«وقائع ديموغرافية» جديدة تبعد مناطق سورية عن «سوريتها»

طهران حولت «مدينة السيدة زينب» رمزاً لنفوذها جنوب دمشق

صورة أرشيفية لإسماعيل قاآني بـ«السيدة زينب» قرب دمشق (التلفزيون الإيراني)
صورة أرشيفية لإسماعيل قاآني بـ«السيدة زينب» قرب دمشق (التلفزيون الإيراني)
TT

«وقائع ديموغرافية» جديدة تبعد مناطق سورية عن «سوريتها»

صورة أرشيفية لإسماعيل قاآني بـ«السيدة زينب» قرب دمشق (التلفزيون الإيراني)
صورة أرشيفية لإسماعيل قاآني بـ«السيدة زينب» قرب دمشق (التلفزيون الإيراني)

لم تقتصر آثار سنوات الحرب الطويلة في سوريا، على نحو نصف مليون قتيل وعشرات آلاف المفقودين والمخطوفين والمعتقلين، ودمار أجزاء واسعة من البنية الاقتصادية والتحتية ومدن وبلدات وقرى، إضافة إلى التشرد والنزوح واللجوء والفقر والمآسي... بل زادت على ذلك بخلق وقائع ديموغرافية جديدة في بعض المناطق وتغير في هُوِيتها.
في ريف العاصمة الجنوبي، بالنسبة لكثير من السوريين، تبدو مدينة «السيدة زينب» الواقعة على بعد 7 كيلومترات جنوب دمشق، والتي يوجد فيها مزار «السيدة زينب» الذي يؤمه آلاف «الزوار» من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، كأنها خارج الأراضي السورية، ولم يعد هناك ما يربطها بالبلاد، إلا بقايا من أهلها والنازحين من أهالي الجولان الذين وفدوا إليها بعد نكسة يونيو (حزيران) عام 1967، إضافة إلى من توافدوا إليها خلال سنوات الحرب من قريتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب، وسكنوا إلى جانب السوريين فيها.
- «رمز» للمتحاربين
والتطور الجديد الذي طرأ على المدينة بعد اندلاع الحرب هو توافد المقاتلين الأجانب الذين «حرروا» المدينة من فصائل المعارضة المسلحة التي سيطرت عليها لعامين (منذ بدء الأحداث في مارس (آذار) 2011 وحتى بداية عام 2013). فبالنسبة لأطراف الحرب كانت المدينة «رمزاً» بكل ما تعنيه الكلمة. فالمقاتلون الأجانب الذين توافدوا عليها من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، وعملوا تحت إمرة إيران؛ الحليف الرئيسي لدمشق، جاءوا حينها لنصرة «زينب» عليها السلام، بينما اعتقد مقاتلو فصائل المعارضة المسلحة أن تحرير المدينة هو مقدمة لتحرير جنوب دمشق.
وإن كان هذا الصراع أصبح من الماضي، فإن المواطنين في المدينة اعتادوا مشهد إغلاق المدينة من قبل أصحاب النفوذ وتقسيمها إلى مناطق نفوذ فيما بينهم بالكتل الإسمنتية والحواجز، وكذلك مشهد المجموعات المسلحة التي تراجع انتشارها في الشوارع ظاهرياً، في حين بات الأهالي يهمسون بالصراعات الدائرة بين أصحاب النفوذ والحواجز من جهة، والجهات الأمنية السورية من جهة ثانية، وفق ما تحدثت به مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».
ورغم مرور سنوات على استعادة الجيش الحكومي والميليشيات الإيرانية السيطرة على المدينة من فصائل المعارضة المسلحة، فإن أحاديث الأهالي تشير إلى أن المقاتلين الأجانب يقومون بإجراءات تمنع أصحاب المحال التجارية الذين غادروا المدينة من العودة إلى أسواقها.
وتتحدث المصادر عن أن قادة مجموعات المقاتلين الأجانب اشتروا كثيراً من المحال التجارية في تلك الأسواق، ويسعون إلى شراء مزيد طمعاً في إيراداتها المالية الضخمة، خصوصاً أن مدينة «السيدة زينب» تعدّ من أهم 4 مدن شيعية في العالم بعد النجف وكربلاء العراقيتين ومشهد الإيرانية؛ إذ يصل إيجار المحل سنوياً فيها إلى ما بين 10 ملايين و20 مليون ليرة سورية (الدولار الأميركي يساوي حالياً نحو 4 آلاف ليرة سورية)، بينما يبلغ عدد المحال التجارية فيها أكثر 500 محل؛ أكثر من نصفها مغلق.
وأكثر ما يدل على عمليات شراء العقارات من قبل المقاتلين الأجانب هو التغيير في توصيف المباني السكنية بالمدينة، حيث جرى تحويل كثير من الأبنية ذات الطوابق والمساحات الكبيرة من منازل سكنية إلى فنادق بعد إجراء ترميمات عليها، وباتت الجادات الفرعية تضم الواحدة منها فندقاً أو اثنين لإيواء «الزوار» والمقاتلين الأجانب.
وبحسب المصادر، فإن هذه المنازل اشتراها قادة مجموعات مقاتلة أجنبية بمبالغ طائلة، وحولوها إلى فنادق، وعددها ما بين 40 و50 فندقاً، إضافة إلى شرائهم عدداً كبيراً من البيوت السكنية الصغيرة، ليتداخل في المدينة نشاط أمراء الحرب المشبوه بنشاط ما بعد النزاع والسيطرة على المقدرات الاقتصادية للمدينة.
- خليط غير متجانس
مجتمعياً؛ تشكلَ خليط غير متجانس من بقايا سكان المدينة الأصليين، والجولانيين النازحين منذ «نكسة يونيو» عام 1967، والإدلبيين النازحين من قريتي الفوعا وكفريا، واللاجئين الفلسطينيين، والمقاتلين الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين والباكستانيين والأفغان.
وقال خبراء اقتصاديون لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الواقع الاقتصادي والتجاري المتردي يمكن أن يتسبب في تفاقم الاحتكاكات بين تلك الأطراف؛ لأن ذلك سيزيد من الضغوط على الأهالي الأصليين من أجل استلاب أملاكهم، ولكن يمكن لانتعاشة اقتصادية وتجارية أن تخفف من تلك الاحتكاكات.
إلى جانب مجموعات المقاتلين الأجانب، تنشط في داخل المدنية أجهزة أمنية سورية، إلا إن دورها لا يتعدى أن يكون موازياً لدور المجموعات المسيطرة على المدينة. وتقول مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن «الأجهزة الأمنية تدعم بقاء الأهالي الأصليين في المدينة والمتوافدين عليها من الداخل السوري».
وبينما كان الدخول إلى المنطقة يجري حصراً عبر طريقين رئيسيتين: الأولى «مفرق المستقبل» على طريق مطار دمشق الدولي، والثانية من دمشق وتبدأ من حي القزاز على طريق الجسر المتحلق الجنوبي، ومن ثم بلدة ببيلا فبلدة حجيرة، وصولاً إلى «السيدة زينب»، جرى منذ أكثر من عام إغلاق طريق حجيرة بساتر ترابي ضخم يمنع دخول السيارات من مدخلها الشمالي، فيما يتمكن الأفراد والدراجات الهوائية والنارية من تجاوزه بصعوبة عبر جانبيه للوصول إلى منازلهم، حيث ارتفاع الساتر أقل مما هو عليه في المناطق الأخرى، بينما يقوم مقاتلون غير معروفي التبعية موجودون خلف الساتر بالتدقيق بشكل كبير في البطاقات الشخصية للمارة.
وما يولد حساسية مفرطة لدى الأهالي القاطنين في داخل «السيدة زينب»، أن الحاجز الموجود على طريق المطار والذي يتبع المقاتلين الأجانب، تمر عليه الحافلات المقلة لـ«الزوار» من دون أي تفتيش، في حين يجري تفتيش السيارات والحافلات المحملة بالركاب العاديين بشكل دقيق.
- اختفاء ظاهري
في دمشق، يلاحظ منذ أكثر من عام اختفاء أغلب حواجز مقاتلي إيران والمقاتلين التابعين لها - سواء الأجانب والمحليون - من أحياء باب توما والجورة والأمين والعمارة وزين العابدين، وكذلك ظهورهم هناك، مع عودة بسيطة لمشهد حافلات مجموعات «الزوار» الآتية من لبنان والعراق وإيران، بعد استئناف إيران رحلات «زيارات» المقامات في دمشق وريفها قبل أشهر عدة، وذلك عقب تعليقها في مارس (آذار) العام الماضي بسبب انتشار فيروس «كوفيد19». وقبل مارس العام الماضي، كانت حافلات مجموعات «الزوار» الآتية من لبنان والعراق وإيران تملأ أسواق الحميدية والطويل والحريقة والبزورية وشوارع الأحياء آنفة الذكر، خلال مناسبتي «عاشوراء» و«أربعين الحسين»، قاصدين «مقام السيدة رقية».
هذا الاختفاء لحواجز المقاتلين الأجانب وتراجع انتشارهم في دمشق القديمة، ينسحب أيضاً على البضائع الإيرانية؛ خصوصاً الغذائية منها (الطون، والسردين، والشاي، والسمن، والسكر...)، بعدما غزت تلك البضائع الأسواق السورية فيما بين عامي 2011 و2016؛ حيث ارتفعت الصادرات الإيرانية إلى سوريا بين 2011 و2017 من 361 مليون دولار إلى 869 مليون دولار، وتحولت سوريا إلى سوق للمنتجات الإيرانية، وبلغت قيمة البضائع الإيرانية المصدرة إلى سوريا من 2012 إلى أغسطس (آب) 2017 نحو 313 مليون دولار، بينما لم تتجاوز الصادرات السورية 91 مليون دولار. إلا إن تلك البضائع لم تلق قبولاً ورواجاً، ولوحظ حينها توجه الأغلبية من السكان إلى البضائع المهربة من دول الجوار.
لكن خبراء مطلعين يقللون في حديث إلى «الشرق الأوسط» من أهمية هذا التراجع الظاهري للمقاتلين الأجانب في دمشق القديمة، ويشيرون إلى أحاديث عن شراء إيران، عبر شبكات من المؤسسات وتجار العقارات وبنوك إيرانية، عقارات ومنازل ومحال تجارية وفنادق في المدينة القديمة، تصل مساحتها إلى «نحو ثلث مساحة المدينة»، مع مواصلة الجهود لشراء المزيد.
وبعدما لوحظ منذ أشهر عدة أن إيران، وتحت وطأة الضربات الإسرائيلية لقواعدها ومقارها في أطراف دمشق ومحيطها والضغط الروسي عليها، راحت تدفع بنفوذها من جنوب البلاد (محافظتا درعا والقنيطرة) ودمشق ومحيطها، باتجاه وسط البلاد (محافظة حمص والبادية الشرقية) وشرقها (محافظة دير الزور) وشمالها الشرقي (محافظة الحسكة) للضغط على الوجود الأميركي هناك. ويرجح مراقبون أن تعيد إيران نفوذها إلى المناطق التي انكفأ منها، مع انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، وقيام طهران بعملية ملء الفراغ الروسي في سوريا.



انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.


اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
TT

اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، مع الرفض المصري اللافت لهذه الخطوة، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة سابقاً مع حكومة مقديشو، وسط حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تعزيز «مصر وجودها العسكري» في الصومال.

وأكد خبراء عسكريون مصريون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطر الإسرائيلي جراء خطوة الاعتراف «بالإقليم الانفصالي» يتطلب تعزيزاً للتنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو، غير أنَّ أشكال هذا التنسيق تبقى مختلفةً عمّا تحاول أن تُروِّج إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تسعى لادعاء مظلومية تشي بوجود تهديدات مصرية لإسرائيل.

ونقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الأسبوع الماضي، بشأن «قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشيةً من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية».

وادعت التقارير أن «القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وعبَّرت مصر عن رفضها الخطوة الإسرائيلية في إقليم «أرض الصومال» وكانت شريكةً في مواقف منفردة وجماعية في التأكيد على «الدعم الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه»، ورفضت «أي خطوات أحادية تمس السيادة، أو تفرض واقعاً سياسياً جديداً خارج الأطر القانونية الدولية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأكد الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن الخطر الإسرائيلي في «صومالي لاند» يتطلب تعزيز التعاون العسكري مع الصومال، وأن القاهرة تركز بالأساس على تدريب القوات الصومالية وتجهيزها لضمان بسط كامل سيادة الدولة على الأراضي الصومالية، مشيراً إلى أن التعاون والتنسيق مستمر منذ عام 2024 وليس الآن.

