معارضون يخوضون الانتخابات اللبنانية بشعارات موحدة ولوائح متعددة

قوى «14 آذار» سابقاً ومجموعات الحراك منقسمة على نفسها... وباسيل يراهن على «فائض قوة الثنائي الشيعي»

لافتة انتخابية في بيروت تدعو إلى التصويت ضد الأطراف التي منعت تحقيق «العدالة» في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020 (أ.ف.ب)
لافتة انتخابية في بيروت تدعو إلى التصويت ضد الأطراف التي منعت تحقيق «العدالة» في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020 (أ.ف.ب)
TT

معارضون يخوضون الانتخابات اللبنانية بشعارات موحدة ولوائح متعددة

لافتة انتخابية في بيروت تدعو إلى التصويت ضد الأطراف التي منعت تحقيق «العدالة» في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020 (أ.ف.ب)
لافتة انتخابية في بيروت تدعو إلى التصويت ضد الأطراف التي منعت تحقيق «العدالة» في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020 (أ.ف.ب)

يقول مصدر سياسي، يقف على مسافة واحدة من المرشحين لخوض الانتخابات المقبلة في لبنان، إن التحالفات الانتخابية لا تخضع لوحدة المعايير السياسية، وهذا ما ينطبق بالدرجة الأولى على تحالف «الثنائي الشيعي» («حزب الله» و«أمل») مع «التيار الوطني الحر»، الذي يسعى رئيسه النائب جبران باسيل إلى الحصول على ما لدى حلفائه من فائض في الأصوات التفضيلية لضمان فوزه بعدد من المقاعد النيابية في الدوائر الانتخابية ذات الثقل الشيعي، للتعويض عن تراجعه في الشارع المسيحي، لعله يعود إلى البرلمان الجديد بأكبر كتلة نيابية.
ويعتبر المصدر السياسي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن باسيل ينافس خصومه في الشارع المسيحي «بفائض القوة التي يتمتع بها حليفه الثنائي الشيعي»، مشيراً إلى أن باسيل «تقدم ببرنامج انتخابي لم يأت فيه على ذكر النقاط الخلافية (مع الثنائي الشيعي)، وكأنه قرر أن يسحبها من التداول استجابة لتحالف الضرورة الذي عقده مع (الثنائي) تقديراً منه بأن الطرف الأخير وحده يشكل الرافعة الانتخابية التي من دونها يبقى عاجزاً عن الفوز بعدد من المقاعد النيابية، خصوصاً في دوائر زحلة وبيروت الثانية وبعلبك الهرمل».

لافتة انتخابية في العاصمة اللبنانية (أ.ف.ب)

كما أن باسيل، حسب المصدر ذاته، يراهن من خلال تسليمه بشروط الثنائي الشيعي على كسبه التأييد الشيعي في دائرة الشمال الثالثة (البترون، الكورة، زغرتا، بشري)، وإن كان «الثنائي» سيوزع أصواته على الأرجح بالتساوي بين باسيل وبين منافسه زعيم تيار «المردة» النائب السابق سليمان فرنجية، مع أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري (زعيم حركة «أمل») يميل لدعم اللائحة التي يتزعمها طوني نجل سليمان فرنجية.
ويراهن باسيل على أن «حزب الله» مستعد لتهريب رزمة لا بأس بها من الأصوات لمرشحه هو عن المقعد الماروني عن دائرة البقاع الغربي - راشيا، شربل مارون، في مقابل إصرار حركة «أمل» على ضخ كمية من الأصوات التفضيلية لنائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي، لأن مرشحها عن المقعد الشيعي قبلان قبلان في هذه الدائرة يبدي ارتياحه للفوز بالمقعد النيابي. وعليه، فإن المعركة في دائرة البقاع الغربي، وإن كانت تدور بين اللائحة التي يتزعمها الوزير السابق حسن مراد الحليف لـ«الثنائي الشيعي» وبين اللائحة التي يرأسها النائب محمد القرعاوي المتحالف مع مرشح «الحزب التقدمي الاشتراكي» النائب وائل أبو فاعور، إضافة إلى اللوائح المتعددة التي تضم مرشحين عن الحراك المدني، فإن الوجه الآخر لهذه المعركة يكمن في المنافسة الحاصلة في داخل البيت الواحد، أي بين الأرثوذكسي الفرزلي، والماروني مارون، على خلفية الحرب الدائرة بين باسيل والفرزلي لخروج الأخير من تكتل «لبنان القوي»، برغم أنه كان في عداد الفريق السياسي الذي خاض معركة إيصال العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة الأولى.

