فرنسا: المتنافسان الرئاسيان يعدّلان برنامجيهما لتوسيع قاعدتيهما الانتخابية

المناظرة التلفزيونية غداً واستطلاعات الرأي تميل لصالح ماكرون

ملصق يقول: من دونه (ماكرون) ومع (مارين لوبن) في تجمع انتخابي للوبن بشمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)
ملصق يقول: من دونه (ماكرون) ومع (مارين لوبن) في تجمع انتخابي للوبن بشمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا: المتنافسان الرئاسيان يعدّلان برنامجيهما لتوسيع قاعدتيهما الانتخابية

ملصق يقول: من دونه (ماكرون) ومع (مارين لوبن) في تجمع انتخابي للوبن بشمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)
ملصق يقول: من دونه (ماكرون) ومع (مارين لوبن) في تجمع انتخابي للوبن بشمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)

مجدداً، يتوجه الناخبون الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع، الأحد المقبل، للفصل بين المرشحين اللذين تأهلا للمعركة الفاصلة التي لا تبدو، قبل أربعة أيام من حلولها، محسومة النتائج بعكس ما كانت عليه المعركة السابقة التي شهدت تفوق الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون، على منافسته من اليمين المتطرف مارين لوبن، التي تخوض ثالث معاركها الرئاسية، وهي نجحت في التأهل للجولة الثانية مرتين، متخطية بذلك والدها جان ماري لوبن، الزعيم غير المنازع للجبهة الوطنية، وقد تأهل للدورة الثانية في عام 2002 بوجه الرئيس الأسبق جاك شيراك.
ورغم أن استطلاعات الرأي تبين كلها، مع فوارق بسيطة للغاية، أن ماكرون سيتفوق على لوبن يوم الأحد المقبل، بحيث سيحصل على نسبة أصوات تتراوح ما بين 53 في المائة و55.5 في المائة مقابل 44.5 في المائة إلى 47 في المائة لمرشحة اليمين المتطرف، إلا أن تقلص الفارق بين المرشحين لا يجعل أياً منهما بمنأى عن مفاجأة غير مرتقبة.
تجدر الإشارة إلى أن ماكرون تفوق على منافسته في عام 2017 بـ32 نقطة. إلا أن الأخيرة دأبت في السنوات الخمس الماضية على اتباع استراتيجية سياسية - انتخابية مختلفة تماماً عن مسارها السابق، إذ ركزت على «تطبيع» صورة الحزب الذي أسسه والدها وسلمها زمامه قبل عشر سنوات. كما ابتعدت تماماً عن مواقفه التي قادته في العديد من المرات إلى المحاكم بسبب تصريحات نارية تشتم منها رائحة معاداة السامية أو العنصرية، وكره الأجانب. ولذا، فإن لوبن «جمّلت» صورتها شكلاً، بحيث تبدو دائماً مبتسمة وقريبة من الناس، وتخلت في المضمون عن مقترحات يصعب الدفاع عنها مثل الخروج من الاتحاد الأوروبي (الفريكسيت) ومن العملة الموحدة (اليورو) ومن اتفاقية شنغن للتنقل الحر داخل الاتحاد الأوروبي. كما تخلت عن عزمها العودة إلى العمل بعقوبة الإعدام التي ألغتها فرنسا قبل 40 عاماً. ومؤخراً، بعد أن تبين لها أن دعوتها لمنع ارتداء الحجاب في الفضاء العام تثير جدلاً قوياً، وتبعد عنها شريحة من الناخبين المحتملين، فقد تراجعت عنها بحيث لم تعد أولى أولوياتها متمسكة بمبدأ الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين الأقل ثراءً الذين يعانون من التضخم وغلاء الأسعار. وفائدة التركيز على هذا الجانب من الحياة اليومية للمواطنين أنها تظهر قربها من الناس، إضافة إلى أن طرحاً كهذا لا يميز بين يمين ويسار، لأن المعاناة هي نفسها للطبقة غير الميسورة.

شروخ في المجتمع الفرنسي
تبين الدراسات المعمقة لنتائج الدورة الأولى وجود ثلاثة شروخ رئيسية في المجتمع الفرنسي: الأول، والأهم، عنوانه تحول الناخبين (أي المواطنين) باتجاه الأطراف المتشددة يميناً ويساراً. والدليل على ذلك أن اليمين المتطرف والشعبوي حصل على 32.3 في المائة من الناخبين (11.34 مليون صوت) واليسار المتشدد على 25.7 في المائة (9 ملايين صوت)، بحيث يكون المجموع 58 في المائة من الأصوات. وبالمقابل، فإن الجبهة الوسطية أو الأحزاب الحكومية التي تضم ماكرون إلى جانب مرشحي اليمين الكلاسيكي والحزب الاشتراكي والخضر تمثل 37.2 في المائة من الناخبين (13 مليون ناخب).
والشرخ الثاني يقسم الناخبين إلى قسمين: الشباب دون الـ35 عاماً وقد صوتوا بغالبيتهم لصالح مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون ومرشحة اليمين المتطرف، فيما شريحة السن لما فوق السن المشار إليه سابقاً والكادرات العليا وأصحاب الشهادات والمؤهلات والمتقاعدون الميسورون صوتوا لصالح ماكرون.
والشرخ الأخير اقتصادي بحت، حيث إن ناخبي ماكرون وأيضاً مرشحي الحزب اليميني الكلاسيكي (الجمهوريون) والخضر وبعض اليسار الاشتراكي هم في الغالب من الطبقة الميسورة، فيما الآخرون فضلوا التصويت للأطراف. لذا، فإن الاستراتيجية السياسية المتبعة للدورة الثانية يفترض أن تستجيب لتطلعات المرشحين الاثنين لتوسيع قاعدتهما الانتخابية، واجتذاب أصوات المرشحين الذين خرجوا من السباق، أبرزهم ميلونشون، وتحفيز المقاطعين على التوجه لصناديق الاقتراع وتحميلهم إلى حد ما مسؤولية فوز المرشح المنافس.
كذلك بينت الأيام العشرة المنقضية على الجولة الأولى عدم تردد المرشحين الاثنين في إدخال تعديلات على البرنامج الأساسي لكل منهما. ولعل أبرز دليل على ذلك أن ماكرون، في المهرجان الانتخابي الذي أقامه في مدينة مرسيليا الساحلية المتوسطية، السبت الماضي، سعى إلى اجتذاب ناخبي ميلونشون الفائز في المرتبة الأولى فيها من خلال التركيز على أمرين: تأكيده أن ولايته للسنوات الخمس المقبلة ستركز على التحديات البيئية - وكان ميلونشون قد جعل من هذه المسألة إحدى أولوياته. والثاني إظهار أنه قريب من الناس وأنه يتفهم أوضاعهم، مؤكداً أكثر من مرة أنه «تعلم من الأخطاء» التي ارتكبها في سنوات حكمه الخمس المنقضية. كذلك لم يتأخر ماكرون في التراجع خطوة إلى الخلف بخصوص خطته لرفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، الأمر الذي يلاقي معارضة واسعة في أوساط الناخبين ما دفعه إلى إبراز الليونة.
والشيء نفسه ينطبق على لوبن التي عدلت بعض مواد برنامجها ومنها المتعلقة بارتداء الحجاب في الفضاء العام.
وتراهن لوبن، إلى جانب إغراءات برنامجها الانتخابي الذي يوزع المليارات من دون تردد، على الشعور المعادي للرئيس الحالي، بحيث إن التصويت لصالحها سيكون في جزء منه بفضل خطتها الاقتصادية - الاجتماعية، وفي جزئه الثاني لرغبة ناخبين في التخلص من ماكرون وحرمانه من خمس سنوات إضافية في قصر الإليزيه. وبالمقابل، فإن الأخير يدعو لتفعيل ما يسمى «الجبهة الجمهورية»، أي لرص صفوف كافة الرافضين لوصول مرشحة اليمين المتطرف إلى المنصب الأعلى في فرنسا لما لذلك من تبعات خطيرة على السلم الاجتماعي وعلى صحة الاقتصاد الفرنسي، وعلى صورة وموقع فرنسا في الاتحاد الأوروبي وفي العالم.
بيد أنه قبل الأحد المقبل، ثمة استحقاق رئيسي ينتظر لوبن وماكرون غداً الأربعاء. وهي المناظرة التلفزيونية المطولة التي ستنقلها كافة قنوات التلفزة والإذاعات.
