عودة حكايات «جي كي رولينغز» عن السحرة الأخيار والأشرار

من هاري بوتر إلى دمبلدور

«هاري بوتر وحجر الساحر»: اللقاء الأول لأبطاله
«هاري بوتر وحجر الساحر»: اللقاء الأول لأبطاله
TT

عودة حكايات «جي كي رولينغز» عن السحرة الأخيار والأشرار

«هاري بوتر وحجر الساحر»: اللقاء الأول لأبطاله
«هاري بوتر وحجر الساحر»: اللقاء الأول لأبطاله

في مطلع هذا العام تم تحقيق فيلم تسجيلي لحساب محطة Cartoon Network بعنوان «المناسبة العشرون لهاري بوتر: العودة إلى هووورتس». احتوى الفيلم على مقابلات مع العديد من الذين اشتركوا في تمثيل المسلسل الشهير، خصوصاً أبطاله الثلاثة إيما واتسون ودانيال ردكليف وروبرت غرينت لجانب هيلينا بونام كارتر وتوم فلتون وراف فاينس وروبي كولتران مع تحية لكل من جون هيرت ورتشارد هاريس ومايكل غامبون عبر عرض بعض مشاهدهم الأرشيفية.
كاحتفاء لمسلسل من أنجح مسلسلات السينما، بدت الفكرة مثيرة بلا ريب. التنفيذ هو شيء آخر مختلف. بعد نحو ربع ساعة من الابتسامات وتبادل التهاني، والتمنيات قد تتساءل لماذا هذا الفيلم الذي يستعرض مشاعر العاملين في السلسلة وذكرياتهم على نحو مفرط من كلمات الثناء. الأمر كان سيختلف لو أن المحاولة كانت استعادة فيلم تاريخي معين (لنقل «لورنس العرب» أو «المواطن كَين»)، أو مجموعة من الأفلام التي كانت منسية أو مفقودة. لكن 20 سنة ليست بالفترة البعيدة والفيلم لا يسجل نقاطاً عالية كاستعراض لوقائع مهمّة، بل يسرد تلك اللقاءات الأولى لمجموعة الممثلين والمخرجين داخل الشرنقة التي كبرت حتى ابتلعت اهتمام العالم.


الكاتبة جي كي رولينغز

- فيلم نظيف
اليوم هناك فيلم جديد من صنع الفريق ذاته (الكاتبة جين رولينغز والمنتج ديفيد هيمان ومخرج الأجزاء الأربعة الأخيرة من «هاري بوتر» ديفيد ييتس). الفيلم هو الجزء الثالث من «تفريعة» تحتوي حتى الآن على ثلاثة أفلام هي «فانتاستيك بيستس وأين تجدهم» (2016) و«فانتاستيك بيستس: جرائم غرندلوولد» (2018) و«فانتاستيك بيستس: أسرار دمبلدور» (2022). لكن في حين أن سلسلة هاري بوتر وفّرت لهواة الأفلام الفانتازية حكايات للصغار بصحبة أوليائهم، توفر السلسلة الجديدة حكايات للكبار بصحبة صغارهم، إذا أحبوا.
أول أفلام السلسلة حظي بـ814 مليون دولار كإيراد. الثاني توقف العد عند 655 مليون دولار. الثالث لا يبدو أنه سيصل إلى أي رقم مجاور لهما. في أسبوعه الأول أميركياً سجل 49 مليون دولار وهو رقم متواضع بالقياس بما تحققه الأفلام ذات القدرة على جذب الجمهور العريض.
هذه ليست مجرد أرقام، بل دلائل على أن الاهتمام يتقلص بتلك السلسلة. وهناك سبب مهم في ذلك يتبدّى في هذا الجزء الأخير (إلى الآن) وهو أن نصف الساعة الأولى تمضي في التأسيس وطرح مواقف وأسئلة لا تتم الإجابة عنها إلا على مشارف الساعة الثانية. بل إن بعضها يبقى لغزياً في البال لنصف الساعة الأخيرة. سبب آخر هو أن شخصيات كثيرة والمفارقات متعددة ومتلاحقة كما لو أن صانعي الفيلم خائفون من أن يخسروا اهتمام المشاهدة لدقيقة واحدة.
الأخيار والأشرار معروفون لكن الكر والفر في عالم معظمه داكن وسوداوي ومختلق يثقل الفيلم ويدفع بالمشاهد صوب المراقبة من دون تشويق. ها هي الأحداث تدور أمامنا لكنها تدور من دون اهتمامنا (أو اهتمام بعضنا على الأقل). هذا على صعيد الحكاية ذاتها، أما تنفيذ المشاهد وتصميم المؤثرات البصرية وكل ما يأتي تحت هذا البند أخّاذ. ولعل البعض يعوّض غياب الحكاية التي تتحدث لنفسها أكثر مما تتحدث إليه، بعنصر الدهشة المتوفر على وتيرة متتابعة.
يخلو الفيلم من المشاهد الجنسية ومن المشاهد العارية. كذلك فإن كم الألفاظ النابية قليل والعنف معتدل. وبذلك هو فيلم «نظيف». لكنه لا يخلو من شخصية مُثلية هي شخصية عشيق سابق للساحر الطيّب دمبلدور الذي ينوي السيطرة على عالم السحرة، ذلك الذي بنت فيه الكاتبة أحداث هاري بورتر السابقة. إنه عالم موازٍ يدخله المختارون من الشخصيات التي تجيد السحر. داكن ومعتم ومليء بالألغاز. غاية الساحر الشرير، غريندلوولد ليست فقط في السيطرة على عالم السحرة، بل القيام عبرهم بالهجوم على الجزء الآخر (الواقعي) لإبادة من فيه. حسب اتفاق مسبق، لا يستطيع دمبلدور إيقافه مباشرة وعليه الآن اختيار محاربين من السحرة الأخيار لمنازلة ومقارعة الشرير وأزلامه. والباقي مسألة صراع ومؤامرات ومعارك ومؤثرات بصرية.