«صمتنا يفجر بيروت مرة ثانية» شعار انتخابي رفعته إحدى اللوائح المتنافسة في العاصمة اللبنانية (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق أيضاً لا بد من الإشارة إلى الغموض الذي يكتنف المعركة الانتخابية في دائرة صيدا - جزين، بعد أن استحال على «حزب الله» التوفيق بين حليفيه الرئيس بري وباسيل، وهذا ما يطرح أكثر من سؤال حول ما إذا كان الحزب قد تعهد لرئيس «التيار الوطني» بتهريب كمية من الأصوات لمرشحه أمل أبو زيد لإسقاط زميله على اللائحة النائب زياد أسود، مع أن الحزب لم يحسم أمره حتى الساعة ولن يغامر بموقف يمكن أن يؤثر سلباً على مرشح الرئيس بري النائب إبراهيم عازار.
ويقول المصدر السياسي إن قوى «14 آذار» سابقاً تنخرط في المنافسة الانتخابية وهي منقسمة على نفسها، ليس بسبب عزوف زعيم تيار «المستقبل» رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عن خوض الانتخابات فحسب، وإنما لأن هناك صعوبة في إعادة توحيد ما تبقى من قوى «14 آذار» في لوائح موحدة بسبب الخلاف القائم بين حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، علماً بأن الحزب الأخير يخوض الانتخابات بتحالفه مع مرشحين كانوا في عداد من شاركوا في «انتفاضة 17 تشرين الأول» عام 2019، فالتحالف بين قوى «14 آذار» سابقاً اقتصر حتى الآن على حزبي «التقدمي الاشتراكي» و«القوات» في دائرتي الشوف - عاليه، والمتن الجنوبي - بعبدا، فيما تعذر عليهما التحالف في البقاع الغربي - راشيا بسبب امتناع القرعاوي عن ضم مرشح «القوات» عن المقعد الماروني مراعاة منه لمحازبي «التيار الأزرق» (المستقبل) وجمهوره على خلفية تأزم العلاقة بين سعد الحريري وسمير جعجع.
كما أن المنافسة على «الزعامة المارونية» كانت أحد الأسباب التي حالت دون تحالف «القوات» و«الكتائب»، على الرغم من أن موقفهما من «حزب الله» وسلاحه، امتداداً إلى محور الممانعة بقيادة إيران والنظام السوري، يبقى موحداً ولا غبار عليه.
لذلك فإن أقل ما يقال عن المشهد الانتخابي المقبل أن القوى المناهضة لـ«الثنائي الشيعي» اصطدمت بصعوبات حالت دون توحدها في لوائح موحدة لغياب المرجعية السياسية القادرة على إدارة الملف الانتخابي، في مقابل وحدة المرجعية لقوى «8 آذار» و«التيار الوطني». وإذا كان الأخير سيدخل في مواجهة مع تيار «المردة» في دائرة الشمال الثالثة، فإن هذه المعركة ستبقى خاضعة لإدارة زعيم «حزب الله» حسن نصرالله، الذي نجح في جمع باسيل وفرنجية إلى مائدته، ما أتاح له تنظيم الاختلاف بينهما بشكل يؤمن الشروط المطلوبة لمحاصرة جعجع أسوة بمحاصرته في دائرة بعلبك - الهرمل لقطع الطريق على مرشحه عن المقعد الماروني النائب أنطوان حبشي، للاحتفاظ بمقعده النيابي في هذه الدائرة.
وفي معلومات خاصة بـ«الشرق الأوسط»، فإن النظام السوري لا ينأى بنفسه عن التدخل في الانتخابات، وهو يستخدم نفوذه لمحاصرة رئيسي حزبي «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط و«القوات» سمير جعجع، ويضغط لتوحيد اللوائح في الدوائر الانتخابية الواقعة على تخوم الحدود اللبنانية - السورية، إضافة إلى أنه أعطى تفويضاً على بياض لـ«حزب الله» لعله يسجل خرقاً في الشارع السني يتيح لحلفائه الفوز بعدد من المقاعد، سواء في طرابلس أو في عكار امتداداً إلى بيروت الثانية.
إلا أن الانقسام بين قوى «14 آذار» سابقاً لا ينسحب فقط على تعدد اللوائح المنافسة للائحتي الثنائي الشيعي و«جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» في بيروت (الأحباش) برغم أن هاتين اللائحتين قد شُكلتا على أساس توزيع الأدوار للحؤول دون دخولهما في منافسة تستفيد منها اللوائح الأخرى وإنما على معظم الدوائر الانتخابية، إضافة إلى أنه ينسحب على لوائح المجتمع المدني.
وهناك من يسأل: لماذا لم تتوحد كل القوى المناهضة لمشروع «حزب الله»، أكانت تقليدية أو تلك التي تشكلت من المجتمع المدني، طالما أنها ترفع شعارات سياسية موحدة، فيما تخوض الانتخابات بلوائح متعددة؟ وهل أن معركة الحراك المدني هي مع القوى المعارضة، أم أنها تنظر إليها على أنها جزء من المنظومة السياسية؟
وعليه، فإن باسيل لم يحظ بتحالف مع «الثنائي الشيعي» إلا بعد أن وافق ضمناً على شروطه، بحسب ما تقول مصادر سياسية، وإلا ما هو تفسيره لضم مرشحه عن دائرة بعلبك - الهرمل إلى لائحة «الوفاء والأمل» برئاسة النائب في «حزب الله» حسين الحاج حسن، التي لديها برنامج انتخابي يتناقض كلياً مع مواقفه النارية في حملته على الثنائي الشيعي بخلاف قوله إنه يؤيد كل ما ورد على لسان البطريرك الماروني بشارة الراعي، في عظته لمناسبة عيد الفصح؟ ولذلك فإن ما يهم باسيل، كما يبدو، هو حصد أكبر عدد من المقاعد النيابية، مستعيناً بحليفه «حزب الله»، مع أن الأخير يمنحه «فترة سماح» تجيز له بأن يتمايز عنه في العلن لتلميع صورته في الشارع المسيحي.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».