الحيدري: دمنهوري كاتب تنويري وظّف أدبه للإصلاح الاجتماعي

كتاب يحقق التراث الأدبي لـ«ابن الثقافة وأبو الرواية» السعودية

حامد دمنهوري
حامد دمنهوري
TT

الحيدري: دمنهوري كاتب تنويري وظّف أدبه للإصلاح الاجتماعي

حامد دمنهوري
حامد دمنهوري

أصدر نادي مكة المكرمة الثقافي الأدبي هذا العام (2022) الطبعة الثانية من كتاب «ابن الثقافة وأبو الرواية: حامد دمنهوري: مقالاته وشعره وقصصه» بزيادات عن الطبعة الأولى الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض عام (2010).
مؤلف الكتاب هو الباحث الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيس مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض سابقًا، ويمثل الكتاب فرصة لسبر أغوار الرواية السعودية، وتسليط الضوء على حامد الدمنهوري (1922 - 1965) الذي يُعّد أول روائي سعودي، وكرست روايته «ثمن التضحية» التي أصدرها عام 1959 ونشرتها دار الفكر بالرياض أول رواية سعودية.
وفي كتابه «ابن الثقافة وأبو الرواية: حامد دمنهوري» الذي صدرت مؤخراً طبعته الثانية، يشير الأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحيدري إلى الظروف التي نشأ فيها مؤسس الرواية السعودية، وفي حواره مع «الشرق الأوسط» يوضح الدكتور الحيدري أهمية حامد دمنهوري في الأدب السعودي، وما الفرق بين الطبعتين؟ وريادة الدمنهوري وسبب تسميته "ابن الثقافة وأبو الرواية"، والمقصود بأدب حامد دمنهوري المعلوم وأدبه المجهول، وما أبرز مضامين كتاباته المقالية، وهل كتب القصة القصيرة أم لا، وأسئلة أخرى.
الباحث والأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحيدري
الباحث والأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحيدري

> كيف تصف مكانة حامد دمنهوري الأدبية؟
- الأديب السعودي حامد حسين دمنهوري (1922 - 1965) متعدد المواهب؛ قرض الشعر، وكتب القصة، وعالج المقالة، وأبدع في الرواية، وبها عُرف أكثر من أي جنس أدبي آخر أنتج فيه، وله عملان روائيان شهيران. هما ثمن التضحية (1959)، ومرت الأيام (1963). ومن هنا فحامد دمنهوري أديب شمولي لم يقتصر في عطائه على جنس واحد، بل تنوع عطاؤه رغم حياته القصيرة التي لم تتجاوز 45 سنة.

غلاف الطبعة الأولى من الكتاب

> كيف كانت ظروف النشر التي تهيأت للدمنهوري والجيل الأدبي في أربعينات القرن الماضي؟
- إذا ما نظرنا إلى تاريخ ميلاد حامد دمنهوري، وهو عام 1922، وربطنا اسمه مع مجايليه من الأدباء الذين ولدوا في هذه السنة أو قبلها أو بعدها بقليل من مثل أحمد محمد جمال، وعبد العزيز الرفاعي، وحسن بن عبد الله القرشي، وغيرهم، وجدنا أن هذا الجيل تفتح على وجود نهضة أدبية تتسم بالشمول في الإنتاج شعراً ونثراً، مع بدء عدد من المطبوعات في الصدور والانتشار. وفي المقدمة؛ صحيفة «أم القرى»، وصحيفة «صوت الحجاز»، ومجلة «المنهل». ومن هنا وجد هذا الجيل السبل أمامه معبّدة من خلال الجيل السابق له؛ جيل محمد سرور الصبّان، وأحمد بن إبراهيم الغزّاوي، ومحمد حسن عوّاد، وعبد القدوس الأنصاري، وحمد الجاسر، وغيرهم، ووجدوا التشجيع ومنافذ النشر مشرعة، فبدأوا الكتابة في وقت مبكر، مع أنهم واجهوا مشكلة توقف الصحف خلال الحرب العالمية الثانية في المدة (1939 - 1945)، ولكن هذا التوقف ربما أسهم في تكوين ثقافتهم من خلال القراءة المكثّفة والاطلاع، ومتابعة أحداث الحرب، وكل هذه روافد لا يستهان بها...
رواية الدمنهوري الأولى التي اعتبرت أول رواية سعودية (ثمن التضحية)
رواية الدمنهوري الأولى التي اعتبرت أول رواية سعودية (ثمن التضحية)

