تحليل: بعد «فشلهم» في كييف... ما الاستراتيجية العسكرية لروسيا اليوم؟

جانب من الدمار جراء القصف الروسي على مدينة ماريوبول الأوكرانية (رويترز)
جانب من الدمار جراء القصف الروسي على مدينة ماريوبول الأوكرانية (رويترز)
TT

تحليل: بعد «فشلهم» في كييف... ما الاستراتيجية العسكرية لروسيا اليوم؟

جانب من الدمار جراء القصف الروسي على مدينة ماريوبول الأوكرانية (رويترز)
جانب من الدمار جراء القصف الروسي على مدينة ماريوبول الأوكرانية (رويترز)

مع بدء المرحلة الثانية من الغزو الروسي لأوكرانيا - هجوماً في منطقة دونباس الشرقية - يطرح السؤال حول ما إذا كان الهجوم سيكون أكثر نجاحاً وكفاءة من المرحلة الأولى، وما إذا كان لدى أوكرانيا ما يكفي من القوات والأسلحة لعرقلته أو حتى منعه.
قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أول من أمس (الثلاثاء)، إن العملية في دونباس «لحظة مهمة جداً لهذه العملية الخاصة برمتها».
وحسب تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، فإن الهدف الروسي واضح وصريح: تأمين جميع المناطق الشرقية لأوكرانيا في دونيتسك ولوهانسك - التي يسيطر عليها الانفصاليون المدعومون من روسيا منذ عام 2014. والهدف الثاني هو سحق المقاومة المتبقية في مدينة ماريوبول الساحلية لربطها بجسر بري بمنطقة روستوف الروسية في شبه جزيرة القرم التي استولت عليها روسيا من أوكرانيا قبل ثماني سنوات.
ولهذه الغايات، أعيد تموضع القوات الروسية التي تم نشرها في شمال وشرق كييف، وفي بعض الحالات أعيد تشكيلها بعد تكبدها خسائر فادحة.

اليوم هم - ووحدات أحدث - يتجمعون في أوكرانيا من الشمال الشرقي. يقدر المسؤولون الأميركيون أن روسيا حشدت نحو 78 كتيبة تكتيكية في شرق أوكرانيا - ربما نحو 75 ألف جندي ولا يزال يتم تجميع المزيد في المناطق الحدودية الروسية.
حتى الآن، كانت تكتيكاتهم مستمدة من قواعد اللعبة الروسية: الاستخدام المكثف للمدفعية وأنظمة الصواريخ متبوعاً بتقدم الدروع. تحولت مدن في لوهانسك مثل سيفيرودونيتسك وبوباسنا وروبيجن إلى أنقاض، مع تدمير إمدادات الكهرباء والغاز والمياه فيها.
لكن التقدم الروسي على الأرض كان متواضعاً. قد يكون ذلك نتيجة عدم تخصيص وقت لإعادة التجمع بعد الضربة العسكرية التي تعرضوا لها في فبراير (شباط) ومارس (آذار).
يقول معهد دراسة الحرب إن «القوات الروسية لم تأخذ استراحة من العمليات التي كانت على الأرجح ضرورية لإعادة تشكيل الوحدات المتضررة التي تم سحبها من شمال شرقي أوكرانيا ودمجها بشكل صحيح في العمليات في شرق أوكرانيا».
قدر المسؤولون الأميركيون اليوم أن روسيا فقدت ما يصل إلى 25 في المائة من قوتها النارية القتالية قبل الغزو.

محاصرة دونباس
أشار تحليل «سي إن إن» لصور الأقمار الصناعية وعشرات مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي وتصريحات الجانبين إلى أن الروس يحاولون اليوم التقدم على ثلاثة محاور.

وأضاف: «تخيلوا دونباس مربعاً: القوات الروسية موجودة بالفعل على ثلاثة جوانب - تاركة الغرب فقط مفتوحاً أمام الأوكرانيين للتعزيزات والتراجع إذا لزم الأمر».
وتابع: «من الجنوب والشرق، تقدمت الوحدات الروسية بضعة كيلومترات في أحسن الأحوال هذا الشهر. في الجنوب حققوا بالفعل تقدماً ودخلوا منطقة زاباروجيا المجاورة لدونيتسك وهذا الأسبوع بدأوا بقصف القرى داخل المدينة».
وقال: «من الشمال، بعد الاستيلاء على مدينة إيزيوم في بداية هذا الشهر، لم يحرزوا سوى القليل من التقدم».
ولفت إلى أنه «ما هو غير واضح في هذه المرحلة ما إذا كان الروس سيغيرون عتادهم لتنسيق الهجوم بشكل أفضل»، فيما يعتقد المسؤولون الأميركيون أن روسيا لا تزال تجري «عمليات تشكيل... لتعزيز الخدمات اللوجيستية».
ومع ذلك، يقدر معهد دراسة الحرب أنه «من غير المرجح أن يكون الجيش الروسي قد عالج الأسباب الجذرية - ضعف التنسيق، وعدم القدرة على إجراء عمليات عبر البلاد، وانخفاض الروح المعنوية - التي أعاقت الهجمات السابقة».

التكتيكات الأوكرانية
أظهر الأوكرانيون ذكاء في تكتيكاتهم خلال الصراع، حيث تنازلوا عن الأراضي للحفاظ على الموارد ولكنهم استخدموا معرفتهم بالأرض وقدرتهم على الحركة لإلحاق خسائر بالوحدات الروسية.
انسحبت الوحدات الأوكرانية هذا الأسبوع من بلدة كريمينا في منطقة لوهانسك عندما واجهت قوة نيران ساحقة.
اليوم عليهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيقيمون مواقع دفاعية ثابتة، مما قد يؤدي إلى تدمير الوحدات أو تطويقها في مواجهة المدفعية الروسية والصواريخ والهجوم المدرع. البديل هو الدفاع المتحرك - القتال والانسحاب من التضاريس الأقل حيوية، وضرب الروس وهم يتراجعون ثم يحافظون على خطوطهم في المناطق التي يختارونها.

في الوقت نفسه، سيتطلع الأوكرانيون إلى تعطيل خطوط الإمداد الروسية - مما يؤدي إلى إرباكها وخلق تحد لخدماتها اللوجيستية وللروح المعنوية للجيش الروسي. وقد تكون الروح المعنوية في بعض الوحدات - التي أعيد انتشارها في هجومها الثاني خلال عدة أشهر - هشة.
أحد الأهداف الروسية هو مدينة سلافيانسك، لكن المنطقة المحيطة بها تشمل الغابات والأنهار والمستنقعات - يصعب عبورها وتتطلب معدات متخصصة. عندما يكون الروس مكشوفين على الطرق، كما أصبح واضحاً شمال كييف، فإنهم أكثر عرضة لكل من الطائرات من دون طيار الأوكرانية والصواريخ الخفيفة المضادة للدبابات.
كما أن الأوكرانيين لا يدافعون فقط؛ في الأيام الأخيرة، حققت وحدات صغيرة مكاسب متواضعة شرق وجنوب خاركيف، مما قد يهدد خطوط الإمداد الروسية. إذا تمكنوا من الحفاظ على هذا، فسيتعين على الروس تكريس وحدات لحماية هذه الخطوط.
هناك بالفعل علامات على أن القوات الخاصة الأوكرانية تعمل خلف الخطوط الروسية: الأسبوع الماضي، تم تفجير جسر بري على طريق رئيسي قادم من روسيا. كما لحقت أضرار بجسر للسكك الحديدية داخل روسيا على حافة بيلغورود. يعتمد الجيش الروسي على السكك الحديدية في معظم عملياته اللوجيستية. في هذا الجانب من المعركة، قد يلعب دعم المخابرات الغربية دوراً حاسماً.
جانب آخر مهم في المعركة القادمة هو الجانب الثقافي. تتمتع الوحدات الأوكرانية ببعض الاستقلالية ويتم تشجيعها على استغلال الفرص في ساحة المعركة. حتى في حالة عدم وجود توجيه أو أوامر واضحة، لديهم الدافع للقتال. على النقيض من ذلك، فإن سلسلة القيادة الروسية جامدة، والثقافة لا تشجع المبادرة الفردية.

