«الشينوغرافيا»... فن تفتقده معظم المعاهد والأكاديميات العربية

الكتاب الفائز بجائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«الشينوغرافيا»... فن تفتقده معظم المعاهد والأكاديميات العربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

قلة قليلة جداً من الدراسات المنشورة على شكل كتب مؤلفة أو مترجمة، في عموم البلدان العربية، انتبهت وحددت المسافة بين تطور التشكيل والتحولات الحاصلة في صناعة الخشبات الحية للمسرح. وهذا ربما يعود لطبيعة المفهوم الضيق، الذي طالما ألصقه العرب بفن المسرح منذ أن تعرفوا على حداثته في نهايات القرن التاسع عشر؛ حيث ظل يقتصر عندنا في الغالب على النص والتمثيل. عكس ما هو حاصل في أوروبا، حيث تزخر المكتبات بمئات الكتب التي تطرقت إلى تحليل المسافات بين التشكيل والمسرح و«الشينوغرافيا». إلا أن الدراسات والبحوث المطبوعة، تبدو متقاربة جداً بالطرح والاعتماد على مصادر أجنبية (فرنسية وإنجليزية) لا تتسم بدقتها وموضوعيتها، جنباً إلى جنب ضعف ترجمتها إلى اللغة العربية، الأمر الذي انعكس سلبياً على مناهجنا العربية التدريسية في معاهدنا وأكاديمياتنا في الوطن العربي. فهي تجاهلت عظمة عصر النهضة الإيطالي الذي لولاه لما قدر لمصمم الديكور أن يخرج من جبة الفنان والمهندس، ولما قدر للبنيات المسرحية أن تتطور لتخلق مهنة اسمها شينوغرافية (تصميم المشهد). هذا كله غاب عن أغلب الدراسات والبحوث العربية، بسبب الضعف الذي تعاني منه الكتب المترجمة إذ إن أغلب المصادر التي تستند عليها مواد البحث لا تمتاز دقتها وأمانتها العلمية، بسبب إغفالها العديد من المصادر الأجنبية الأخرى وبالذات، المصادر الإيطالية العريقة ذات الصلة الوثيقة الأكثر حميمية وموضوعية بمادة البحث (الشينوغرافيا) والتي جاءتنا من عصر النهضة الإيطالية للفنون.
وتأتي جائزة دائرة الثقافة للبحث النقدي التشكيلي في إمارة الشارقة في دورتها الثانية عشرة الجديدة، لتفتح آفاقاً أكاديمية جديدة لفهم المسافة بين التشكيل و«الشينوغرافيا»، بشمولية متنوعة واسعة، لتحقيق إمكانية فهم تاريخ «الشينوغرافيا»، واتجاهاتها، وأساليبها ومدارسها وتوجهاتها، ومراحل تطورها، وهو الأمر الذي سيفتح المجال لتصويب المصطلحات المتداولة في عدد لا يستهان به من الدراسات والتطبيقات في مجالات المسرح والنقد التشكيلي والمسرحي.
لكن معظم البحوث والدراسات ومصادرها العربية، لم تراعِ الترجمة الحرفية لمصطلح «الشينوغرافيا» الذي يتألف من كلمتين باللغة اللاتينية، التي هي أساس اللغة الإيطالية والفرنسية والإسبانية. «الشينا» وتعني المشهد و«غرافيا» وتعني التصميم (تصميم المشهد) ويلفظها الباحثون والدارسون والمسرحيون العرب والإنجليز بحرف (السين) عوضاً عن (الشين) اللاتيني.
