«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان» السينمائي 3

3 أفلام في اليوم الأول كلها عائلية حتى أغربها شأنًا

«اختنا الصغيرة» للمخرج الياباني هيروكازو كوريدا ({الشرق الأوسط})  -  حكاية الحكايات اخراج الايطالي ماتيو غاروني  ({الشرق الأوسط})
«اختنا الصغيرة» للمخرج الياباني هيروكازو كوريدا ({الشرق الأوسط}) - حكاية الحكايات اخراج الايطالي ماتيو غاروني ({الشرق الأوسط})
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان» السينمائي 3

«اختنا الصغيرة» للمخرج الياباني هيروكازو كوريدا ({الشرق الأوسط})  -  حكاية الحكايات اخراج الايطالي ماتيو غاروني  ({الشرق الأوسط})
«اختنا الصغيرة» للمخرج الياباني هيروكازو كوريدا ({الشرق الأوسط}) - حكاية الحكايات اخراج الايطالي ماتيو غاروني ({الشرق الأوسط})

من الطبيعي أن يحاول مهرجان «كان» دعم صناعة الفيلم الفرنسي فيختار عددا منها في المسابقة وعددا آخر خارجها وينتقي، ما بين عام وآخر، فيلما فرنسيا للافتتاح أو آخر للختام. المشكلة هي أن هذا الاختيار مرتبط بشبكة علاقات تجارية كون فيلم الافتتاح، بصرف النظر عن هويته، بات تمهيدا لعرض الفيلم في اليوم التالي.
«رأس مرفوع» هو اختيار «كان» هذا العام وقد عرض يوم أول من أمس (الأربعاء) مرّتين، مرّة في الصباح للنقاد والصحافيين ومرّة في العرض الرسمي للضيوف والسينمائيين. وهو واحد من ثلاثة أفلام عرضت في هذا اليوم الأول و- رغم كل الجهد المبذول فيه - أضعفها.
يبدأ «رأس مرفوع» وبطله مالوني في السادسة من العمر. هاهي أمه تأخذه من يده إلى مكتب قاضية شؤون الأحداث فلورنس (كاثرين دينوف). من البداية ندرك أن الصبي مصاب بعارض عاطفي - نفسي يجعله يميل إلى الشراسة في التصرّفات، وفي سياق الفيلم سيتأكد لنا ذلك، فهو لا يتحمّل السُلطة. يريد الخروج عنها ولا يهاب ذلك. يتابع الفيلم عشر سنوات من حياة مالوني نراه فيها يترعرع على عدائه ذلك منحرفا نحو جرائم السرقة. لا نعرف ما الذي حدث له فعليا لكي يصبح أكثر حدّة وعدائية من ذي قبل، لكننا نرى القاضية فلورنس وهي تحاول مساعدته أكثر من مناسبة. مالوني الصغير نما أعوج السلوك ويبدو أنه لن يستطيع الاستقامة مطلقا.
يرمي الفيلم لنقد الأم لكنه نقد مظهري لا أجوبة عميقة فيه. كل شيء هو هكذا لأنه مقدّم على هذا النحو وليس لأن الأحداث تؤول إليه. في النهاية، وبعد أن يصبح الشاب أبا هناك أمل جديد، لكن مالوني لا يزال الشخصية المحورية التي لا يريد الفيلم تقديمها على نحو يساعد على فهمها بل يكتفي بعرض ما هي عليه.
تلتقط المخرجة إيمانويل بيركو خيطا من خيوط الإخراج الواقعي المنتشرة هذه الأيام، ما يقضي بأن تخصص أكثر من نصف ساعة في البداية خلال المقابلة الأولى التي تتم بين القاضية والصبي وأمه. هذا بالتالي يفرض حوارا لا ينتهي تستقبله مثل ضربات كرة المضرب وهي تنهال عليك. وهو أيضا معمول بمنوال إخراج تلفزيوني كمثل حال أفلام فرنسية كثيرة تتساءل خلالها ما إذا كان مخرجوها لا يفعلون شيئا سوى مشاهدة المسلسلات بين الفيلم الذي يحققونه والآخر.
نعومة فائقة
المخرج الياباني هيروكازو كوريدا كان قدّم في مسابقة 2013 فيلما عنوانه «الابن كالأب» لاقى استحسانا وجائزة لجنة التحكيم. الآن يباشر مهرجان «كان» أفلام المسابقة بفيلم كوريدا الجديد «أختنا الصغيرة» وهذا الناقد يفضل فيلمه السابق على هذا بمراحل.
كلاهما (وفيلما كوريدا الأول والثاني «لا أحد يعرف» و«أتمنى») دار في رحى العائلة الواحدة. في الفيلم السابق تم استبدال طفل بطفل خلال الولادة في المستشفى فنشأ ابن الفقراء مع عائلة ثرية، وابنها نشأ كابن العائلة الأخرى ولا أحد يكتشف الحقيقة إلا من بعد أن تجاوز كل صبي عشر سنوات من عمره. الآن على الصبيين، بعدما تم كشف الحقيقة، تبادل مواقع، لكن كيف سيتسنّى لهما ذلك وكيف ستتصرّف كل عائلة وهي أودعت ولدها الأول كل حبها؟
هناك، في ذلك الفيلم، قدر من النزاع. ماء يغلي ولو برقّة وأسئلة تحض على الإجابات. هذا كله غير متوفر في فيلمه الجديد «أختنا الصغيرة».
بعد تأسيس المشهد الأول (إحدى الشقيقات تستيقظ على دقات المنبّه) يبدأ الفيلم بالشقيقات الثلاث ساشي (هاروكا أياسي) وهي الأكبر سنا ويوشيرو (ماسامي ناغاواسا) وشيكا (كاهو) يتلقين نبأ وفاة والدهن الذي لم يرينه منذ سنوات. يحضرن التأبين حيث يلتقين هنا بفتاة صغيرة هي نصف شقيقة اسمها سوزو (سوزو هيروسي). الجميع يتآخى جيّدا والشقيقات الثلاث يرحبن بسوزو إذا ما أرادت العيش معهن. وهي توافق وينطلق الفيلم من هنا في رحلة من المشاهد المتكررة والناعمة والمظللة بمقطوعات بيانو من تلك التي تذكرك بأن الفيلم عاطفي حالم وعليك أن تستقبله على هذا النحو.
في الحقيقة هو عاطفي جدا وناعم جدا وبلا نتوءات ويفتقد إلى أي صراع. معظم الحقائق حول العائلة الأكبر (الأم والأب اللذان كانا تطلقا) معبّر عنها حواريا. ومعظم ما يدور على الشاشة مع الفتيات الشقيقات هادئ وكاميرا المخرج تستقبلهن في لقطات متكررة الحجم والزوايا. الدراما ذاتها منتفية والذي يحل في مكانها هو متابعة أقرب لأن تكون سياحية حول الحياة السعيدة (رغم بعض الصعوبات) لشقيقات تجاوزن بعض الحدّة في علاقتهن بالماضي.

* فانتازيا داكنة
المخرج الإيطالي ماتيو غاروني، مثل هيروكازو كوريدا، بات من زبائن «كان» منذ سنوات قليلة عندما قدّم، وبنجاح فيلمه «غومورا» سنة 2008. ذلك الفيلم غاص في واقعية المجتمع في مدينة نابولي حيث أزقة الجريمة وعصابات المافيا المعاصرة. هنا، في فيلم جديد عنوانه «حكاية الحكايات»، ينتقل 180 درجة من تلك الواقعية إلى الفانتازيا ولو أن الفيلمين يرسمان ظلالا داكنة واحدة حول شخصياتهما.
«حكاية الحكايات» يتضمن ثلاث قصص تدور كلها في زمن غابر (القرن السابع عشر) وفي ثلاث ممالك غابرة. الحكاية الأولى تدور حول الملكة (سلمى حايك) التي لم تنجب بعد وزوجها المتفاني (جون س رايلي) الذي يركض وراءها وهو يناديها «حبي». ذات يوم يدخل عجوز يخبرهما بأن الملكة تستطيع أن تحمل وتنجب إذا ما أكلت قلب تنين قابع في قاع النهر. على الملك نفسه أن يصطاده وهو يتسلح بحربة وخوذة ويغوص ويجد التنين نائما. يغرز الحربة فيه لكن التنين قبل أن يموت يضرب الملك فيقتله. القلب كبير جدّا والملكة تجلس بعد طبخه تأكله بيديها في لقطة منفرة. وإذ تفعل تحبل وتنجب في يوم واحد (خدمة إكسبرس) وابنها يترعرع لكنه يصادق ابن الخادمة الذي يشبهه كثيرا. تحاول الملكة التفريق بينهما لكن ذلك يحتاج إلى سحر آخر.
الحكاية الثانية هي لملك آخر (توبي جونز) لديه ابنة رومانسية تطلب من والدها أن يختار لها العريس المناسب. تريد أن تحب وتشعر بأنها محبوبة. لكن الأب مشغول عنها بتلك الذبابة التي حطت على يده فأخذها إلى جناحه وربطها إلى موديل عربة صغيرة فبدأت بسحبها. بعد زمن قصير ها هي الذبابة كبرت وأصبحت على شكل وحش والملك متيّم بها. حين تموت يقيم مسابقة: سيزوّج ابنته لمن يعرف مصدر جلد الوحش بعد سلخه. من بين كل الطامحين هناك وحش بشري مخيف الهيئة يعرف وتؤول الفتاة غصبا عنها للزواج به. ستهرب. سيلحق بها. ستقطع رأسه.
الحكاية الثالثة هي لملك آخر (فنسنت كاسل) لا نهاية لملذاته النسائية يتزوّج فتاة بدت له أجمل النساء. لكنها في الحقيقة ما هي سوى المرأة العجوز التي تسللت إلى فراشه ليلا واكتشف حقيقتها صباحا. المرأة المسحورة لديها شقيقة مثلها تريد أن تفرض نفسها على القصر وتخسر… ثم نرى شقيقتها التي أصبحت زوجة الملكة وهي تلاحظ أن بشرتها تعود إلى تجاعيدها السابقة.
في كل حكاية (كما في الفيلمين الآخرين المذكورين) هناك قصّة عائلية. يستفيد الفيلم من أماكن تصويره الغريبة ومن فانتازيا تقع في أزمنة غابرة وتحافظ على غرابتها ضمن السياق أيضا. لكن الفيلم ينتهي وأنت لا زلت تبحث عن مفاد ما. الحكايات ذاتها ليست مسرودة على نحو متوالي، بل يقطع المخرج بينها في انسيابية صحيحة (فعل الشيء نفسه في «غومورا». هناك تمثيل يتراوح من ضعيف (سلمى حايك) إلى جيد (بيبي كايف في دور الفتاة الأميرة). الفيلم بالإنجليزية ما يخلق تفاوتا في الإلقاء فهو لاتيني اللهجة عند سلمى حايك وفرنسي اللهجة مع فنسنت كاسل ثم بريطاني مع معظم الباقين.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز