عودة حكايات «جي كي رولينغز» عن السحرة الأخيار والأشرار

من هاري بوتر إلى دمبلدور

«هاري بوتر وحجر الساحر»: اللقاء الأول لأبطاله
«هاري بوتر وحجر الساحر»: اللقاء الأول لأبطاله
TT

عودة حكايات «جي كي رولينغز» عن السحرة الأخيار والأشرار

«هاري بوتر وحجر الساحر»: اللقاء الأول لأبطاله
«هاري بوتر وحجر الساحر»: اللقاء الأول لأبطاله

في مطلع هذا العام تم تحقيق فيلم تسجيلي لحساب محطة Cartoon Network بعنوان «المناسبة العشرون لهاري بوتر: العودة إلى هووورتس». احتوى الفيلم على مقابلات مع العديد من الذين اشتركوا في تمثيل المسلسل الشهير، خصوصاً أبطاله الثلاثة إيما واتسون ودانيال ردكليف وروبرت غرينت لجانب هيلينا بونام كارتر وتوم فلتون وراف فاينس وروبي كولتران مع تحية لكل من جون هيرت ورتشارد هاريس ومايكل غامبون عبر عرض بعض مشاهدهم الأرشيفية.
كاحتفاء لمسلسل من أنجح مسلسلات السينما، بدت الفكرة مثيرة بلا ريب. التنفيذ هو شيء آخر مختلف. بعد نحو ربع ساعة من الابتسامات وتبادل التهاني، والتمنيات قد تتساءل لماذا هذا الفيلم الذي يستعرض مشاعر العاملين في السلسلة وذكرياتهم على نحو مفرط من كلمات الثناء. الأمر كان سيختلف لو أن المحاولة كانت استعادة فيلم تاريخي معين (لنقل «لورنس العرب» أو «المواطن كَين»)، أو مجموعة من الأفلام التي كانت منسية أو مفقودة. لكن 20 سنة ليست بالفترة البعيدة والفيلم لا يسجل نقاطاً عالية كاستعراض لوقائع مهمّة، بل يسرد تلك اللقاءات الأولى لمجموعة الممثلين والمخرجين داخل الشرنقة التي كبرت حتى ابتلعت اهتمام العالم.


الكاتبة جي كي رولينغز

- فيلم نظيف
اليوم هناك فيلم جديد من صنع الفريق ذاته (الكاتبة جين رولينغز والمنتج ديفيد هيمان ومخرج الأجزاء الأربعة الأخيرة من «هاري بوتر» ديفيد ييتس). الفيلم هو الجزء الثالث من «تفريعة» تحتوي حتى الآن على ثلاثة أفلام هي «فانتاستيك بيستس وأين تجدهم» (2016) و«فانتاستيك بيستس: جرائم غرندلوولد» (2018) و«فانتاستيك بيستس: أسرار دمبلدور» (2022). لكن في حين أن سلسلة هاري بوتر وفّرت لهواة الأفلام الفانتازية حكايات للصغار بصحبة أوليائهم، توفر السلسلة الجديدة حكايات للكبار بصحبة صغارهم، إذا أحبوا.
أول أفلام السلسلة حظي بـ814 مليون دولار كإيراد. الثاني توقف العد عند 655 مليون دولار. الثالث لا يبدو أنه سيصل إلى أي رقم مجاور لهما. في أسبوعه الأول أميركياً سجل 49 مليون دولار وهو رقم متواضع بالقياس بما تحققه الأفلام ذات القدرة على جذب الجمهور العريض.
هذه ليست مجرد أرقام، بل دلائل على أن الاهتمام يتقلص بتلك السلسلة. وهناك سبب مهم في ذلك يتبدّى في هذا الجزء الأخير (إلى الآن) وهو أن نصف الساعة الأولى تمضي في التأسيس وطرح مواقف وأسئلة لا تتم الإجابة عنها إلا على مشارف الساعة الثانية. بل إن بعضها يبقى لغزياً في البال لنصف الساعة الأخيرة. سبب آخر هو أن شخصيات كثيرة والمفارقات متعددة ومتلاحقة كما لو أن صانعي الفيلم خائفون من أن يخسروا اهتمام المشاهدة لدقيقة واحدة.
الأخيار والأشرار معروفون لكن الكر والفر في عالم معظمه داكن وسوداوي ومختلق يثقل الفيلم ويدفع بالمشاهد صوب المراقبة من دون تشويق. ها هي الأحداث تدور أمامنا لكنها تدور من دون اهتمامنا (أو اهتمام بعضنا على الأقل). هذا على صعيد الحكاية ذاتها، أما تنفيذ المشاهد وتصميم المؤثرات البصرية وكل ما يأتي تحت هذا البند أخّاذ. ولعل البعض يعوّض غياب الحكاية التي تتحدث لنفسها أكثر مما تتحدث إليه، بعنصر الدهشة المتوفر على وتيرة متتابعة.
يخلو الفيلم من المشاهد الجنسية ومن المشاهد العارية. كذلك فإن كم الألفاظ النابية قليل والعنف معتدل. وبذلك هو فيلم «نظيف». لكنه لا يخلو من شخصية مُثلية هي شخصية عشيق سابق للساحر الطيّب دمبلدور الذي ينوي السيطرة على عالم السحرة، ذلك الذي بنت فيه الكاتبة أحداث هاري بورتر السابقة. إنه عالم موازٍ يدخله المختارون من الشخصيات التي تجيد السحر. داكن ومعتم ومليء بالألغاز. غاية الساحر الشرير، غريندلوولد ليست فقط في السيطرة على عالم السحرة، بل القيام عبرهم بالهجوم على الجزء الآخر (الواقعي) لإبادة من فيه. حسب اتفاق مسبق، لا يستطيع دمبلدور إيقافه مباشرة وعليه الآن اختيار محاربين من السحرة الأخيار لمنازلة ومقارعة الشرير وأزلامه. والباقي مسألة صراع ومؤامرات ومعارك ومؤثرات بصرية.


                      «فانتاستِك بيستس: أسرار دمبلدور»

- مليارات
في العشرية الأولى من القرن الحالي كان هناك مسلسلان سينمائيان كبيران، سلسلة «هاري بوتر» وسلسلة «لورد أوف ذا رينغ». هذا الثاني كان النقيض للأول من حيث إن مغامراته تقترح زمناً آخر لكنها لا تزال تقع على هذا الكوكب ولو في مجاهل مجهولة. كذلك كان نقيض «هاري بوتر» من حيث إن أحداثه كانت جلية واضحة ومعظمها يقع في النهار. سلسلة المخرج بيتر جاكسون كانت ساحرة ضد سلسلة عن السحرة.
ربما دكانة أفلام «هاري بوتر» وهذه السلسلة المتفرعة منه ضرورية لأن عالم السحرة يحتاج إلى الظلام وإلى الكهوف والملاجئ والقلاع وكلها ذات أجواء داكنة. لكن المكان يبقى غير مثالي للعيش ولو أن المؤامرات التي تقع فيه لا تختلف في عناوينها العريضة ولا في نتائجها عما يقع حياتنا نحن، كذلك حوافز الاعتداء والانتقام وباقي المشاعر المشاعة في عالمنا نحن.
لا يمكن القول إن إنتاج سلسلة «هاري بوتر» كان مغامرة. على العكس كان ضربة خطط لها أن تنجح فنجحت. توخّى الإنتاج لها العناصر الصحيحة من أمانة الاقتباس إلى عناصر الفيلم الغرائبية إلى أجوائه الداكنة ثم إبقائه في رحى الأجواء الإنجليزية ونجح في ذلك ثم نجح الفيلم تبعاً لذلك.
إجمالي الإيرادات للأفلام الثمانية التي أُنتجت من هذه السلسلة يتجاوز التسع مليارات دولار، وذلك عن الفيلم الأول «هاري بوتر وحجر الساحر» سنة 2001 (أنجز قرابة 975 مليون دولار) وحتى الجزء الثامن سن 2011 (حصد بليون و328 مليون دولار).
قرأ المنتج ديفيد ييتس الرواية الأولى واتصل بالمؤلّفة رولينغز واتفقا، في البداية، على إنجاز أربعة أفلام. باع الفكرة لشركة وورنر وحصلت الكاتبة على نحو مليون دولار عن ذلك العقد الرباعي. لاحقاً ضاعفت الكاتبة أجرها ومع نهاية الجزء الثامن كانت ثروتها تقدّر، حسب مجلة فوربس، بمليار دولار.
اهتم المخرج ستيفن سبيلبرغ بتحقيق الجزء الأول على الأقل. قضت خطّته في الواقع شراء حقوق الرواية الأولى وحدها وإنتاج وإخراج فيلم يكون بمثابة تجربة. لكن رولينغ، التي كانت تمسك بزمام الأمور وبقيت تشرف على كل التفاصيل حتى النهاية، لم توافق على خطط سبيلبرغ التي قضت، فيما قضت، تحقيق فيلم أميركي المعالجة. ليس إنها لم تكن ترغب في تعميم الأحداث لكي تتحوّل إلى تقليد هوليوودي فقط، بل أصرّت على الطابع الإنجليزي لكل شيء بما في ذلك كل الممثلين.
بعد ذلك الرفض بوشر البحث مع عدد من المخرجين من بينهم الألماني وولفغانغ بيترسن والبريطاني آلان باركر والأميركي تيم بيرتون والأسترالي بيتر وير. لكن الفوز كان من نصيب الأميركي كريس كولمبوس للفيلمين الأول والثاني («هاري بوتر وحجر الساحر»، 2001 و«هاري بوتر وغرفة الأسرار»، 2002)، ثم تبعه المكسيكي ألفونسو كوارون («هاري بوتر وسجين أزكابان»، 2004) فالبريطاني مايك نيووَل («هاري بوتر وشعلة النار»، 2005) ثم البريطاني ديفيد ييتس للأفلام الأربعة الأخيرة وهي «هاري بوتر ونظام الفينكس» (2007) و«هاري بوتر والأمير نصف الشقيق» (2009) و«هاري بوتر والأقداس المميتة 1» (2010) و«هاري بوتر والأقداس المميتة 2» (2011).

- فتور
في حين أن ثلاثية رولينغز - هيمان الجديدة (2016 - 2022) منتمية إلى عالم هاري بوتر من حيث المكان والنوع والغرائبيات فإن الضلع الثالث لهذه الأفلام هو ديفيد ييتس ذاته. هذا ما يجعلها أكثر تلاحماً تحت سقف أسلوب واحد كما كان الحال في الأفلام الأربعة الأخيرة من «هاري بوتر». لأنه ملم تماماً بجوهر العمل وكيفية معالجته لكي يحافظ على انتمائه للأصل الروائي.
وكان من المفترض أن ينجز «فانتاستيك بيستس: أسرار دمبلدور» ضعف ما أنجزه في أسبوعه الأول هذا، أكثر من ذلك، أن النقاد الأميركيين والأوروبيين على حد سواء لم يبدوا إعجاباً كبيراً بالفيلم. نسبة المؤيدين للفيلم لم تزد عن 48 في المائة. باقي ردات الفعل تراوحت بين قبول معتدل إلى عدم القبول أو الإعجاب مطلقاً.
مصدر من شركة التوزيع (وورنر) يخبرنا بأن أحد الأسباب المهمّة التي أدّت إلى فتور الإقبال على الفيلم هو أن عروضه التجارية تأخرت لأكثر من عام بسبب وباء «كورونا»، الذي أغلق الصالات وأضر بعدد كبير من الأفلام.
ربما، لكن الفيلم لا يقفز إلى الواجهة كما لو كان التأخير سبباً في فتور الإقبال. للتأكيد كان فيلم جيمس بوند الأخير «لا وقت للموت» تعرّض للتأخير ذاته لكن هذا لم يمنعه من جمع 774 مليون دولار عالمية حين بوشر بعرضه في العام الماضي.


مقالات ذات صلة

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

يوميات الشرق «قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

أتاحت مشاهدة أفلام المخرج النرويجي يواكيم تريير في بيروت تلامساً مباشراً مع رؤية سينمائية تلمح في الإنسان كائناً غير مكتمل، يتشكّل عبر التردُّد والخسارة بقدر…

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ناقش الفيلم إحدى صور المعاناة الإنسانية (الشركة المنتجة)

تانفير تشاودهوري: «كفارة» تجربة ذاتية مستوحاة من شعوري بالذنب

يبدأ الفيلم البنغلاديشي «كفارة» من لحظةٍ خاطفةٍ، لكنها كفيلة بأن تعيد ترتيب حياة كاملة من الداخل؛ زلزالٍ يضرب المكان، مروحةِ سقفٍ تهوي فجأة...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق دانك وإيغ تجمعهما رحلة المسلسل حيث الشاب الضخم يرافق الطفل الأصلع المتمتع بالنباهة العالية (المصدر: حساب Game of Thrones الرسمي)

«فارس من الممالك السبع»... عودة إلى «ويستروس» بعد طول انتظار

بعد سنوات من الترقب، يعود عالم «ويستروس» إلى الشاشة عبر مسلسل «فارس من الممالك السبع» A Knight of the Seven Kingdoms، الذي انتظره الجمهور طويلاً.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق الملصق الترويجي لفيلم «الملحد» (الشركة المنتجة) ‫‬

«سينما القضية» تخسر رهان شباك التذاكر في مصر

يرى النقاد أن «سينما القضية» لها جمهور ومواسم محددة، فيما تبقى الأفلام الخفيفة أو التجارية الأكثر تحقيقاً للإيرادات.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
TT

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ. المسلسل كان من النوع القائم على المباريات والألعاب التلفزيونية الكوميدية. في مطلع كل موسم، تُقدّم مجموعة من المشتركين (بعضهم معروف) في مسابقات ومواقف مثيرة، ومن ينجح في الإجابات ينتقل إلى الأسبوع التالي، ومن يخسر لا يعود.

الهدف النهائي هو بقاء رابح واحد يؤول إليه المال والشهرة، وضيافة الرجل الذي بات لاحقاً رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

دونالد ترمب في حلقة من «المتدرب» (إم جي إم تليفزيون)

بين ترمب وريغان

خلفية ترمب في «الشو بزنس» سبقت هذا المسلسل واستمرت بعده. في الواقع، ظهر ممثلاً في «وحيد في البيت 2» (Home Alone 2) سنة 1992. ثم شُوهد في دور صغير في آخر فيلم أخرجه وودي آلن بعنوان «مشهور» (Celebrity). لم يظهر ممثلاً يؤدي شخصية أخرى، بل بشخصيته هو، كما فعل في فيلم كوميدي آخر بعنوان «أسبوعا إنذار» (Two Weeks Notice) سنة 2002.

حقيقة أنه مثّل بشخصيته نفسها توحي بأنه اعتبر باكراً أن الكاميرات الوحيدة التي يريد الوقوف أمامها هي كاميرات وسائل الإعلام. لم يرغب في شق طريقه ممثلاً محترفاً، كما كان حال الرئيس الأسبق رونالد ريغان، بل في توظيف شخصه إعلامياً بمنهج سياسي محدد. هذه نقطة الاختلاف الأهم بينه وبين رونالد ريغان، الممثل الذي انتقل من أدوار ثانوية في السينما ابتداءً من عام 1937، ثم اعتزل التمثيل ليصبح حاكم ولاية كاليفورنيا عام 1967، تمهيداً لتوليه رئاسة الجمهورية الأميركية عام 1981 (خلفاً لجيمي كارتر) حتى عام 1989 (حين تلاه جورج بوش الأب).

كلاهما، ترمب وريغان، انتميا إلى الحزب الجمهوري، ولو أن ريغان بدأ توجهه السياسي عضواً في الحزب الديمقراطي قبل أن يستقيل منه وينتمي إلى الحزب المناوئ.

بعد سنوات من الأدوار الصغيرة، بدأ ريغان يُعزِّز حضوره على الشاشة بأدوار مساندة، كما في «سرب دولي» (International Squadron، للويس سايتر،1941)، ومن ثم تقدّم نحو أول بطولة له مشاركاً روبرت كامينغز في «صف الملوك» (Kings Row، لسام وود، 1941).

كان ريغان جاداً في رغبته بالنجاح في مهنة التمثيل، لكن مسيرته تعرَّضت للتراجع بسبب انضمامه إلى جهود الحرب العالمية الثانية، حيث خدم في وحدة الأفلام العسكرية منتجاً موادَّ تدريبية ودعائية، مما أبعده عن الشاشة لسنوات. وعندما عاد إلى الحياة المدنية، كان عليه أن يبدأ من جديد. وجد نفسه في منتصف الخمسينات في سلسلة من الأدوار المساندة، وأدرك أنه لن يستطيع تعويض ما فاته.

في المقابل، أدرك ترمب أن آماله ليست في الأفلام، على عكس ريغان الذي كان يرغب في أن يتبوأ النجومية لأطول فترة ممكنة.

