تحالفات باسيل تشبه تقلباته السياسية و«يستعير» نواباً من «حزب الله»

(تحليل إخباري)

صورة من موقع «التيار الوطني الحر» لرئيسه جبران باسيل
صورة من موقع «التيار الوطني الحر» لرئيسه جبران باسيل
TT

تحالفات باسيل تشبه تقلباته السياسية و«يستعير» نواباً من «حزب الله»

صورة من موقع «التيار الوطني الحر» لرئيسه جبران باسيل
صورة من موقع «التيار الوطني الحر» لرئيسه جبران باسيل

تقف الأحزاب اللبنانية والقوى السياسية ومجموعات الحراك المدني المنخرطة في العملية الانتخابية على مسافة عشرين يوماً من موعد إجراء الانتخابات النيابية المقررة في 15 مايو (أيار) المقبل، ولم يعد من مجال للرهان على إعادة خلط أوراق التحالفات بعد أن سجلت لوائحها بأسماء مرشحيها لدى وزارة الداخلية والبلديات، وهي تستعد لخوضها على أساس ما أفرغت ما في جعبتها من برامج ومواقف سياسية أقل ما يقال فيها بأن المنافسة هذه المرة غير مسبوقة ولا تمت بصلة إلى المبارزات الانتخابية في الدورات السابقة؛ لأنها تدور بين مشروعين لا ثالث لهما: الأول تقوده قوى المعارضة على اختلاف انتماءاتها السياسية والطائفية، وتتطلع إلى فك الحصار عن مشروع استعادة الدولة واسترداد هوية لبنان العربية، والثاني تتزعمه القوى المنتمية إلى محور الممانعة بتحالفها مع «التيار الوطني الحر».
ويتزعم «حزب الله» محور الممانعة بتحالفه مع حليفه «التيار الوطني الحر»، ويراهن على قدرته على الاحتفاظ بالأكثرية الساحقة في البرلمان العتيد لتكون له اليد الطولى في إعادة تركيب لبنان في مرحلة ما بعد إنجاز الاستحقاق النيابي المفتوحة على تشكيل حكومة جديدة، وانتخاب رئيس جمهورية جديد خلفاً للحالي العماد ميشال عون فور انتهاء ولايته الرئاسية في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وتتهم المعارضة «حزب الله»، بتحالفه مع «التيار الوطني الحر» بالتحضير للانقلاب على الدستور الذي استبدله بواسطة «تفاهم مار مخايل» المعقود بين الحزب والعماد عون في فبراير (شباط) 2006 أي قبل سنوات من انتخابه رئيساً للجمهورية. وتقول مصادرها لـ«الشرق الأوسط» بأنها لم تُسقط من حسابها الالتفاف على اتفاق الطائف الناظم الوحيد للعلاقات بين الأطياف اللبنانية، وإلا لماذا تجاهلته ورقة التفاهم ولم تأتِ على ذكره؟
وتلفت إلى أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري المتحالف مع «حزب الله» و«التيار الوطني» في دوائر انتخابية مراعاة لحليفه الاستراتيجي، وإن كان يتزعم الفريق المناوئ للالتفاف على الطائف ويرفض مسايرة حليف حليفه، أي النائب جبران باسيل، فإن لديه القدرة في تعطيل الانقلاب عليه، ليس لغياب البديل فحسب، وإنما لأنه يعود بالبلد إلى المربع الأول الذي كان سائداً قبل التوافق على الطائف الذي كان وراء إخراج العماد عون من بعبدا بعد أن تصدى لجميع المحاولات الرامية لانتخاب رئيس جديد خلفاً للمنتهية ولايته الرئيس أمين الجميل.
وتؤكد المصادر نفسها أن الانتخابات النيابية تشهد للمرة الأولى منازلة انتخابية من نوع آخر وسياسية بامتياز، وتقول إنها معركة ذات طابع وجودي ومصيري تتعلق بمستقبل لبنان، وهي تضع اللبنانيين أمام مسؤولياتهم بإعادة تعويم مشروع الدولة واستنهاضه في مواجهة مشروع محور الممانعة الذي يأخذ البلد إلى مكان آخر أقل ما يقال فيه إنه يهدف إلى عزله عن محيطه العربي، وبالتالي قطع الطريق على جهود الدول العربية وعلى رأسها الخليجية لاحتضانه بإدراجه مجدداً على لائحة الاهتمام العربي والدولي لوقف انهياره وإنقاذه من التأزم الذي يحاصره.
وترى المصادر أن قوى المعارضة أكانت تقليدية أو وليدة الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في 17 أكتوبر 2019 فإنها مُجمعة على مقاومتها السلمية لمشروع محور الممانعة، وتهيئة الظروف أمام الدولة لاسترداد قرار السلم والحرب من يد «حزب الله»، وحصر السلاح بيد القوى الشرعية اللبنانية.
وتقول بأن قوى المعارضة على اختلافها لم تدخل في بازارات تحالفية هجينة لزيادة مقاعدها النيابية، وتؤكد أن التحالفات لا تتعارض مع قناعاتها، وتشبه الأطراف التي تخوض الانتخابات بلوائح متعددة، وهذا ما ينطبق على تحالف حزبي «التقدمي الاشتراكي» و«القوات اللبنانية» في عدد من الدوائر، وينسحب على حزب «الكتائب» وأيضاً على القوى التغييرية والثورية، كما أن تعذر جمع هذه القوى في لوائح موحدة لا يلغي توافقها على برنامج سياسي موحد ولو بالمراسلة ويتعلق أولاً وأخيراً بوحدة موقفها بالعودة إلى حضن الدولة الجامعة التي تتسع لكل اللبنانيين.
وتضيف أن ما يهم القوى السياسية يكمن في أن يستعيد لبنان حياده الإيجابي الذي افتقده اللبنانيون بسبب تعدد انتماءاتها الخارجية من جهة، ودخول إيران على الأزمة اللبنانية من الباب الواسع الذي أمنه لها «حزب الله» بتواطؤ مع «التيار الوطني» وبصمت من رئيس الجمهورية.
وتتابع المصادر أن لا مجال للمقارنة بين البرنامج السياسي لـ«القوات» التي تُعتبر الأقوى بداخل قوى المعارضة المسيحية، وبين البرنامج الخاص لـ«التيار الوطني» بعد أن قرر تجميد العمل به حتى إشعار آخر واستعاض عنه بعدد من المقاعد النيابية التي «يستعيرها» من «حزب الله» في الدوائر التي تتمتع بثقل شيعي، ويحتاج فيها إلى رافعة الحزب لعله يملأ الفراغ الناجم عن تراجع نفوذه في الشارع المسيحي.
وتسأل المصادر: لماذا ارتأى عون التراجع عن مواقفه المتشددة من «حزب الله» أثناء وجوده في المنفى الباريسي وقبل عودته إلى بيروت ليوقع مع أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله ورقة التفاهم واضعاً كل أوراقه في سلته لتأمين انتخابه رئيساً للجمهورية ليتراجع لاحقاً عن الالتزامات التي تعهد بها في خطاب القسم ويسحبها من التداول لمصلحة فائض القوة الذي يتمتع به الحزب ويوظفه حالياً لتعويم باسيل؟
كما تسأل عن القواسم السياسية المشتركة التي تجمع باسيل بحلفائه في الانتخابات بدءاً بـ«حزب الله» مروراً بأحزاب «البعث» الموالي للنظام السوري و«السوري القومي الاجتماعي» (جناح الروشة بقيادة ربيع بنات) ومنشقين عن «الجماعة الإسلامية» وآخرين من «سرايا المقاومة» وانتهاءً بـ«جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» (الأحباش)، وتقول بأن تعاونه الانتخابي مع بري يصب في خانة مراعاة الأخير لحليفه الاستراتيجي؟
فباسيل بمواقفه السياسية وببرنامجه الانتخابي لا يشبه تحالفاته الانتخابية، وإلا ماذا سيقول لمحازبيه وجمهوره عن اتهامه وعمه الرئيس عون «الثنائي الشيعي» بتعطيل مجلس الوزراء وبعرقلة التحقيق في ملف انفجار مرفأ بيروت وبقطع الطريق على مكافحة الفساد بذريعة أن الحزب نأى بنفسه عن الدخول في شراكة معه في حملته على من اتهمهم بالفساد؟ إضافة إلى اتهام «أمل» بالتواطؤ مع «القوات» في الحوادث الدامية التي حصلت في محور الطيونة - مار مخايل، فيما يلوذ الحزب بالصمت حيال تمديد وزير الطاقة وليد فياض للعتمة التي بلغت ذروتها في الساعات الأخيرة.
كما أن باسيل يستنجد بحلفائه من جدد وقُدامى للهجوم على «القوات» وقوى التغيير بدلاً من أن يبادر إلى إجراء مراجعة نقدية لتوريطه «العهد القوي» في مسلسل من الاشتباكات السياسية طالت الرئيس بري، واستقوائه بالسلطة للدخول في مفاوضات تحت الطاولة يقدم من خلالها الإغراءات لواشنطن في ملف ترسيم الحدود البحرية للبنان مع إسرائيل لعله يتمكن من رفع العقوبات الأميركية المفروضة عليه ليعيد تأهيل نفسه لخوض الانتخابات الرئاسية برغم أنه يدرك جيداً بأن طموحاته في هذا الخصوص تبقى حبراً على ورق.
لذلك، لا مجال لتعداد الدوائر الانتخابية التي يستعين بها باسيل، كما تقول مصادر في المعارضة، برافعة «حزب الله» للتعويض عن خسارته لعدد من المقاعد النيابية في الدوائر ذات الثقل المسيحي بعد أن استحال عليه تأمين الحلفاء الذين تفرقوا عنه بملء إرادتهم ولم يحصد من حروب الإلغاء والإقصاء سوى المزيد من العزلة، ما اضطره للتسليم بطروحات محور الممانعة، وإلا لماذا أحجم ويحجم في خطاباته التحريضية لناخبيه عن الإتيان على ذكر سلاح «حزب الله» واسترداد الدولة المخطوفة، وهو من يقف وراء تدمير علاقات لبنان بالدول العربية وتصدعها مع دول الخليج العربي؟
وعليه يُفترض بأن تحالفات باسيل لا تشبهه سياسيا لكنه رضخ لحليفه وتقدم منه بدفتر الشروط لتأتي متطابقة مع انقلابه على مواقفه للحصول على جواز مرور يؤمن له اقتطاع مقاعد نيابية في الدوائر ذات الطغيان الشيعي بامتياز.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.