مشاهدة التلفزيون خلال الجائحة تخلق شراكة بين «نتفليكس» ولندن لتقديم الشاي على طريقة «بريدجرتون»

بعد رفع قيود السفر... إقبال غير مسبوق على عيش تجارب الأفلام والمسلسلات

إقبال كبير على تناول الشاي الإنجليزي بسبب مسلسل «بريدجرتون»
إقبال كبير على تناول الشاي الإنجليزي بسبب مسلسل «بريدجرتون»
TT

مشاهدة التلفزيون خلال الجائحة تخلق شراكة بين «نتفليكس» ولندن لتقديم الشاي على طريقة «بريدجرتون»

إقبال كبير على تناول الشاي الإنجليزي بسبب مسلسل «بريدجرتون»
إقبال كبير على تناول الشاي الإنجليزي بسبب مسلسل «بريدجرتون»

مع ارتفاع نسبة مشاهدة للتلفزيون بواقع 70 في المائة في عام 2021 مقارنة بعام 2020، فقد باتت زيادة شغف الجمهور بالمشاهدة خلال فترات الحظر الناجمة عن الوباء أكبر من أي وقت مضى. الآن ومع إعادة فتح الحدود وتخفيف القيود واستئناف السفر، يقدم مستشارو الرحلات السياحية عروضاً حققت انتشاراً واسعاً تضمنت مسارات ذات طابع تلفزيوني تسمح للمسافرين بالعيش خارج نطاق برامجهم المفضلة.
في بريطانيا؛ حيث جرى الآن رفع جميع قيود السفر، دخلت الفنادق في لندن بشراكة مع شبكة «نتفليكس» لتقديم أنواع شاي مستوحاة من شخصية «ليدي ويسلداون» ابنة المجتمعات الراقية التي ظهرت في حلقات «Bridgerton» الشهيرة. ففي «حديقة يلوستون الوطنية»، يصل المسافرون إلى متنزه «وايومنغ» لا لإلقاء نظرة على نافورة «أودل فيثفول»، ولكن للحصول على فرصة للاستمتاع بارتداء أزياء تنكرية لشخصيات مثل «جون دوتون» التي ظهرت في الدراما الشهيرة «Yellowstone».

لندن من بين الوجهات المفضلة لدى الأميركيين بعد فتح الحدود وإلغاء تعقيدات السفر بسبب الجائحة

