الحيدري: دمنهوري كاتب تنويري وظّف أدبه للإصلاح الاجتماعي

كتاب يحقق التراث الأدبي لـ«ابن الثقافة وأبو الرواية» السعودية

حامد دمنهوري
حامد دمنهوري
TT

الحيدري: دمنهوري كاتب تنويري وظّف أدبه للإصلاح الاجتماعي

حامد دمنهوري
حامد دمنهوري

أصدر نادي مكة المكرمة الثقافي الأدبي هذا العام (2022) الطبعة الثانية من كتاب «ابن الثقافة وأبو الرواية: حامد دمنهوري: مقالاته وشعره وقصصه» بزيادات عن الطبعة الأولى الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض عام (2010).
مؤلف الكتاب هو الباحث الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيس مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض سابقًا، ويمثل الكتاب فرصة لسبر أغوار الرواية السعودية، وتسليط الضوء على حامد الدمنهوري (1922 - 1965) الذي يُعّد أول روائي سعودي، وكرست روايته «ثمن التضحية» التي أصدرها عام 1959 ونشرتها دار الفكر بالرياض أول رواية سعودية.
وفي كتابه «ابن الثقافة وأبو الرواية: حامد دمنهوري» الذي صدرت مؤخراً طبعته الثانية، يشير الأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحيدري إلى الظروف التي نشأ فيها مؤسس الرواية السعودية، وفي حواره مع «الشرق الأوسط» يوضح الدكتور الحيدري أهمية حامد دمنهوري في الأدب السعودي، وما الفرق بين الطبعتين؟ وريادة الدمنهوري وسبب تسميته "ابن الثقافة وأبو الرواية"، والمقصود بأدب حامد دمنهوري المعلوم وأدبه المجهول، وما أبرز مضامين كتاباته المقالية، وهل كتب القصة القصيرة أم لا، وأسئلة أخرى.
الباحث والأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحيدري
الباحث والأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحيدري

> كيف تصف مكانة حامد دمنهوري الأدبية؟
- الأديب السعودي حامد حسين دمنهوري (1922 - 1965) متعدد المواهب؛ قرض الشعر، وكتب القصة، وعالج المقالة، وأبدع في الرواية، وبها عُرف أكثر من أي جنس أدبي آخر أنتج فيه، وله عملان روائيان شهيران. هما ثمن التضحية (1959)، ومرت الأيام (1963). ومن هنا فحامد دمنهوري أديب شمولي لم يقتصر في عطائه على جنس واحد، بل تنوع عطاؤه رغم حياته القصيرة التي لم تتجاوز 45 سنة.

غلاف الطبعة الأولى من الكتاب

> كيف كانت ظروف النشر التي تهيأت للدمنهوري والجيل الأدبي في أربعينات القرن الماضي؟
- إذا ما نظرنا إلى تاريخ ميلاد حامد دمنهوري، وهو عام 1922، وربطنا اسمه مع مجايليه من الأدباء الذين ولدوا في هذه السنة أو قبلها أو بعدها بقليل من مثل أحمد محمد جمال، وعبد العزيز الرفاعي، وحسن بن عبد الله القرشي، وغيرهم، وجدنا أن هذا الجيل تفتح على وجود نهضة أدبية تتسم بالشمول في الإنتاج شعراً ونثراً، مع بدء عدد من المطبوعات في الصدور والانتشار. وفي المقدمة؛ صحيفة «أم القرى»، وصحيفة «صوت الحجاز»، ومجلة «المنهل». ومن هنا وجد هذا الجيل السبل أمامه معبّدة من خلال الجيل السابق له؛ جيل محمد سرور الصبّان، وأحمد بن إبراهيم الغزّاوي، ومحمد حسن عوّاد، وعبد القدوس الأنصاري، وحمد الجاسر، وغيرهم، ووجدوا التشجيع ومنافذ النشر مشرعة، فبدأوا الكتابة في وقت مبكر، مع أنهم واجهوا مشكلة توقف الصحف خلال الحرب العالمية الثانية في المدة (1939 - 1945)، ولكن هذا التوقف ربما أسهم في تكوين ثقافتهم من خلال القراءة المكثّفة والاطلاع، ومتابعة أحداث الحرب، وكل هذه روافد لا يستهان بها...
رواية الدمنهوري الأولى التي اعتبرت أول رواية سعودية (ثمن التضحية)
رواية الدمنهوري الأولى التي اعتبرت أول رواية سعودية (ثمن التضحية)

> ما السمات الفنية للأدب الذي نبغ فيه دمنهوري والجيل الأدبي المعاصر له؟
- من السمات البارزة في أدب جيل حامد دمنهوري؛ التنوع والشمول في الإنتاج الكتابي، وهي مرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة التجريب والمغامرة؛ لأن عدداً منهم لم يتضح له المجال الأنسب الذي يمكن من خلاله أن يبدع؛ ولذلك لم يقتصر عطاؤه الكتابي على جنس أدبي واحد، وإنما حاول أن يطرق معظم الأجناس الأدبية، فها هو عبد العزيز الرفاعي يكتب الشعر، والمقالة، والقصة أحياناً، وها هو أحمد محمد جمال يُصدر ديواناً من الشعر في وقت مبكر، ويكتب المقالة، وها هو حسن القرشي يكتب الشعر والقصة والمقالة، ومن هنا لم يكن بالغريب أن يجرّب حامد دمنهوري قلمه في أكثر من مجال متأثراً بجيله، ومستجيباً لنداء الصحافة التي تطلب مدّها بأي مادة تصلح للنشر.

غلاف الطبعة الثانية

> كيف أثّرت إقامة دمنهوري في مصر على تطوره الأدبي؟
- واضح من خلال مسيرة حامد دمنهوري أنه كان هاوياً للكتابة في وقت مبكّر من حياته، وربما كانت من أهم العوامل التي أسهمت في ذلك، إلى جانب موهبته، إقامته في مصر للدراسة الجامعية 5 سنوات في المدة (1939 - 1946) تقريباً؛ حيث درس في دار العلوم بالقاهرة، وحصل منها على الدبلوم، ثم على الشهادة الجامعية من كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، فهذه الإقامة في اثنتين من أهم المدن الثقافية العربية شكّلت جوانب مهمة من ثقافة حامد دمنهوري في مسارين؛ المسار المنهجي المتمثل في الدراسة الجامعية، والمسار الثقافي الحر المتمثل في اقتناء الكتب وقراءتها، ولقاء الأدباء والمثقفين، وحضور الندوات الأدبية، والمناقشات الثقافية، والعروض المسرحية، ومعارض الكتب، وغيرها. وكان هذا الجو الثقافي الثري وقوداً فعّالاً أسهم في تشكيل روح حامد دمنهوري المتوثبة الراغبة في رفع مستوى الوطن؛ تعليمياً وثقافياً، وهو ما ظهر بشكل مباشر في مقالاته، وبشكل غير مباشر في روايتيه.
> ما أبرز الأسباب التي دعتك إلى إعادة طباعة الكتاب مرة ثانية عن طريق نادي مكة المكرّمة الثقافي الأدبي؟ وما أبرز الفروق بين الطبعتين الأولى والثانية؟
- أبرز الأسباب؛ نفاد النسخ، وأبرز الإضافات في هذه الطبعة الجديدة العثور على 3 قصائد لحامد دمنهوري، وإضافتها إلى شعره، ليرتفع عدد القصائد إلى 9 قصائد بدلاً من 6 في الطبعة الأولى، والقصائد المضافة هي؛ أمنية، وإغراء، وأضغاث أحلام. ومن الإضافات؛ تحديث القائمة الببليوغرافية، ورفدها بمواد جديدة، واستدراك بعض الأخطاء الطباعية، وإضافة بعض المعلومات إلى سيرته الذاتية.
أما اختيار نادي مكة تحديداً لإصدار هذه الطبعة الجديدة، فلأن حامد دمنهوري من أبناء مكة المكرمة، ومعظم أحداث روايته «ثمن التضحية» في مكة؛ ولذلك رحّب النادي كثيراً بإعادة طباعة الكتاب، وأجدها فرصة لتقديم الشكر لرئيس النادي أ. د. حامد الربيعي، وزملائه في مجلس الإدارة.
حامد دمنهوري
حامد دمنهوري

> وصفتَ دمنهوري في عنوان الكتاب بأنه «أبو الرواية وابن الثقافة»، فماذا تقصد بهذا العنوان؟
- يكتسب هذا الكتاب عنوانه من زاويتين شكّلتا شخصية حامد دمنهوري؛ الأولى، عمله الثقافي المتواصل مدة تزيد على ربع قرن، وتسنمه مناصب مهمة في الجانب الثقافي، والأخرى شهرته الروائية الكبيرة، وأهمية أعماله في البناء الروائي في المملكة، وكونها البداية الفعلية للرواية الفنية.
> ورد في مقدمة كتابك وصف أدب حامد دمنهوري، بأن «بعضه معلوم، وبعضه شبه مجهول»، فماذا تقصد؟
- أدب حامد دمنهوري شبه المجهول هو إنتاجه المجموع لأول مرة في هذا الكتاب، وهو إنتاجه الشعري، والمقالي، وفي القصة القصيرة. أما أدبه المعلوم فهو الرواية، ومنها اكتسب شهرته الواسعة، وبخاصة روايته «ثمن التضحية» التي تُرجمت إلى عدد من اللغات الحية مثل؛ الإنجليزية، والروسية، والصينية، ولقيت اهتماماً نقدياً كبيراً؛ لكونها أهم منعطف في الرواية السعودية، وبها يُؤرخ لبدء الرواية الفنية في المملكة العربية السعودية؛ ولهذا وُصف حامد دمنهوري من قبل بعض النقاد بأنه أبو الرواية.
> ما بداية كتابات حامد دمنهوري في الصحافة قبل التأليف؟ وما نصيب الشعر في حياته؟
- بالاطلاع على إنتاج حامد دمنهوري، نلحظ أنه كان مهيأً ثقافياً فور عودته من الابتعاث، بدليل أننا بدأنا نقرأ إنتاجه في عام 1947. وهو العام الذي عاد فيه إلى الوطن، ومن أقدم النصوص التي بين أيدينا قصيدته «فجر» التي ألقاها أمام الملك فيصل رحمه الله عندما كان نائباً عن والده في الحجاز، وذلك في الحفل الذي أُقيم بحي جرول بمكة المكرّمة في 9 صفر من عام 1366هـ (1947)، ومطلعها...
لاحَ الصباحُ وفي يديه ضياؤه
وعلى أزاهره طغتْ أشذاؤه
إلى أن يقول...
هذا الحجازُ وفي جوانحه الهوى
يهفو إليكَ وفي يديكَ لواؤه

> هل ترك دمنهوري تراثاً شعرياً؟
- دمنهوري شاعر مقلّ جداً، وكل ما استطعت العثور عليه من شعره 9 قصائد فقط، وتواريخ نظمها قديمة تمثل بواكير أدبه، وسبق نشر معظمها في الصحف المحلية، ثم أعاد نشرها بعض مؤلفي كتب المختارات، وبالتحديد صالح جمال حريري في كتابه «من وحي البعثات السعودية» الصادر في عام 1949، وعبد السلام طاهر الساسي في كتابه «شعراء الحجاز في العصر الحديث» الصادر في عام 1950. ويبدو أن حامد دمنهوري انصرف عن الشعر في وقت مبكر، إذ لا نجد له قصائد نشرت في أخريات حياته، إضافة إلى أن القصائد المنشورة في كتابي الحريري والساسي تعود إلى ما قبل عام 1950، أي قبل وفاته بـ15 عاماً.
> هل ثمة سبب - برأيك - لانصرافه عن الشعر؟
- ربما يكون من أسباب انصرافه عن الشعر ميله إلى السرد أكثر من الشعر، وبخاصة أن روايته الأولى «ثمن التضحية» الصادرة في عام 1959م لقيت ترحيباً كبيراً في الأوساط الأدبية والنقدية.
> ماذا عن فن المقالة لديه؟ وهل توافر لك عند الجمع عدد كبير منها؟
- أخلص حامد دمنهوري لفن المقالة، ومارس كتابتها منذ عام 1947، حتى العام الذي توفي فيه، وهو عام 1965. وقد نشرت جريدة البلاد السعودية أول مقالة له في عام 1947، وعنوانها «نشأة شعر الكونيات في الأدب العربي»، ثم مقالة أخرى بعنوان «قال الأولون» في العام نفسه، ومقالة ثالثة بعنوان «التأليف المدرسي المفقود» في العام الذي يليه، وهو «1948». وهذه المقالات المبكّرة كتبها بين سن الـ26 والـ27 فقط، وربما كانت له محاولات سابقة لم نعثر عليها، أو نشرت إبان دراسته الجامعية في مصر.
وأول ملحوظة يمكن أن تذكر في سياق النظر إلى هذه المقالات الثلاث؛ أن الأولى كان فيها أسيراً لقراءته في كتب التراث، ومن هنا اعتمد في أفكارها على كتاب الأغاني، وربما كانت المقالة في أصلها نواة بحث قدمه في الجامعة. أما المقالتان الأخريان فقد بدت شخصيته الكتابية واضحة، إذ طرح أفكاراً جديدة بناها من خلال مشاهداته وعمله التربوي، وظهرت أصالته فيهما. ويظهر أن الصدى الذي أحدثته المقالتان شجعه لتنويع منافذ النشر، فانتقل بقلمه إلى مجلة المنهل فنشر فيها بحثاً مكوناً من 3 حلقات عن الأمثال العامية وعلاقتها باللغة العربية عام 1959، ثم عاد إلى التراث مرة أخرى بكتابة بعض المقالات في مجلة المنهل. منها؛ الشاعر الأمير، والعرجي شاعر الغزل، ولم ينسَ الهم التربوي فكتب بضع مقالات في جريدة البلاد السعودية. منها؛ معلم المدرسة المفترى عليه، ورسالة المعلم في عصر الذرة.
وهذه المرحلة التي تمتد من عام 1947 إلى عام 1953، ومدتها 7 سنوات، يمكن أن نطلق عليها مرحلة «التجريب والتثقيف»، وتتسم بمحاولة إثبات الوجود وممارسة الكتابة جنباً إلى جنب مع زملائه ومجايليه، مع حرص على التنويع في الموضوعات بين تراثية ومعاصرة.
> كم عدد المقالات التي نشرها في تلك الفترة؟
أصدر نادي مكة المكرمة الثقافي الأدبي هذا العام (2022) الطبعة الثانية من كتاب «ابن الثقافة وأبو الرواية... حامد دمنهوري... مقالاته وشعره وقصصه» بزيادات عن الطبعة الأولى الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض عام 2010. مؤلف الكتاب هو الباحث الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيس مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض سابقاً. ويمثل الكتاب فرصة لقراءة تاريخ الرواية السعودية، وتسليط الضوء على حامد دمنهوري (1922 - 1965) الذي يُعّد أول روائي سعودي، واعتُبرت روايته «ثمن التضحية» التي أصدرها عام 1959 ونشرتها دار الفكر بالرياض، أول رواية سعودية. ويوضح الدكتور الحيدري في حوار مع «الشرق الأوسط»، أهمية حامد دمنهوري في الأدب السعودي، وما الفرق بين الطبعتين، وريادة دمنهوري وسبب تسميته «ابن الثقافة وأبو الرواية»، والمقصود بأدب حامد دمنهوري المعلوم، وأدبه المجهول، وما أبرز مضامين كتاباته المقالية.

- عدد المقالات 35 مقالة رُتبت في الكتاب بحسب أقدميتها في النشر، وأولها مقالته «نشأة شعر الكونيات في الأدب العربي» المنشورة في جريدة البلاد السعودية 1947، وعمره 26 سنة، وآخرها مقالته «العالم الصغير» المنشورة عام 1972، أي بعد وفاته. وقد نشرت مقالاته في عدد من الصحف والمجلات السعودية. هي مجلة المنهل، ومجلة المعرفة، وجريدة البلاد السعودية، وجريدة اليمامة، وجريدة الندوة. ولجريدة اليمامة نصيب الأسد منها، إذ نشر فيها 16 مقالة خلال عامي 1963 و1964. ومعظمها في زاويته الثابتة «تجارب الآخرين».
> حسب رصد الكاتب للسياق التاريخي، نلاحظ هناك فترة توقف وانقطاع لدى حامد دمنهوري عن الكتابة... ألم يكن منتظماً فيها؟
- نعم، توقف حامد دمنهوري عن الكتابة الصحافية 4 سنوات في المدة (1954 - 1957)، ففي هذه السنوات لم نعثر على نصوص مقالية منشورة له، والسبب الرئيس في نظري انغماسه في العمل عندما كلّف عام 1953 مديراً عاماً للثقافة بوزارة المعارف في العام الذي أعلن فيه عن قيام الوزارة، ثم وكيلاً للوزارة للشؤون الثقافية حتى وفاته، ويظهر أن وزارة المعارف في مستهل نشأتها كانت مثقلة بأعباء كثيرة وعمل مكثف وزيارات ميدانية واجتماعات لا تتوقف، فكان هذا فيما يبدو سبباً لتوقف دمنهوري عن الكتابة الصحافية، ثم ما لبث بعد أن استقرت الأمور في الوزارة أن عاد إلى معشوقته الكتابة بدءاً من عام 1959 عندما نشر روايته «ثمن التضحية» على حلقات في جريدة حراء، وأصدرها في كتاب في العام نفسه، ثم كتب سلسلة من المقالات. منها؛ جيل المستقبل، وصحفنا مطالبة بتكوين الشخصية السعودية، والثقافة للجميع، والنصف الآخر يواجه الحياة، والإذاعة ودورها الثقافي.، وراق له أن يتخذ زاوية أسبوعية جعل عنوانها «من تجارب الآخرين»، ونشر 10 حلقات عامي 1963 و1964.
> هل يمكن تصنيف حامد دمنهوري أنه كاتب تنويري؟
- بالاطلاع على إنتاجه المقالي نلحظ رغبته في التنوير والتثقيف والتغيير من خلال نقله لتجارب الأمم المتقدمة ونقد بعض السلوكيات في مجتمعه.
وحين ندرس المرحلة التي تتميز بغزارة الإنتاج لديه، وشهدت ولادة روايته الثانية «ومرت الأيام» عام 1963 فإنه يمكن أن نطلق عليها مرحلة «التنوير»؛ لأن حامد دمنهوري في طرحه الأدبي على مستوى الرواية والكتابة المقالية كان ينشد تغييراً وإصلاحاً مجتمعياً، وجاءت أفكاره مشبعة بحماسة وطنية للرقي بالوطن والمواطنين في التعليم والسلوك والثقافة، وأبرز ما تتضح أفكاره في هذا السياق في زاويته «من تجارب الآخرين» التي ألحّ من خلالها على أهمية الاستفادة من المنجزات الناجحة على مستوى العالم ونقلها إلى بلادنا، سواء في الصناعة والتقدم، أو في السلوك، كالاهتمام بالوقت والعناية بالنظافة، وتطبيق النظام واحترامه، وإذا كان من تعليل لغزارة إنتاج حامد دمنهوري في هذه المرحلة فإننا يمكن أن نضع أيدينا على أكثر من سبب. في المقدمة؛ النضج الثقافي والفكري، وارتباطه العملي بالصحافة مشرفاً على مجلة المعرفة، وعضواً بمؤسسة اليمامة الصحافية، وإلحاح الصحف والمجلات عليه للكتابة، والنجاح الكبير الذي أحدثته روايته «ثمن التضحية».



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