في بحثه، ركز د. الفنان كاظم نوير الزبيدي، الذي حاز على الجائزة الأولى في هذه الدورة بجدارة أكاديمية مقتدرة على الصعيد اللغوي والمعرفي، على أهمية «الشينوغرافيا» وما أصابها من متغيرات كثيرة في زمننا المعاصر، من فن للزخرفة وديكور لتصبح فن إبداع الصور والرؤى خلال تفعيل الإضاءة والألوان والرسم والشعر والآليات الرقمية والمعطيات السينمائية الموحية المصحوبة باستخدام ما تستحدثه التطورات التكنولوجية. وترجمة وتعريف المصطلحات الفنية والفلسفية والفكرية في هذا البحث، اتسمت بدقتها وأهميتها وبتسلسلها التاريخي. وقد رصد الباحث التحولات والمراحل والتنوعات في مسيرة فن الشينوغرافيا المتداولة في تاريخ المسرح الحديث، كما سلط في بحثه الأضواء على ما هو بنائي وتصويري للعرض المسرحي، وركز على فلسفة الفن التشكيلي المعاصر بمنهجية وتسلسل تاريخي مدعوم بشرح المصطلحات بمهنية دقيقة، كما أكد الباحث على أهمية «الشينوغرافيا» على ضوء ما أصابها من متغيرات كثيرة في زمننا المعاصر، من فن للزخرفة وديكور لتصبح فن إبداع الصور والرؤى خلال تفعيل الإضاءة والألوان والرسم والشعر والآليات الرقمية والمعطيات السينمائية الموحية المصحوبة باستخدام ما تستحدثه التطورات التكنولوجية. كما سلط الأضواء على ما هو بنائي وتصويري للعرض المسرحي، وركز على فلسفة الفن التشكيلي المعاصر بمنهجية مهنية، وختم بحثه بشرح مدعوم بمصادر عربية وأجنبية عن علاقة «الشينوغرافيا» بالمسرح والرسم.
إن الغاية من الجائزة، أي جائزة ليس فقط تتويج المجتهدين وطبع وترويج منتجاتهم وأعمالهم، ولكن أيضاً الوقوف عند الخلل الذي يصيب البحث، بتشخيصه بغية إصلاحه مستقبلاً من قبل المعنيين في بحوثهم ودراساتهم. وهذا ما سعى إليه الفنان كاظم نوير أستاذ مادة الرسم، الذي ذكر بأن أغلب المتخصصين في «الشينوغرافيا»
ولجوا التخصص من باب التمثيل وليس من باب الفنون التشكيلية، وأحياناً بالصدفة بعدما لم يجدوا خياراً آخر للاستمرار في الدراسة بأغلب معاهدنا وأكاديمياتنا العربية التي تفتقد فروعاً متخصصة لدراسة الشينوغرافيا. لذلك فإن خريج قسم التمثيل والمسرح في معظم المعاهد والأكاديميات في الدول العربية بعيد إلى حد كبير عن الفن التشكيلي، وقريب أشد القرب من الأدب بكل توجهاته، وهذا واحد من الأسباب المهمة في ظاهرة التراجع الذي يعيشه المسرح العربي في العقود الأخيرة. أما في أوروبا، فالأمر مختلف، إذ إن المسرح و«الشينوغرافيا»، يواصلان تقدمهما الحثيث من خلال التخصص الدقيق في الكتابة والبحث والدراسة والتطبيق.
وكان الموضوع الذي طرح للمسابقة مفترقاً بعض الشيء عن كثير من الدراسات النقدية العربية فهو يراوح بين جنسين ويحمل في داخله إشكالية الفنون المعاصرة نفسها، ويحتمل الكثير من التنظير والتأصيل والمقاربات التأويلية، وذلك ما سمح بانفتاح على تاريخ الفن والفلسفة والنقد وعلم الجمال، وبمنهج بحثي في ترتيب المفاهيم والمباحث مع الأخذ بنظر الاعتبار التداخل والخصوصية لكل من الجنسين الفنيين.