وأوضح فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تخلق بؤر توتر عدة في منطقة حساسة للغاية، كما أن قرب إقليم «أرض الصومال» من ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتأثيراته على «قناة السويس» يجعل مصر تنظر للأوضاع هناك بوصفها جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يصعب تجاهله.

ومع الاعتراضات الإثيوبية التي برزت عند توقيع الاتفاق الأمني بين مصر والصومال قبل عام 2024، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في ذلك الحين أن «القوات المصرية ستشارك بالصومال بناء على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وفي سبتمبر الماضي، أنهى وفد مصري مهمةً استطلاعيةً تمهيداً لانتشار قوات من الجيش المصري ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوصوم)؛ بهدف الإسهام في تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ دعائم الاستقرار في الصومال والمنطقة.

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء عادل العمدة، «أن التعاون العسكري بين مصر والصومال ليس وليد اللحظة، بل قائم منذ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك في خمسينات القرن الماضي، والآن هناك حاجة لتعزيز هذا التعاون في ظل مساعي إسرائيل لإثارة الأزمات بالمنطقة، وهي تتحالف مع إثيوبيا للإضرار بالمصالح المصرية والتحكم في ملاحة البحر الأحمر بما لدى ذلك من تأثيرات سلبية على قناة السويس».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعزيز التعاون العسكري مع الصومال لا يشمل فقط القاهرة، بل إن هناك تنسيقاً مع المملكة العربية السعودية في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم اللازم لمقديشو في مواجهة التدخلات الخارجية، مشيراً إلى «أن برتوكول التعاون الدفاعي يسير في اتجاهه القائم منذ التوقيع عليه، وهناك قوات مصرية منتشرة في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي، وأخرى في إطار منفصل لتأهيل القدرات العسكرية الصومالية وتدريب العناصر الأمنية».

يفسر العمدة الاهتمام الإسرائيلي بالتعاون بين مصر والصومال كونه يستهدف «ادعاء مظلومية يُصدِّر من خلالها الإعلام الإسرائيلي صورةً مضللةً عن التهديد الذي يمثله الجيش المصري لإسرائيل، رغم أن الحكومة اليمينية المتطرفة قامت بخرق القانون الدولي عبر الاعتراف بإقليم انفصالي»، مشيراً إلى أن المزاعم الإسرائيلية «تأتي في سياق أكاذيب كثيرة اعتاد عليها الإعلام العبري بشأن الوجود المصري في سيناء، وخرق (اتفاقية السلام)، والتهريب عبر الحدود».

وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر يناقش سبل التعاون العسكري مع نظيره الصومال أحمد معلم في سبتمبر الماضي بالقاهرة (المتحدث العسكري المصري)

وذكر موقع «واللا نيوز» العبري أن مصر عزَّزت مؤخراً وجودها العسكري في الصومال، رداً مباشراً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو الأول منذ إعلانها استقلالها الفعلي عن مقديشو عام 1991.

وأكد التقرير العبري أن «القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل نفوذها في أرض الصومال لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا، الدولة التي تخوض معها مصر نزاعاً طويل الأمد حول سد النهضة ومياه نهر النيل».

ولفت أستاذ العلوم الاستراتيجية في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء نصر سالم، إلى أن توطيد التعاون العسكري مع مقديشو طبيعي في ظل التهديدات الإسرائيلية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لن تقف القاهرة مكتوفة الأيدي في ظل تهديدات متصاعدة في الصومال وإريتريا من جانب دول معادية، وذلك في إطار مناطق تقع في الإطار الحيوي للأمن القومي، ما يتطلب وجوداً يمكن أن يحمي الحدود والمصالح المصرية».

وأكد سالم أن اتفاق التعاون الأمني ممتد ما دامت تحافظ عليه كل من القاهرة ومقديشو، ومن الممكن تطويره وفقاً لمتقضيات التهديدات التي تجابه الدولتين.