تراجع الانتقادات البرلمانية للمفاوضين الإيرانيين بعد تدخل خامنئي

أعضاء لجنة الأمن القومي يتمسكون برفع «الأجهزة الثورية» من العقوبات الأميركية والأوروبية

صورة نشرها موقع خامنئي للرئيس الإيراني ورئيس البرلمان أثناء وجودهما في اجتماع لكبار المسؤولين الثلاثاء الماضي
صورة نشرها موقع خامنئي للرئيس الإيراني ورئيس البرلمان أثناء وجودهما في اجتماع لكبار المسؤولين الثلاثاء الماضي
TT

تراجع الانتقادات البرلمانية للمفاوضين الإيرانيين بعد تدخل خامنئي

صورة نشرها موقع خامنئي للرئيس الإيراني ورئيس البرلمان أثناء وجودهما في اجتماع لكبار المسؤولين الثلاثاء الماضي
صورة نشرها موقع خامنئي للرئيس الإيراني ورئيس البرلمان أثناء وجودهما في اجتماع لكبار المسؤولين الثلاثاء الماضي

تغيرت بوصلة الانتقادات البرلمانية اللاذعة للفريق المفاوض النووي، بعدما أشاد المرشد الإيراني علي خامنئي، الثلاثاء الماضي، بـ«مقاومة» المفاوضين لما وصفه بـ«المطالب المبالغ فيها» للطرف الآخر، وأطلقت وسائل الإعلام الرسمية في البلاد حملة لتأييد الدبلوماسيين الإيرانيين بعد ضغوط مارسها المشرعون على مدى أسبوعين.
قال المتحدث باسم اللجنة البرلمانية للأمن القومي والسياسة الخارجية، النائب محمود عباس زاده مشكيني، في مقابلة مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن مفاوضات فيينا وصلت إلى «نقطة جيدة» في منتصف فبراير (شباط) الماضي. وقال، «80 في المائة من الخلافات تم حلها شفهياً حينذاك»، مضيفاً أن «إيران كانت تسعى لاتفاق مربح للطرفين، لكن الغربيين خصوصاً الأميركيين، أبعدوا المفاوضات عن مسارها بذرائع كاذبة»، وأضاف: «لقد عبثوا باللعبة للحصول على المزيد من الامتيازات».
وقال عباس زاده، إن قضية «الضمانات التنفيذية من جانب الغربيين» من بين القضايا العالقة في المفاوضات، وقال، «الأميركيون يقاومون هذا الموضوع لهذا توقفت المحادثات». وأضاف: «اليوم نتائج المفاوضات مرهونة باتخاذ القرار من الغربيين، الكرة في ملعبهم، يجب على الأميركيين أن يقدموا ضمانات تنفيذية برفع العقوبات والالتزام بالاتفاقيات التي تم التوصل إليها».
وتعثرت المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بعد انعقادها على مدى نحو عام. وتبادل الطرفان الاتهامات بالمسؤولية عن الإخفاق في تسوية القضايا الباقية. وإحدى القضايا العالقة هي ما إذا كانت واشنطن سترفع الحرس الثوري من القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية الأجنبية. وتدرس واشنطن رفع «الحرس الثوري» من قائمتها للمنظمات الإرهابية الأجنبية مقابل تطمينات إيرانية بشأن خفض التصعيد الإقليمي، المتمثل بأنشطة «فيلق القدس» القائم بأعمال «الحرس الثوري» خارج الحدود الإيرانية.
وحذر عباس زاده من لجوء إيران إلى خيارات بديلة إذا فشلت المفاوضات. وقال «إذا الغربيون بعثروا اللعبة، ولم يظهروا الجدية وحسن النيات، وقلبوا طاولة المفاوضات، لدينا خيارات أخرى سنستخدمها». وربط بين توسع إيران في إنتاج أجهزة الطرد المركزي والمفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة بهدف إحياء الاتفاق النووي، وقال «أحرزنا تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الماضية في إنتاج الجيل الجديد من أجهزة الطرد المركزي، وهذا الموضوع يُمكن الفرض المفاوض النووي من المقايضات». وأضاف: «بعد الأحداث التي وقعت في برنامجنا النووي، تقدم الغربيون للتفاوض واليوم الأفضلية لإيران ولفريقها المفاوض».
كان النائب قد أبلغ موقع «ديده بان إيران»، أول من أمس، بأن إيران وأطراف مباحثات فيينا، لم يتوصلا بعد إلى اتفاق بشأن كيفية وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى تسجيلات كاميرات المراقبة، والتحقق من الأنشطة التي يشملها البرتوكول الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي، الذي أوقفت به العمل طهران فبراير العام الماضي.
وفي تصريح آخر لموقع «ديده بان»، أمس، قال عباس زاده، «ليس الحرس الثوري فحسب، يجب أن تلغى العقوبات عن جميع الأجهزة الثورية المدرجة على القائمة»، مشدداً على أن «شطب الحرس الثوري من قائمة عقوبات وزارة الخارجية الأميركية من شروط إيران».
ورهن النائب السماح للوكالة الدولية بالتحقق من جميع الأنشطة الحساسة برفع جميع العقوبات التي وصفها بـ«الظالمة»، وقال «هذا حق طبيعي لنا، لقد فرضوا علينا عقوبات، لم يمنحونا الأدوية والمواد المطلوبة لإنتاج الأدوية».
وقال النائب، «نسعى لرفع العقوبات عن جميع أجهزة الدولة والحكومة التي تواجه عقوبات أميركية وأوروبية بطريقة غير عادلة وغير قانونية وغير منطقية»، وزاد: «لا نسعى وراء امتيازات خاصة وإضافية إنما نريد ألا يظلمونا... نريد رفع العقوبات عن جميع الأجهزة، و(الحرس) واحد منها».
تأتي تصريحات مشكيني بعدما استضاف وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، أعضاء لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، الاثنين الماضي، في محاولة لتبريد التوتر بين الجهاز الدبلوماسي والنواب، على أثر انتقادات وجهها مشروعون لمسودة تتكون من 27 صفحة، وصلت إليها أطراف المفاوضات قبل أن تتوقف في بداية مارس الماضي. وقللت الخارجية الإيرانية من صحة التقارير بشأن وجود مسودة من هذا النوع، بعدما واجهت اتهامات بالتراجع عن الخطوط الحمر. ونشر بعض نواب متشددين من حلفاء الرئيس إبراهيم رئيسي بعض تفاصيل المسودة.
وأطلقت وسائل الإعلام الرسمية حملة لتأييد الفريق المفاوض النووي، على نقيض الانتقادات التي تنوقلت على لسان مسؤولين وناشطين من التيار المحافظ. وحمل أعضاء لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية تهدئة الأوضاع على عاتقهم، خصوصاً بعدما دخل المرشد الإيراني علي خامنئي، صاحب كلمة الفصل في النظام، على خط الانتقادات الموجهة للمفاوضين، الثلاثاء الماضي، إذ أعرب عن ارتياحه لـ«مقاومة الفريق المفاوض للمطالب المبالغ فيها من الطرف الآخر». وقال، «لا تنتظروا المفاوضات النووية لوضع الخطط للبلاد، وامضوا (في ذلك) قدماً». وأضاف: «لا تتركوا أعمالكم تتعطل، سواء وصلت المفاوضات إلى نتائج إيجابية أو شبه إيجابية أو سلبية»، منوهاً بأن «الفريق المفاوض النووي يطلع الرئيس والمجلس الأعلى للأمن القومي على مجريات المفاوضات، ويتخذون القرار ويتقدمون».
