من سيول والريفييرا الفرنسية إلى بالم سبرينغز.. تشكيلات الـ«كروز» لعام 2016 تزيد إبهارًا

تحقق أكبر نسبة من المبيعات.. وعروضها تعكس أهميتها المتزايدة

«لويس فويتون» كروز 2016
«لويس فويتون» كروز 2016
TT

من سيول والريفييرا الفرنسية إلى بالم سبرينغز.. تشكيلات الـ«كروز» لعام 2016 تزيد إبهارًا

«لويس فويتون» كروز 2016
«لويس فويتون» كروز 2016

من قال إن مايو (أيار) شهر ترتاح فيه أوساط الموضة ويستفيد منه المصممون لتحضير عروضهم الموسمية الرئيسية، خاطئ مائة في المائة. فمنذ أعوام وبيوت الأزياء العالمية تقدم عروضا في عواصم عالمية متناثرة هنا وهناك، لا تقل ضخامة عن تلك التي تقدمها في عقر دارها بباريس أو نيويورك أو ميلانو. المقصود هنا تشكيلات الـ«بري كوليكشنز» أو الـ«ريزورت» أو الـ«كروز» وكلها تسميات تصب في نفس المفهوم وتستحضر إلى الذهن رحلات اليخوت والمنتجعات المترفة وأجواء الصيف، لأنها تخاطب زبائن يحتم عليهم أسلوب حياتهم السفر إلى أماكن تتنوع أحوال طقسها وجغرافيتها وبالتاي يحتاجون إلى خزانة تعكس هذا التنوع.
منذ بداية هذا الشهر، والعالم يستمتع بعروض باهرة أهمها عروض «شانيل» في سيول بجنوب كوريا، «لويس فويتون» ب «بالم سبرينغز» بالولايات المتحدة و«ديور» بجنوب فرنسا. فرغم طرح أغلب بيوت الأزياء العالمية تشكيلات «ريزوت»، تبقى هذه الأسماء الثلاثة الأكثر أهمية، لأنها حولت هذه العروض إلى تقليد راسخ لا تزيح عنه، بينما يكتفي غيرها بعروض صغيرة يخصون بها المشترين من المحلات الكبيرة فقط. السبب ليس عدم اقتناعهم بهذه العروض، فهم يدركون أن هذه التشكيلات تبيع بشكل جيد، ونسبة مبيعاتها لدى البعض تقدر بـ70 في المائة، إلا أن العين بصيرة واليد قصيرة، لما تتطلبه من ميزانية عالية. الفضل في نجاحها التجاري يعود إلى تصاميمها الأنيقة والمريحة، ومناسبتها لأي زمان ومكان، بالإضافة إلى أنها تصل إلى المحلات في وقت مبكر، وتبقى فيها مدة أطول على العكس من التشكيلات الموسمية. كل هذا يجعلها، بالنسبة إلى البيوت المقتدرة، تستحق عروضا خاصة في وجهة مثيرة، تساعد على تسليط مزيد من الأضواء عليها، حين يتم تداول أخبارها وصورها على وسائل التواصل الاجتماعي، من «إنستغرام» إلى «تويتر»، فتحصل بذلك على دعاية تقدر بالملايين تعوض عن الملايين التي صرفت عليها.
«شانيل» كانت سباقة لقراءة تغيرات العصر ومتطلباته، وكانت من أوائل البيوت التي نظمت عروضا ضخمة سواء لـ«الكروز» أو «ميتييه داغ». هدفها كان خلق منبر جديد لهذه التشكيلات، أو ربما فتح باب يزيد من أهميتها. وسواء كان هذا أو ذاك، فقد حققت الهدف، إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم التغطيات التي تحصل عليها طيلة الشهر في مختلف الوسائل الإعلامية، من الصحف الرصينة إلى المدونات الخاصة وطبعا على مواقع «إنستغرام» و«تويتر» و«فيس بوك».
برونو بافلوفسكي، الرئيس التنفيذي لدار «شانيل» يشرح وجهة نظره حول الموضوع قائلا بأن هذه العروض الضخمة تسمح لزبائن مهمين تذوق نكهة «شانيل» عن قرب، خصوصا الذين لا يسعفهم الحظ أو الوقت للحضور إلى باريس خلال أسابيع الموضة الرسمية. ما لم يقله أن ازدحام البرنامج في هذه الأسابيع قد يجعل «شانيل» مجرد دار مشاركة من بين العشرات، وهو ما يحرمها من الخصوصية التي توفرها العروض المنفردة في وجهة تختارها بنفسها، حسب الظروف والأهداف الاستراتيجية، سواء كانت دبي أو شنغهاي أو سيول.
هذه الاستراتيجية تبنتها بيوت أزياء أخرى مثل «ديور» التي قدمت يوم الاثنين الماضي عرضها في بيت كان يملكه سابقا المصمم بيير كاردان بالريفييرا الفرنسية، و«لويس فويتون» التي قدمت عرضها في بيت النجم الراحل بوب هوب ببالم سبرينغس، بل حتى «بربيري» توجهت مؤخرا إلى لوس أنجليس، حيث قدمت عرضا خاصا في مرصد غريفيث، استغرق تنظيمه والتحضير له سنة كاملة. كانت الفكرة منه تقديم الدار نفسها للسوق الأميركي بشكل مبهر بمناسبة افتتاح محلها في روديو درايف. ولم ترَ مانعا أن تستغل المناسبة لاستعراض عضلاتها الإبداعية وقدراتها المادية وأيضا ربط علاقة بنجمات هوليوود على أمل أن يظهرن في تصاميمها على السجاد الأحمر مستقبلا.
المهم أن كل الوجهات المختارة للعرض ليست اعتباطية ووراءها دائما حسابات، فقد تغيرت خريطة الموضة في العقود الأخيرة، ومع هذا التغيير تغيرت الخريطة الشرائية، كما زادت متطلبات الزبائن واحتياجاتهم لأزياء تختلف حسب المناسبة والمكان، ما بات يتطلب تشكيلات جديدة تشكل ضغوطا جمة على المصممين، الذين كان المطلوب منهم سابقا إنتاج تشكيلتين في السنة (من الهوت كوتير) ثم تشكيلتين من الأزياء الجاهزة فقط، بينما الآن أصبح لزاما عليهم أن لا يتوقفوا عن الإنتاج لتلبية الطلبات، وطرح تشكيلات قد تصل إلى ثمان في السنة. قد تختلف تسمياتها لكنها تصب في نفس الهدف. مع الوقت أصبحت بدورها تحتاج إلى دعاية إعلامية لتسويقها، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، لأنها من المفترض أن تصل إلى الزبون، أينما كان، بسرعة البرق، عبر الصور والتغريدات. فباريس ستظل باريس دائما لن يزحزح مكانتها أحد، لكن لا بأس من الخروج منها والتوجه إلى أسواق بعيدة لمغازلتها من جهة، وإرضاء وطنيتها من جهة ثانية.
في عام 2010، مثلا، توجهت دار «ديور» إلى شانغهاي، وفي العام الماضي إلى طوكيو، وهو ما أسعد الصينيين واليابانيين وأرضى غرورهم، وكانت النتيجة زيادة المبيعات في هذه الأسواق. أما توجه «شانيل» إلى دبي في العام الماضي فكان ضربة معلم، لما أثارته الخطوة غير المسبوقة من ضجة إعلامية عالمية ظلت صداها تتردد لأسابيع، إن لم نقل لأشهر. وهذا وحده يبرر المبالغ الضخمة التي تصرف على تنظيمها وإخراجها وديكوراتها. فهذه أسواق مهمة لا يمكن تجاهلها، وهذه التشكيلات تبقى في المحلات لمدة أطول من أزياء الخريف والشتاء أو الربيع والصيف الرسمية وبالتالي تحتاج إلى دفعة قوية. هذا ما انتبهت إليه «لويس فويتون» مؤخرا، حيث دخلت المنافسة في العام الماضي فقط، بتقديمها عرض «كروز» في موناكو، لمست نتائجه الإيجابية مباشرة. فقد حققت مبيعات كبيرة وفي غضون فترة قصيرة في الإمارة الفرنسية رغم صغر محلاتها. نفس الأمر تتوقع حدوثه في أميركا، خصوصا وأنها افتتحت مؤخرا محلا جديدا في «روديو درايف».
كل هذا الاهتمام يشير إلى أن تشكيلات «الكروز» ستكبر وليس ببعيد أن تصبح في أهمية عروض «الهوت كوتير» أو الأزياء الجاهزة مستقبلا. يشير أيضا إلى أنها ستفرض نفسها على كل المصممين، وهو ما بدأنا نلمسه فعليا. فأسبوع لندن سيبدأ تقليدا جديدا ابتداءا من شهر يونيو (حزيران) الحالي يقدم فيه تشكيلات «بري كوليكشنز» لمجموعة من مصمميها الشباب الذين ليست لديهم الإمكانيات للسفر إلى وجهات بعيدة وإقامة عروض ضخمة، وهي خطوة رحب بها الكل لم تعنيه من زيادة في المبيعات والأرباح، رغم قناعتهم بأنه من الصعب عليهم مجاراة بيوت كبيرة مثل «شانيل». فهذه الأخيرة لا تبخل على عروضها بشيء، لأنها تعتبرها وسيلة دعائية مهمة تخدمها على المدى البعيد. وبالنظر إلى ما تحققه من نجاحات فإن استراتيجيتها نجحت، وليس أدل على هذا من أن عرضها الأخير في سيول تزامن تقريبا مع حفل العام، الذي يقام في متحف المتروبوليتان بنيويورك وتشرف عليه عرابة الموضة أنا وينتور نفسها، ويحضره لفيف من النجوم العالميين، ومع ذلك لم يمر مرور الكرام، بل العكس، فقد أثار نفس الاهتمام وألهب حماس المتابعين، الذين تأكدوا مرة أخرى أن مصممها كارل لاغرفيلد أكثر مصمم إنتاجا وخيالا في الوقت الحالي.
