علي الدميني... «حالة استثنائية» في المشهد الثقافي السعودي

شعراء ونقاد ومثقفون ينعون أحد رواد الحداثة الأدبية والفنية

علي الدميني
علي الدميني
TT

علي الدميني... «حالة استثنائية» في المشهد الثقافي السعودي

علي الدميني
علي الدميني

بعد معاناة مع المرض، ترجل فجر أمس الشاعر السعودي علي الدميني (74 عاماً)، عن صهوة الشعر، تاركاً خلفه دهراً طويلاً يصدح بالقصائد التي اختطها على دروبٍ محفورة بالشغف والمعاناة، وغرسها كأشجار السنديان الوارفة.
إنه الشاعر الذي ظل ينافح عن قيم الحداثة والحرية والوطن طوال حياته: «ولي وطنٌ قاسَمتُه فتنة الهوى / ونافحتُ عن بطحائه من يقاتلُه / إذا ما سقاني الغيث رطباً من الحيا / تنفّس صبح الخيل وانهلّ وابلُه / وإن مسّني قهرٌ تلمّستُ بابه / فتورق في قلبي بروقاً قبائلُه / تمسّكت من خوفٍ عليه بأمّتي / وأشهرتُ سيف الحبّ هذي قوافلُه».
قبل أيام قليلة كتب لي الدميني رسالة بعد مقال كتبته عنه في هذه الصحيفة، كانت تحمل شعور فارسٍ يكاد يهزمه الألم... هذه النغمة ليست معتادة من صاحب قصيدة «الهوادج»: «ما تبقى من العمر إلا الكثيرْ / فماذا أسمي البياض الذي يتعقّبني / غازياً أم أسيرا؟ / قم من الليل، يا لابس الخيل كيما ترى أفقاً / ناسكاً ونهاراً طهورا».


عناوين مؤلفاته

شاعر الحداثة
مثّل الدميني «حالة استثنائية» في المشهد الثقافي السعودي. منذ هلّ من قرية «المحضرة» في ريف الباحة الجنوبي المفعم بالتلوينات المُلْهِمة، إلى الظهران على ساحل الخليج العربي في عام 1968، منذ ذلك الوقت وهو يمثّل حالة إبداعية فريدة من نوعها، فقد حوّل القصيدة، والكلمة المكتوبة، عبر الصحافة، خصوصاً ملحق «المربد» إلى مدماك ثقافي يرسم المسارات نحو الحداثة.
لم يكن الدميني مجرد حالة أدبية أسهمت بفاعلية في تأسيس الحركة الشعرية الحديثة في المملكة، وإنما كان عنواناً بارزاً في مشروع الحداثة الثقافية والفكرية والاجتماعية الذي وجد رواداً ينافحون من أجله ويحملون شعلته. وكانت القصيدة في يده «كفاعلية ممكنة لاختراق السائد وإعلان التساؤل حول كمال المنجز، وفتح الأبواب العلنية لتأسيس ذائقة جديدة تؤدي دور المفاعيل الثقافية والاجتماعية الأخرى الغائبة».
امتزجت شعرية الدميني بالوعي: وعي اللحظة الشعورية، ووعي الزمان الذي يتشكل سريعاً، ووعي المكان الذي تسري فيه عجلة التحديث والتطوير والنمو مع اتساع دائرة التعليم والمعرفة.
ولم تكن المعركة بين الحداثيين وخصومهم محصورة باجتراحهم لقصيدة النثر أو التفعيلة، كانت قوالب الشعر الحديثة مجرد واجهة للانفتاح على العالم والانعتاق من الثقافة السائدة. وكان الدميني ينحاز للشعر المنتمي للحداثة «بقدر انحياز رؤيته إلى العقلانية، والحرية، وقيم العدالة الاجتماعية، والمساواة، والانتصار للتقدم والرفع من مكانة المرأة».
خاض معارك الحداثة، في وجه دولاب التشدد. ويقول لي في حوار نشرته «الشرق الأوسط»: «أؤكد أن مشروع الحداثة الأدبية والفنية في بلادنا قد تغلّب على كل العنف المضاد له من الجهات كافة»، ورغم أن تلك المعارك أدمت أصحابها، فإنه ينظر بوعي ثاقب إلى أن المعركة لم تنجز بعد، يحدثني قائلاً: (مشوار الحداثة في الأدب والشعر في بلادنا تحديداً لا يمكن له أن ينجز مشروعه الحداثي الحلمي إلا حين تتكامل للمجتمع كل مقومات تبنّي قيم وآليات تحقيق زمن الحداثة، في أبعادها الحياتية المختلفة».
ويقول إن «الحداثة وفق قيمها الناظمة لسيادة العقلانية والحرية والديمقراطية وتحرير الكينونة الذاتية والإبداعية من أحمال الإرث والعادات والنمط والقهر الاجتماعي والسياسي، لا تتحقق بشكل عام إلا ضمن منظومة من التفاعلات الجدلية والتكاملية بين المكوّن الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي لأي مجتمع، وليست مقتصرة على الفكر والآداب والفنون فقط، وإن كانت هذه الأخيرة تحتفظ بخصوصية واستقلالية مختلفة».
ويتحدث عن تجربته قائلاً: «إذا أتينا إلى حقل الشعر تحديداً، فإنني أعد نفسي غصناً في شجرة التجديد والرنو إلى الحرية والحداثة في العالم كله، مثلما أراني في بلادنا واحداً ممن مضوا في هذا الدرب الطويل، الذي امتد من العواد إلى حسن القرشي وغازي القصيبي إلى محمد العلي، وجيلي الذي أنتمي له».
صدرت للشاعر علي الدميني دواوين شعرية عدة: «رياح المواقع»، و«بياض الأزمنة»، و«مثلما نفتح الباب»، و«بأجنحتها تدق أجراس النافذة». كما صدرت له رواية وحيدة بعنوان «الغيمة الرصاصية»، وتعد قصيدته (الخبت) من أشهر القصائد على المستوى العربي.
أشرف الدميني على ملحق «المربد» الثقافي الشهير في الثمانينات في جريدة «اليوم»، ومن ثم أسس مجلة «النص الجديد» التي عرفت باحتضانها للتجارب الحديثة واحتوت على تجارب ونصوص حداثية.

هنا شهادات شعراء ونقاد ومثقفين عن الفقيد

عبد الرزاق الربيعي: لم تكتب وصيتك فأنت «لست وصياً على أحد»
ليس من المصادفة أن ألتقيه، وجهاً لوجه، بعد سنوات من لقاءات الكلمات بالدمّام في عيد الحب عام 2014 الموافق ١٤ فبراير (شباط)، فالمحبة عنوان عريض في حياة شاعرنا الكبير الراحل علي الدميني، وقد تهجّى حروف هذا العنوان كلّ من عرفه عن قرب، أو قرأ تعليقاته على منشورات الأصدقاء في صفحته بـ«فيسبوك»، أو قرأ شعره، وعرف مواقفه الإنسانية والوطنية.
جرى ذلك اللقاء في ملتقى الوعد الثقافي، عندما استضافنا بتنسيق مع الصديق الكاتب حسين الجفّال في أمسية جمعتني بالعزيزين عدنان الصائغ ود. أمين الزاوي بمقرّه بالدمام، أدارها الشاعر حسين آل دهيم، في تلك الأمسية رمى صنّارته في شباك القلب، ولم نفترق تلك الليلة إلا بوقت متأخّر، وظلّ تواصلنا مستمراً، حتى اللقاء الأخير الذي جمعنا في المنامة أواخر ديسمبر (كانون الأول) ٢٠١٨م، فما أن سمع بوصلنا، أنا مع صديقي الشاعر عدنان الصائغ، حتى قدم من (الدمّام) ليحضر الأمسية التي نظمتها أسرة الأدباء في البحرين، وقدّمها د. علوي الهاشمي، وقد جاء مصطحباً زوجته، وابتسامته العريضة وقلبه الكبير، وما تيسّر من إصدارات جديدة، ودعانا للغداء في اليوم التالي، وكان قاسمنا الأعظم هموم المنطقة، والقصيدة، والناس، ومشروع جمع أعمالي الشعرية، ونهاراتي التي بلا تجاعيد، و(نرد النص) كتاب عدنان الصائغ الذي لم يتسنَّ له قراءته بعد صدوره هذا العام، والتخطيط لمشروعات مقبلة أجهز عليها المرض الذي لم يمهله طويلاً، فيا علي الدميني، أعرف أنك لم تكتب وصيتك فأنت «لست وصياً على أحد» كما عنونت سيرتك، واليوم، ونحن نلوّح لك، وأنت تغادرنا، يلزمنا «الكثير من الوقت، والكثير من العباءات السود لنقيم الحداد» عليك.
عزاؤنا أنّ حياتك «لم تكن خاوية،، بل كانت ملأى بأجنحة الأحلام المنكسرة والمتع المجهضة والحكايات الكبرى».

دخيل الخليفة: الدميني
محرك الحركة الإبداعية
يرحل المبدع جسداً لكن روحه تظل محلقة في آفاق المشهد الشعري والفكري، وقامة كبيرة كعلي الدميني ستبقى راياته خفاقة، كيف لا وهو الذي ربط في تجربته بين الإبداعي والإنساني والأخلاقي، بين القلق المعرفي والانزياحات الشعرية. لقد أسس الدميني ورفاقه بدءاً من الكبير محمد العلي لمفهوم حقيقي للحداثة في المملكة العربية السعودية في وقت صعب، خضع خلاله الوضع الاجتماعي والثقافي لسيطرة فكر متشدد ومناهض لحركة التحديث في بنية المجتمع وعاداته التي ينشدها الدميني ورفاقه.
ويكمل قائلاً: «اللافت طبعاً أن تلك الأهداف المنشودة تحققت الآن مع الرؤية الجديدة التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي منحت المواطن السعودي طاقات جديدة وأفكاراً نالت إعجاب العالم». المؤكد أن تجربة الدميني ورفاقه، أثّرت جداً في الحركة الإبداعية التي تلتها، وفتحت الباب واسعاً للأجيال التالية، خصوصاً من ممتهني قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، ليعبروا عن أفكارهم وأساليبهم دون ارتجاف من مفهوم الشكل، الذي كثيراً ما تحجج به أتباع النص التقليدي ومناهضو الحداثة، فبرزت أسماء كمحمد الثبيتي ومحمد جبر الحربي وخديجة العمري وعبد الله الصيخان وأحمد الحربي ومحمد الألمعي ومحمد الدميني... وتبعهم التسعينيون أمثال أحمد الملا وحمد الفقيه وأحمد كتوعة وعلي العمري وإبراهيم الحسين ومحمد حبيبي ومحمد الحرز وعبد الله السفر وإبراهيم الوافي وآخرين هم الآن في طليعة كتاب هذا النمط الشعري الحداثي.
ويختتم خليفة قائلاً: «كل هذا وعلي الدميني كان زاهداً في الظهور الإعلامي والحوارات، وجل تركيزه المساهمة بصنع واقع فكري وثقافي مغاير».

سعد البازعي: اسم محفور
على واجهة الشعر
علي الدميني اسم كبير محفور على واجهة الشعر العربي الحديث ومثقف ترك أثره الذي لا يُنسى على مشهدنا الفكري والإبداعي.
لا أعرف تعبيراً أعمق أو أجمل عن الضيق بالحياة حين تضن بالمؤمل وتحجب الأحلام من عبارة علي الدميني «ما تبقى من العمر إلا الكثير». الكل يقول «ما تبقى من العمر إلا القليل»، لكن قلب العبارة أبلغ في الدلالة على أن السنين لا قيمة لها حين تخلو مما نتمنى».

سعيد السريحي: كان أنموذجاً
في النبل والصدق
«فقدنا بفقد علي الدميني رمزاً من رموز الوطن والثقافة. فقد عرفتُه، مُذ عرفتُه، أنموذجاً في النبل والصدق والإخلاص والعمل والإيمان بالقيم العليا، حتّى تنزّل منا منزلة المعلّم الذي نستلهم من سيرته ومسيرته ما يصحح مساراتنا حين تشتبه علينا معالم الطريق».