                      «فانتاستِك بيستس: أسرار دمبلدور»

- مليارات
في العشرية الأولى من القرن الحالي كان هناك مسلسلان سينمائيان كبيران، سلسلة «هاري بوتر» وسلسلة «لورد أوف ذا رينغ». هذا الثاني كان النقيض للأول من حيث إن مغامراته تقترح زمناً آخر لكنها لا تزال تقع على هذا الكوكب ولو في مجاهل مجهولة. كذلك كان نقيض «هاري بوتر» من حيث إن أحداثه كانت جلية واضحة ومعظمها يقع في النهار. سلسلة المخرج بيتر جاكسون كانت ساحرة ضد سلسلة عن السحرة.
ربما دكانة أفلام «هاري بوتر» وهذه السلسلة المتفرعة منه ضرورية لأن عالم السحرة يحتاج إلى الظلام وإلى الكهوف والملاجئ والقلاع وكلها ذات أجواء داكنة. لكن المكان يبقى غير مثالي للعيش ولو أن المؤامرات التي تقع فيه لا تختلف في عناوينها العريضة ولا في نتائجها عما يقع حياتنا نحن، كذلك حوافز الاعتداء والانتقام وباقي المشاعر المشاعة في عالمنا نحن.
لا يمكن القول إن إنتاج سلسلة «هاري بوتر» كان مغامرة. على العكس كان ضربة خطط لها أن تنجح فنجحت. توخّى الإنتاج لها العناصر الصحيحة من أمانة الاقتباس إلى عناصر الفيلم الغرائبية إلى أجوائه الداكنة ثم إبقائه في رحى الأجواء الإنجليزية ونجح في ذلك ثم نجح الفيلم تبعاً لذلك.
إجمالي الإيرادات للأفلام الثمانية التي أُنتجت من هذه السلسلة يتجاوز التسع مليارات دولار، وذلك عن الفيلم الأول «هاري بوتر وحجر الساحر» سنة 2001 (أنجز قرابة 975 مليون دولار) وحتى الجزء الثامن سن 2011 (حصد بليون و328 مليون دولار).
قرأ المنتج ديفيد ييتس الرواية الأولى واتصل بالمؤلّفة رولينغز واتفقا، في البداية، على إنجاز أربعة أفلام. باع الفكرة لشركة وورنر وحصلت الكاتبة على نحو مليون دولار عن ذلك العقد الرباعي. لاحقاً ضاعفت الكاتبة أجرها ومع نهاية الجزء الثامن كانت ثروتها تقدّر، حسب مجلة فوربس، بمليار دولار.
اهتم المخرج ستيفن سبيلبرغ بتحقيق الجزء الأول على الأقل. قضت خطّته في الواقع شراء حقوق الرواية الأولى وحدها وإنتاج وإخراج فيلم يكون بمثابة تجربة. لكن رولينغ، التي كانت تمسك بزمام الأمور وبقيت تشرف على كل التفاصيل حتى النهاية، لم توافق على خطط سبيلبرغ التي قضت، فيما قضت، تحقيق فيلم أميركي المعالجة. ليس إنها لم تكن ترغب في تعميم الأحداث لكي تتحوّل إلى تقليد هوليوودي فقط، بل أصرّت على الطابع الإنجليزي لكل شيء بما في ذلك كل الممثلين.
بعد ذلك الرفض بوشر البحث مع عدد من المخرجين من بينهم الألماني وولفغانغ بيترسن والبريطاني آلان باركر والأميركي تيم بيرتون والأسترالي بيتر وير. لكن الفوز كان من نصيب الأميركي كريس كولمبوس للفيلمين الأول والثاني («هاري بوتر وحجر الساحر»، 2001 و«هاري بوتر وغرفة الأسرار»، 2002)، ثم تبعه المكسيكي ألفونسو كوارون («هاري بوتر وسجين أزكابان»، 2004) فالبريطاني مايك نيووَل («هاري بوتر وشعلة النار»، 2005) ثم البريطاني ديفيد ييتس للأفلام الأربعة الأخيرة وهي «هاري بوتر ونظام الفينكس» (2007) و«هاري بوتر والأمير نصف الشقيق» (2009) و«هاري بوتر والأقداس المميتة 1» (2010) و«هاري بوتر والأقداس المميتة 2» (2011).