ومع ذلك، يواجه الأوكرانيون مخاطر كبيرة. إنهم يقاتلون - بشكل أساسي - داخل صندوق يمكن أن ينغلق إذا نجح الروس في اتجاه واحد أو أكثر. سيتعين عليهم المناورة بذكاء كما فعلوا في أنحاء كييف، والتنبه باستمرار لخطر التعرض للهجوم.
عندما تسقط مدينة ماريوبول، يمكن للروس إعادة توجيه القوات التي كانت مكرسة لهذا الهجوم، لكنها ستكون قد استنفدت، بسبب ما يقرب من شهرين من القتال في المناطق الحضرية.
قبل كل شيء، في سباق مع الزمن، تحتاج أوكرانيا إلى إمداد دائم بالأسلحة والذخيرة، والتي يجب أن يأتي الكثير منها اليوم من خارج البلاد عبر خط إمداد طويل ممكن اعتراضه. إنهم بحاجة إلى المزيد من الأسلحة المضادة للدبابات والدفاعات الجوية المتنقلة.
يجب حماية الهجمات المضادة من الجو لتعطيل الهجوم الروسي.
وقال مسؤول أميركي كبير، أول من أمس، إن واشنطن تعمل «على مدار الساعة» لإيصال أسلحة إلى أوكرانيا بسرعة «غير مسبوقة». سمحت الولايات المتحدة بالفعل بشحن 2.3 مليار دولار من الأسلحة والمعدات لأوكرانيا منذ الغزو.

الهدف: يوم النصر
كان هناك بعض الحديث عن رغبة الكرملين في تحقيق تقدم ملموس بحلول 9 مايو (أيار)، عندما تحتفل روسيا بيوم النصر بمناسبة هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. في ظل معدل التقدم الحالي، يبدو ذلك غير مرجح. السؤال الأكبر هو ما إذا كان هذا الصراع سيمتد إلى الصيف، في حرب استنزاف قاتمة.
سيتعين على الجيش الروسي تبديل الوحدات، والاعتماد على الاحتياطيات المحدودة، للحفاظ على الصراع الذي أصاب بالفعل قواته البرية. سوف تتأثر حساباتها (واستراتيجية الكرملين السياسية) بفاعلية المقاومة الأوكرانية وقدرة الحكومات الغربية على تزويد أوكرانيا بمعدات أكثر وأفضل.

وقال جاك واتلينغ من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن في كتابه «War on the Rocks”: « لقد وفر التحدي الأوكراني الوقت والفرصة ليس فقط لدرء المزيد من المكاسب الروسية في دونباس، ولكن أيضاً لتشكيل المعركة بعد ذلك. إذا تحرك حلفاء أوكرانيا اليوم، فقد يردعون أو على الأقل يستعدون لهجوم صيفي».
هناك حاجة ملحة لإعادة الإمداد. في الأسبوع الماضي، سمحت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بحزمة أمنية أخرى بقيمة 800 مليون دولار، والتي تضمنت رادارات للمدفعية والمضادة للمدفعية. يوم الثلاثاء، أشار الرئيس إلى المزيد قادم.
ستحتاج أوكرانيا إلى معدات هجومية إذا أرادت مهاجمة أي ثغرة أمنية في الخطوط الروسية، وهذا يشمل الدروع الثقيلة (مثل الدبابات الجاهزة للمعركة) بالإضافة إلى مجموعة من الأنظمة الأخرى.
تدرك الحكومات الغربية أن هذه لحظة حاسمة: رفع تكلفة «العملية العسكرية الخاصة» لروسيا إلى الحد الذي لا يمكن لموسكو التحمل فيه. يطالب الأوكرانيون بالحصول على أسلحة أكثر وأفضل. ورغم التفوق العددي الروسي عليهم سوف يحتاجون إلى خفة الحركة والتصميم والتعزيزات لدرء المرحلة الثانية من حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل

أوروبا الحافلة التي أصابتها مُسيّرة روسية وسط مدينة ‌نيكوبول جنوب شرقي أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب) p-circle

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل، وكييف تتوقع ضغوطاً دبلوماسية وعسكرية مع نشر قوات روسية استراتيجية على الخطوط الأمامية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» في موسكو يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)

بوتين يعلن وقف إطلاق النار في عيد القيامة ويتوقع المثل من أوكرانيا

أعلن الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين، اليوم (الخميس)، وقف إطلاق النار لمدة يومين بمناسبة ‌عيد القيامة ‌عند ​الأرثوذكس.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مستقبلاً الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في وزارة الخارجية بواشنطن الأربعاء (رويترز)

أوكرانيا تبقى رهينة مزاج ترمب تجاه «الأطلسي»

خرج ترمب من الاجتماع مع الأمين العام لـ«الناتو» من غير إعلان خطوة دراماتيكية ضد الحلف لكنه كرر اتهامه له بأنه «لم يكن هناك عندما احتجناه»

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

قالت القوات المسلحة البريطانية، الخميس، إنَّ القوات العسكرية البريطانية قادت ونظيرتها النرويجية عمليةً استمرت أسابيع؛ لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بعد 16 عاماً في السلطة يواجه رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، تحدياً من بيتر ماجيار، الذي يتقدم حزبه في معظم استطلاعات الرأي المستقلة وإن لم يكن تقدماً حازماً

«الشرق الأوسط» (لندن)

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.


هل تستطيع أميركا وإيران تجاوز خلافاتهما خلال المحادثات؟

أشخاص يحملون صوراً للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي خلال مسيرة لإحياء ذكرى وفاته في طهران... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يحملون صوراً للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي خلال مسيرة لإحياء ذكرى وفاته في طهران... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

هل تستطيع أميركا وإيران تجاوز خلافاتهما خلال المحادثات؟

أشخاص يحملون صوراً للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي خلال مسيرة لإحياء ذكرى وفاته في طهران... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يحملون صوراً للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي خلال مسيرة لإحياء ذكرى وفاته في طهران... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

من المقرر أن تعقد الولايات المتحدة وإيران محادثات سلام في باكستان، التي تقوم بدور الوسيط، لكن الخلافات لا تزال كبيرة بين الجانبين حول قضايا رئيسية على الرغم من تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنَّ المقترحات التي قدَّمتها طهران تُشكِّل «أساساً» للمحادثات، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

ويتمسَّك كل طرف بمطالب متعارضة للتَّوصُّل إلى اتفاق ينهي الحرب، ويظلُّ مصير حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، والحرب الإسرائيلية في لبنان، من القضايا الرئيسية التي يتعيَّن حلها.

كيف ستؤثر نتائج المحادثات على مستقبل الشرق الأوسط لأجيال قادمة؟

ما موقف الطرفين؟

من المقرَّر أن يصل وفد إيراني إلى إسلام آباد؛ لإجراء محادثات بناء على مقترح من 10 نقاط لا يتطابق إلى حد كبير مع خطة من 15 بنداً قدَّمتها واشنطن سابقاً، مما يشير إلى وجود فجوات كبيرة يتعيَّن سدُّها.

ويتضمَّن مقترح إيران، على سبيل المثال، مطلباً يتعلق بتخصيب اليورانيوم، وهو ما استبعدته واشنطن سابقاً، ويصر ترمب على أنه غير قابل للتفاوض. ولا تتطرَّق النقاط الـ10 أيضاً إلى قدرات إيران الصاروخية التي قالت كل من إسرائيل والولايات المتحدة إنه يجب تقليصها إلى حد كبير. وتقول طهران إن ترسانتها الصاروخية الهائلة غير قابلة للتفاوض، ولكن ليس واضحاً حجم ما تبقَّى من هذه الأسلحة بعد الحرب.