جورج كلوني مبتسماً (نتفليكس)

استعادة الحلم الأميركي

يعود بعض الفوارق بين الرئيسين إلى اختلاف الظروف والمشكلات التي واجهها كل منهما خلال فترة حكمه. تبدو المرحلة الريغانية أكثر انسجاماً مع رغبات ذلك الرئيس في تحقيق هدف أساسي هو استعادة المبادئ الأخلاقية لأميركا. فقد تعرَّضت هذه المبادئ لهزّة كبيرة بسبب حرب ڤيتنام، التي كانت موضوعاً لأفلام عدّة مناوئة لها، إلى جانب الحراك الشعبي والإعلامي. ما هدف إليه ريغان كان استعادة إيمان الأميركيين بأميركا، وقد أنجز هذا الهدف بنجاح.

كذلك سعى إلى الحد من هيمنة الحكومة على الاقتصاد المحلي من ناحية، ومواجهة الاتحاد السوفييتي من ناحية ثانية، في إطار الحرب الباردة التي شهدها العالم بين القوتين العظميين.

ومثل كثير من الممثلين والمخرجين وأصحاب المهن السينمائية الأخرى في هوليوود، من بينهم جون واين، والمخرج سام وود، والممثل روبرت تايلور، وآخرون عديدون، كان ريغان عدواً لدوداً للشيوعية. أيَّد موقف اللجنة المكارثية التي حقّقت في انتماءات سينمائيي هوليوود ومسرحيي وكتّاب نيويورك، وما إذا كانوا يمهّدون لهوليوود «حمراء» أم لا.

أفلام كثيرة لريغان في تلك الفترة حملت مضامين إعلامية يمينية التوجه، وبدأ ذلك مع «جهاز الجو السري» (Secret Service of the Air) عام 1938، و«سرب دولي» (1941)، و«هذا هو الجيش» (This Is the Army) سنة 1943. كما تولى التعليق الصوتي لفيلم تسجيلي بعنوان «القتال لكسب السماء» (The Fight for the Sky)، إلى جانب أعمال أخرى.

صفر تسامح

يختلف منهج ريغان عن منهج ترمب في نوعية ممارسة السياسة الداخلية والخارجية. فعند الرئيس الحالي، هناك «صفر تسامح» مع كل نقد يوجَّه إليه، والأمثلة خلال الفترة القصيرة منذ توليه الحكم كثيرة: من مقاضاة مؤسسة «بي بي سي» البريطانية، إلى تقييد حرية تناول حياته الشخصية في الإعلام الأميركي، وصولاً إلى هجومه على إعلاميين تلفزيونيين انتقدوه، والتسبب في إحالتهم المبكرة إلى التقاعد.

إحدى أبرز هذه المحطات تمثّلت في خلافه الشديد مع الممثل جورج كلوني، الذي بدأ بوصف الرئيس له بأنه ممثل «رديء من الصنف الثاني».

وفي حفل «غولدن غلوبز» الأخير، سنحت الفرصة لكلوني لنقل خلافه مع الرئيس إلى مستوى آخر، حين تحدّث بالفرنسية أثناء تقديمه جائزة أفضل فيلم درامي، نكاية بتعليق سابق لترمب سخر فيه من كلوني وزوجته، اللذين نالا الجنسية الفرنسية.

وكان كلوني قد علّق سابقاً على سياسة ترمب قائلاً: «نعم، سنبني أميركا أولاً في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل»، وهو الموعد المحدد للانتخابات الثانية.

حتى اليوم، ومنذ توليه السلطة، عمد ترمب إلى تحديد أولوياته سريعاً وبحزم، ومن بينها محاولته إصدار تشريع يفرض ضريبة ثقيلة على كل فيلم أميركي المنشأ يُصوَّر خارج الولايات المتحدة. عدم منطقية هذا القرار لا تعني أنه لن يعود إليه في المستقبل.


شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)
TT

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

SINNERS

خاطئون ★★★★ إخراج: ‪ ريان كوغلر ‬

الولايات المتحدة | فاز بـ«غولدن غلوبز» بوصفه أفضل إنجاز سينمائي

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية، بينما اختلف Black Panther «بلاك بانثر» (في جزئيه 2018 و2022) عن أفلام الكوميكس بدفعه برسائل سياسية. الفيلم الحالي، «خاطئون»، هو فيلم رعب متميز عن معظم ما يُقدّم في هذا النوع. مثل أعماله السابقة، يصيغ كوغلر هذا الفيلم كمعلّق اجتماعي/سياسي حول أحداث تكشف عن أبعادها من دون الانزلاق نحو السهولة أو المجانية.

