بيسترو «Fred».. نكهة باريس في بيروت

يجمع بين سحر الشرق والمذاق الأوروبي الأصيل

ملامح الديكور شرقية يتخللها تصميم عصري
ملامح الديكور شرقية يتخللها تصميم عصري
TT

بيسترو «Fred».. نكهة باريس في بيروت

ملامح الديكور شرقية يتخللها تصميم عصري
ملامح الديكور شرقية يتخللها تصميم عصري

أن تزور بيسترو «Fred» الواقع في حي السراسقة الأرستقراطي المعروف في بيروت، فكأنك قمت برحلة قصيرة إلى باريس وغرفت مما رغبت من رائحة أطباقها ونكهة حلوياتها.
فما إن تطأ قدماك هذا المطعم الذي يطلّ عليك من بعيد بديكوره الحميم، المتمثل بنوافذه الحجرية الصغيرة، والمزينة بالحديد المطوّع، والتي تتدلّى فوقها خيم صغيرة متعرجة حمراء، حتى تشعر بكمية كبيرة من الحب واللهفة لدخوله دون تردد.
كل شيء في بيسترو «Fred» الابن المدلل لمطعم «Table d’alfred» (مطعم عريق افتتح عام 2008 وتحوّل اليوم إلى مكان خاص بالأعراس والمناسبات الاحتفالية) وقد ولدت من أحشائه عام 2013، يجعلك تحسّ وكأنك في ملاقاة شخص تعرفه منذ زمن وتتوق للقائه من جديد. فهذا الشعور بالحنين الذي يسيطر عليك، منذ دخوله إلى حين مغادرته يدفعك إلى ن تعيد الكرّة وتعود لزيارته أكثر من مرة.
الأجواء كانت هادئة عندما دخلته وصديقاتي الأربع، فقد اتفقنا أن نلتقي سويا وبعد طول غياب تحت سقفه، والذي منه تبدأ قصّتك معه.
لم نأخذ وقتا طويلا لنختار -صديقاتي وأنا- الطاولة التي سنجلس عليها في المقهى الـ«بيسترو» كما هي تسميته، فكل زاوية فيه تناديك للجلوس في كنفها ومهما حاولت مقاومة إغراءات هذه الزاوية أو تلك فإنك في النهاية تعرف تماما أن «Fred» بكل ملامحه يغمرك بالدفء، فتبقى حرارته تلازمك من أول نظرة تلقيها عليه حتى آخر لحظة تمضيها فيه. صحيح أنني كنت وصديقاتي في حالة جوع شديد، ولكننا بقينا نحن الأربع للحظات طويلة نتأمّل سقفه «العقد» المبني على طريقة العمارة اللبنانية القديمة والمضاء بثريات عصرية، والتي تولّد لديك بسرعة الفكرة الأساسية التي أراد صاحب المطعم إيصالها إليك، إلا وهي المزج ما بين الأصالة والحداثة معا.
شادي هو اسم الشاب الذي وقف على خدمتنا، فبعد أن ساعدنا على الاستقرار على كراسي خشبية عتيقة الملمس وذات قعدات جلدية حمراء، قدّم لنا لائحة الطعام وهو يستوضحنا عما إذا كنا نريد تناول طعام الغداء أو الاكتفاء بارتشاف كوب ساخن في أجواء الشتاء العاصفة المسيطرة على طقس ذلك اليوم. فابتسمنا وأكدنا له أننا «جوعانين» ونريد أن نتناول الطبق المشهور لديهم، وهو «روستد فارم تشيكن»، أي طبق الدجاج المشوي أمامك مباشرة على ماكينة شواء تعمل على الغاز. وميزة هذا الطبق بأنه مؤلّف من دجاج طازج مربّى في مزرعة صغيرة على حبوب الذرة ولا يتجاوز عمره الأسابيع الستة، كما أنهم لا يتسلّمون منه إلا كميات قليلة جدا لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة في اليوم الواحد. وبعد اقتراحه علينا التنويع وعدم التقيّد جميعنا بطلب نفس الطبق، ليتسنّى لنا تذوّق أطباق أخرى اشتهر فيها أيضا، اتفقنا أن نعمل بنصيحته ونطلب «اللازانيا بالكريفيت» (الجمبري) و«البلانكيت دي فو» ذات لحم العجل الطري واللذيذ والمتبّل على الطريقة الفرنسية مع الأرز إلى جانبه.