وقال مسؤول باكستاني إن بوسع إيران أن تتوقَّع تلبية كثير من مطالبها مع التركيز على إعادة الإعمار والتعويضات ورفع العقوبات، لكن لا يمكنها توقع التوصُّل إلى اتفاق بشأن تخصيب اليورانيوم.

ما الذي سيتصدر جدول أعمال محادثات إسلام آباد؟

ركزت محادثات سابقة على برنامجَي إيران النووي والصاروخي، لكن مصير مضيق هرمز يأتي الآن على رأس الأولويات، إذ يمرُّ عبره نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

وأثَّر إغلاق إيران الفعلي لهذا المضيق منذ بداية الحرب في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتقول طهران إنها ستسعى، في حال التوصُّل إلى اتفاق سلام دائم، إلى فرض رسوم على السفن التي تعبر المضيق الذي يبلغ عرضه 34 كيلومتراً فقط عند أضيق نقطة فيه بين إيران وسلطنة عمان.

وكان ترمب قد هدَّد بتدمير إيران إذا لم توافق على وقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق.

ولم تظهر أي مؤشرات على أن إيران قد رفعت حصارها عن الممر المائي، الذي تسبب في أسوأ اضطراب لإمدادات الطاقة العالمية في التاريخ. وقالت طهران أيضاً إنها لن تبرم اتفاقاً ما دامت إسرائيل مستمرة في قصف لبنان.

كيف تُقارن خطة إيران بخطة أميركا؟

قال المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في بيان، إن واشنطن وافقت على قبول خطة إيران المؤلفة من 10 بنود، وإن الولايات المتحدة تلتزم، من حيث المبدأ، بما يلي:

- عدم الاعتداء.

- استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.

- قبول التخصيب.

- رفع جميع العقوبات الأساسية والثانوية.

- إلغاء جميع القرارات التي أصدرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

- انسحاب القوات القتالية الأميركية من المنطقة.

- وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك ضد «حزب الله» في لبنان.

وذكرت مصادر إسرائيلية أنَّ مقترح ترمب المكون من 15 نقطة، والذي تم إرساله سابقاً إلى إيران عبر باكستان، دعا إلى إزالة مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ الباليستية، وقطع التمويل عن حلفاء ووكلاء طهران في المنطقة.

وبينما يستعد الجانبان لعقد المفاوضات، تعهَّد ترمب بالإبقاء على الأصول العسكرية في الشرق الأوسط حتى التوصُّل إلى اتفاق سلام مع إيران، وحذَّر من تصعيد كبير في القتال في حال عدم امتثالها.

ما فرص التوصل إلى تسوية دائمة؟

على الرغم من إعلان ترمب النصر، فإنَّ واشنطن لم تحقق الأهداف التي أعلنها لتبرير الحرب في بدايتها، وهي القضاء على قدرة إيران على مهاجمة جيرانها، وتدمير برنامجها النووي، وتهيئة الظروف التي تيسِّر على الإيرانيين الإطاحة بحكومتهم.

ومن غير المرجح أن تقدم إيران تنازلات كبيرة بشأن هذه النقاط. وقالت طهران إنها قادرة على مواصلة القتال بصبر، إذ يمنحها مضيق هرمز نفوذاً اقتصادياً على عدو يتمتَّع بقوة نارية متفوقة.

ما موقف إسرائيل... وأين لبنان في هذا السياق؟

تعدّ إسرائيل طهران تهديداً وجودياً لها، وتشنُّ هجمات على جماعة «حزب الله» المدعومة من إيران في لبنان في صراع موازٍ.

ويرغب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في تغيير النظام في إيران، غير أن تحقيق ذلك سيتطلب على الأرجح إرسال قوات برية إلى هناك في حين لا توجد ضمانات للاستقرار بعد ذلك.

وأصبحت مسألة ما إذا كان وقف إطلاق النار يشمل حرب إسرائيل ضد «حزب الله» نقطةً خلافيةً تهدِّد الهدنة.

وتقول الولايات المتحدة وإسرائيل إن لبنان غير مشمول بالاتفاق، في حين يقول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن وقف الأعمال القتالية في لبنان كان شرطاً أساسياً في اتفاق طهران مع واشنطن.

وأعلنت إسرائيل موافقتها على وقف إطلاق النار مع إيران، لكنها أشارت إلى أن الاتفاق لا يشمل وقف العمليات العسكرية في لبنان.


أستراليا: مشغّلو طائرة التجسس في الشرق الأوسط يمتنعون عن نقل معلومات هجومية إلى واشنطن

ناقلة منتجات نفطية تمر بجوار دار أوبرا سيدني مع شروق الشمس بأستراليا (رويترز)
ناقلة منتجات نفطية تمر بجوار دار أوبرا سيدني مع شروق الشمس بأستراليا (رويترز)
TT

أستراليا: مشغّلو طائرة التجسس في الشرق الأوسط يمتنعون عن نقل معلومات هجومية إلى واشنطن

ناقلة منتجات نفطية تمر بجوار دار أوبرا سيدني مع شروق الشمس بأستراليا (رويترز)
ناقلة منتجات نفطية تمر بجوار دار أوبرا سيدني مع شروق الشمس بأستراليا (رويترز)

أكدت أستراليا أنها تفرض قيوداً صارمة على طبيعة المعلومات الاستخباراتية التي تشاركها مع الولايات المتحدة، في إطار تشغيل طائرة المراقبة المتطورة «E-7 Wedgetail» في الشرق الأوسط، بما يضمن عدم استخدامها في عمليات هجومية، وحصر دورها في المهام الدفاعية فقط. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

وأوضح قائد قوات الدفاع الأسترالية، الأدميرال ديفيد جونستون، أن الطاقم يتخذ «خطوات فعّالة» لترشيح البيانات التي تجمعها الطائرة، بحيث يجري تبادل المعلومات المرتبطة بالتهديدات الجوية، مثل الطائرات المُسيّرة، دون نقل أي معطيات يمكن أن تُستخدم في أعمال قتالية هجومية. وأضاف أن قدرات الطائرة تتيح تحكماً دقيقاً في نوعية المعلومات التي تغادرها، قائلاً إن المُشغّلين يطبّقون «فلاتر دقيقة» لتقييم البيانات قبل مشاركتها.

وفي مواجهة انتقادات داخلية بشأن دعم العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، شددت الحكومة على أن مساهمتها تظل دفاعاً بحتاً، في محاولة للحفاظ على توازنٍ دقيقٍ بين التزاماتها الدولية ومصالحها الاستراتيجية.

وقبيل صدور الاستراتيجية الدفاعية الوطنية الجديدة، وصف جونستون الطائرة بأنها «جوهرة حقيقية»، مشيراً إلى أهميتها في مراقبة التهديدات الجوية، ولا سيما مع نشر نحو 85 فرداً من قوات الدفاع الأسترالية في المنطقة منذ أوائل مارس (آذار) الماضي.

في سياق متصل، تطرّق الجدل إلى احتمال مشاركة أستراليا في تأمين مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية. وأكد جونستون أن بلاده تمتلك القدرة على نشر قوات بحرية هناك، إذا طُلب منها ذلك، لكنه شدد على أن القرار يرتبط بتحديد الأولويات، خاصةً في ظل تركيز أستراليا على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد انتقد أستراليا؛ لعدم تقديمها دعماً كافياً في هذا الملف، غير أن كانبيرا أكدت أن قراراتها العسكرية تُبنى على اعتبارات استراتيجية، لا على ضغوط سياسية، في تأكيد لسعيها للقيام بدور محسوب ومتوازن في منطقة شديدة التعقيد.