وفي كوريا الجنوبية؛ حيث يمكن للمسافرين الذين تم تلقيحهم الآن للدخول دون اشتراطات الحجر الصحي، يتوقع الباعة الجائلون في جزيرة «جيجو» هرولة الزبائن إليهم طلباً لحلوى «دالغونا»، وهي حلوى قرص العسل التي كان لها دور رئيسي في حلقات «Squid Game» المثيرة.
في هذا السياق، قالت إنتونينا باتيز، المدونة التي أدمنت العام الماضي مشاهدة حلقات «أوتلاندر» الدرامية المشبعة بحكايات السفر عبر الزمن حول كلير بوشامب، ممرضة عادت 200 عام في التاريخ إلى الوراء: «عندما تقع في حب شخصية ما، لا يمكنك إخراجها من عقلك». شاهدت باتيز وزوجها ويليام عرض حلقات «ستارز» معاً ويخططان الآن للقيام برحلة مستوحاة من حلقات «أوتلاندر» إلى أسكوتلندا في مايو (أيار) لزيارة مواقع تصوير الحلقات، بما في ذلك «قلعة ميدهوب»، التي كانت بيت عائلة جيمي فريزر في المسلسل.
قالت إنتونينا باتيز إن زوجها ويليام باتيز هو أحد الأسكوتلنديين، وإن اهتمامهم المشترك بالعرض أثار رغبته في استكشاف جذوره، مضيفة: «نشاهد العرض ونبدأ في التواصل مع الشخصيات ونشعر بالرغبة في معرفة المزيد». كان الموسم الخامس من حلقات «أوتلاندر» قيد العرض في فبراير (شباط) 2020. وتُعزى زيادة نسب مشاهدة حلقات «ستراز» بواقع 142 في المائة في المشتركين الجدد في وقت مبكر من الوباء إلى قفزة في أعداد المشاهدين القابعين في منازلهم خلال فترة التوقف التي دامت عامين قبل حلقات الموسم السادس التي ظهرت مؤخراً على الشاشات، وهي فترة زمنية يعرفها المشاهدون باسم «درايدلاندر»، نسبة لمناطق الجذب السياحي المتصلة بحلقات «أوتلاندر» في أسكوتلندا. تشمل هذه المناطق معالم مثل «غلينكو» وقصر «هوليرودهاوس»، الذي زاره لاحقاً أكثر من 1.7 مليون زائر. وقد حقق المحتوى المرتبط بحلقات «أوتلاندر» نحو 350 ألف زيارة لصفحة «Visit Scotland»، ليسبق بذلك الرقم الذي حققته الصفحات المرتبطة بمواقع تصوير أفلام هاري بوتر، وجيمس بوند.
من المقرر أن تقوم عائلة باتيز التي تعيش في مدينة نيويورك، بتتبع مسار مدته 12 يوماً من إعداد برنامج يحمل اسم «Visit Scotland»، يبدأ بمدينة إدنبرة، ومنها إلى «فايف»، ثم غلاسكو، يزورون خلالها القلاع والحدائق؛ حيث وقعت كلير في الحب ومات رفاق جيمي في المعركة. كما كشفت شركات الرحلات الخاصة، بما في ذلك شركات «Nordic Visitor» و«Inverness Tours» عن جولات مخصصة لمواقع الأعمال الدرامية.