- فتور
في حين أن ثلاثية رولينغز - هيمان الجديدة (2016 - 2022) منتمية إلى عالم هاري بوتر من حيث المكان والنوع والغرائبيات فإن الضلع الثالث لهذه الأفلام هو ديفيد ييتس ذاته. هذا ما يجعلها أكثر تلاحماً تحت سقف أسلوب واحد كما كان الحال في الأفلام الأربعة الأخيرة من «هاري بوتر». لأنه ملم تماماً بجوهر العمل وكيفية معالجته لكي يحافظ على انتمائه للأصل الروائي.
وكان من المفترض أن ينجز «فانتاستيك بيستس: أسرار دمبلدور» ضعف ما أنجزه في أسبوعه الأول هذا، أكثر من ذلك، أن النقاد الأميركيين والأوروبيين على حد سواء لم يبدوا إعجاباً كبيراً بالفيلم. نسبة المؤيدين للفيلم لم تزد عن 48 في المائة. باقي ردات الفعل تراوحت بين قبول معتدل إلى عدم القبول أو الإعجاب مطلقاً.
مصدر من شركة التوزيع (وورنر) يخبرنا بأن أحد الأسباب المهمّة التي أدّت إلى فتور الإقبال على الفيلم هو أن عروضه التجارية تأخرت لأكثر من عام بسبب وباء «كورونا»، الذي أغلق الصالات وأضر بعدد كبير من الأفلام.
ربما، لكن الفيلم لا يقفز إلى الواجهة كما لو كان التأخير سبباً في فتور الإقبال. للتأكيد كان فيلم جيمس بوند الأخير «لا وقت للموت» تعرّض للتأخير ذاته لكن هذا لم يمنعه من جمع 774 مليون دولار عالمية حين بوشر بعرضه في العام الماضي.


مقالات ذات صلة

مصر: أزمة «اعترافات سفاح التجمع» تتجه للحل بعد التجاوب مع «الرقابة»

فيلم «سفاح التجمع» ينتظر الموافقات الرقابية (الشركة المنتجة)

مصر: أزمة «اعترافات سفاح التجمع» تتجه للحل بعد التجاوب مع «الرقابة»

تتجه أزمة منع عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» للحل خلال الأيام القليلة المقبلة بعد تجاوب صناع العمل مع «الرقابة على المصنفات الفنية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مغامرة «Peaky Blinders» في العرض الأخير: فيلم من بطولة كيليان مورفي على «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حصدت ريهام إشادات نقدية وجماهيرية واسعة من خلال دورها في «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

ريهام عبد الغفور تخلع عباءة التراجيديا وتتجه للكوميديا في موسم العيد

خلعت الفنانة المصرية ريهام عبد الغفور عباءة التراجيديا التي تألقت فيها خلال دراما رمضان عبر مسلسل «حكاية نرجس»، لتقدم دوراً كوميدياً في فيلم «برشامة».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج.

محمد رُضا (لندن)

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.