«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي
TT

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً كان شاهداً على سقوط غرناطة وتقلّبات المتوسط. غير أنّه لم يسعَ إلى كتابة سيرة تاريخية وثائقية بالمعنى الصارم؛ فقد أخذ من حياة الوزّان عناصرها الكبرى، ثم أعاد بناءها داخل عملٍ أدبي.

اليوم تكتمل الصورة بصدور كتابٍ جديد في نحو ثلاثمائة صفحة، عنوانه «يوحنا ليون الأفريقي: إنسانيٌّ عربي في النهضة الأوروبية»، لصاحبه المؤرّخ والأنثروبولوجي الجزائري هواري تواتي، مدير دراسات في «المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية» بباريس وعضو أكاديمية أوروبا. والكتاب ليس سيرةً ولا عملاً روائياً، بل هو ثمرة بحثٍ دام سنوات من أجل إبراز الدور الفكري لحسن الوزان المعروف في أوروبا بليون الأفريقي بوصفه وسيطاً بين التراث العربي والفضاء الأوروبي.

وُلد الحسن بن محمد الوزّان على الأرجح قرب غرناطة في أواخر القرن الخامس عشر، ثم حملته أسرته إلى فاس بعد سقوط المدينة سنة 1492. هناك تلقّى علومه في مدارسها، فتعلّم الفقه وأصول الدين، وتذوق التاريخ والشعر. وفي سنٍّ مبكرة، بدأ رحلاتٍ دبلوماسية حملته إلى الريف والسوس وأطراف الصحراء، ثم إلى تونس والقاهرة والقسطنطينية. وفي 1518، بينما كان عائداً من مهمّة، اعترض سفينتَه قرصانٌ صقلّي من فرسان القديس يوحنا، فاقتيد إلى روما وحُبس في قلعة سانت أنجلو. وما جرى بعد ذلك هو موضوع كتاب هواري تواتي. فالبابا لم يعرض أسيره على الزوّار كأعجوبة، بل منحه راتباً ومهمّة: أن يعلّم العربية، وأن يُستشار في اللغة والفقه وشؤون المتوسط.

يشرح الباحث أنّ روما التي نزل بها الوزّان لم تكن مدينةَ باباواتٍ فحسب، بل كانت ورشةً محمومة يُعاد فيها رسم صورة العالم. كان فيها الكاردينال إيجيديو دا فيتربو، المولع باللغات الشرقية، الذي طلب من ضيفه الأسير أن يعلّمه العربية ليقرأ القرآن في لغته الأصلية. وفيها كان الأمير ألبرتو بيو دا كاربي يبني مكتبةً شرقية، إضافةً إلى أنجلو كولوتشي (1474 – 1549)، العالِم الإيطالي وأمين أسرار البابا، وجامع المخطوطات والآثار.

في هذا الوسط، وجد الوزّان موقعه. فأقام سنة 1525 في دار الكاردينال بفيتربو بصفته معلّماً له، وراجع هناك ترجمةً لاتينية للقرآن الكريم، وعلّم العربية في بولونيا، ونسخ نصوصاً عربية لمكتبات الأمراء، وجالس المترجمين والأطباء والشعراء.

ومن هنا يبدأ الانقلاب الذي يقترحه الكتاب. فالثقافة العامة، عربيةً كانت أم أوروبية، اختزلت حسن الوزّان في عمله الشهير «وصف أفريقيا»، ذلك الكتاب الذي أنجزه سنة 1526 وظلّ قروناً مرجعَ أوروبا الوحيد عن المغرب وأفريقيا. أما تواتي فينقل مركز الثقل إلى ثلاثة أعمال أخرى أقلّ شهرة لكنها أبعد أثراً: مجموعة تراجم، ومعجم، ورسالة في العَروض.

حين وصل الوزّان إلى روما، كانت جامعات أوروبا تدرّس ابن سينا والرازي وابن رشد منذ ثلاثة قرون، وهي تجهل عنهم كلّ شيء تقريباً. لم يكن في المكتبات اللاتينية سيرةٌ واحدة لأيٍّ من هؤلاء. كان طالب الطب في بادوفا أو مونبلييه يحفظ «القانون» ويجهل متى عاش صاحبه وأين. وما تداولته أوروبا عنهم لم يكن أكثر من حكاياتٍ متناقَلة: أنّهم عاشوا جميعاً في الأندلس في زمنٍ واحد، وأنّ ابن رشد «دسّ السمّ لابن سينا بدافع الحسد».

ويتوقّف تواتي عند هذه الثغرة ليشرح سببها. فالعرب حين نقلوا علوم اليونان، نقلوا معها سِيَر أصحابها وقوائم كتبهم: «التاريخ الفلسفي» لفرفوريوس، وسيرة أرسطو المنسوبة إلى بطليموس، ورسالة جالينوس في ترتيب مؤلفاته. لقد عرفوا مَن يقرأون، وأقاموا على هذه المعرفة فنّاً كاملاً في الكتابة. أما الترجمة من العربية إلى اللاتينية فأخذت النصوص وتركت أصحابها في الظلّ. في هذا الظلّ كتب الوزّان مؤلفه «بعض الرجال المشاهير عند العرب والعبرانيين»، في روما سنة 1527.

وهو أوّل عمل أوروبي يقول للقارئ اللاتيني بوضوح: هذه الكتب التي بين يديك لها مؤلفون، ولهم مدنٌ وأساتذة ومدارس وتواريخ. فيها الفارابي والغزالي وابن رشد وابن سينا، وإلى جانبهم أعلامٌ يهود.

ولم يكن أثر هذا العمل عابراً، فقد ظلّ مرجعاً لا ينازع حتى منتصف القرن التاسع عشر. بل إنّ «الموسوعة» التي أشرف عليها ديدرو ودالمبير، وهي أشهر عملٍ فكري في عصر الأنوار الفرنسي ورمزه الأكبر، نقلت عن كتاب الوزّان أكثر من نصف ما أوردته عن أفريقيا، وأدرجت تراجمه ووصفه كما وردت، من غير تغيير يُذكر. ثلاثة قرون كانت أوروبا تروي فيها تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس، من غير أن تذكر اسمه في الغالب، كما يشير الباحث الجزائري.

كانت أوروبا تروي لثلاثة قرون تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس من غير أن تذكر اسمه في الغالب

أطرف ما في الكتاب بابه الخاص بـ«رسالة العَروض». فقد كان أنجلو كولوتشي من أوائل من درسوا بنية اللغات الرومانسية وأوزان الشعر في العامّيات الإيطالية، يجمع مخطوطات شعراء بروفانس وصقلّية ويقارن بينها، باحثاً عن جوابٍ لسؤالٍ شغل أدباء عصره: من أين جاءت القافية إلى الشعر الأوروبي؟ فالشعر اللاتيني القديم لم يعرفها، ثم ظهرت فجأةً عند التروبادور. فهل أخذها شعراء بروفانس عن الأندلسيين، جيرانهم من وراء البرانس؟ كان الجواب يقتضي معرفةً بالعَروض العربي من الداخل: بالبحور والزحافات والعلل، وبالفرق بين الرويّ والقافية. وهي معرفة لم تكن متاحة لأحدٍ في إيطاليا، فوجدها كولوتشي عند الوافد الجديد. ومن هذا اللقاء وُلد واحد من أوائل نصوص الوزّان اللاتينية: «رسالة في فنّ العَروض العربي»، وصلتنا في نسخةٍ نقلها ناسخ إيطالي سنة 1527.

وفي بولونيا، في يناير (كانون الثاني) 1524، فرغ الوزّان من معجمٍ عربي – عبري – لاتيني وضعه لصديقه الطبيب والمترجم اليهودي يعقوب مانتينو. ويشير الباحث إلى أنّ العمل، وإن كان مشتركاً، فإنّ الوزّان هو من حمل عبأه الأكبر: نحو خمسة آلاف وخمسمائة مادة عربية بقلمه، لا يقابلها من قلم شريكه سوى مائة وسبعين مادة عبرية ومائتين وثلاثين لاتينية. وقد بقي هذا المعجم مخطوطاً في مكتبة الإسكوريال، ولم يُطبع إلا سنة 1664 على يد المستشرق السويسري يوهان هاينريش هوتينغر؛ أي أنّ الاستشراق الأوروبي انتفع بمادّته قرناً ونصف قرن قبل أن ينسب الفضل إلى واضعه.