رحلات باتجاه دائم وكثافة جديدة

سياحة المسلسلات والأفلام التي لا تشمل فقط رحلات إلى مواقع التصوير، لكن أيضاً جولات داخل أستوديوهات التصوير وزيارات المتنزهات الترفيهية مثل «The Wizarding World of Harry Potter»؛ حيث جرى تصوير فيلم هاري بوتر، تعد اتجاهاً سياحياً دائماً.
بدأ توافد السياح على سالزبورغ في ستينات القرن الماضي بعد بث حلقات «صوت الموسيقى». وفي العقود الأخيرة، شهدت مواقع مثل نيوزيلندا ارتفاعاً هائلاً في زيارات عشاق حلقات «Lord of the Rings» وجولات الحافلات في مدينة نيويورك، ما أتاح للسائحين فرصة الذهاب إلى موقع تصوير حلقات «Sex and the City» و«The Marvelous Ms. Maisel».
لكن في أوقات الوباء التي نعيشها؛ حيث بات السفر مرادفاً للخطر، وكان السائحون يفاضلون بين رغبات متضاربة لحماية صحتهم وتعويض ما فات من أوقاتهم الضائعة، فقد أخذت ما أطلق عليه «سياحة الشاشات» أبعاداً جديدة، بحسب راشيل كازيز، معالجة صحة نفسية لديها عملاء حريصون على السفر ومقبلون على السير في اتجاه رئيسي آخر لعام 2022 أطلقوا عليه «التطور الكبير»، لكنهم يبحثون عن طرق لتخفيف حدة القلق من الوباء الذي قد يصاحب تلك الطموحات الضخمة.
استطردت كازيز قائلة إن مرضاها يقولون: «لقد حُبسنا طيلة عام ونريد فقط أن نشعر بالجنون. دعونا نفعل ونحقق الخيال الذي طالما حلمنا به»، مضيفة: «إذا كنا نشاهد برنامجاً تلفزيونياً، فنحن نعرف كل شيء عنه، ويمكننا أن نذهب ونخوض تجربة مثيرة».
قابلنا أيضاً سيندي لام، الصيدلانية في منطقة «فيرفاكس» بولاية فيرجينيا، التي تتوق للذهاب إلى المغرب منذ سنوات، لكنها لم تشعر بالثقة والقدرة على تنفيذ ذلك سوى الشهر الماضي، عندما بدأت في مشاهدة مسلسل «Inventing Anna»، المكون من 9 حلقات حول الوريثة الزائفة آنا ديلفي، ويبث عبر قناة «نتفليكس».
في الحلقة السادسة تسافر البطلة إلى مراكش لتقيم في منتجع «مامونيا» الفخم من فئة 5 نجوم؛ حيث حجزت لام وزوجها للإقامة هناك في سبتمبر (أيلول).
قالت لام: «يمكن للجميع نوعاً ما أن يتواصلوا مع آنا (بطلة الحلقات). لقد وجدت شخصيتها رائعة، وعندما ذهبت إلى المغرب شعرت بسعادة غامرة».
لإحساسها بالرغبة الجديدة للضيوف للاستفادة من الأحداث المكتوبة، أعلنت عشرات الفنادق على مدار العام الماضي عن أجنحة ذات طابع مستوحى من الدراما الشعبية. على سبيل المثال، تضم فنادق «Graduate Hotels» جناحاً يحمل اسم «أشياء غريبة» في فرعها بـ«بلومنجتون» بولاية إنديانا، مع مناطق مصممة تشمل غرفة المعيشة والطابق السفلي لحلقات ظهرت فيها شخصيات مهمة مثل شخصية «بايرز». وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، جرى إعداد أضواء الكريسماس وفطائر «إيغو» اللذيذة التي ظهرت في حلقات «Eleven». وتعاون «نادي ويندهام» مع «قناة هولمارك» لتصميم 3 أجنحة تحت عنوان «العد التنازلي لعيد الميلاد»؛ حيث يمكن للضيوف تسجيل الوصول ومشاهدة أفلام عيد الميلاد، وبالفعل نفدت الحجوزات خلال 7 ساعات.
في السياق ذاته، قالت لارا ريتشاردسون، كبيرة مسؤولي التسويق بشركة «Crown Media Family Networks» في رسالة بريد إلكتروني: «كانت هذه هي المرة الأولى التي نقوم فيها بشيء كهذا. شيء واحد نسمعه مراراً وتكراراً من المشاهدين، هو أنه بقدر ما يحبون منتجاتنا، فإنهم يريدون تجربة العيش في فيلم (العد التنازلي لعيد الميلاد)».
أصبحت بيوت العطلات أيضاً غامرة بالزوار. فبالنسبة للعائلات، دخلت شركة «Airbnb» في شراكة مع «بي بي سي» لإدراج «هيرل هاوس» في تجسيد حقيقي للمنزل المتحرك الذي ظهر في سلسلة الرسوم المتحركة المحبوبة «Bluey»؛ حيث تمتلك شركة «Vrbo 10» منازل مستوحاة من فيلم «Yes Day»، الذي عرض في 2021 على «نتفليكس» عن الآباء الذين يحذفون كلمة «لا» من مفردات حياتهم.
استغل المشاهير الفرصة للتربح من المنحى الجديد؛ حيث قفزت أيسا راي، مبدعة ونجمة برنامج «Insecure» الذي يعرض على شاشة «HBO»، لعرض نظرة حصرية على حيّها بجنوب لوس أنجليس في فبراير، وذلك بإعداد قائمة خاصة عبر شركة «Airbnb» السياحية التي نظمت رحلات إلى حيها السكني بسعر منخفض بلغ 56 دولاراً.