توجه هذا العام إلى سيول بكوريا الجنوبية، حيث قدم ما لا يقل عن 90 إطلالة حافظ فيها على جينات «شانيل» وتلاعب بها بذكاء بحيث انصهرت مع الموروثات الكورية الآسيوية بشكل خفيف، بدءا من الهانبوك، وهو فستان أو كيمونو كوري أصيل بقصة «الإمباير» تقريبا يتميز بألوان متوهجة دون أي جيوب، إلى الـ«جيوغوري»، وهو جاكيت تقليدي قصير يُلبس في العادة مع الهانبوك، مرورا بقطع تقنية «الباتشوورك» وغيرها.
قدرة كارل لاغرفيلد على تقديم الجديد حتى عندما يعود إلى التاريخ أو يوجه أنظاره إلى التقاليد القديمة، تدهشنا دائما، وبالتحليل والتمحيص نكتشف أن وصفته الناجحة هي تعامله مع التاريخ وموروثاته باحترام من دون تقديس أو إغراق في الفولكلور. والأهم من هذا عدم تناسيه أبدا أن العالم يعشق لمسات «شانيل» ولا يريده أن يتخلى عنها مهما كانت الوجهة أو الثقافة. صحيح أن وسائل السفر تطورت وأصبح العالم صغيرا، إلا أن هذا لا يعني أن ينكب المصمم المخضرم على ثقافة الغير يغرف منها بنهم، بقدر ما يعني احترام أسلوب «شانيل» أولا وأخيرا. فما يُحسب له دائما أنه يلتقط خيطا رفيعا من أي ثقافة يسلط عليه الضوء من زاوية باريسية، مثل مصور ماهر لتأتي النتيجة عبارة عن صورة باهرة لا مثيل لها. وهذا ما تجلى في هذه التشكيلة التي غلبت عليها الخطوط الكورية المنسابة والألوان المتفتحة وتقنيات الباتشوورك، التي تظهر في ملابس الأطفال غالبا، لكن استعمل فيها لغة فرنسية أنيقة، موظفا أدوات الدار المعروفة مثل السلاسل المتعددة وقماش التويد، وطبعا النعومة الحالمة.
إقامة «شانيل» عرضها في «دونغدامون ديزاين بلازا» الذي صممته المعمارية العراقية الأصل، زها حديد، بانحناءاته والتواءاته وخلفيته البيضاء، له أيضا دلالاته. فالمصمم حريص على أن لا يكون الماضي سوى الخيط الذي يربطه بالحاضر والمستقبل. الحاضر من خلال الديكور الذي غلبت عليه كراسي بألوان مستوحاة من البوب آرت، والمستقبل من خلال أزياء يمكن أن تبقى مع المرأة لسنوات قادمة طويلة.
«لويس فويتون» دخلت الميدان منذ عام فقط، ومع ذلك تشير كل الدلائل إلى أنها تُدرك أهمية الـ«كروز» ودرستها من كل الجوانب. هذا العام توجهت إلى السوق الأميركي، وتحديدا «بالم سبرينغز» بكاليفورنيا، واختارت كمكان للعرض بيتا كان يملكه النجم الكوميدي بوب هوب صممه له في عام 1973، المهندس المعماري الأميركي جون لوتنر. يتميز البيت يطل على تلة شاسعة، بتصميم مستقبلي يبدو فيه وكأنه مركبة فضائية تاهت طريقها في الصحراء. كل شيء في المكان يفوح بالعصرية والرغبة في معانقة المستقبل، وهذا تحديدا ما يتوافق مع رؤية «لويس فويتون» ويعكس مع قدمه مصممها نيكولاس غيسكيير لعام 2016. فالتشكيلة تحن إلى رومانسية الخمسينات وفي الوقت تضج بالألوان والنقشات الطبيعية مثل الورود والأشجار والقطع المنفصلة التي تناسب كل الأجواء، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، نظرا لأطوالها وأقمشتها الخفيفة وتصاميمها المنسابة. العملية ومفهوم السفر والتنقل الذي يشكل جينات هذه التشكيلات عموما تجسدت أيضا في الإكسسوارات، بدءا من الأحذية من دون كعوب أو الرياضية إلى الحقائب البوهيمية التي تعلق وراء الظهر، علما بأن الدار أسهبت في الإكسسوارات وقدمتها بكميات هائلة، حتى إذا لم تجد المرأة ما يناسب حجمها أو أسلوبها من الأزياء، يمكنها أن تشبع عطشها لاسم الدار بالإكسسوارات.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.