وفي انتظار أن نبدأ في المقبلات والسلطات التي تنوعت ما بين طبق الخرشوف المتبّل بزيت الكمأ (Salade d’artichauts a l’huile de truffe)، والهليون المرفق بهريسة المدخّن وصلصة الـ«فينيغريت» مع جبنة البارميزان الفرنسية ذات الطعم الحاد، قررت القيام بجولة صغيرة في أرجاء المطعم لأقف على التفاصيل الصغيرة التي تراءت لي لافتة من بعيد.
اعتمد صاحب المطعم الفرد عسيلي ديكورا مميزا صنعت أدواته خصيصا، لتتناسب والفكرة التي أرادها وهي أن تتمتع الحانة بهوية خاصة بها. فغطّت معظم جدران الحانة بصحون البورسيلين، التي رسم عليها كل طبق من الأطباق التي يقدّمها ضمن لائحة الطعام عنده. فعلى الجدار الغربي تشاهد درزنا منها مصفوفا بعضه فوق بعض، يحمل كل واحد منها صورة طبق ما مثل «الأوسو بوكو مع الريزوتو الميلانيز» و«البينيه مع البندورة وجبنة الموزاريلا الطازجة». وهناك على جدار المدخل صحون بورسيلين أخرى تصوّر أطباق «السان جاك روتيه مع كريما الأرز وعصير الليمون» و«الفوا غرا هوم مايد» و«البوف بورغينيون» و«سمك السول مونيير» و«كاربتشيو دي سومون المدخن»، وغيرها من الأطباق التي يسيل لها اللعاب لمجرّد رؤية صورتها، والمنبثقة من المطبخ الفرنسي الأصيل. فتختارها حسب الشكل المقدمة فيه وعلى أساس الفكرة التي يعطيك إياها عنها نادل المطعم.
ومن بين تلك الصحون ما يحمل نصيحة لربّة المنزل عن وصفة طعام معيّنة، أو عن طريقة لحفظ الخضار في الثلاجة، أو عن كيفية تحريك المربيات على نار هادئة.
تطلّ حانة «Fred» على الطريق العام لهذا الشارع العريق (السراسقة)، ومن إحدى نوافذها مددت رأسي لأتفحّص الشرفات القصيرة المدى، المزدانة بالحديد الذي تم تطويعه على الطريقة الفرنسية. أما الواجهة الشرقية للحانة والتي تزينها نافذة كبيرة تخرق هندسة العقد القديمة بأخرى مستوحاة من الأشكال الحسابية، فتبدو لك وكأنها قطّعت بمثلّث قائم الزوايا (equerre) لابتكار أكثر من شكل في لوحة واحدة يدخلها النور من الخارج، ويطلّ على حديقة محيطة به. ويخيّل إليك من بعيد كأنك تشاهد رسمة تشكيلية، مصنوعة على طريقة النحت الناقر المعروف بالـ«relief» في عالم الرسم. ولم أستفق من مشواري التفقدي هذا والذي خطفني إلى عالم مرهف مليء باللمسات الفنية الجميلة، إلا بعد أن راحت تناديني صديقاتي للعودة إلى مكاني لتناول الطعام الشهي الذي امتدّ على الطاولة.
ورغم أن المنظر العام للمائدة كان شهيا، فإن طعم الأطباق فاق ذلك بأضعاف، إذ رحنا نتقاسم أطباق الـ(ستارترز) والسلطات بنهم، لننتقل بعدها إلى الأطباق الساخنة التي حضّرها لنا شيف المطبخ الفرنسي سيلفان ارتوس.