الشاي على شاشة التلفزيون.
الآن في لندن (وبوسطن)
جرى بث مسلسل «Bridgerton» على شاشة «نتفليكس»، عن الأسرة والحب والشائعات المدمرة، وشاهده 82 مليون أسرة في عام 2021. (على سبيل المقارنة، شاهد في عام 2013 الحلقة الأخيرة من «Breaking Bad» 10.3 مليون مشاهد فقط، فيما شاهد أحدث بث مباشر، بما في ذلك حلقات «Tiger King» و«Maid 70» مليون مشاهد).
عندما يجري عرض الموسم الثاني من حلقات «Bridgerton» للمرة الأولى الجمعة، سيقدم فندق «Beaverbrook Town House»، الذي تم بناؤه من مبنيين مستقلين على الطراز الجورجي في تشيلسي بلندن، تجربة «Bridgerton» التي تشمل قضاء يوم في لندن وتناول مشروبات في الريف البريطاني بمكان قريب بـ«لينسبرا». وسيقام في اليوم نفسه حفل شاي على غرار ما جرى في الحلقات ذاتها، يُطلق عليه اسم حفل «الحدث الاجتماعي لهذا الموسم». في بوسطن، يقدم فندق «فيرمونت كوبلي بلازا» ما يطلق عليه «باقة المجتمع الراقي»؛ حيث يجري تناول شاي بعد الظهيرة وسط الورود على غرار أحداث المسلسل.
كان لدى شركة «كونتيكي» للسفر الجماعي للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، خط سير رحلة مستوحى من حلقات «Bridgerton» أيضاً، وكان مقرراً السفر في سبتمبر 2021. ولكن عندما تحتم إلغاء الرحلات عندما ضرب «متغير دلتا» العالم، دخلت الشركة مؤخراً في شراكة مع «أمازون برايم» لتنظيم رحلة إلى جزر هاواي، مستوحاة من فيلم «I Know What You Did Last Summer» الذي عرض في يوليو (تموز).
ووقّعت كل من «Netflix» و«Amazon Prime» عقود شراكة مع العلامات التجارية التي تتعامل مع هذا النوع من النشاطات. وقال آدم أرمسترونغ، الرئيس التنفيذي لشركة «كونتيكي»: «مع خروجنا من فترة الوباء، فإن الرغبة في خوض تجارب تتسم بالمغامرة أصبحت أقوى من أي وقت مضى. يتعلق الأمر بالتعرف على الوجهات، وخلق تلك اللحظات الرائعة على منصة (إنستغرام)، التي تعيد إحياء مشاهد من الأفلام والمسلسلات. وهو عمل كبير بالنسبة لنا».
طغى مسلسل «Squid Game»، أو الحبار، وهو مسلسل إثارة كوري جنوبي، على شعبية حلقات مثل «Bridgerton» الذي يعرض على «Netflix». وعلى الرغم من وقف عرض العمل، فإن المسافرين يحجزون لقضاء إجازاتهم في مناطق التصوير. وأفادت «Remote Lands»، وهي وكالة سفر تعمل في آسيا، عن زيادة بنسبة 25 في المائة عن حجوزات السفر إلى كوريا الجنوبية وأعدت دليلاً للسياح في سيول ومساراً مخصصاً لهم.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

مذاقات سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن...

رامين غانشرام (نيويورك)
مذاقات وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»،

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات الزبادي اليوناني بأشكال وألوان مختلفة (إنستغرام)

الزبادي اليوناني موضة تجذب الجيل الصاعد

يدخل الزبادي اليوناني حالياً إلى قائمة طعام الشباب اللبناني بشكل لافت. ففي الفترة الأخيرة، بات هذا المكوّن ينافس الزبادي العادي بطعمه ونكهاته المتنوعة،

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

«الحمام المحشي» أحد أهم رموز المطبخ المصري التقليدي، فهو وجبة تستهوي مختلف فئات المصريين وضيوفهم من العرب والسائحين.

محمد عجم (القاهرة)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.


مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
TT

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن الخبز والفطائر لزبائنه، الذين يصطفون خارج محله بمجرد أن يفتح أبوابه. غير أن ما يميز شيري عن منافسيه، أن مخبزه عبارة عن خيمة من الطراز المستخدم عادة في التخييم، تضم فرناً طينياً يماثل تلك الأفران، التي استخدمها خبازو «الجيش القاري» خلال حرب الاستقلال الأميركية.