> ما السمات الفنية للأدب الذي نبغ فيه دمنهوري والجيل الأدبي المعاصر له؟
- من السمات البارزة في أدب جيل حامد دمنهوري؛ التنوع والشمول في الإنتاج الكتابي، وهي مرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة التجريب والمغامرة؛ لأن عدداً منهم لم يتضح له المجال الأنسب الذي يمكن من خلاله أن يبدع؛ ولذلك لم يقتصر عطاؤه الكتابي على جنس أدبي واحد، وإنما حاول أن يطرق معظم الأجناس الأدبية، فها هو عبد العزيز الرفاعي يكتب الشعر، والمقالة، والقصة أحياناً، وها هو أحمد محمد جمال يُصدر ديواناً من الشعر في وقت مبكر، ويكتب المقالة، وها هو حسن القرشي يكتب الشعر والقصة والمقالة، ومن هنا لم يكن بالغريب أن يجرّب حامد دمنهوري قلمه في أكثر من مجال متأثراً بجيله، ومستجيباً لنداء الصحافة التي تطلب مدّها بأي مادة تصلح للنشر.

غلاف الطبعة الثانية

> كيف أثّرت إقامة دمنهوري في مصر على تطوره الأدبي؟
- واضح من خلال مسيرة حامد دمنهوري أنه كان هاوياً للكتابة في وقت مبكّر من حياته، وربما كانت من أهم العوامل التي أسهمت في ذلك، إلى جانب موهبته، إقامته في مصر للدراسة الجامعية 5 سنوات في المدة (1939 - 1946) تقريباً؛ حيث درس في دار العلوم بالقاهرة، وحصل منها على الدبلوم، ثم على الشهادة الجامعية من كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، فهذه الإقامة في اثنتين من أهم المدن الثقافية العربية شكّلت جوانب مهمة من ثقافة حامد دمنهوري في مسارين؛ المسار المنهجي المتمثل في الدراسة الجامعية، والمسار الثقافي الحر المتمثل في اقتناء الكتب وقراءتها، ولقاء الأدباء والمثقفين، وحضور الندوات الأدبية، والمناقشات الثقافية، والعروض المسرحية، ومعارض الكتب، وغيرها. وكان هذا الجو الثقافي الثري وقوداً فعّالاً أسهم في تشكيل روح حامد دمنهوري المتوثبة الراغبة في رفع مستوى الوطن؛ تعليمياً وثقافياً، وهو ما ظهر بشكل مباشر في مقالاته، وبشكل غير مباشر في روايتيه.
> ما أبرز الأسباب التي دعتك إلى إعادة طباعة الكتاب مرة ثانية عن طريق نادي مكة المكرّمة الثقافي الأدبي؟ وما أبرز الفروق بين الطبعتين الأولى والثانية؟
- أبرز الأسباب؛ نفاد النسخ، وأبرز الإضافات في هذه الطبعة الجديدة العثور على 3 قصائد لحامد دمنهوري، وإضافتها إلى شعره، ليرتفع عدد القصائد إلى 9 قصائد بدلاً من 6 في الطبعة الأولى، والقصائد المضافة هي؛ أمنية، وإغراء، وأضغاث أحلام. ومن الإضافات؛ تحديث القائمة الببليوغرافية، ورفدها بمواد جديدة، واستدراك بعض الأخطاء الطباعية، وإضافة بعض المعلومات إلى سيرته الذاتية.
أما اختيار نادي مكة تحديداً لإصدار هذه الطبعة الجديدة، فلأن حامد دمنهوري من أبناء مكة المكرمة، ومعظم أحداث روايته «ثمن التضحية» في مكة؛ ولذلك رحّب النادي كثيراً بإعادة طباعة الكتاب، وأجدها فرصة لتقديم الشكر لرئيس النادي أ. د. حامد الربيعي، وزملائه في مجلس الإدارة.
حامد دمنهوري
حامد دمنهوري