يرى هواري تواتي أنّ ليون الأفريقي لم يكن مجرّد جغرافي نقل إلى أوروبا أخبار أفريقيا، بل كان مثقفاً عربياً اضطلع بدور محوري في نقل المعارف بين الحضارتين العربية والأوروبية، وهو ما يدعو إلى النظر إلى النهضة لا بوصفها ظاهرة أوروبية خالصة، بل باعتبارها فضاءً تفاعلت فيه روافد حضارية متعدّدة. فالفكر الإنساني لم يكن حكراً على أوروبا، بل نشأ من تفاعل حضاري واسع أسهم فيه مفكّرون عرب. وفي الأخير، يدعو الكاتب إلى إعادة الاعتراف بهذا التراث الذي واصلت أوروبا استثماره بينما تراجعت الثقافة العربية عن بعضه.


«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي
TT

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

للشاعر السعودي، إبراهيم زولي، صدر مؤخراً كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن مجموعة «متون للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد ليس مرثيةً للورق، ولا لائحةَ اتهامٍ للشاشة، ولا خطاباً متوتراً يندب زماناً انقضى ثم يتعامل معه كأنه الفردوس المفقود، بل يرى أن الأزمنة لا تعود، والتاريخ لا يسير إلى الوراء، والحياة لا تنتظر الحالمين بالرجوع كي تستأنف حركتها. «ما يعنيني هنا ليس الدفاع عن ماضٍ ضد حاضر، ولا الانتصار لجيلٍ على آخر، بل محاولةُ النظر فيما جرى لنا، نحن الذين عبرنا من ضفةٍ إلى أخرى، أو وجدنا أنفسنا عالقين بين ضفتين: ضفةٍ كان للكتاب فيها زمنُه الخاص، وللقراءة طقسُها، وللكلمة مهابتها، وضفةٍ صار العالم فيها يُستهلك من خلال شاشة، وتُختصر الخبرة الإنسانية في تمريرٍ سريع، وتُقاس القيمة بكمّ الظهور لا بعمق الأثر».

وفي مقدمة الكتاب يضيف المؤلف: «القضية، في جوهرها، ليست قضية أدوات فحسب. ليست المسألة أن الشاشة حلّت محلَّ الورق، أو أن المكتبة انزوت قليلاً أمام المنصات. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تمسّ بنية الإدراك نفسها، شكل الانتباه، إيقاع الزمن، صلة الإنسان بلغته، علاقته بأسرته، طريقته في بناء صورته عن نفسه، ومفهومه للمعرفة، والنجاح، والظهور».

ويقول أيضاً: «هنا لا نتحدث عن جهاز جديد دخل حياتنا، بل عن بيئة كاملة أخذت تعيد ترتيب الحواس والأولويات، وتعيد كتابة اليومي على نحو يكاد يبدو طبيعياً، بل بديهياً، حتى لكأن ما حدث كان قدراً لا تاريخاً، وطبيعةً لا صناعةً بشرية».

وبحسب الكاتب، فإن فكرة هذا الكتاب، تنبع، من أن «أخطر ما في الثقافة الحديثة ليس ما تقوله بصوت عالٍ، بل ما تمرره همساً، عبر الصورة، والتكرار، والإيقاع اليومي، والعادة التي لا نشك فيها».

ويستشهد بما كتبه رولان بارت، في كتابه الشهير «أسطوريات»، حين صاغ هذه الفكرة بعبارة كثيفة قائلاً إن الأسطورة «تحوّل التاريخ إلى طبيعة»؛ أي إنها تجعل ما هو مصنوع، وتاريخي، وقابل للنقد، يبدو كأنه أمرٌ طبيعي لا يُسأل عن أصله ولا عن مصلحته. وهو يرى أن «ما تفعله المنصات اليوم، في كثير من وجوهها، قريبٌ من هذا السحر الناعم: إنها لا تفرض رؤيتها علينا بالعصا، بل تجعلنا نألفها حتى نظنها هي العالم نفسه».