يسود أجواء حانة «Fred» الهدوء والرقي معا، فلا ضجيج وأصوات مرتفعة، ولا قرقعة صحون مفرطة ولا دخان سجائر تخنقك. فالموسيقى الفرنسية الكلاسيكية وطبيعة الناس الموجودة فيه، من رجال أعمال وسيدات أنيقات وسياح أجانب، طبعته بهوية لبنانية باريسية الهوى تأخذك لاشعوريا إلى عالم ملوّن بصور زاهية، يرسم الابتسامة على ثغرك ويضفي عليك حالة من الاسترخاء.
وبعدما طلبت التعرّف إلى صاحب المطعم الفرد عسيلي، والذي كما علمت يشرف شخصيا على كل شاردة وواردة في مطعمه، حتى إنه يتدخّل في إضفاء نكهات معينة على بعض الأطباق المقدّمة فيه، من خلال خبرته الدراسية والعملية التي أمضاها في باريس، سألته عن كيفية اختياره للخط الذي تبعه في «بيسترو فريد» فأجاب: «لطالما سكنني حلم وهو أن أدير مطعما خاصا بي، وهكذا صار عندما عدت من باريس في عام 2008، وافتتحت هذا المكان تحت اسم (table d”Alfred)، فشكّل يومها حديث البلد للشهرة التي حققها إن في مطبخه أو ديكوره الراقي، والذي يذكّرنا بالحقبة الفرنسية أيام الملكة ماري أنطوانيت. بعدها أصيب سوق المطاعم الأرستقراطي بنكسة عامة في لبنان، فقررت أن أقسم مساحة المطعم إلى اثنين، واحد منها أبقي فيه على الأول وأحوّله للمآدب الكبرى وللمناسبات الخاصة وحفلات الخطوبة والأعراس وغيرها، والثاني أحوّله إلى (بيسترو) عفوي لا يمتّ للرسمية بأي صلة، بل يكون مجرّد مكان نتفس فيه الصعداء بعيدا عن ضغوطاتنا اليومية»، ويضيف الفرد الذي سمّى مطعمه تيمنا باسمه، والذي يدور عمره في فلك الثلاثينات: «حاولت قدر الإمكان أن أبتكر هوية خاصة بي، واستعنت بمصممة الغرافيك ناتالي فلاحة وبمصمم الديكور رامي بطرس ليترجما أفكاري على الأرض، وأعتقد أنني نجحت بذلك كون المطعم اليوم يعدّ من مطاعم بيروت المعروفة، والتي يقصدها أهل البلد والسياح معا لأجوائه الفريدة وطعامه الفرنسي التقليدي الأصيل وأسعاره المدروسة، والذي نتمسك باستخدام مكونات طازجة في تحضير أطباقه، وأحيانا كثيرة تكون مصنوعة على طريقة الـ(Home made)، لنعزز زبائننا ونكرّمهم بطريقة تختلف عن تلك المتبعة في مطاعم أخرى. وهذا الأمر جعلنا نتّبع تقديم (الصحن اليومي) في لائحة تتضمن 21 نوعا من الأطباق الفرنسية لنرضي جميع الأذواق، والتي أيضا تتميّز بمكونات طازجة حسب كل موسم بموسمه».
المطبخ الفرنسي بكل أصالته ومكوّناته المعروف فيها، تجدها في حانة «Fred»، وقد حرص الفرد عسيلي على تطويرها لتتناسب وذوق اللبناني المتطلّب بطبيعته.
انتهى لقائي بصديقاتي على غفلة، فالوقت مرّ بسرعة وكان طعمه مختلفا بالنسبة لنا جميعا، خصوصا وأن مسك الختام تألّف من أطباق حلويات لذيذة قدّمها لنا الفرد عسيلي على ذوقه، وتضمنت كوب الـ«موس أو شوكولا» والغراتين أو فريز اللذيذين و«قطع الأناناس المارينيه» مع البهارات الاستوائية والسوربيه المثلّج.
فإذا كنت تشعر بالحنين إلى حانات باريس ومقاهيها، وتمنعك ظروفك الحياتية من القيام برحلة قريبة إليها، ما عليك إلا أن تتبع القول المأثور في لبنان «اللي ما بيجي لعندك تعا لعندو»، وقم بزيارة حانة «Fred» في شارع السراسقة لتسرق بعض لحظات المتعة التي ستنسيك دون شك ثقل يوم عمل شاق ومتعب.