> وصفتَ دمنهوري في عنوان الكتاب بأنه «أبو الرواية وابن الثقافة»، فماذا تقصد بهذا العنوان؟
- يكتسب هذا الكتاب عنوانه من زاويتين شكّلتا شخصية حامد دمنهوري؛ الأولى، عمله الثقافي المتواصل مدة تزيد على ربع قرن، وتسنمه مناصب مهمة في الجانب الثقافي، والأخرى شهرته الروائية الكبيرة، وأهمية أعماله في البناء الروائي في المملكة، وكونها البداية الفعلية للرواية الفنية.
> ورد في مقدمة كتابك وصف أدب حامد دمنهوري، بأن «بعضه معلوم، وبعضه شبه مجهول»، فماذا تقصد؟
- أدب حامد دمنهوري شبه المجهول هو إنتاجه المجموع لأول مرة في هذا الكتاب، وهو إنتاجه الشعري، والمقالي، وفي القصة القصيرة. أما أدبه المعلوم فهو الرواية، ومنها اكتسب شهرته الواسعة، وبخاصة روايته «ثمن التضحية» التي تُرجمت إلى عدد من اللغات الحية مثل؛ الإنجليزية، والروسية، والصينية، ولقيت اهتماماً نقدياً كبيراً؛ لكونها أهم منعطف في الرواية السعودية، وبها يُؤرخ لبدء الرواية الفنية في المملكة العربية السعودية؛ ولهذا وُصف حامد دمنهوري من قبل بعض النقاد بأنه أبو الرواية.
> ما بداية كتابات حامد دمنهوري في الصحافة قبل التأليف؟ وما نصيب الشعر في حياته؟
- بالاطلاع على إنتاج حامد دمنهوري، نلحظ أنه كان مهيأً ثقافياً فور عودته من الابتعاث، بدليل أننا بدأنا نقرأ إنتاجه في عام 1947. وهو العام الذي عاد فيه إلى الوطن، ومن أقدم النصوص التي بين أيدينا قصيدته «فجر» التي ألقاها أمام الملك فيصل رحمه الله عندما كان نائباً عن والده في الحجاز، وذلك في الحفل الذي أُقيم بحي جرول بمكة المكرّمة في 9 صفر من عام 1366هـ (1947)، ومطلعها...
لاحَ الصباحُ وفي يديه ضياؤه
وعلى أزاهره طغتْ أشذاؤه
إلى أن يقول...
هذا الحجازُ وفي جوانحه الهوى
يهفو إليكَ وفي يديكَ لواؤه