تدور أحداث الفيلم خلال يوم وليلة في خريف 1932، في بلدة صغيرة بولاية مسيسيبي، وهي الحقبة التي كانت فيها العنصرية نشطة في الجنوب الأميركي. تبدأ القصة بوصول سامي (مايلز كاتون)، مغنّي بلوز أسود، إلى الكنيسة حيث يقيم والده شعائرها، ثم نعود إلى اليوم السابق مباشرة لمتابعة ما حدث خلال 24 ساعة.

الأخوان التوأمان سموك وستاك (يؤديهما مايكل ب. جوردان) يشتريان مكاناً لتحويله إلى نادٍ لغناء البلوز. خلال ذلك اليوم وحتى صبيحة اليوم التالي، تقع أحداث كثيرة بين سعي الأخوين لافتتاح النادي وجلب عازف الهرمونيكا (دلروي ليندو) والعمل مع سامي بوصفه مغنياً وعازفَ غيتار، وبين اكتشافهم لهجوم ڤامبايرز (مصاصي الدماء).

الجانب الأول من الفيلم يسرد تاريخ البلوز الأميركي الذي انطلق مع بداية القرن الماضي وبلغ أوجه في الخمسينات وما بعد، في حين الجانب الثاني هو رمز مشغول بعناية للوضع الماثل على صعيد العلاقات التي استخدم فيها البيض السود للشعور بالتفوق العرقي. في صلب هذا الجانب الشيفرة التي تترجم وقوع السود بوصفهم ضحايا ثم تحوّل بعضهم إلى ڤامبايرز لا تعترف بلون البشرة.

تدخل وتخرج في هذه الفترة شخصيات كثيرة لتُكمل رسم البيئة الواقعية والرمزية معاً. يتحدث الفيلم عن تلك الفترة الصعبة في حياة الجنوب الأميركي، ويختار المشاهد المناسبة التي ترمز إلى الوضعين الاجتماعي والفردي في آن واحد.

يمنح كوغلر التفاصيل الضرورية لشخصياته، لتقرأ من خلالها التاريخ الشخصي والعام. وهناك مزيج من الأعراق: سود وبيض وصينيون، وحتى أفراد من مواطني أميركا الأصليين، ولكل منهم دور يتجاوز مجرد الحضور الديكوراتي. يمنحنا المخرج عملاً يبدأ غامضاً وينتقل بعد ذلك، تحت غلاف الغموض نفسه، بنجاح ومن دون ثقل أو جهد.

بهذا، يأتي «الخاطئون» بوصفه عملاً لغزياً في صياغته وتاريخياً في سياقه عن فن «البلوز» الأميركي، وأكثر من مجرد فيلم رعب، مقارنة بما هو منتشر حالياً.

يقترح «الخاطئون» أكثر مما يُظهر، وما يُظهره ضروري رغم ضراوته.

Hamnet

هامنت ★★ إخراج: ‪ كلوي زاو‬

الولايات المتحدة | فاز بـ«غولدن غلوبز» بوصفه أفضل فيلم درامي

استوحت مخرجة «نوماندلاند» فيلمها من رواية وضعتها ماغي أو فارل، مستوحاة من حياة ويليام شكسبير وزوجته أغنس، اللذين فُجعَا بوفاة ابنهما هامنت في الحادية عشرة من العمر سنة 1596. هذا ملخص ما هو واقعي في حياة ويليام شكسبير، الذي وضع بعد 4 سنوات من وفاة ابنه روايته الشامخة «هاملت». ما عدا هذه الأرضية، لا يوجد سوى خيال يلد خيالات أخرى عن شكسبير وأغنس، وكيف تعرَّفا ومن ثَم تزوَّجا وأنجبا توأماً، وصولاً إلى تلك الفاجعة.

جسي بكلي وبول مسكال في «هامنت» (فوكس فيتشرز)

بما أن القليل معروف عن هذه السيرة، كان من الطبيعي الاستعاضة عن شحِّ الحقائق بمواقف خيالية بالكامل. الرواية نوع من تلك الكتابات الكلاسيكية النسائية الناجحة (في البال «مرتفعات وذرينغ» لإميلي برونتي و«نساء صغيرات» للويزا ماي ألكوت)، لكن هذه المؤلفات بُنيت على أحداث خيالية بالكامل. «هامنت» يحاول توظيف تلك المعطيات المبتسرة لبناء الحكاية الكاملة بأحداث مفترضة بالكامل، مع ما تحتاج إليه من عناصر عاطفية مثل نظرات الهيام، والقبلات الساخنة، والدموع، والمشاعر الطافحة على الوجوه، وقد فعل ذلك على نحو مستفيض.

عندما يصل الفيلم إلى التراجيديا المتمثلة في موت هامنت، ليس عند المخرجة سوى الغرق في العواطف وآهات المعاناة كبديل لغياب الوقائع. معظم المشاهد التي تجمع بين جسي بكلي (في دور أغنس) وبول مسكال (شكسبير) تفتقد الكيمياء؛ أحدهما لا يبدو مناسباً، وهذا الواحد هو مسكال. ربما ليس خطأه، إذ السبيل الوحيد لتصوير شعوره بمأساة فقدانه ولده هو الاعتماد على المشاهد الجاهزة المناسبة لمثل هذه الحالة. المشكلة أن الفيلم ينتهي في خانة الادعاء بأن ما نشاهده هو الحدث المناسب والبديل عن الحدث الغائب.

الأمر الأكثر فداحة هو الادعاء بأن شكسبير تصرَّف هكذا بالفعل، بينما ليست القصة في مجال اقتراح أن ما يُعرض هو الواقع فعلاً. وبينما لا تدّعي الرواية أن ما نقرأه حدث بالفعل (وحسب قراءة سريعة للرواية، ليس هناك ذكر لاسم شكسبير)، تزج زاو اسمه كفرصة كبيرة للوثوب على ظهر الجوائز والشهرة، وتحبيذ النقاد (وهذا ما تم بالفعل)، كما تستخدم مقاطع من بعض أعماله. المحاولة لاعتماد افتراضات، تذهب بها زاو إلى شيء من قراءة الغيب، وما يرتسم على الشاشة يبقى شحيحاً في العمق ورخيصاً في المعالجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تنافس قوي على جوائز «غولدن غلوبز»



 من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).
من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).
TT

تنافس قوي على جوائز «غولدن غلوبز»



 من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).
من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).

تُقام حفلة توزيع جوائز «غولدن غلوبز» يوم الأحد المقبل (الحادي عشر من هذا الشهر). إنها المناسبة الثالثة والثمانون لجائزة سنوية تطوّرت منذ عامها الأول، سنة 1944، لتصبح ما هي عليه اليوم من نجاح.

البعض يراها تمهيداً لمن سيفوز في سباق الأوسكار المقبل. حقيقة أن إعلان جوائز الأفلام والسينمائيين يتم قبل موعد إقفال التصويت على مسابقات الأوسكار يعزز مثل هذا الاعتقاد، علماً بأن ذلك كان أكثر احتمالاً في السنوات الماضية (ما قبل 2010 أو نحو ذلك العام) عندما كان التنافس بين موزّعي الجوائز في هذا الموسم أقل شأناً وحجماً مما أصبح عليه اليوم. بالتالي، هناك أكثر من مناسبة سنوية تطلق جوائزها من الأفلام والشخصيات الفنية، ولا يمكن القول إن أحدها يؤثر حتماً على ترشيحات أو نتائج الأوسكار على نحو فعلي.

على ذلك، وبعد كبوة كادت تصيب هذه الجوائز في مقتل، عادت «غولدن غلوبز» لتتبوأ مكانتها كثاني أهم جوائز سنوية في الولايات المتحدة بعد الأوسكار.

ما يلي ترشيحات «غولدن غلوبز» الخاصة بالأفلام والإنتاجات الأكثر احتمالاً لنيل الجائزة الثمينة في الأقسام المختلفة.

«قمر أزرق» ينافس كوميدياً (صوني)

الأفلام الدرامية

> تشترك الأفلام الستة في هذه المسابقة بخيط واحد، هو تساوي حظوظها من النجاح. إنها «فرنكنشتين» لغييلرمو دل تورو (الولايات المتحدة) و«مجرد حادثة» (It was Just an Accident) لجعفر بناهي (إيران) و«قيمة عاطفية» (A Sentimanetal Value) ليواكيم تراير (نرويج، ألمانيا، دنمارك) و«العميل السري» (The Secret Agent) لكلايبر مندوزا فيلو (برايل) و«خاطئون» (Sinners) لرايان كوغلر (الولايات المتحدة) و«هامنت» (Hamnet) لكلووي زاو (الولايات المتحدة).

> الاحتمال الأول: ما بين ضخامة الإنتاج في «فرنكنشتين» واستقلاليته في «هامنت» سيميل الناخبون إلى الفيلم الثاني. لكن ماذا عن «قيمة عاطفية» و«مجرد حادثة» و«عميل سري»؟ هذه الأفلام ترِدُ في قسم الأفلام الأجنبية ما يخفف احتمالات فوزها هنا. «خاطئون» سيفقد بوصلته.

> اختيار الناقد: «فرنكنشتين» لأنه 100 في المائة سينما.

من فيلم كلووي زاو «هامنت». (فوكاس فيتشرز)

الأفلام الكوميدية أو الموسيقية

> عانت جوائز «غولدن غلوبز» طويلاً من غياب القرار فيما يتعلق بما إذا كان هذا الفيلم أو ذاك كوميدياً بالفعل أم درامياً، والنتيجة أن العديد من الأفلام غير الكوميدية تدخل هذه المسابقة لأسباب واهية. يتكرر الحال هذا العام. هل يمكن تخيّل أن «قمر أزرق» (Blue Moon) لرتشارد لينكلاتر كوميدي، أو «بوغونيا» (Bogunia) ليورغوس لانتيموس، أو «معركة بعد أخرى» (One Battle After Another) أفلام كوميدية؟ رغم ذلك هي من بين 6 أفلام متنافسة في هذا السباق. الثلاثة الأخرى: «مارتي سوبريم» (Marty Supreme) لجوش صفدي و«موجة جديدة» Nouvelle Vague لرتشارد لينكلاتر (أيضاً) والفيلم الكوري «لا خِيار آخر» (No Other Choice).

> سيفوز: «معركة بعد أخرى»... لا فيلم آخر يقترب منه.

> قد يفوز: «مارتي سوبريم» في ضربة حظ.

> اختيار الناقد: «معركة بعد أخرى»

الأفلام الأجنبية

> الأفلام المتسابقة هنا هي: «مجرد حادثة» (إيران) و«لا خِيار آخر» (كوريا الجنوبية) و«قيمة عاطفية» (نرويج)، «صوت هند رجب» (تونس، فرنسا) «صِراط» لأوليفييه لاكس (إسبانيا) و«العميل السرّي» (البرازيل). حسب مصدر من داخل المؤسسة، الاتجاه العام يحبّذ الفيلم النرويجي، لكن أي فيلم آخر سيكون مفاجأة مثيرة للجدل.

> سيفوز: «قيمة عاطفية».

> قد يفوز: «صوت هند رجب».

> اختيار الناقد: «صِراط». مثل «فرنكنشتين» هو أيضاً 100 في المائة سينما.

مسابقة إنجازات سينمائية

‫8 أفلام في هذه المسابقة التي تختار بعض أكثر الأفلام نجاحاً في الإيرادات. لا يعني ذلك أنها جميعاً بلا قيمة. هذه الأفلام هي...

(Avatar: Fire and Ash) «أفاتار: النار والرماد» لجيمس كاميرون و«F1 » لجوزيف كوزينسكي و(KPop Demaon Hunters) «كي بوب: صائدو الشياطين» لكريس أبلهانز و(Mission: Impossible- The Final Reckoning) «مهمة مستحيلة - الحساب الأخير» لكريستوفر ماكوايري و(Sinners) «خاطئون» لريان كوغلر و(Weapons) «أسلحة» لزاك غريغر و(Wicked for Good) «شرير للأبد» لجون م تشوي، ثم (Zootopia II) «زوتوبيا 2» لجارد بوش.‬ كل من «زوتوبيا 2» و«صائدو الشياطين» في مسابقة أفلام الأنيماشن.

> سيفوز: «أفاتار: نار ورماد»

> قد يفوز: «خاطئون»

> اختيار الناقد: «خاطئون»

المخرجون

> المخرجون المتنافسون هم... غييلرمو دل تورو (عن «فرنكنشتين») وبول توماس أندرسن («معركة بعد أخرى») ويواكيم تاير («قيمة عاطفية») وجعفر بناهي («مجرد حادثة»)، ريان كوغلر («خاطئون»)، «كليو زاو» («هامنت»). 6 أساليب عمل واختيارات بالغة التباعد. لكن هذا ما يجعل المسابقة مثيرة وصعبة التوقعات.

> سيفوز: بول توماس أندرسن هو جوكر هذا العام بعد فوزه وفيلمه حتى الآن بـ168 جائزة صغيرة وكبيرة.

> قد يفوز: جعفر بناهي كونه حصد إعجاباً عابراً للقارات.

> اختيار الناقد: بول توماس أندرسن.