حسين آل دهيم: كان عرّابنا
«تربينا على قصائده منذ بداياتنا، كان عراباً لنا بنصه المتجدد المدهش حد الانتشاء، ثم التقيناه فغدا موجهاً وعلامة من علامات تلمس طريقنا نحو الكتابة، جيل بأكمله يدين للأستاذ الشاعر الكبير علي الدميني بالفضل في تهذيب الكتابة الإبداعية».
وأضاف: «علي الدميني لا يموت وهو صانع رتلاً من المبدعين عبر عطائه الطويل جداً... وداعاً يا (سيد الخبت) فقد أورثتنا سيرة الحقول وسورة الإبداع».
جبير المليحان: متفرد في الشعر
كتب علي الدميني الشعر بتفرد خاص به، وأعتقد أنه أشبه بالنحت في دواوينه، ذلك أنه يكتب القصيدة الموجهة للآخرين، وليس لغواية الشعر».
في مقال نشره في مجلة «اليمامة» قال المليحان إن قصائد الدميني «هي رسائله للوقت وللآخرين، ومع بروزه كشاعر في وقت مبكر، فإن إسهاماته في المجال السردي معروفة؛ روايته (الغيمة الرصاصية)، وهي تجربته الروائية الوحيدة التي لم تأخذ حقها في الدراسات القرائية اللاحقة من قبل الكتاب. لكن هذا الشاعر برز في قراءاته التحليلية النقدية للكثير من الأعمال الأدبية، متسلحاً بحصيلة معرفية متراكمة، ومتابعة دقيقة للمنجز الأدبي المحلي والعربي والأدب العالمي».

أحمد بوقري: صاحب الديوان الاستثنائي

> في ذروة صراعه المرير مع تيارات التشدد، أصدر علي الدميني ديوانه الأول «رياح المواقع» الذي يعد من أهم دواوينه الشعرية، وضمّ فيه قصيدته المشهورة «الخبت». كتب الناقد السعودي أحمد بوقري، عن هذا الديوان صفة «الاستثنائي»، معتبراً أن «هذا الديوان يكتسب أهميته الفريدة في تجربة علي الدميني كلها لكونه جذّر المفهوم الحقيقي لمعنى الحداثة الشعرية في أبعادها الأسطورية والآيديولوجية والحضارية والحلمية، وخصوصياتها المكانية، كامتداد أصيل لبادئتها الرائدة التي تحققت على يد شاعرنا الكبير محمد العلي، بل أرى فيها امتداداً محليّاً ومغايراً للحركة ذاتها التي انطلقت في العراق وسوريا ومصر ولبنان، فلم تكن حداثتنا الأدبية في انفصالٍ عما كان يجري عربيّاً وإن جاءت متأخرة بضعة عقود، لكنها اكتسبت خصوصيتها وأسطوريتها ومنابعها المحلية ونكهتها المائزة، واستمراريتها في بيئتها المتشددة الضروس».
في مقالة نشرها بوقري في مجلة «الفيصل» يقول: «ديوان علي (الدميني) الأول يكتنز ملحمية ورموزاً أسطورية وشعبية ونَفَساً لغوياً حارقاً عالي الوتيرة ينتمي ويتقاطع مع التجربة الشعرية العربية القديمة برمتها تفعيليّاً وكلاسيكيّاً أمتحها من رؤيته الحداثية الخاصة ومن قدرته العالية (النقدية الشعرية) في امتصاص واستيعاب تجربة الحداثة الشعرية العربية المعاصرة كلها التي تخلّقت وأنجزت في تجارب الرعيل الحداثي الأول: السيَّاب وأدونيس وسعدي يوسف ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي مروراً بأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور وصولاً إلى تجربة محمود درويش في أوج فنيتها وخروجها من حصار الهاجس السياسي المباشر مع القضية وهمومها الإنسانية اليومية».
بل إنني أجد كل دواوينه اللاحقة وربما في شيء من المبالغة والحب معاً ليست إلا تنويعات تجريبية على هذا الديوان الماستر، نتلمس فيها الدفق الشعري نفسه والقلق المعرفي وقد اختفت عنها تلك الإنشادية القلقة وملحمية اللغة المؤسطرة، التي كتب بها شاعرنا ديوانه الأول وتميزت بها قصائده الأولى كما نجده في قصيدة «الخبت» الشهيرة.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.