> هل ترك دمنهوري تراثاً شعرياً؟
- دمنهوري شاعر مقلّ جداً، وكل ما استطعت العثور عليه من شعره 9 قصائد فقط، وتواريخ نظمها قديمة تمثل بواكير أدبه، وسبق نشر معظمها في الصحف المحلية، ثم أعاد نشرها بعض مؤلفي كتب المختارات، وبالتحديد صالح جمال حريري في كتابه «من وحي البعثات السعودية» الصادر في عام 1949، وعبد السلام طاهر الساسي في كتابه «شعراء الحجاز في العصر الحديث» الصادر في عام 1950. ويبدو أن حامد دمنهوري انصرف عن الشعر في وقت مبكر، إذ لا نجد له قصائد نشرت في أخريات حياته، إضافة إلى أن القصائد المنشورة في كتابي الحريري والساسي تعود إلى ما قبل عام 1950، أي قبل وفاته بـ15 عاماً.
> هل ثمة سبب - برأيك - لانصرافه عن الشعر؟
- ربما يكون من أسباب انصرافه عن الشعر ميله إلى السرد أكثر من الشعر، وبخاصة أن روايته الأولى «ثمن التضحية» الصادرة في عام 1959م لقيت ترحيباً كبيراً في الأوساط الأدبية والنقدية.
> ماذا عن فن المقالة لديه؟ وهل توافر لك عند الجمع عدد كبير منها؟
- أخلص حامد دمنهوري لفن المقالة، ومارس كتابتها منذ عام 1947، حتى العام الذي توفي فيه، وهو عام 1965. وقد نشرت جريدة البلاد السعودية أول مقالة له في عام 1947، وعنوانها «نشأة شعر الكونيات في الأدب العربي»، ثم مقالة أخرى بعنوان «قال الأولون» في العام نفسه، ومقالة ثالثة بعنوان «التأليف المدرسي المفقود» في العام الذي يليه، وهو «1948». وهذه المقالات المبكّرة كتبها بين سن الـ26 والـ27 فقط، وربما كانت له محاولات سابقة لم نعثر عليها، أو نشرت إبان دراسته الجامعية في مصر.
وأول ملحوظة يمكن أن تذكر في سياق النظر إلى هذه المقالات الثلاث؛ أن الأولى كان فيها أسيراً لقراءته في كتب التراث، ومن هنا اعتمد في أفكارها على كتاب الأغاني، وربما كانت المقالة في أصلها نواة بحث قدمه في الجامعة. أما المقالتان الأخريان فقد بدت شخصيته الكتابية واضحة، إذ طرح أفكاراً جديدة بناها من خلال مشاهداته وعمله التربوي، وظهرت أصالته فيهما. ويظهر أن الصدى الذي أحدثته المقالتان شجعه لتنويع منافذ النشر، فانتقل بقلمه إلى مجلة المنهل فنشر فيها بحثاً مكوناً من 3 حلقات عن الأمثال العامية وعلاقتها باللغة العربية عام 1959، ثم عاد إلى التراث مرة أخرى بكتابة بعض المقالات في مجلة المنهل. منها؛ الشاعر الأمير، والعرجي شاعر الغزل، ولم ينسَ الهم التربوي فكتب بضع مقالات في جريدة البلاد السعودية. منها؛ معلم المدرسة المفترى عليه، ورسالة المعلم في عصر الذرة.
وهذه المرحلة التي تمتد من عام 1947 إلى عام 1953، ومدتها 7 سنوات، يمكن أن نطلق عليها مرحلة «التجريب والتثقيف»، وتتسم بمحاولة إثبات الوجود وممارسة الكتابة جنباً إلى جنب مع زملائه ومجايليه، مع حرص على التنويع في الموضوعات بين تراثية ومعاصرة.
> كم عدد المقالات التي نشرها في تلك الفترة؟
أصدر نادي مكة المكرمة الثقافي الأدبي هذا العام (2022) الطبعة الثانية من كتاب «ابن الثقافة وأبو الرواية... حامد دمنهوري... مقالاته وشعره وقصصه» بزيادات عن الطبعة الأولى الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض عام 2010. مؤلف الكتاب هو الباحث الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيس مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض سابقاً. ويمثل الكتاب فرصة لقراءة تاريخ الرواية السعودية، وتسليط الضوء على حامد دمنهوري (1922 - 1965) الذي يُعّد أول روائي سعودي، واعتُبرت روايته «ثمن التضحية» التي أصدرها عام 1959 ونشرتها دار الفكر بالرياض، أول رواية سعودية. ويوضح الدكتور الحيدري في حوار مع «الشرق الأوسط»، أهمية حامد دمنهوري في الأدب السعودي، وما الفرق بين الطبعتين، وريادة دمنهوري وسبب تسميته «ابن الثقافة وأبو الرواية»، والمقصود بأدب حامد دمنهوري المعلوم، وأدبه المجهول، وما أبرز مضامين كتاباته المقالية.

- عدد المقالات 35 مقالة رُتبت في الكتاب بحسب أقدميتها في النشر، وأولها مقالته «نشأة شعر الكونيات في الأدب العربي» المنشورة في جريدة البلاد السعودية 1947، وعمره 26 سنة، وآخرها مقالته «العالم الصغير» المنشورة عام 1972، أي بعد وفاته. وقد نشرت مقالاته في عدد من الصحف والمجلات السعودية. هي مجلة المنهل، ومجلة المعرفة، وجريدة البلاد السعودية، وجريدة اليمامة، وجريدة الندوة. ولجريدة اليمامة نصيب الأسد منها، إذ نشر فيها 16 مقالة خلال عامي 1963 و1964. ومعظمها في زاويته الثابتة «تجارب الآخرين».
> حسب رصد الكاتب للسياق التاريخي، نلاحظ هناك فترة توقف وانقطاع لدى حامد دمنهوري عن الكتابة... ألم يكن منتظماً فيها؟
- نعم، توقف حامد دمنهوري عن الكتابة الصحافية 4 سنوات في المدة (1954 - 1957)، ففي هذه السنوات لم نعثر على نصوص مقالية منشورة له، والسبب الرئيس في نظري انغماسه في العمل عندما كلّف عام 1953 مديراً عاماً للثقافة بوزارة المعارف في العام الذي أعلن فيه عن قيام الوزارة، ثم وكيلاً للوزارة للشؤون الثقافية حتى وفاته، ويظهر أن وزارة المعارف في مستهل نشأتها كانت مثقلة بأعباء كثيرة وعمل مكثف وزيارات ميدانية واجتماعات لا تتوقف، فكان هذا فيما يبدو سبباً لتوقف دمنهوري عن الكتابة الصحافية، ثم ما لبث بعد أن استقرت الأمور في الوزارة أن عاد إلى معشوقته الكتابة بدءاً من عام 1959 عندما نشر روايته «ثمن التضحية» على حلقات في جريدة حراء، وأصدرها في كتاب في العام نفسه، ثم كتب سلسلة من المقالات. منها؛ جيل المستقبل، وصحفنا مطالبة بتكوين الشخصية السعودية، والثقافة للجميع، والنصف الآخر يواجه الحياة، والإذاعة ودورها الثقافي.، وراق له أن يتخذ زاوية أسبوعية جعل عنوانها «من تجارب الآخرين»، ونشر 10 حلقات عامي 1963 و1964.
> هل يمكن تصنيف حامد دمنهوري أنه كاتب تنويري؟
- بالاطلاع على إنتاجه المقالي نلحظ رغبته في التنوير والتثقيف والتغيير من خلال نقله لتجارب الأمم المتقدمة ونقد بعض السلوكيات في مجتمعه.
وحين ندرس المرحلة التي تتميز بغزارة الإنتاج لديه، وشهدت ولادة روايته الثانية «ومرت الأيام» عام 1963 فإنه يمكن أن نطلق عليها مرحلة «التنوير»؛ لأن حامد دمنهوري في طرحه الأدبي على مستوى الرواية والكتابة المقالية كان ينشد تغييراً وإصلاحاً مجتمعياً، وجاءت أفكاره مشبعة بحماسة وطنية للرقي بالوطن والمواطنين في التعليم والسلوك والثقافة، وأبرز ما تتضح أفكاره في هذا السياق في زاويته «من تجارب الآخرين» التي ألحّ من خلالها على أهمية الاستفادة من المنجزات الناجحة على مستوى العالم ونقلها إلى بلادنا، سواء في الصناعة والتقدم، أو في السلوك، كالاهتمام بالوقت والعناية بالنظافة، وتطبيق النظام واحترامه، وإذا كان من تعليل لغزارة إنتاج حامد دمنهوري في هذه المرحلة فإننا يمكن أن نضع أيدينا على أكثر من سبب. في المقدمة؛ النضج الثقافي والفكري، وارتباطه العملي بالصحافة مشرفاً على مجلة المعرفة، وعضواً بمؤسسة اليمامة الصحافية، وإلحاح الصحف والمجلات عليه للكتابة، والنجاح الكبير الذي أحدثته روايته «ثمن التضحية».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».