وفي المواقع التاريخية الممتدة من ماساتشوستس إلى فلوريدا، يعكف شيري على صنع أرغفة خبز تشبه تلك التي أمر الجنرال جورج واشنطن بتوفيرها لرجاله. ونظراً لأنه يقيم في «ماونت فيرنون» بولاية فرجينيا، شهد شيري ضغط عمل مكثفاً هذا العام، تزامناً مع احتفال البلاد بمرور 250 عاماً على التأسيس، احتفالية تمهد لخمس سنوات قادمة من فعاليات إحياء الذكرى في مواقع رئيسة شهدت معارك حرب الاستقلال. وقد حُجزت خدماته بالفعل في موقع «واشنطن كروسينغ» ببنسلفانيا، وموقع معركة «مونموث» في نيوجيرسي، حيث يستعيد الممثلون الهواة هناك ذكرى إحدى أطول معارك الحرب بإطلاق نيران البنادق والمدافع.

معجنات طازجة (نيويورك تايمز)

وقال شيري في تصريحات أدلى بها مطلع هذا الشهر في «ماونت فيرنون»: «يشتكي الناس اليوم من أن خبز الأكل في المنزل يستغرق وقتاً طويلاً، لذا فإن مشاهدتي في أثناء العمل تفتح عيونهم على واقع آخر».

ومن خيمته المنصوبة في الحقل الممتد على مساحة اثني عشر فداناً أمام قصر واشنطن، يشارك شيري زبائنه تفاصيل عمليته التي تستغرق عشر ساعات كاملة. وعلى غرار نظرائه في القرون الماضية، يتعين على شيري التعامل مع تقلبات الطقس؛ إذ سبق له الخبز في درجات حرارة حارقة، وكذلك في برد قارس، فضلاً عن الرياح والأمطار والعواصف الثلجية، وكافح لتثبيت خيمته في وجه الرياح العاتية.

وفي أوقات ذروة العمل، يشارك والدا شيري وزوجته وابنته ذات الـ11 عاماً في عمليات البيع، بينما يرتدون جميعاً ملابس تاريخية تعود لتلك الحقبة، ويتبادلون أطراف الحديث مع الزبائن حول تاريخ الخبز في القرن الثامن عشر، في الوقت الذي ينهمك شيري في إدخال المخبوزات وإخراجها من الفرن بـسرعة.

وإلى جانب بيع أرغفة الخبز، التي تزن رطلاً واحداً وتماثل الحصص التموينية التي كان يتلقاها جنود «الجيش القاري» خلال الحرب، يقدم شيري منتجات موسمية، تماماً كما كان يفعل نظراؤه في الماضي. وتتضمن هذه المنتجات أجباناً مصنوعة محلياً والزبدة والأسماك المملحة. أما خبز الزنجبيل الذي يصنعه، فيُشكل باستخدام قوالب مستنسخة يدوياً من القرن الثامن عشر، ويستغرق إعداده ثلاثة أيام.

وقد سُمي مخبزه بهذا الاسم؛ لأن رطل الخبز كان يكلف نصف كراون أو اثني عشر بنساً ونصف البنس في منتصف القرن الثامن عشر، ما يعادل ثلاثة دولارات ونصف الدولار، اليوم. وتباع أرغفته الحالية بنحو خمسة عشر دولاراً، وعادة ما تنفد بضاعته في أقل من ساعة، مع انجذاب الحشود إلى خيمته بفضل رائحة الخبز الذكية.

مخبز تاريخي يحيي خمسينيات القرن الثامن عشر (نيويورك تايمز)

من جهتها، تتابع باربرا أونوراتو وزوجها توني مسيرة شيري المهنية، منذ أن قرآ عنه للمرة الأولى عام 2018. ويعيش الزوجان أونوراتو، اللذان يمتلكان مزرعة تاريخية في ولاية بنسلفانيا، في منطقة مونتكلير القريبة بولاية فرجينيا، ويعتبران من زبائنه الدائمين في «ماونت فيرنون» ومواقع أخرى. وفي هذا الصدد، قالت باربرا أونوراتو: «خبزه ومنتجاته الأخرى رائعة للغاية، وأنا معجبة جداً بمشاركة عائلته بأكملها في هذا العمل».

