية البغدادي، وإن عشرات الآلاف من المدنيين محاصرون داخل المدينة ومهددون بحملة إبادة جماعية إذا ما سيطر المسلحين على المدينة خصوصا أن رجال المدينة وشبابها يقاتلون التنظيم الإرهابي ويتصدون لهجماته منذ أكثر من عام». وتمكن التنظيم خلال الأشهر الماضية من توسيع سيطرته في المحافظة، رغم الضربات الجوية للتحالف الدولي بقيادة واشنطن.
وتعد المحافظة ذات طبيعة جغرافية صعبة، تمزج بين المدن والأراضي الزراعية والصحراوية الشاسعة، وتتشارك حدودا طويلة مع سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.