وبالنسبة لعنوان الكتاب، فالمؤلف يرى أنه لا يقسم العالم بقدر ما يكشف صدعه، ويقول: «(حين اخترتُ عنوان أبناء قوقل وأحفاد المتنبي) لم أكن أبحث عن مفارقة لفظية جذابة فحسب، ولا عن مقابلةٍ بلاغية بين رمزٍ رقمي وآخر تراثي. كنت أبحث عن استعارتين تلتقطان تحوّلاً عميقاً في الإنسان العربي المعاصر». فـ(أبناء قوقل) ليسوا فئة عمرية محددة، وليسوا المراهقين وحدهم، ولا الشباب وحدهم، بل هم كل الذين أخذتهم المنصات إلى داخل نمط جديد من الوعي: وعيٍ سريع، متشظٍّ، يتغذى على التدفق، ويعيش تحت سطوة الإشعار، ويجد نفسه في مرايا الآخرين أكثر مما يجدها في عزلته الخاصة. هم أبناء عالم لا يذهب فيه المرء إلى المعرفة كما كان يذهب إلى مكتبة، بل تنهال عليه المعرفة، أو ما يشبهها، في هيئة مقاطع، وملخصات، وصور، واقتباسات مبتورة، ورأيٍ يجاور نكتةً، وخبرٍ يجاور إعلاناً، وفضيحةٍ تعلو فوق كتاب».

لكن ماذا بشأن «أحفاد المتنبي»؟، يضيف: هؤلاء «ليسوا حراساً لمتحف اللغة، ولا جماعة تعيش خارج التاريخ، ولا كائنات ورقية ترفض الزمن لأنها تخشاه. إنهم أبناء تكوين آخر: تكوين صاغته القراءة البطيئة، والإنصات الطويل، ومشقة البحث عن الكتاب، وفتنة الانتظار، والرهبة التي كانت ترافق إرسال النص إلى صحيفة أو مجلة ثم ترقب الرد بعد أيام أو أسابيع. إنهم أبناء زمنٍ لم تكن المعرفة فيه فورية، ولذلك كانت أعمق أثراً وأشد رسوخاً؛ زمنٍ كان على القارئ فيه أن يذهب إلى الكتاب، لا أن يهبط عليه الكتاب في شظايا متناثرة وسط ضجيج لا ينتهي».

يحتوي الكتاب رغم مساحته القصيرة على مقدمة واثني عشر فصلاً، حمل الفصل الأول عنوان: الآيديولوجيا في ثياب اليومي، والفصل الثاني، عنوان: أبناء قوقل: الإنسان الذي تعلّم العالم عبر الشاشة، أما الفصل الثالث، فكان عنوانه: أحفاد المتنبي: ذاكرة الورق وبطء التكوين، والفصل الرابع: من القارئ إلى المتصفّح: كيف خسرنا القراءة الطويلة؟، والفصل الخامس: اللغة بين الفصاحة والاختزال: ماذا فعلت المنصات بالكلام؟، والفصل السادس: العائلة في البيت الواحد والغربة الواحدة، والفصل السابع: اقتصاد الشهرة الفارغة: حين يسبق المؤثر الموهبة.

وحمل الفصل الثامن عنوان: الخوارزمية بوصفها محرراً: من يقرر ما نقرأ وما نرى؟ والفصل التاسع: الصورة أقوى من السيرة: تشكّل الهوية المرئية، والفصل العاشر: الأدب في عصر السرعة: ماذا تبقّى للكلمة؟ والفصل الحادي عشر: الوجه المضيء للتقنية: ما الذي أعطته المنصات ولم نكن نملكه؟ والفصل الثاني عشر: بين أبناء قوقل وأحفاد المتنبي: هل المصالحة ممكنة؟ أما خاتمة الكتاب فضمت مقالاً بعنوان: تحوّل في صورة الإنسان.


رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر