تسعة كتب نالت الشهرة ببطء

ازدادت شعبيتها بعد ترجمتها إلى الإنجليزية

عبد الرزاق قرنح  -  نجيب محفوظ  -  فاسيلي غروسمان  -  موراكامي
عبد الرزاق قرنح - نجيب محفوظ - فاسيلي غروسمان - موراكامي
TT

تسعة كتب نالت الشهرة ببطء

عبد الرزاق قرنح  -  نجيب محفوظ  -  فاسيلي غروسمان  -  موراكامي
عبد الرزاق قرنح - نجيب محفوظ - فاسيلي غروسمان - موراكامي

- «الغابة النرويجية»، لهاروكي موراكامي
أحدثت رواية هاروكي موراكامي الخامسة، «الغابة النرويجية»، ضجة في اليابان عندما صدرت للمرة الأولى سنة 1987. وبرغم نجا حها، لم تكن متوفرة باللغة الإنجليزية على نطاق واسع حتى سنة 2000، لكن قلة من الأشخاص خارج بلد المؤلف كانوا قد سمعوا عنها إلى حين صدور بعض مؤلفاته الأخرى لاحقا باللغة الإنجليزية. ويُقال إن الناشرين الأميركيين افترضوا في البداية أن «الغابة النرويجية» لن تحظى بقبول جمهور واسع. لكن بمجرد أن ظهرت أخيرا في العالم الناطق بالإنجليزية، كانت الضجة في كل مكان، وانتهى بها المطاف إلى بيع ملايين النسخ عالميا.
هذا مجرد مثال واحد لظاهرة معروفة: والواقع أن بعض الكتب والمؤلفين تُقرأ على نطاق واسع في الخارج، ولكنها تجد شعبية في الأسواق الأميركية بعد عقود من الزمان فقط.

- «لماذا هذا العالم؟» لبنجامين موسر
كتاب بنجامين موسر عن سيرة الكاتبة البرازيلية، الأوكرانية المولد، «كلاريس ليسبر» سنة 2009 بعنوان «لماذا هذا العالم؟»، ساعد على إطلاق مشروع لإعادة ترجمة أعمالها إلى اللغة الإنجليزية. رغم أن الروائي التنزاني «عبد الرزاق قرنح» يكتب باللغة الإنجليزية بالأساس، فإن الكاتب لم يكن معروفا بشكل كبير بالنسبة للجمهور الأميركي قبل فوزه بجائزة نوبل في الأدب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، برغم أنه كان ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر سنة 1994 ونشر 10 روايات. والآن، هرعت دار النشر الأميركية «ريفرهيد» للاستحواذ على بعض عناوين روايات قرنح الجديدة والقديمة، مثل «الهروب» (2005)، و«بحر» (2001)، وسوف تُنشر روايته الأخيرة «بعد الحياة» في الولايات المتحدة بعد عامين فقط من إصدارها الأولى. أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي قط.
العناوين التسعة المعروضة أدناه هي مجرد بعض من الكتب الكثيرة التي مضت لتعيش نوعا من حياة ثانية في الترجمة الإنجليزية بعد بروزها الأول أو إنجازها بلغة أخرى. وتدين الطبعات المتأخرة بالكثير للعاطفة المتفانية لدى المترجمين والناشرين - لكن، كما جرى تذكيري أثناء البحث في هذه المقالة - ربما كان من حسن الحظ أيضا.

- ثلاثية نجيب محفوظ
كانت جائزة نوبل في الأدب لمحفوظ سنة 1988، هي أول جائزة يفوز بها مصري أو عربي. وصدرت الثلاثية كاملة للمرة الأولى باللغة العربية سنة 1957، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية بين عامي 1990 و1992. وتتبع الرواية المؤلفة من ثلاثة أجزاء ثلاثة أجيال من عائلة «السيد أحمد عبد الجواد» خلال الصعود المضطرب للهوية الوطنية المصرية، بدءا من السنوات السابقة على سقوط الإمبراطورية العثمانية. البنية المعمارية لمنزلهم ذات الطوابق المختلفة هي رمز لعلاقاتهم الاجتماعية، إما مفتوحة أو هي محظورة على بعض أفراد الأسرة (سيما النساء). هذا التراتب الهرمي يتجلى في إيقاعات تقاسم الوجبات والمناقشات السياسية، بما في ذلك الآيديولوجيات التي تشعل أحيانا الثورات.
يركز محفوظ على شخصية «أمينة»، الأم، رئيسة الأسرة، كصورة مصغرة لعقود من التغيير. وفي رواية «السكرية»، ثالثة الثلاثية، تلتصق النساء سويا حول دفء الموقد في يوم بارد من يناير (كانون الثاني) القارس، ورغم استمرار الطقوس الخاصة بساعة القهوة العائلية، فإنها ينتابها التغيير الواضح إثر الاضطرابات في السنوات الماضية: إذ تبقى بعض الكراسي فارغة.
«الصدور والبيض»، لميكو كواكامي لأي مدى يتحكم الجسد في وجود المرأة؟ يبحث كواكامي في رواية «الصدور والبيض» في قضية الأنوثة، بالإضافة إلى فحص الذات، والحكم الخارجي الذي يلهمه. ثلاث نساء من الطبقة العاملة يجتمعن في طوكيو: «ماكيكو»، أم لابنتها المراهقة تقريبا، و«ميدوريكو»، التي تزور أختها الصغرى وخالة «ميدوريكو»، و«ناتسوكو»، وهي فتاة غير متزوجة بالغة من العمر 30 عاما، وتعاني لاحقا من عدم الإنجاب وتحديد مكانتها في المجتمع. إنهن يواجهن العذاب الداخلي. تُبحر ناتسوكو في أوجاع عائلتها الماضية والحاضرة، فنرى ماكيكو، التي تواجه الشيخوخة وعدم الأمن، تفكر في تكبير ثدييها، بينما صامت ميدوريكو، التي لجأت إلى مذكراتها، عن الكلام وقد أرهقتها أعباء المراهقة العاطفية. ينقل كواكامي الأخوية، والتضحية، والتوترات بين الأجيال إلى علاقة حميمة مثيرة للمشاعر في الجزء الأول من الرواية، عبر ملاحظات تبدو ملطفة للأجواء. «ماذا يمكن أن نصنع بالبيض فقط؟» تسأل إحدى الشخصيات، وهي تتفقد الثلاجة أمامها. يمكن صناعة الكثير بالبيض كما يتضح. توسعت الرواية من نسختها القصيرة سنة 2008 إلى رواية كاملة من جزأين، ونُشرت باللغة الإنجليزية سنة 2020، ثم تتباطأ وتيرة رواية «الصدور والبيض» مع انتقال ناتسوكو من الوساطة في الصراع بين شقيقتها وابنة أخيها إلى الاهتمام بأحلامها المكبوتة. وهذا، على نحو مفهوم، يستلزم جهدا كبيرا ومزيدا من التصميم.

- رواية «التألق والشروق»، للوبي ك. سانتوس
ظهرت رواية «التألق والشروق» في البداية في شكل كتاب سنة 1906، وتُرجمت إلى الإنجليزية سنة 2021. لقد كتب سانتوس، المؤلف البارز، والمترجم، والسيناتور في الفلبين، رواية متأثرة بالحياة إبان الحرب الفلبينية الأميركية أثناء تبنيه آيديولوجيات يسارية نشطة في ذلك الوقت، وكان مشاركا في أول اتحاد نقابي حديث في البلاد، «الاتحاد الديمقراطي الفلبيني».
في قصة الحب هذه، والتي تبدو وكأنها نشرة سياسية، تقاسم الصديقان ديلفين وفيليب، المشاعر السلبية والإيجابية عبر مجريات الحياة اليومية. فالأولى اشتراكية، والثاني فوضوي. ولا تتواءم أفكارهما على الدوام، وهما يناضلان لإقصاء الرأسمالية عن حياتهما، لا سيما عندما تؤدي لتعقيد علاقاتهما.

- «ثلاثية كوبنهاغن: الطفولة والشباب والتبعية»، لتوف ديتليفسن «الطفولة طويلة وضيقة كالتابوت، ولا يمكنك مغادرتها من تلقاء نفسك»، هذا ما كتبته توف ديتليفسن في الجزء الأول من الثلاثية بعنوان «الطفولة» في كوبنهاغن. وكانت المجلدات الأولى من مذكراتها قد نُشرت سنة 1967 قبل 9 سنوات من وفاتها انتحارا، ورغم ذلك لم تُنشر ترجمتها الإنجليزية الكاملة إلا في سنة 2019. في البداية تسعى المؤلفة إلى فهم المغزى من الحياة في الوقت الذي تواجه فيه وصمة الفقر، ثم يعلو صوت «الشباب» الرافض للسقوط في مثل هذه الورطة. تتوق ديتليفسن كثيرا إلى الحرية، حتى وهي تتأرجح بين الالتزام بالقواعد الراسخة والتخلي عنها.

- «الحياة والمصير» لفاسيلي غروسمان
يوضح كتاب «الحياة والمصير»، الذي ألفه غروسمان، الطبيعة الغريبة للحرب في حالة نثرية جاذبة، ورائعة، ويقدم رواية واقعية لا مثيل لها عن معركة ستالينغراد بين عامي 1942 و1943. لقد أتم تأليف الرواية سنة 1959، في أعقاب ما بعد الستالينية، وتضم شخصيات الرواية عائلة «شابوشنيكوف» و«شتروم»، فضلا عن الجنود الألمان والسوفيات والمثقفين والناس العاديين. إن مصائرهم الفردية متشابكة ومرتبطة ببقاء المدينة، والشخصيات السوفياتية عالقة ما بين الدفاع عن بلادها ودعم نظامها السفاح. وبرغم وجود تلميحات على الانفتاح السياسي في نهاية الخمسينات فإن إدانة «الحياة والمصير» للفظائع التي أقرتها الدولة تجاوزت الحدود؛ وقد صادرت الاستخبارات السوفياتية مسودة رواية غروسمان أثناء عرضها على الناشرين. وتمكن أصدقاء له من تهريب نسخة خفية من المسودة إلى سويسرا، حيث نُشرت الرواية أخيرا سنة 1980، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية سنة 1985. حقيقة الرواية مستمدة من الوضوح الأخلاقي الاستثنائي لمؤلفها. ولأنه صحافي، شهد غروسمان بنفسه على مجازر لا يُسبر غورها، وكتب تقارير مبكرة عن الجرائم النازية. ومع ذلك، لم يتمكن غروسمان من إنقاذ والدته من بيرديشيف في أوكرانيا، حيث قتلها النازيون مع ما يقرب من 30 ألف يهودي آخرين.

- «كتابات مختارة» لنمرود
نشر الكاتب «نمرود»، المولد في تشاد، أكثر من 20 كتابا باللغة الفرنسية منذ 1989، ونال جائزة «إدوار غليسان» وجائزة «أبولينير» الشعرية، من بين امتيازات أدبية أخرى بالفرنكوفونية. وقد أشرفت «فريدا إكوتو»، أستاذة الأدب في جامعة ميشيغان، على نشر معظم نصوص «نمرود» المثيرة للعواطف والذكريات سنة 2018 مما جعلها متاحة للجمهور الناطق بالإنجليزية للمرة الأولى. يستكشف نمرود من خلال هذه المقالات، والقصص القصيرة، والقصائد ما إذا كانت اللغة الفرنسية يمكن أن تجسد العواطف والرغبات والحب في عالم ما بعد الاستعمار.
«الطريق إلى المدينة والقلب الجاف» لناتاليا جينزبورغ
تُرجمت هذه الرواية للمرة الأولى من الإيطالية بعد بضع سنوات من نشرها في أربعينات القرن الماضي، ثم أعيد نشرها مؤخرا سنة 2021، وهي عبارة عن حكايات الرغبة المعقدة واكتمال الأنوثة في سن الرشد ما بين قوسي: الزواج والأمومة. وفي هذه الأقاصيص المترابطة، التي نُشرت بين دفتي كتاب واحد، تتوق شخصيات الرواية إلى المعنى والحب المتبادل. إحداهما تحمل طفلا بلا زواج، وتصارع الأخرى للحفاظ على زواجها السعيد مع زوجها البارد عاطفيا. وتُغري المدينة السيدة الأولى، في حين تعيش الثانية حياة منعزلة في ضواحيها. والمؤلفة ناتاليا جينزبورغ صوت أدبي ظهر في إيطاليا الأربعينات والخمسينات، وقد شغلها موضوع الخيانة وعواقبها، وطرحت أسئلة عما إذا كان على النساء المطالبة بالمزيد بدلا من الاستقرار.

- «مذكرات براس كوباس بعد وفاته» لماشادو دي أسيس
كان الكاتب البرازيلي «ماشادو دي أسيس» من فترة أواخر القرن التاسع عشر، متقدما بشكل حاسم على زمانه لما أعاد تفسير الشخصية الرئيسية في روايته «مذكرات براس كوباس بعد وفاته»، التي ألفها سنة 1881. وتُرجمت إلى الإنجليزية في السنوات 1952 و1955، و1997، مع ترجمتين جديدتين ظهرتا سنة 2020، في كتاب ينضح بروعة الحداثة. كان براس كوباس، الشخصية المتوفاة، قد ولد سنة 1805، ولم يبلغ النعمة أو المجد في حياته قط.

- «الحرفيون: قرية صينية متلاشية» لشين فويو
تتسع محبة شين فويو لقريته التي يبلغ عمرها 600 عام في جنوب شرقي الصين، كمثل سعيه للحفاظ على ذكريات الأسرة. إنها مهمة ملحة بالنسبة لمؤلف أكثر من 12 كتابا يعيش في باريس، ذلك لأن أسلوب حياة قريته يتلاشى بمرور الأيام بصورة مؤلمة. وفي كل مرة يعود إلى القرية، يلاحظ أن المزيد من المنازل ينالها التدهور، وأن القرية يجري «تطويرها» بوتيرة مقلقة. وعبر هذا التحول السريع، يمثل الحرفيون طبقة متلاشية. يرسم شين فويو لوحة اجتماعية وعاطفية لمكان على مدى قرن كامل من الزمان.

خدمة: «تريبيون ميديا»



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»