جدير بالذكر أن شيري نشأ في غرب ولاية بنسلفانيا، وسط عائلة من الشغوفين بمحاكاة التاريخ وتفسيره، وكثيراً ما يحرص على ارتداء الملابس التاريخية والسفر إلى مواقع إعادة تمثيل معارك حرب الاستقلال مع والديه وشقيقه، منذ أن كان في الثامنة من عمره. وفي أثناء فترة عمله مع الطاهي شون بروك في مطعم «هاسك» بمدينة تشارلستون، أدرك شيري أنه بمقدوره صنع الخبز على الموقد المستخدم لطهي اللحوم بعد خمود النيران.

وقال شيري: «نظراً لانغماسي الشديد في تجارب إعادة التمثيل التاريخي، والتي تتضمن الطهي على نيران المخيمات طوال حياتي، كانت الخطوة المنطقية التالية بالنسبة لي صنع فرني الخاص». وبعد استشارة مؤرخ الثقافة الغذائية ديفيد شيلدز، عثر شيري في أرشيف محلي على مواصفات بناء فرن طيني كتبها الـ«سالزبورغرز» ـ جالية من خبازي ولاية جورجيا، كانوا يعملون بالقرب من نهر سافانا، في أربعينات القرن الثامن عشر.

في خبزه، يعتمد شيري على حبوب تُطحن خصيصاً بناءً على طلبه، بما في ذلك طاحونة «ماونت فيرنون». كما يستخدم رغوة الخميرة، تماماً كما كان يفعل الخبازون، قبل الإنتاج الضخم لمواد التخمير.

وأضاف: «أحاول استخدام مكونات كانت شائعة في المناطق التي أعمل بها؛ لأن هذا ما كان يتعين على خبازي واشنطن فعله في ذلك الوقت». ويتضمن عمل شيري كذلك جمع وصفات طعام وأدوات خبز ومعدات ومخطوطات وكتب، تعود إلى القرن الثامن عشر. ويركز بشكل خاص على كريستوفر لودويك، مهاجر ألماني افتتح مخبزاً ومتجراً ناجحاً للحلويات في فيلادلفيا في خمسينات القرن الثامن عشر، وشغل منصب مدير الخبازين لدى واشنطن خلال الحرب.

وأوضح شيري أنه: «تولى لودويك إدارة عشرات الخبازين المحليين في مستودعات الإمداد والمواقع الرئيسة الأخرى القريبة نسبياً من القوات لتسهيل عمليات النقل. وكانوا ينتجون مئات، إن لم يكن آلاف، الأرغفة للجيش».

ووفقاً لحسابات واشنطن، كان الأمر يتطلب مائة ألف رطل من الدقيق لإطعام 15 ألف رجل عن كل عام تستمر فيه الحرب، وكان واشنطن يدفع أجور الخبازين من جيبه الخاص. وكثيراً ما كان يراسل لودويك مباشرة بطلبات دقيقة لتسليم الخبز.

وأشار شيري إلى أنه «في حين جرى تجنيد العديد من هؤلاء الخبازين في خدمة قسم الخبز، فإن بعضهم كانوا محترفين يعملون بموجب عقود وواصلوا تجارتهم بعد الحرب».

وكان سايروس بوستيل من بين هؤلاء؛ والذي كان خبازاً مستعبداً سابقاً في بنسلفانيا، وأدار مخبزاً تعاقدياً في نيوجيرسي عام 1782، وذلك في أثناء استمرار المناوشات بعد معركة يوركتاون. وافتتح مخبزاً ومصنعاً ناجحاً للبيرة في فيلادلفيا بعد الحرب، وأصبح عضواً مؤسساً في «الجمعية الأفريقية الحرة» بفيلادلفيا، والتي دعمت المدارس المستقلة لذوي البشرة السمراء. ويُعد مغني الأوبرا والناشط في مجال الحقوق المدنية بول روبسون أحد أحفاده.

ويعتبر منزل كليفدين، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، ويقع في منطقة جيرمانتاون بمدينة فيلادلفيا، إضافةً حديثةً إلى قائمة مواقع تشيري. وقالت كارولين جي والاس، المديرة التنفيذية، إنهم كانوا يسعون لإيجاد سبل للتعاون معه منذ فترة.

وأضافت والاس: «إنّ تجربة المذاقات نفسها التي كان يتذوقها شخصٌ من القرن الثامن عشر، بخاصةً جنديّ في الجيش، تُعدّ وسيلةً رائعةً لتعريف الناس بتلك الحقبة».

وكان مشهد خيمته التي تعود إلى القرن الثامن عشر، ورائحة فرن الخبز، هما ما جذب سيندي كيتشل، مُعلّمة من إنديانابوليس، إلى خيمة تشيري في صباحٍ مشرقٍ من يونيو (حزيران) في القرن الـ21.

وقالت كيتشل، خبازةٌ منزليةٌ شغوفةٌ كانت تزور ماونت فيرنون للمرة الأولى: «كنتُ في واشنطن العاصمة لحضور مؤتمر. وتذكرني رؤية هذا المكان بالهدف الحقيقي لمبادرة أميركا 250».

* خدمة «نيويورك تايمز»


وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
TT

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»، يمكن أن نشاهد عشرات المقاطع لأطباق شهية ووصفات تبدو وكأنها خرجت من مطابخ أمهر الطهاة. لكن خلف بعض هذه الصور والمقاطع المثالية، تختبئ مشكلة متنامية: ليس كل ما نراه حقيقياً.

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات شديدة الواقعية، بل إنشاء شخصيات تبدو كأنها طهاة محترفون. وقد تظهر وصفة على الشاشة بصورة مثالية، بينما تكون في الواقع غير مجربة أو غير قابلة للتنفيذ بالطريقة التي عُرضت بها. ولا تقتصر المشكلة على إعداد وجبة سيئة، بل قد تعني أيضاً إهدار الطعام والوقت والمال وشراء مكونات لوصفة لم يختبرها أحد أصلاً.

وقد أدركت حجم المشكلة بعدما وقعت شخصياً ضحية لهذا النوع من المحتوى. ظهر أمامي مقطع لتحضير خبز صحي مكون من الزبادي والأفوكادو والبيض والبايكنغ باودر وقليل من الملح والبطاطس المسلوقة. شككت في الوصفة وفي الطاهي الذي بدا واثقاً من نجاحها، لكنني قررت تجربتها، وكانت النتيجة كارثية. فمن شبه المستحيل أن تحل البطاطس محل الدقيق بهذه الطريقة، وانتهت التجربة بهدر المكونات واستهلاك الغاز والكهرباء من دون فائدة.

وصفات تبدو لذيذة ولكنها في الواقع مزيفة (بيكسيلز)

المشكلة لا تتوقف عند وصفة فاشلة. فقد نشاهد طاهياً يتحدث بثقة أمام الكاميرا، بوجه طبيعي وصوت مقنع وحركات واقعية، ويقدم طبقاً نهائياً مثالياً، بينما قد لا يكون هذا الطاهي موجوداً أصلاً. يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء الوجوه والأصوات والخلفيات والحركات، كما يستطيع إنتاج صور لأطعمة تبدو حقيقية بدرجة مذهلة، ما يجعل من الصعب على المشاهد العادي اكتشاف الخدعة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: نحن غالباً نحكم على مصداقية المحتوى من مظهره. فإذا بدا الشخص طاهياً محترفاً، وتحدث بثقة، وظهر أمام طبق مثالي، فمن السهل أن نفترض أن الوصفة مجربة وناجحة. لكن جمال الفيديو ليس دليلاً على نجاح الوصفة.