ويرى المحللون أن المناظرة التي تجمع أكبر عدد من المشاهدين لبرنامج تلفزيوني إطلاقاً (16.4 مليون مشاهد في عام 2017 بين ماكرون ولوبن)، تؤثر بالطبع على تصويت الناخبين لكنها ليست هي التي تصنع النتيجة. تجدر الإشارة إلى أن مناظرة 2017 كشفت ضعف ثقافة لوبن الاقتصادية والمالية وصعوبة العمل بالبرنامج الذي اعتمدته ما مكن منافسها ماكرون من «إغراقها». لكن نتيجة الجولة الحاسمة كانت معروفة سلفاً بسبب الفارق الكبير بين المرشحين بعكس ما هي الحال هذه المرة. ومن المعلوم أن أدق التفاصيل الفنية تمت مناقشتها بين فريقي المرشحين وبين القناتين الأولى والثانية في التلفزة الفرنسية اللتين تنظمان المبارزة، بما في ذلك اختيار مقدمي البرنامج، وهما الصحافية ليا سلامة اللبنانية الأصل (ابنة الوزير السابق غسان سلامة) عن القناة الثانية ومقدم الأخبار على القناة الأولى جيل بولو. ويلعب الصحافيان دور الحكم لجهة ضمان التساوي في الوقت المخصص لكل من المرشحين اللذين يتواجهان. ومن الأمور المتفق عليها سلفاً الإضاءة وقوتها وحرارة الاستوديو، ومن يبدأ الكلام ومن ينهيه والملفات التي ستثار. ولا يمنع مقدما المناظرة من توجيه الأسئلة وليس الاستحواذ على الكلام.
يشار إلى أن أول مناظرة رئاسية حصلت في عام 1974 بين مرشح الوسط واليمين فاليري جيسكار ديستان ومرشح اليسار فرنسوا ميتران، والأول هو من فاز في الانتخابات فيما هزمه الثاني بعد مرور سبع سنوات. لكن الجنرال ديغول والرئيس جورج بومبيدو رفضا المناظرات التي لم تنقطع سوى مرة واحدة في عام 2002 عندما رفض جاك شيراك منازلة جان ماري لوبن تلفزيونياً، والسبب أنه كان واثقاً من الفوز، وبالتالي لا حاجة لتوفير «دعاية» مجانية لمنافسه. وبالنظر لأهمية المناظرة، فإن برنامج المرشحين تم «تخفيفه» لتمكين كل منهما من التحضر جيداً. إلا أن الهجمات المباشرة أو عبر المساعدين لم تتوقف لا بل ازدادت حدة. وواضح أن لوبن تريد طمأنة مؤيديها الذين يتخوفون من تكرار المناظرة السابقة، إذ أعلنت أكثر من مرة أنها مستعدة بشكل أفضل وأنها «هادئة للغاية». وأضافت السبت الماضي: «لقد قرأت الكثير من الأشياء المتناقضة حول مشروعي، ورأيت الكثير من الرسوم الكاريكاتورية، وحتى الأخبار الزائفة، ومن المهم أن أحظى بوقت (كاف) مع كل الفرنسيين المهتمين لأتمكن من طمأنة الجميع».
وتعاني لوبن من الملف الذي كشفته مجلة استقصائية رقمية فرنسية (ميديا بارت)، والذي يتضمن اتهامها من جانب مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي مستندة إلى تقرير قدم إلى القضاء الفرنسي الشهر الماضي. وفي الوقائع أن لوبن ونواباً مثلها في البرلمان الأوروبي قاموا باختلاس مبلغ يقدر بـ600 ألف يورو.
بموازاة لوبن، يتمتع ماكرون بقدرة كبيرة على المنازلة الكلامية ورمي الحجج ومهاجمة الخصم. يضاف إلى ذلك أن ممارسته الحكم طيلة خمس سنوات مكنته من تملك كافة الملفات. ويُعرف عنه أنه يعمل كثيراً ولا ينام سوى القليل من الوقت. ويتفوق ماكرون على لوبن بأنه نال تأييداً واسعاً من المرشحين الذين خرجوا من الدورة الأولى، فضلاً عن دعم الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي وشخصيات بارزة فكرية ورياضية، فضلاً عن دعوة للتصويت لصالحه من ممثلي الطائفة اليهودية ومن جمعيتين تمثلان المسلمين.



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».