«أنريل إنجين 5»... قفزة ثورية في عالم الرسومات الرقمية

محاكاة واقعية لتسريع العمل وخفض تكاليف الأفلام والألعاب الإلكترونية

جدة: خلدون غسان سعيد
جدة: خلدون غسان سعيد
TT

«أنريل إنجين 5»... قفزة ثورية في عالم الرسومات الرقمية

جدة: خلدون غسان سعيد
جدة: خلدون غسان سعيد

أطلقت شركة «إبيك غيمز» Epic Games محرك الألعاب الجديد المجاني «أنريل إنجين 5» Unreal Engine 5 خلال شهر أبريل (نيسان) الجاري، الذي يقدم قفزة ثورية في عالم الرسومات الرقمية للألعاب الإلكترونية والأفلام ثلاثية الأبعاد بفضل التقنيات المتقدمة التي يدعمها. ومن شأن هذه التقنيات تسريع صناعة الرسومات وتسهيلها بشكل كبير جداً، إلى جانب معالجة مسائل تقنية مضنية للمبرمجين والرسامين. وسنتحدث في هذا الموضوع عن أبرز المزايا التي يقدمها هذا المحرك المبهر.

محاكاة واقعية للإضاءة
الميزة الأولى هي نظام إضاءة جديدة اسمه «لومين» Lumen يحاكي انعكاس الإضاءة من على الأسطح المختلفة وأثر ذلك على إضاءة العناصر الأخرى، مثل انعكاس ضوء أخضر عن سطح معدني أحمر وارتداد الضوء الناجم عن ذلك على سطح خشبي بني اللون من حيث شدة الإضاءة وتغير الألوان، إلى جانب محاكاة الظلال بشكل واقعي. وكمثال على ذلك، فإن وجود نافذة في غرفة مظلمة يعني أن أشعة الشمس ستدخل من النافذة وترتطم بالأرض في عالم الرسومات الرقمية بشكل أساسي. ولكن هناك المزيد في الحياة الواقعية، حيث إن الضوء سينعكس من على الأرض ويرتطم بالجدران وينير جميع أرجاء الغرفة بدرجات متفاوتة وبألوان تعتمد على لون الزجاج والمادة الموجودة في الأرض (مثل أرضية خشبية أو رخامية، أو غيرها) ولونها ولون الجدران، وغيرها من العوامل الأخرى. وستتغير هذه الألوان مع تغير ميلان الشمس ولونها، مع تأثير ذلك على الظلال الموجودة في الغرفة.
ويحاكي هذا النظام العملية المذكورة بشكل واقعي وفوري، الأمر الذي كان يستغرق دقائق أو ساعات للقطة واحدة في أفلام الرسوم المجسمة. وإن تم تطبيق هذا الأمر على الألعاب الإلكترونية التي تعمل بسرعة 60 صورة في الثانية، فإن الفوائد المجنية كبيرة للغاية، وخصوصا أن الإضاءة والظلال يضيفان الكثير من الواقعية على عالم اللعبة ويزيدان من مستوى الانغماس. وسيستفيد مطورو الرسومات المجسمة للأفلام من هذا الأمر بتسريع محاكاة التغييرات في البيئة عوضاً عن الانتظار لفترات مطولة لتجربتها، وبالتالي ستنخفض تكلفة صناعة الأفلام، وسينخفض الزمن اللازم لتطويرها بشكل ملحوظ.
تغيير آلي

الميزة الثانية اسمها «نانايت» Nanaite التي ترفع من مستويات الأداء بشكل كبير وتخفض من زمن صناعة الرسومات، وذلك بتغيير التركيبة الداخلية غير الظاهرة للمجسمات من حول اللاعب حسب بُعد تلك العناصر عنه. ولتوضيح هذا الأمر، نذكر أن أي مجسم ثلاثي الأبعاد مصنوع من آلاف أو ملايين المثلثات الصغيرة جداً غير الظاهرة للعين، التي تحدد تضاريس ذلك المجسم وارتفاع سطحه ونعومته. وكلما ازداد عدد المثلثات التي تكوّن عنصراً ما، تزداد دقته وشدة تفاصيله، ولكن على حساب معالجة أبعاد تلك المثلثات حسب تغير زاوية الكاميرا التي تصور الأحداث. ويمكن تخيل بيئة كبيرة مثل حي في مدينة يسير فيه اللاعب يحتوي على مئات الملايين أو مليارات المثلثات التي يجب معالجتها 60 مرة في كل ثانية، الأمر الذي سيخفض من مستويات الأداء.
واستطاع مطورو الألعاب والرسومات سابقا استخدام فكرة اسمها «مستوى التفاصيل» Level of Detail لإيجاد مجسم واحد ولكن بعدد مختلف من المثلثات يتناسب مع بُعده عن الكاميرا، مثل أن سيارة قريبة من اللاعب تتكون من 6 ملايين مثلث، ولكن السيارات البعيدة ستتكون من 5 آلاف مثلث لأن تفاصيل العناصر البعيدة غير ظاهرة للعين، وبالتالي يمكن رفع مستويات الأداء بصنع السيارة نفسها ولكن بأعداد مختلفة من المثلثات للحصول على تفاصيل مختلفة حسب بُعد ذلك المجسم عن كاميرا تصوير الأحداث. إلا أن هذه العملية تتطلب من الرسامين صنع النسخ العديدة لكل مجسم، وعرض النسخة الصحيحة في كل مرة يقترب أو يبتعد فيها اللاعب عن كل مجسم، وحساب ذلك 60 مرة في كل ثانية.
ويأتي هنا دور تقنية «نانايت» التي تسمح للرسامين صُنع مجسم واحد بأعداد كبيرة من المثلثات، لتقوم هي بتغيير عدد المثلثات حسب بُعد أو قرب الكاميرا من ذلك المجسم، دون التضحية بجودة الصورة على الإطلاق. وتسمح هذه التقنية باستخدام العناصر الرقمية من الأفلام مباشرة في عالم الألعاب الإلكترونية دون تأثير على مستويات الأداء أو دقة الصورة.

رسومات «حقيقية»
ميزة ثالثة هي «المسح الضوئي عالي الدقة» Megascans الذي يسمح بتصوير عناصر من البيئة الحقيقية وتحويل الصورة إلى مجسم رقمي بتفاصيل دقيقة. هذا الأمر من شأنه تسريع عملية صناعة العناصر المجسمة ورفع مستوى واقعيتها بشكل غير مسبوق في عالمي الأفلام المجسمة والألعاب الرقمية.
يضاف إلى ذلك أن محرك «أنريل إنجين 5» يقدم مكتبة ضخمة من العناصر (أكثر من 16 ألف عنصر إلى الآن) التي تم مسحها ضوئيا للتحميل مجاناً واستخدامها داخل بيئة اللعبة أو الفيلم، التي تشمل النباتات والأسطح المختلفة. وسافر فريق العمل إلى الكثير من الدول وقاموا بمسح العديد من العناصر وأضافوها إلى تلك المكتبة. ويمكن تعديل تفاصيل تلك المجسمات من حيث الأبعاد والتضاريس والألوان بكل سهولة، مع القدرة على مسح أي عنصر من حول الرسامين باستخدام برنامج اسمه Reality Capture، وإضافة ذلك العنصر إلى عالم اللعبة أو الفيلم، مثل أريكة قماشية بنقوش بارزة ووضعها في بيئة اللعبة ومشاهدة ضوء نار المدفأة ينعكس عليها بشكل واقعي.
مجسمات بشريةوأطلقت الشركة في وقت سابق أداة «ميتاهيومان كرييتر» MetaHuman Creator التي تسمح للمستخدم صنع مجسمات بشرية بغاية الواقعية في خلال دقائق قليلة والتحكم بجميع تفاصيلها، مثل حجم الأنف ولون العيون والشارب والأذنين وعظام الخدود وبنية الجسم وتجاعيد البشرة والملابس، والكثير غيرها من التفاصيل الأخرى. وأصبح بالإمكان الآن جلب هذه المجسمات البشرية إلى داخل محرك «أنريل إنجين 5» وتحريكها بكل سهولة، لتصبح عملية صنع شخصية اللعب والشخصيات المساندة أكثر واقعية وسلاسة من أي وقت سبق.
وتجدر الإشارة إلى أن صنع المجسمات البشرية هي واحدة من أصعب عناصر صناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية بسبب كثرة تفاصيل المجسمات البشرية، وخصوصاً حركة الوجه والجسد أثناء التكلم أو التفاعل مع البيئة، مثل تحرك عظام الخدود والذقن والشفاه والعيون لدى التحدث عن أمر مفرح، مقارنة بحركات مختلفة لدى التحدث في موقف محزن أو خطر.
ويسمح محرك «أنريل إنجين 5» جلب المشاريع التي تم إعدادها سابقاً لمحرك «أنريل إنجين 4»، ودعم المزايا الجديدة داخلها بشكل آلي مثل «لومين» و«نانايت»، وذلك لتطوير تجربة الفيلم أو اللعبة بشكل كبير دون الحاجة لإعداد فريق عمل وتطوير إصدار خاص للتقنيات الجديدة، الأمر الذي كان قد يستغرق عدة أشهر. ويوجد حالياً أكثر من 10 آلاف عنصر لمحرك «أنريل إنجيل 4» يمكن تحميلها واستخدامها بدعم لمزايا «أنريل أنجين 5» بشكل مباشر.

آفاق استخدام مبهرة
ويستخدم حاليا أكثر من 80 ستوديو محرك «أنريل إنجين 5» لتطوير ألعاب مشوقة مقبلة، مثل ستوديوهات «إكس بوكس» و«بلايستيشن» وNinja Theory وSumo Digital وRare وCD Projekt Red و2K وTencent وRemedy وThe Coalition وObsidian وPlaydead وCrystal Dynamics وSupermassive وPSVR2. وغيرها.
ويسمح هذا المحرك للشركات الصغيرة منافسة الاستوديوهات الكبيرة باستخدام فريق مكون من 10 موظفين فقط، مقارنة بالحاجة لتوظيف مئات الموظفين في السابق لصنع أفلام أو ألعاب ذات جودة عالية جدا ومستويات مبهرة من الرسومات الواقعية. كما يمكن من خلال هذا المحرك رفع أداء الممثلين في الأفلام الحقيقية التي تستخدم رسومات مجسمة، حيث كان الممثلون في السابق يمثلون أمام خلفية خضراء ويتخيلون الشخصيات والبيئة الرقمية التي يتفاعلون معها. ويمكن من خلال هذا المحرك عرض تلك العناصر على شاشات أمام الممثلين ليدركوا رؤية المخرج بعينهم عوضا عن تخيلها بطرق مختلفة من وجهة نظر كل ممثل.
ومن الممكن أن نشهد ظهور بيئة «ميتافيرس» ذات بيئة وعناصر وشخصيات واقعية عوضاً عن الرسومات الكارتونية، الأمر الذي سيرفع من تقبل المستخدمين لهذا العالم الافتراضي المقبل ويجعله أكثر سلاسة للتفاعل.
ويمكن تحميل محرك «أنريل إنجن 5» وأداة «ميتاهيومان كرييتر» من موقع المحرك www.UnrealEngine.com



السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.


بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.