كان خامنئي يتحدث أمام جمع لكبار المسؤولين في النظام، على رأسهم الرئيس إبراهيم رئيسي وسلفه الرئيس السابق حسن روحاني، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، الذي قاد مفاوضات الاتفاق النووي لعام 2015، وقال نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، النائب عباس مقتدائي، لوكالة «أرنا» الرسمية، أمس، إنه «وفقاً لتوصيات المرشد يجب ألا نربط القضايا الداخلية بالمفاوضات»، مشيراً إلى أن «الحكومة السابقة كانت تزعم أنها ترفع العقبات والمشكلات عبر مسار تفاوضي، لكن في نهاية (فترة) الحكومة أدركوا أنهم حصلوا على وعود دون أن يلتزم الطرف الآخر بالتزاماته».
لاحظ مقتدائي، الذي يمثل مدينة أصفهان، أن «الفريق المفاوض تسبب في دفع الغربيين إلى الموقف الانفعالي». ومع ذلك، أشار إلى التباينات الداخلية بشأن إدارة الملف النووي، وقال «المفاوضات قضية وطنية، يجب ألا ينظر إليها بنظرة حزبية وفئوية، يجب أن نسعى جميعاً في دعم الفريق المفاوض، لكي يسمع صوت واحد من النظام وكل أجهزته من أجل حفظ المصالح وتجنب تقديم الفدية للأعداء». ورأى أن «نقد الأداء دون التشويه سيؤدي إلى تعزيز قوة الفريق المفاوض النووي»، نافياً في الوقت ذاته، تراجع الفريق المفاوض النووي عن «الخطوط الحمر»، موضحاً أنه «ينفذ الأوامر التي يتخذ قرارها على مستوى عالٍ في البلاد».
وقال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، النائب شهريار حيدري، لوكالة «أرنا» الرسمية، إن «الفريق المفاوض النووي يقدم تقارير دقيقة إلى اللجنة بعد كل جولة من المفاوضات»، وأشار إلى «تعامل جيد» من وزارة الخارجية مع اللجنة، مضيفاً أن «مسار المفاوضات يتقدم، لكن هناك قضايا هامشية من افتعال أميركا»، وأضاف: «التطورات الأوكرانية أثرت إلى حد ما على مسار المفاوضات». وأعرب عن أمله في أن تتواصل المفاوضات «حتى رفع العقوبات الاقتصادية».
بدورها، سألت وكالة «مهر» الحكومية عدداً من نواب البرلمان حول أسباب تأكيد خامنئي على عدم تعطيل البلاد بانتظار نتائج المفاوضات. وقال النائب المتشدد محمود نبويان، عضو لجنة المادة 90 التي تراقب امتثال الحكومة لقوانين البرلمان، إن «الغربيين أصروا على ربط الاقتصاد بالمفاوضات»، واعتبر أن اهتمام وسائل الإعلام العالمية بتغطية مفاوضات فيينا يهدف إلى «ابقاء الاقتصاد الإيراني مرهوناً (بالمفاوضات)».
وكان نبويان قد نشر مقالاً مفصلاً في وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» قبل نحو أسبوعين، تضمن تفاصيل عن مسودة الاتفاق، واتهم الحكومة الحالية بمواصلة استراتيجية الحكومة السابقة في المفاوضات، والتراجع عن الخطوط الحمر.
من جهته، قال العضو الآخر في لجنة الأمن القومي، النائب إبراهيم رضايي، «يخشى الأميركيون الهدوء الحالي في المجتمع الذي يدعم دبلوماسيينا على طاولة المفاوضات، لذلك يريدون أن يعجلوا من مناخ مجتمعنا والاقتصاد مرهونا». ووجه النائب تحذيراً إلى الرأي العام والمسؤولين بـ«عدم الانخداع بالاستعراض الإعلامي الأميركي»، وصرح: «علينا أن نمضي قدماً وفقاً للاستراتيجية المحددة، وهي الحصول على ضمانات بعدم الانسحاب الأميركي من الاتفاق، وتنفيذ عملية التحقق».



نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)
نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)
TT

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)
نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)

تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، صدمتين كبيرتين؛ إذ أعلن أكبر منافسين سياسيين رئيسيين له دمج حزبيهما في محاولة للإطاحة بحكومته الائتلافية في الانتخابات المقبلة، المقرر إجراؤها في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي، كما تراجعت فرص حصوله على عفو خلال محاكمته في قضية الفساد التي يواجهها منذ سنوات.

وأصدر رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت من تيار اليمين، ويائير لابيد من تيار الوسط، بيانين أعلنا فيهما اندماج حزبيهما (بينيت 2026) و(هناك مستقبل). وقال زعيم المعارضة لابيد: «تهدف هذه الخطوة إلى توحيد التكتل ووضع حد للانقسامات الداخلية، وتركيز كل الجهود على الفوز بالانتخابات المقبلة الحاسمة وقيادة إسرائيل نحو المستقبل». وقال مكتب بينيت إن الحزب الجديد سيحمل اسم «معاً»، وإنه سيتولى قيادته.

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد (رويترز)

وتقوم حكومة نتنياهو على أساس تحالف حزبه «الليكود» مع تيار يميني متشدد، في حين أخفقت المعارضة وتيار الوسط في توحيد صفوفهما للإطاحة بالائتلاف الحكومي.

وجاء الإعلان الحزبي الكبير في إسرائيل بعد ساعات من إعلان الرئيس إسحاق هرتسوغ أنه «لن ينظر في طلب العفو الذي تقدّم به نتنياهو في قضية ​الفساد التي يواجهها منذ وقت طويل إلا بعد استنفاد جميع الجهود الممكنة للتوصل إلى اتفاق إقرار بالذنب»، ما يُشير إلى أن القرار لن يصدر قريباً.

وأدّت المشكلات القانونية التي يواجهها نتنياهو، والتي بدأت بتحقيقات قبل 10 سنوات تقريباً، إلى انقسام الإسرائيليين وزعزعة الساحة السياسية خلال 5 جولات انتخابية بين عام ‌2019، الذي ‌صدرت فيه لائحة الاتهام بحقه، وعام ​2022. ‌ومن ⁠المقرر ​إجراء الانتخابات المقبلة ⁠بحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2026. وينفي نتنياهو تهم الرِّشى والاحتيال وخيانة الأمانة.

وقال هرتسوغ، الأحد، إن التوصل إلى اتفاق سيكون الحل الأفضل في قضية نتنياهو. وأضاف في بيان أنه لهذا السبب يعتقد «أنه قبل النظر في طلب العفو نفسه، يجب أولاً استنفاد كل ⁠الجهود الممكنة للتوصل إلى اتفاق بين الأطراف ‌خارج قاعة المحكمة».

ونشر مكتب ‌هرتسوغ هذا البيان بعد أن ​ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، الأحد، أن الرئيس يعتزم بدء وساطة من ‌أجل التوصل إلى اتفاق إقرار بالذنب، ما يعني تأجيل أي قرار بالعفو في الوقت الحالي.

وأحجم متحدث باسم هرتسوغ عن التعليق على ما ورد في البيان عند سؤاله حول ما ‌إذا كانت هناك أي محاولة لإبرام الاتفاق. ولم يرد مكتب نتنياهو على طلب ⁠للتعليق.

وقدّم ⁠نتنياهو طلب العفو في نوفمبر (تشرين الثاني)، وبموجب القانون الإسرائيلي، يتمتع الرئيس بسلطة العفو عن المدانين، لكن لا توجد سابقة لإصدار عفو خلال سير المحاكمة.

ودعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة مرات هرتسوغ إلى منح نتنياهو العفو، كانت إحداها في مارس (آذار) في أثناء حرب إيران عندما جرى تعليق المحاكمة.

ومن المقرر أن يمثل نتنياهو مجدداً أمام القضاء هذا الأسبوع مع استئناف المحاكمة التي بدأت عام 2020. ​وهو أول رئيس وزراء إسرائيلي ​يتم توجيه تهمة جنائية إليه في أثناء شغله المنصب.


رسالة جديدة من أوجلان: الديمقراطية بديلاً للسلاح في مستقبل الأكراد

عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
TT

رسالة جديدة من أوجلان: الديمقراطية بديلاً للسلاح في مستقبل الأكراد

عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وجّه زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان دعوة جديدة إلى الأكراد لاتباع نهج الديمقراطية، سواء في حل مشاكلهم الداخلية أو من خلال المفاوضات مع الدول التي يعيشون فيها.

وفي رسالة جديدة حثّ فيها على نبذ العنف والسلاح والتوجه إلى العمل الديمقراطي في إطار قانوني ديمقراطي، ضمن إطار «نداء من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي» الذي أطلقه في 27 فبراير (شباط) 2025، دعا من خلاله حزب «العمال الكردستاني» إلى حلّ نفسه وإلقاء أسلحته، أكّد أوجلان أنه يجب على المجتمع الكردي أن يبني إعادة هيكلته على المبادئ الديمقراطية، ليس في علاقاته الخارجية فقط، بل في علاقاته الداخلية أيضاً. وقال أوجلان إنه «بينما ندعو إلى حلول ديمقراطية ومفاوضات في علاقاتنا مع الدول القومية، يجب علينا أيضاً إعطاء الأولوية للسياسة والقانون الديمقراطيين، لا للعنف داخل حدودنا، فطريق الوحدة الديمقراطية يمُرّ عبر المفاوضات الديمقراطية».

الديمقراطية أولوية للأكراد

وفي رسالته، التي قُرئت خلال مؤتمر «أكراد الشمال يناقشون الوحدة الوطنية» الذي نظّمه حزبا «الديمقراطية والمساواة للشعوب» و«المناطق الديمقراطية» المؤيدين للأكراد في مدينة ديار بكر، جنوب شرقي تركيا، الأحد، أكد أوجلان أن «الوحدة الديمقراطية ضرورة تاريخية، وأن عقد مؤتمر شامل للوحدة الديمقراطية هو مهمة ملحة لإظهار الإرادة المشتركة والتوافق في الرأي».

جانب من مؤتمر الوحدة الوطنية للأكراد في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 26 أبريل (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)

وذكر أن «بقاء أي مجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرته على التكيف مع واقع العصر، ولا يمكن لأي بنية اجتماعية أن تدوم ما لم تتغير وتتطور، وما لم تستطع إعادة بناء دينامياتها الداخلية على أسس ديمقراطية»، لافتاً إلى أن الأكراد «حُرموا من فرصة القيام بهذا التحول في مساره الطبيعي بسبب سياسات الإنكار والتدمير والقمع التي تعرضوا لها لسنوات طويلة».

وأضاف أوجلان أن «القضية الأساسية التي تواجهنا اليوم هي كيف يمكن للمجتمع الكردي أن يصبح مجتمعاً ديمقراطياً حديثاً»، مُوضّحاً أن الأكراد «كيان قائم بذاته، بتاريخه ولغته وثقافته ونسيجه الاجتماعي»، وأن استدامته تعتمد على قدرتهم على فرض إرادتهم في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية، وأن هذا لا يتأتى إلا من خلال مؤسسات سياسية واجتماعية راسخة.

وبينما أشار أوجلان إلى أن المرحلة المقبلة تعدّ مرحلة إعادة بناء المجتمع الكردي على أساس ديمقراطي، حذّر من عقبة كبيرة تعترضها، هي «النظام القبلي الضيق القائم على العشائر»، لافتاً إلى أن هذا النظام يفتت المجتمع، وأن هذه العقلية أضعفت البنيةَ الاجتماعية، وألحقت بها أضراراً جسيمة.

زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

وأكّد أن بناء وحدة ديمقراطية يُعدّ أمراً مستحيلاً من دون مواجهة، وأن تجاوز الصراعات الداخلية وخلق مناخ اجتماعي قائم على الاحترام المتبادل لا يمكن تحقيقه إلا من خلال جعل المبادئ الديمقراطية سائدة في جميعِ مناحي الحياة، وأن نشر هذا الفهم، تدريجياً، في جميعِ أرجاء المجتمع، بدءاً من الهياكل السياسية، هو المهمة ذات الأولوية في المرحلة المقبلة.

وختم أوجلان بالتأكيد على أن «أساس المرحلة المقبلة سيكون الوحدة الديمقراطية، والسياسة الديمقراطية، والتفاوض الديمقراطي، وأن كل خطوة تخطط على هذا الأساس ستحدّد مستقبل الأكراد المشترك».

مطالبات بتسريع السلام

وجاءت رسالة أوجلان في الوقت الذي دعا فيه حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى توجيه حكومته لاتخاذ خطوات تسرع «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، التي تسميها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب».

إردوغان تبادل الحديث مع قيادات حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» خلال احتفال البرلمان بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الخميس (الرئاسة التركية)

وأكّد إردوغان، الذي التقى قيادات الحزب المؤيد للأكراد على هامش احتفال البرلمان التركي الخميس الماضي بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة»، أن «العملية تسير بشكل إيجابي للغاية، ولا توجد أي مشاكل».

بدوره، قال رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، حليف إردوغان الذي أطلق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» من البرلمان في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، إنه «كلما أسرعنا في العملية، كلما كان ذلك أفضل». وأضاف بهشلي أن الأحزاب السياسية التي شاركت في «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، التي تشكلت لوضع الإطار القانوني للعملية، قدّمت تقاريرها، ورفعت اللجنة التقرير المشترك إلى البرلمان في 18 فبراير (شباط) الماضي، ويجب أن يبدأ البرلمان مناقشاته للتقرير، وأن يقول كلمته.

البرلمان يترقب موقف «الكردستاني»

من جانبه، أرجع رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، عدم تحديد موعد للبدء في مناقشة تقرير اللجنة، والمضي قدماً في العملية بعدم التزام حزب «العمال الكردستاني» بإلقاء أسلحته.

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (حساب البرلمان في «إكس»)

وقال كورتولموش: «لو تمّ الالتزام بالجدول الزمني، لكانت المسألة قد حُلّت منذ زمن طويل»، مشيراً إلى أن اللجنة حدّدت، في تقريرها، خريطة طريق بشأن اللوائح القانونية، وأن التقرير يؤكد أن رصد وتأكيد مؤسسات الدولة المعنية (المخابرات، ووزارتي الدفاع والداخلية) انتهاء عملية حلّ حزب «العمال الكردستاني» وإلقاء أسلحته، وتوثيق ذلك، يمثل «نقطة تحول حاسمة».

وأضاف كورتولموش: «لذا، لن أقول إن ذلك سيحدث اليوم أو غداً، لكنني أشدد على عبارة (في أسرع وقت ممكن)»، مشيراً إلى أن «أصعب مراحل العملية قد انتهت، وفي المراحل المتبقية، ومع إثبات إلقاء الحزب أسلحته وحلّه تماماً ستتسارع هذه العملية بشكل ملحوظ».


«منذ 7 أكتوبر»... نحو 30 % من الإسرائيليين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة

جندي إسرائيلي ينبطح أرضاً لدى سماعه دوي صفارات الإنذار بغلاف غزة في أكتوبر 2023 (أ.ب)
جندي إسرائيلي ينبطح أرضاً لدى سماعه دوي صفارات الإنذار بغلاف غزة في أكتوبر 2023 (أ.ب)
TT

«منذ 7 أكتوبر»... نحو 30 % من الإسرائيليين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة

جندي إسرائيلي ينبطح أرضاً لدى سماعه دوي صفارات الإنذار بغلاف غزة في أكتوبر 2023 (أ.ب)
جندي إسرائيلي ينبطح أرضاً لدى سماعه دوي صفارات الإنذار بغلاف غزة في أكتوبر 2023 (أ.ب)

أظهرت معطيات جديدة عن مؤسسات ودوائر حكومية، أن ما بين 20 و30 في المائة من الإسرائيليين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقالت مصادر في وزارة الصحة الإسرائيلية، لوسائل إعلام عبرية، إنه «فقط في سنة 2026، بلغ عدد المنتحرين في صفوف الجنود والضباط 10 حالات، بينهم 6 فقط انتحروا خلال أبريل (نيسان) الحالي»، في إشارة إلى «ارتفاع كبير في عدد حالات الانتحار».

وبحسب ما أفادت صحيفة «هآرتس»، الأحد، تشمل أرقام المنتحرين «3 جنود احتياط خدموا خلال الحرب وانتحروا هذا الشهر وهم خارج الخدمة، إلى جانب حالتي انتحار في صفوف الشرطة وحرس الحدود».

وأكدت أن «حوادث الانتحار تتخذ منحى تصاعدياً مستمراً منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة؛ حيث سُجلت 17 حالة انتحار في 2023، منها 7 بعد اندلاع الحرب، ثم ارتفع العدد إلى 21 في 2024، وإلى 22 في 2025، في حين بلغ متوسط الحالات خلال العقد الذي سبق الحرب، نحو 12 حالة سنوياً، مع تسجيل 28 حالة في 2010»، بوصف ذلك أعلى رقم خلال السنوات الماضية.

«ظننا أننا نسيطر»

ومع أن المؤسسة العسكرية أعربت عن قلقها من صعوبة احتواء الظاهرة. ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في شعبة القوى البشرية، قوله: «في بداية الحرب ظننا أننا نسيطر على الوضع، وهذا انفجر في وجوهنا».

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميلهم شيمون أسولين الذي قُتل في حرب غزة خلال جنازته في مقبرة جبل هرتزل العسكرية بالقدس الأحد (إ.ب.أ)

وأشار ضباط في الشعبة إلى أن ارتفاع الحالات خلال الشهر الحالي، قد يكون مرتبطاً بإحياء ما يُسمى «ذكرى قتلى حروب إسرائيل» وما يرافقها من انشغال بالحزن والفقدان، غير أن مختصين في الصحة النفسية شككوا في هذا التفسير، مؤكدين أنهم لم يرصدوا في السنوات السابقة، ارتفاعاً مماثلاً خلال هذه الفترة، مع الإشارة إلى أن استمرار القتال وما يفرضه من ضغط متراكم على عدد محدود من الجنود، كل ذلك ينعكس سلباً على حالتهم النفسية.

وكشفت صحيفة «هآرتس»، الأحد، أن هناك عدداً من التقارير والدراسات الجديدة، التي وضعت على طاولة الحكومة، تشير إلى أن «الأزمة تلم بالمجتمع الإسرائيلي برمته وليس فقط في صفوف الجيش، وتحذر من التصاعد غير المسبوق في معدلات الاضطرابات النفسية داخل المجتمع الإسرائيلي».

وذهبت إلى أن «آثار الحرب لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية؛ بل تمتد إلى أزمة نفسية واسعة قد تطال ملايين الأشخاص وتستمر لسنوات طويلة».

المناطق المحاذية لغزة

وأظهرت الدراسات الميدانية ارتفاعاً ملحوظاً في اضطراب الوسواس القهري، خصوصاً في المناطق المحاذية لقطاع غزة، حيث سُجّلت نسب مرتفعة بشكل استثنائي، إلى جانب زيادة عامة في معدلات القلق والاكتئاب.

وأشارت دراسات إلى أن نحو ثلث سكان المناطق المحاذية لغزة لديهم احتمال مرتفع للإصابة باضطراب الوسواس القهري، مع أعراض مثل الفحص القهري المتكرر لساعات يومياً.

الجدار الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة لم يمنع «حماس» من شن هجوم «7 أكتوبر» على مستوطنات غلاف غزة (رويترز)

وحتى في بقية المجتمع، بلغت نسبة المصابين نحو 7 في المائة، بحسب التقديرات الإسرائيلية، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمعدل العالمي الذي يقل عن 2 في المائة.

كما كشفت الدراسات الإسرائيلية عن «مؤشرات غير تقليدية؛ مثل تحليل مياه الصرف الصحي، عن ارتفاع كبير في مستويات التوتر لدى السكان، مع زيادة ملحوظة في استهلاك الكافيين بنسبة 425 في المائة، وتضاعف استهلاك التبغ، وارتفاع هرمون التوتر (الكورتيزون) بنحو 50 في المائة»، ما يعكس تأثيراً نفسياً عميقاً للحرب.

وتشير البيانات إلى أن «ما بين 20 في المائة و30 في المائة من السكان يعانون أعراضاً ما بعد الصدمة، فيما أظهرت دراسة حديثة أن 95 في المائة من المشاركين يعانون عرضاً نفسياً واحداً على الأقل مرتبطاً بالصدمة، و21 في المائة تجاوزوا العتبة السريرية».

ويحذر مختصون من أن عدم التدخل السريع قد يؤدي إلى تفاقم الحالة، خصوصاً مع نقص المتخصصين وطول قوائم الانتظار للعلاج.

الآثار الاقتصادية للصدمة

ولفتت صحيفة «هآرتس» إلى تقرير آخر يقدّر بأن «الأثر الاقتصادي للاضطرابات النفسية قد يصل إلى 100 مليار شيقل سنوياً (33 مليار دولار)، تشمل خسائر الإنتاجية وتكاليف العلاج، إضافة إلى آثار غير مباشرة مثل ارتفاع العنف والحوادث والأمراض. كما سجّل ارتفاعاً في معدلات سلوكيات الإدمان بشكل ملحوظ، حيث بات نحو ربع السكان يعانون استخداماً مضراً للمواد، مقارنة بنحو عُشر السكان سابقاً.

كما ارتفعت معدلات الأرق من 5 في المائة قبل الحرب إلى 28 في المائة لاحقاً، ما يعكس تأثيراً عميقاً على الصحة العامة. ويجمع الباحثون على أن هذه الأزمات النفسية لن تختفي بانتهاء الحرب؛ بل قد تستمر لسنوات.

ويؤكد خبراء أن الاعتراف بحجم الأزمة والتعامل معها بجدية هو الخطوة الأولى نحو التعافي، محذرين من أن تجاهلها قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية أعمق.

وحذر تقرير آخر من ظاهرة العنف التي بدأت تظهر علاماتها في المجتمع، حيث إن عدداً غير قليل من الجنود الذين مارسوا العنف والقتل في قطاع غزة، بشكل يومي طيلة شهور، يظهرون استهتاراً بحياة البشر أيضاً لدى عودتهم، وهذه المظاهر تؤثر على الجيل الصاعد.

وقد جاء هذا النشر في وقت كشف فيه عن جريمة قتل بشعة جديدة قام بها 6 فتيان يهود، تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عاماً، وكان ضحيتَهم يهودي من أصول إثيوبية عمره 21 عاماً، كان يعمل في مطعم بيتزا بمدينة بيتح تكفا قبل أيام.

إسرائيليون من أصل إثيوبي يحملون صوراً لأقاربهم خلال مظاهرة أمام مكتب رئيس الوزراء في القدس الأحد (أ.ب)

وبحسب التحقيقات، فإن الشاب يمانو بنيامين زلكا (21 عاماً)، كان يعمل في المطعم، وقد تعرّض للطعن على يد عدد من الفتيان بعد أن نبّههم إلى قيامهم برشّ رغوة داخل المكان. وتشير الشبهات إلى أن الفتيان ترصّدوا زلكا حتى خرج من المطعم، وهاجموه وطعنوه فور خروجه بالسكاكين، ثم فرّوا من الموقع. وقد نُقل في حالة حرجة إلى مستشفى بيلينسون، حيث أُعلن عن وفاته لاحقاً.

وقالت عضوة الكنيست بنينا تمكنو شليطا، وهي أيضاً من أصول إثيوبية، إن ما يزعزع، هو ليس فقط الجريمة بحد ذاتها وما تعكسه من تدهور في المجتمع، إنما الأخطر هو كيف تصرفت الشرطة في الموضوع؛ ففي الوقت الذي كان فيه كل مواطن في بيتح تكفا يعرف من هم القتلة بالاسم، فرداً فرداً، كانت الشرطة عاجزة عن إلقاء القبض عليهم. 3 أيام وهم طليقون. وتكلم رئيس البلدية، رامي غرينبيرغ، فقال: «قيادات المجتمع المحلي تحذرنا باستمرار من ظاهرة تفاقم العنف المجتمعي بشكل خاص في فترة الحرب. إنه مرض مجتمعي خطير ويحتاج إلى علاج عميق وسريع».