قد تكون المقادير غير دقيقة، أو أوقات الطهي ودرجات الحرارة غير منطقية، أو قد تُجمع مكونات لا تتفاعل بالطريقة المطلوبة. وقد يُقترح استبدال مكوّن بآخر من دون مراعاة تأثير ذلك في قوام الطبق أو طعمه. والمشكلة أن الفيديو يستطيع إخفاء هذه الأخطاء وإظهار نتيجة مثالية لم تحدث أصلاً. فقد تبدو الوصفة مقنعة على الشاشة، لكنها تفشل تماماً عند تنفيذها في مطبخ حقيقي.

وتزداد المشكلة مع طبيعة المحتوى الفيروسي. فالمنصات تكافئ ما يجذب المشاهدات والتعليقات والمشاركات، ولذلك قد يحظى طبق غريب أو وصفة تبدو مستحيلة أو طاهٍ مولد بالذكاء الاصطناعي بانتشار أكبر من وصفة بسيطة ومجربة. وكلما كان المقطع أكثر غرابة وإبهاراً، زادت فرص توقف المستخدم عنده ومشاركته، ما يحول الانتباه إلى مشاهدات وانتشار وربما أرباح.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع تقنيات التزييف العميق، التي يمكنها جعل أشخاص حقيقيين يبدون وكأنهم قالوا أو فعلوا أشياء لم يقوموا بها. وفي عالم الطعام، يمكن استخدام تقنيات مشابهة لإنشاء مقدمي محتوى وهميين أو تعديل مقاطع موجودة. لذلك لم يعد السؤال فقط: هل يبدو هذا الشخص طاهياً محترفاً؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل قام أحد فعلاً بإعداد هذه الوصفة؟

ومع ذلك، فالذكاء الاصطناعي ليس أصل مشكلة الوصفات المضللة؛ فقد كانت هناك وصفات غير مجربة وصور معدلة ومبالغات في النتائج قبل ظهوره. الجديد هو قدرة التقنية على إنتاج كميات ضخمة من الصور والشخصيات والأصوات ومقاطع الفيديو والنصوص بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى امتلاك الخبرة أو الوقت اللازم لاختبار كل وصفة في مطبخ حقيقي.

الوصفات الالكترونية الغير موثوقة بها كثيرة (بيكسيلز)

لذلك، لا يعني الأمر أن نتوقف عن الثقة بكل وصفة نشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك طهاة حقيقيون وصناع محتوى يقدمون وصفات ممتازة ومجربة. لكن من الحكمة التحقق قبل شراء مكونات وصفة غير معتادة: هل المقادير والتعليمات واضحة ومنطقية؟ هل جربها أشخاص آخرون؟ هل توجد نتائج حقيقية في التعليقات؟ وهل لدى صاحب الحساب تاريخ في نشر وصفات يمكن الوثوق بها؟ كما يمكن البحث عن الوصفة نفسها في مصادر طبخ موثوقة أو لدى طهاة معروفين.

ولا ينبغي أن تقع المسؤولية على المشاهد وحده. فعلى صناع المحتوى أن يكونوا واضحين بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن يميزوا بين الوصفة التي أُعدت واختُبرت فعلاً والمحتوى الذي تم توليده رقمياً. كما تواجه منصات التواصل تحدياً متزايداً في وضع علامات واضحة على المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تراجع قدرة العين المجردة على اكتشافه.

في المرة المقبلة التي تظهر فيها أمامنا وصفة مذهلة، قد يكون من الأفضل أن نتوقف لحظة قبل وضع مكوناتها في عربة التسوق، ونسأل: هل أعدّها شخص فعلاً؟ وهل توجد أدلة على نجاحها؟ فالعالم الرقمي أصبح قادراً على تقديم وجبة مثالية المظهر لم تُطبخ أصلاً. وربما تكون هذه هي القاعدة الأهم: ما يبدو شهياً على الشاشة ليس بالضرورة شيئاً يمكن تحضيره في مطبخنا.