«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».


«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
TT

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتمَّ إعلان هذا الفوز خلال حفل «أفضل 50 مطعماً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» السنوي، برعاية «سان بيلليغرينو وأكوا بانا».

وتُوِّج بالفوز مطعم «Khufu’s»، الذي يترأس مطبخه الشيف المصري مصطفى سيف، الذي عبَّر عن سعادته العارمة بعد إعلان هذا الفوز المستحق.

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» قال الشيف مصطفى سيف إنه سعيد جداً بهذا الفوز؛ لأنه استطاع من خلاله وضع المطبخ المصري، ولأول مرة، على خريطة الطعام العالمية، خصوصاً أنها المرة الأولى التي يتبوأ فيها مطعم مصري المرتبة الأولى في حفل جوائز على هذا القدر من الأهمية.

الشيف طارق علم الدين من مطعم "بايروت" (الشرق الاوسط)

ووصف سيف مطبخه وطعامه بأنه يحتفي بنكهات وطقوس وادي النيل، مع إضافة لمساته العصرية، وإعادة صياغته بطريقة تناسب ذائقة الأجانب والسياح وأهل البلد، على حد سواء.

ويعكس صعود «Khufu’s» اللافت إلى المرتبة الأولى قدرته الاستثنائية على إعادة ابتكار الأطباق المصرية بأسلوب راقٍ ومُتقن، مع عناية دقيقة باختيار أجود المكوّنات وصياغة سردٍ معاصر يستمدّ وحيه من التراث المصري.

وقال الشيف مصطفى إن موقع المطعم على مقربة من الأهرامات، يحتِّم على الأطباق أن تكون مناسبةً للجميع لأن المنطقة سياحية جداً، وأضاف: «أستخدم في أطباقي المنتجات المصرية المحلية، ولكني قمت باستبدال بعض المكونات الثقيلة مثل السمن ليحل محلها زيت الزيتون؛ لأجعل الطعام خفيفاً على المعدة من دون التغيير الجذري بالوصفات التاريخية المصرية الأصيلة».

الفائزون من المملكة العربية السعودية (الشرق الأوسط)

«خوفو» يجمع في أجوائه بين فن الطهي المصري الحديث وإحدى أشهر الوجهات في العالم. ومن هذا الموقع الاستثنائي، يقدّم «Khufu’s» تجربةً تُجسِّد الملامح المعاصرة للمطبخ المصري.

تَصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى كان مفاجأةً حقيقيةً للحضور وللشيف مصطفى نفسه، فهذه هي المرّة الأولى التي يتصدَّر فيها مطعم من مصر هذه القائمة المرموقة، إذ تعكس فلسفة الطهي التي يتّبعها، والمُستلهَمة من عمق الثقافة المصرية والغنية بتقاليدها، والمُنفَّذة برؤية عصرية متقنة، أرقى ما يمكن أن تقدِّمه المنطقة العربية للعالم. تُبرز قائمة هذا العام اتّساع أفق الإبداع في مجال الطهي ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع صعود لافت لوجهاتٍ تشهد زخماً متجدّداً، من السعودية والقاهرة ومراكش إلى عمّان وبيروت.

هذا العام سجَّلت مصر إنجازاً لافتاً، فإلى جانب تصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى، جاء مطعم «Reif Kushiyaki Cairo» في المرتبة الـ20، مسجِّلاً قفزةً كبيرةً من العام الماضي، بالاضافة إلى «Kazoku»، و«Zooba»، و«Sachi Cairo»، ما يعكس تقدُّم مصر المستمرّ بوصفها وجهةً بارزةً لتجارب الطعام.

ضمت القائمة 16 اسماً جديداً هذا العام، إلى جانب مطاعم فائزة من 14 مدينة مختلفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصد مطعم «Beihouse» في بيروت جائزة «Highest New Entry Awards»، بعد ظهوره الأوّل بالقائمة في المرتبة الخامسة.

مجموعة من الطهاة الفائزة بجوائز مختلفة (الشرق الاوسط)

وتتابع المملكة العربية السعودية مسيرتها التصاعدية في مشهد الطهي الإقليمي، مع حضور قوي لعدد من مطاعمها على القائمة. فقد حصد مطعم «Kuuru» جائزة «أفضل مطعم في المملكة العربية السعودية لعام 2026»، بينما حافظ كلّ من «Marble» على المرتبة 12 وجاء «Myazu» في المرتبة الـ45. أما لبنان، فيؤكّد من جديد صلابته وإرثه العريق في مجال الطهي من خلال مطاعم «Beihouse»، و«أم شريف»، و«بوكو»، ما يرسّخ مكانة بيروت مرجعاً أساسياً في المطبخ الشامي.

كذلك، يواصل المغرب تألّقه هذا العام، حيث تركت مدينة مراكش أثراً بارزاً عبر مطعم «La Grande Table Marocaine» الحائز جائزة «Art of Hospitality Award 2026». وفي الأردن، سجّلت العاصمة عمّان حضوراً لافتاً على القائمة من خلال مطاعم «Alee،» و«شمس البلد» و«دارا دايننغ باي سارة عقل»، في انعكاسٍ واضحٍ لمسار المدينة المتصاعد في مشهد المطبخ المعاصر.

وتُستكمل القائمة بدخول عدد من الأسماء الجديدة البارزة من الكويت، والبحرين، وتونس وقطر، من بينها «مطبخي» و«Cantina»، و«Lyra» من المنامة، إلى جانب «Le Golfe» من المرسى، و«Idam» من الدوحة، ما يُبرز تنوّع أساليب الطهي في مختلف أنحاء المنطقة.

ونالت الشيف سارة عقل جائزة «MENA's Best Female Chef Award»، كما فاز كلّ من عمر ووسيم أورفلي شيف الحلويات التنفيذي وشيف تطوير الحلويات في مطعم «Orfali Bros»، بجائزة «MENA’s Best Pastry».

نالت سلام دقام، الشيف ومؤسِّسة مطعمَي «سفرة مريم» و«بيت مريم» جائزة «Sevenrooms Icon Award». وفاز مطعم «Farmers» في المغرب بجائزة الاستدامة.

سلّطت نسخة هذا العام من الجوائز الضوء أيضاً على 3 جوائز خاصة. فقد نالت منى حداد، مؤسِّسة شركة «Baraka Destinations»، جائزة «Champions of Change Award»، تكريماً لمقاربتها الريادية والمجتمعية في قطاعَي الضيافة والسياحة في الأردن. فيما حصد «Middle Child» جائزة «One To Watch Award»، احتفاءً بروحه المجتمعية الدافئة وما يحمله من إمكانات واعدة في السنوات المقبلة.

عملية التصويت

تتولّى أكاديمية (أفضل 50 مطعما) وضع قائمة الترشيحات، وهي مجموعة مؤلفة من 250 خبيراً في قطاع المطاعم من 19 دولة في المنطقة، تم اختيارهم بفضل خبراتهم المهنية في مطاعم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تنقسم ألاكاديمية إلى 5 مناطق: الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية، والمشرق، وشمال أفريقيا (شرق) وشمال أفريقيا (غرب). ولكلّ منطقة لجنة خاصة يترأسها رئيس مجلس إدارة يُسمى «رئيس الأكاديمية (Academy Chair)»، إلى جانب مؤلفين، ونقّاد، وطهاة، وأصحاب مطاعم وذوّاقة رفيعي المستوى. يصوّت كل عضو لما يصل إلى 10 مطاعم لقائمة عام 2026، شرط أن يكون ما لا يقل عن 4 منها خارج البلد الذي يوجد فيه. ولكي يتم إدراج المطعم في القائمة، يجب أن يحصل على أصوات من أكثر من دولة واحدة داخل المنطقة. ولن يكون للجهات الراعية للفعالية أي تأثير على عملية التصويت.