صقور إدارة بايدن ماضون في تسليح أوكرانيا

عسكريان أوكرانيان يتفقدان دبابة روسية مدمرة في ضواحي كييف أمس (إ.ب.أ)
عسكريان أوكرانيان يتفقدان دبابة روسية مدمرة في ضواحي كييف أمس (إ.ب.أ)
TT

صقور إدارة بايدن ماضون في تسليح أوكرانيا

عسكريان أوكرانيان يتفقدان دبابة روسية مدمرة في ضواحي كييف أمس (إ.ب.أ)
عسكريان أوكرانيان يتفقدان دبابة روسية مدمرة في ضواحي كييف أمس (إ.ب.أ)

من غير المرجح أن يؤدي التحذير الروسي للولايات المتحدة من «عواقب لا يمكن التنبؤ بها» إذا واصلت واشنطن في تسليح أوكرانيا، إلى تغيير موقف إدارة الرئيس جو بايدن التي بدأت تبتعد عن «حذرها وبطئها»، بحسب المنتقدين. فالرسالة «الرسمية» التي لم تشأ وزارة الخارجية الأميركية تأكيد تسلمها من موسكو، قد تكون إعلاناً عن «رسالة» مضادة في اتجاهين: داخلي وخارجي. فإدارة بايدن، تعرضت ولا تزال، لضغوط داخلية كبيرة، ليس فقط من الجمهوريين بل من صقور الديمقراطيين أيضاً من داخل الإدارة نفسها، الذين انتقدوا بطء استجابتها لطلبات التسليح. وهو ما أدى إلى موافقة بايدن على تسليم أوكرانيا أسلحة أكثر تقدماً وفتكاً، في الحزمة الأخيرة التي أقرها بقيمة 800 مليون دولار، الأمر الذي عد بداية تغيير في سياسة البيت الأبيض نحو استجابة سريعة ومغادرة حذرها في صنع القرار؛ فالمساعدة العسكرية الأخيرة، ورغم أنها أقل من الطلبات التي قدمتها أوكرانيا، استعداداً للحرب في إقليم دونباس، تضمنت للمرة الأولى ذخائر متطورة قد ترفع كلفة الغزو الروسي بشكل دراماتيكي بعد الخسارة الكبيرة التي مُنيت بها روسيا جراء غرق الطراد «موسكفا» الذي يعد جوهرة تاج البحرية الروسية. وهو ما دفع روسيا للتلويح بـ«العواقب» وبالسلاح النووي مجدداً.
- مغادرة سياسة الحذر
وقال محللون ومراقبون إن الحزمة الأخيرة من المساعدة العسكرية هي «تغيير مهم» وعلامة على أن الإدارة وحلفاء الولايات المتحدة «يرفعون من حدة التوتر باستمرار» ضد روسيا، وبداية في تغيير منطقها لمغادرة الحذر والمخاوف بشأن اللوجيستيات التي منعت الولايات المتحدة من تلبية قائمة طلبات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وكان زيلينسكي قد أجرى مكالمة هاتفية مع بايدن لنحو ساعة يوم الأربعاء قبل الإعلان عن حزمة الأسلحة، ونشر على «تويتر» قائمة بمعدات عسكرية محددة، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والدبابات وأنظمة إطلاق الصواريخ المتعددة.
ورغم خلو الحزمة الجديدة من الطائرات الحربية المقاتلة، لكنها تضمنت طائرات هليكوبتر، غير أن مسؤولاً دفاعياً كبيراً أبلغ الصحافيين يوم الخميس أن تسليم حزمة الأسلحة الجديدة، سيستغرق نحو أربعة أسابيع. في هذا الوقت تسلمت أوكرانيا من سلوفاكيا شحنة من صواريخ «إس - 300»، وتنتظر دول أخرى من الجناح الشرقي في حلف «الناتو»، موافقة واشنطن على تسليم طائرات مقاتلة من الترسانة السوفياتية السابقة، شرط تعويضها بطائرات أميركية.
- ترحيب أوكراني بالأسلحة
ورحب جون هيربست، السفير الأميركي السابق لدى أوكرانيا، بالحزمة العسكرية التي وافق عليها بايدن، لكنه قال إن الأوكرانيين يحتاجون إلى القوة الجوية، ولا سيما طائرات «ميغ» المقاتلة وقاذفات «سوخوي» من الحقبة السوفياتية. وقال هيربست: «إنهم ما زالوا يقولون لا لتلك الطائرات، رغم أنها ستكون مفيدة للغاية في التعامل مع الدبابات الروسية وناقلات الجند المدرعة في أرض مفتوحة». وبات معروفاً أن روسيا تعيد تجميع قواتها لشن هجوم أكثر تركيزاً على المناطق الشرقية والجنوبية من أوكرانيا.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي، يوم الأربعاء، إن الإدارة لا تزال لديها «مخاوف» بشأن تسليم طائرات «ميغ» من بولندا إلى أوكرانيا، في إشارة إلى التقييمات السابقة من قبل البنتاغون بأن مثل هذه الخطوة قد تدفع بوتين إلى تصعيد الصراع ضد الناتو. وقالت بساكي: «هذا التقييم لم يتغير».
- بلينكن يقود عملية التغيير
ونقلت أوساط مطلعة عن مسؤولين في إدارة بايدن، إلى أن بداية التغيير في موقف الإدارة من قضية نوعية التسلح، يعود الفضل فيه إلى وزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي يميل نحو إرسال أسلحة أكثر تطوراً إلى أوكرانيا. ودعم بلينكن في 6 مارس (آذار) الماضي، تسليم طائرات «ميغ» لأوكرانيا، قائلاً إن الولايات المتحدة أعطت «الضوء الأخضر» لبولندا، لكن البيت الأبيض تراجع عن هذا التعهد في اليوم التالي.
وفيما أشار مسؤولون أميركيون إلى أن التغييرات في الحرب «تغير أنواع» الدعم الأميركي، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، نيد برايس، في إفادة صحافية يوم الأربعاء هذا الأمر، قائلاً إن «طبيعة الصراع تتغير، ومن المنطقي أن الأشكال الدقيقة للدعم ستتكيف مع هذا الواقع المتغير». وأضاف برايس أن نقل الأسلحة بقيمة 800 مليون دولار إلى أوكرانيا جاء بعد مناشدة مباشرة من وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا إلى بلينكين يطلب فيها «أسلحة وأسلحة وأسلحة».
لقد التقى بالوزير بلينكن، وكان لدى بلينكن ثلاث إجابات: «نعم، نعم، ونعم. ورأيت اليوم ثمار بعض تلك المناقشات». وقال ويليام تيلور، مدير برنامج روسيا وأوروبا في المعهد الأميركي للسلام، إن الأدلة المتزايدة على الفظائع ضد المدنيين، واتهام بايدن لروسيا بارتكاب الإبادة الجماعية، قد حول الإدارة لتكون أكثر إيجابية في مساعدتها. ونقل عن مسؤولين في البنتاغون أنهم يبذلون «قصارى جهدهم للمساعدة» لتصعيد نقل الأسلحة، بما في ذلك من الولايات المتحدة ومن الحلفاء في الناتو أيضاً، مثل تشيكيا وسلوفاكيا، اللتين زودتا أوكرانيا، على التوالي، بدبابات «تي - 72» ونظام الدفاع الصاروخي «إس - 300».
- حظر النفط يوقف الحرب في شهر
من جهة أخرى نقلت شبكة «سي إن إن» عن أندريه إيلارويونوف، المستشار الاقتصادي السابق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قوله إن هناك طريقة واحدة يمكن أن تنهي الحرب في أوكراني في غضون شهر واحد. وأضاف أن الأمر ممكن من خلال أدوات غير عسكرية، على رأسها «فرض حظر كامل على النفط الروسي الذي يمكن أن ينهي الحرب في غضون شهر أو شهرين». وأضاف أن عائدات النفط والغاز تمثل نحو 40 في المائة من الميزانية العامة لروسيا، وإذا احتسبت العوائد المباشرة وغير المباشرة، فهي تمثل 60 في المائة من موازنة روسيا. وقال إيلارويونوف إن انخفاض هذه العوائد بشكل مباشر، في حال تم فرض حظر شامل، وفي ظل عدم قدرة موسكو على الوصول إلى القروض الدولية بسبب العقوبات، وعدم قدرة البنك المركزي على الوصول للاحتياطيات من العملات الأجنبية بسبب تجميدها، فإن هذا الأمر سيؤدي إلى وقف مصادر الإنفاق وإلى الحاجة إلى خفض النفقات الحكومية بقيمة تصل إلى 60 في المائة. وفي حال حصول هذا ستجد روسيا نفسها أمام خيار وقف عمليتها العسكرية والدخول في مفاوضات جادة.
- توجيه الغاز شرقاً
وكان بوتين قد طلب إعادة توجيه صادرات النفط والغاز نحو دول في آسيا وأميركا اللاتينية، في ظل توقعات بتراجع الواردات الأوروبية، على المدى المتوسط والأبعد. لكن القيود والعقوبات الأميركية التي فرضت على قطاع النفط والغاز الروسي، سيصعب على موسكو إيجاد مشترين قادرين على مقاومة تلك العقوبات. في المقابل، لا يزال فرض حظر أوروبي جماعي على النفط والغاز الروسي، موضع نقاش محموم بين دول الاتحاد الأوروبي، في ظل صعوبة الاستغناء الفوري عنه، قبل إيجاد البدائل.


مقالات ذات صلة

3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

أوروبا رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية بالمسيّرات والصواريخ استهدفت أوكرانيا ليلاً عن مقتل 3 أشخاص على الأقل وإصابة عدد آخر بجروح، حسبما أفاد به مسؤولون إقليميون، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (كييف)
تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائه نظيره الصيني وانغ يي في ميونيخ (رويترز) p-circle

تحليل إخباري 4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

أصبح الأوروبيون أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله لسنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف أميركي تبدّلت أولوياته وبات في خانة المنافسين.

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «بدأ بالفعل» حرباً عالمية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
تحليل إخباري خلال تدريب «الناتو» في بحر البلطيق قبالة ميدان بوتلوس للتدريب العسكري بألمانيا 18 فبراير 2026 (أ.ب) p-circle

تحليل إخباري واشنطن تعيد توزيع الأدوار في الحرب الروسية - الأوكرانية

مع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، قلّصت إدارة ترمب تدريجياً دورها المباشر في قيادة جهود دعم كييف، مقابل هندسة ترتيبات تجعل أوروبا المموّل الرئيسي.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري أرشيفية لجنود روس في أحد ميادين التدريب بمنطقة فولغوغراد الروسية (أ.ب)

تحليل إخباري بعد 4 سنوات من الحرب... كيف تبدَّلت خرائط أوكرانيا وروسيا؟

نجحت موسكو في تكريس واقع ميداني جديد كلياً، يوفر مجالات أوسع للمناورة وهوامش عريضة للتفاوض بواقع مربح جداً للكرملين.

رائد جبر (موسكو)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended