شلل تام يصيب منظومة الحكم في العراق بعد 19 عاماً من سقوط صدام

صراعات داخل البيت الشيعي وخلافات كردية - كردية

العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)
العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)
TT

شلل تام يصيب منظومة الحكم في العراق بعد 19 عاماً من سقوط صدام

العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)
العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)

في ذكرى سقوط بغداد بأيدي الجنود الأميركيين، عام 2003، يبدو العراق غارقاً اليوم في انسداد سياسي تام، في ظل عجز مكوناته السياسية المختلفة على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وكذلك فشلها في الاتفاق على من هو الطرف الذي يشكل الغالبية النيابية التي تسمح له بتحديد الشخصية التي ستوكل لها مهمة تشكيل الحكومة الجديدة خلفاً لحكومة مصطفى الكاظمي الحالية.
كيف تبدو العلاقة بين الأطراف المتصارعة داخل البيت الشيعي؟ ما مصير مهلة الأربعين يوماً التي منحها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لخصومه الشيعة في الإطار التنسيقي لتشكيل الحكومة الجديدة؟ ما وضع الخلاف بين الأكراد أنفسهم على منصب رئيس الجمهورية؟ هذه جولة على تطورات المشهد السياسي العراقي في ذكرى سقوط النظام السابق...
لم تنجح منظومة الحكم السياسية في العراق، بعد مرور 19 عاماً على سقوط نظام صدام حسين على أيدي الأميركيين، في الاتفاق على عقد سياسي جديد. قال ذلك صراحة الرئيس العراقي برهم صالح في الذكرى التاسعة عشرة لسقوط بغداد، محذراً من استمرار الأزمة السياسية الحالية التي تمر بها البلاد بعد نحو 6 شهور على إجراء الانتخابات النيابية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
قال صالح، وهو أحد 40 مرشحاً يتنافسون على منصب رئيس الجمهورية، في بيان بمناسبة ذكرى سقوط نظام صدام: «في يوم سقوط صنم الاستبداد، الحاجة مُلحة لتلبية مطلب العراقيين بحكم رشيد، ومعالجة الخلل البنيوي في منظومة الحكم». وأضاف: «بعد عقدين من التغيير، يمر بلدنا بظرف حساس وسط انسداد سياسي وتأخر استحقاقات دستورية عن مواعيدها المُحددة، وهو أمر غير مقبول بالمرة بعد مضي أكثر من خمسة أشهر على إجراء انتخابات مُبكرة استجابة لحراك شعبي وإجماع وطني لتكون وسيلة للإصلاح وضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي وتصحيح المسارات الخاطئة وتحسين أوضاع المواطنين والاستجابة لمطالبهم».
وجدد صالح الدعوة إلى «عقد سياسي واجتماعي ضامن للسلم الأهلي، يقوم على مراجعة موضوعية لأخطاء الماضي». لكن واقع الحال يشير إلى أن لا أحد يريد مراجعة أخطاء الماضي. فبعد شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية التي وصفت بأنها مبكرة (أبكر بشهور فقط من موعدها المبدئي)، لا يزال الشلل التام يصيب كل منظومة الحكم في العراق الذي دخل مرحلة الفراغ الدستوري.
وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قائد تحالف الأغلبية الوطنية، قد فاجأ خصومه في البيت الشيعي (الإطار التنسيقي)، حين رمى الكرة في ملعبهم بشأن ما إذا كانوا قادرين على تشكيل حكومة أغلبية وطنية بدلاً منه، أم لا. ويعرف الصدر وخصومه، بالطبع، أن المعادلة فيها اختلال كبير. وقوام هذا الاختلال أنه في الوقت الذي يملك فيه الصدر أغلبية «الثلثين المعطلين» فإن «الإطار التنسيقي» الذي يضم القوى الشيعية التي سبق لها أن رفضت نتائج الانتخابات يملك «الثلث المعطل».
وكانت المعادلة السياسية في العراق تقوم على مبدأ التوافقية التي تعني توزيع المناصب بما فيها السيادية والوزارية، وسواها طبقاً لمبدأ المحاصصة. لكن الذي حصل بعد ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة، في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، هو خروج زعيم التيار الصدري عما كان إجماعاً يحكم البيت الشيعي، حين أصر على تشكيل حكومة أغلبية وطنية ألحقها بشعاره المعروف «لا شرقية ولا غربية». إصرار الصدر على تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية يستلزم مشاركة قوى أخرى خارج البيت الشيعي الذي بات منقسماً بين طرفين: الكتلة الصدرية التي تملك 75 مقعداً في البرلمان العراقي مقابل قوى الإطار التنسيقي (تضم تحالف الفتح بزعامة هادي العامري، ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي، عطاء بزعامة فالح الفياض، السند الوطني بزعامة أحمد الأسدي)، التي تملك كلها نحو 81 مقعداً مع اختلاف كبير في حجومها داخل هذه التركيبة.
- فيتو... لا فيتو
ففي الوقت الذي حصل فيه ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، على 34 مقعداً وهو ما جعله الثاني في البيت الشيعي بعد الصدر بعد أن كان المالكي يملك 24 مقعداً في انتخابات 2018، فإن تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم الذي كان عدد مقاعده في الانتخابات الماضية 22 مقعداً لم يحصل في الانتخابات المبكرة سوى على مقعدين اثنين. وفي الوقت نفسه، فإن زعيم ائتلاف النصر حيدر العبادي الذي كان يملك أكثر من 12 مقعداً في الانتخابات السابقة، لم يحصد في الانتخابات الأخيرة إلا مقعداً واحداً. والأمر نفسه ينطبق على منظمة بدر التي يتزعمها هادي العامري ضمن تحالف الفتح الذي كان يملك 21 مقعداً، إذ لم يحصل إلا على 7 مقاعد.
فاجأت النتائج تماماً قادة هذه الأحزاب الشيعية العراقية، الأمر الذي جعلهم يرفضونها ويصفونها بأنها مزورة. وبرغم أنهم قدموا عدة طعون إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ومن ثم إلى المحكمة الاتحادية العليا بشأن ذلك، فإن النتائج جاءت مطابقة للنتائج المعلنة في البداية. كما أن المحكمة الاتحادية أقرت النتائج النهائية للانتخابات، مؤكدة بذلك أن التيار الصدري يتقدم وبفارق كبير عن أقرب منافسيه من الأحزاب والتيارات الشيعية.
وبعد إعلان النتائج، أعلن الصدر، المتصدر، برنامجه لتشكيل حكومة أغلبية وطنية خارج البيت الشيعي الذي أصبح بيتين: بيت يتزعمه مقتدى الصدر ويملك الأغلبية، وبيت بعدة رؤوس لم يعد عملياً يملك الأغلبية. وفي محاولة من الإطار التنسيقي لإجراء مفاوضات مع الصدر لتأمين الكتلة الأكبر وبقائها ضمن البيت الشيعي، فإن المفاوضات التي أجريت بين بغداد والحنانة بمدينة النجف، حيث مقر الصدر، لم تسفر عن نتيجة بسبب الفيتو الذي وضعه الصدر على نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون والخصم الرئيسي للصدر منذ ما سمي عملية «صولة الفرسان» التي قادها المالكي عام 2007 حين كان رئيساً للوزراء آنذاك ضد «جيش المهدي» الذي شكله الصدر بعد احتلال أميركا للعراق عام 2003 بهدف مقاومة الأميركيين. استمرت المفاوضات بين الطرفين واستمر فيتو الصدر على المالكي، حتى قام الصدر بنفسه برفع هذا الفيتو عبر اتصال هاتفي مفاجئ بالمالكي. وفي الوقت الذي بدا فيه أن هذا الاتصال الهاتفي مثّل بداية انفراجة داخل البيت الشيعي، فإن المفاجأة سرعان ما انتهت أو استوعبها المالكي حين عرض الصدر على المالكي القبول بابن عمه جعفر الصدر (سفير العراق الحالي لدى المملكة المتحدة) مرشحه لرئاسة الوزراء طالباً من خصومه في البيت الشيعي قبول هذا الترشيح.
- إشكالية الكتلة الأكبر
لا أحد من الشيعة يرفض من حيث المبدأ مرشحاً مثل جعفر محمد باقر الصدر لترؤس الحكومة. فالصدر الابن هو في النهاية نجل أحد أكبر مراجع الشيعة ومفكريهم في القرن العشرين، فضلاً عن كونه المؤسس والمرجع الأول لحزب الدعوة. لكنه في ظل بناء نمط جديد من التحالفات، فإن المشكلة التي واجهت الجميع هي الكتلة الأكثر عدداً التي تملك حق تكليف رئيس وزراء لتشكيل الحكومة. وطبقاً لما تسرب من معلومات حول المكالمة الهاتفية بين الصدر والمالكي، أبلغ الأخير الصدر بأنه لا يوجد اعتراض من حيث المبدأ على شخصية جعفر الصدر، لكن السؤال يتعلق بكيف يمكن تقديمه لرئاسة الوزراء طالما أن الأمر مرهون بالكتلة الأكبر التي تقدمه. وهنا تساءل المالكي: هل يقدم جعفر الصدر من قبل كتلة شيعية أكبر تمثل التيار الصدري والإطار التنسيقي؟ أم يقدم من قبل كتلة الصدر التي تضم تحالف السيادة السنّي بزعامة محمد الحلبوسي والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني؟ عند هذا الحد، انتهت المكالمة الهاتفية وعادت الأمور بين التيار الصدري والإطار التنسيقي إلى المربع الأول. فالصدر بقي مصراً على أن تقدم كتلته (تحالف إنقاذ وطن) المكلف بتشكيل الحكومة، بينما رأى الإطار التنسيقي أنه في حال تم اللجوء إلى هذا الخيار فإن المكون الشيعي الذي يملك أغلبية السكان والبرلمان سيتحول إلى أقلية للمرة الأولى منذ عام 2003.
- عقدة الرئيس
طوال الدورات البرلمانية الأربع الماضية، لم يكن منصب رئيس الجمهورية عقدة بحد ذاته، إذ إن المناصب السيادية العليا (الرئاسات الثلاث) توزع عرفاً على المكونات (رئاسة الجمهورية للكرد، رئاسة البرلمان للعرب السنة، رئاسة الوزراء للشيعة). وطالما أن الحزبين الكرديين الرئيسيين في إقليم كردستان (الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل طالباني) كانا متفقين على تقسيم المناصب بينهما بين بغداد وأربيل، فإنه لم تكن هناك مشكلة في منصب رئيس الجمهورية. حتى عندما حصلت المشكلة المعروفة بين الحزبين عام 2018 ودخلا البرلمان بمرشحين اثنين، فإن الفضاء الوطني داخل البرلمان هو الذي حسم الموقف حين تم انتخاب الرئيس الحالي برهم صالح بأغلبية كبيرة ضد خصمه مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني فؤاد حسين وزير الخارجية الحالي.
وتكررت مشكلة الحزبين الآن، ولكن في ظل ظروف مختلفة قوامها تغيير نمط التحالفات. فالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني انضم إلى التحالف الثلاثي بزعامة مقتدى الصدر. كما انضم إلى هذا التحالف تحالف السيادة السني. وطالما أن منصب رئيس الجمهورية، طبقاً للدستور العراقي، يحتاج أغلبية الثلثين الذي تم تكريسه عبر التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية العليا التي اشترطت أن تكون أغلبية الثلثين قائمة عبر كلتا الجولتين، فإن منصب رئيس الجمهورية تحوّل إلى العقدة الكبرى الآن بسبب النص الدستوري وتفسير الاتحادية. ففي هذه الحالة، فإن تحالف الصدر الثلاثي لا يملك أغلبية الثلثين اللازمة لانتخاب مرشحه لرئاسة الجمهورية وهو مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبر أحمد. وريبر أحمد جاء ترشيحه من قبل الحزب الديمقراطي بعد إقصاء المرشح السابق وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري من قبل المحكمة الاتحادية العليا. وقد حصلت إشكاليات تتعلق بفتح باب الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بعد نهاية المهلة الدستورية للترشح، ذلك أن الديمقراطي الكردستاني، بعد إقصاء زيباري، كان يواجه خطر الحرمان من الترشح لهذا المنصب، وهو ما يعني فتح الطريق أمام مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني الرئيس الحالي برهم صالح لمنصب رئيس الجمهورية. وقد قبلت المحكمة الاتحادية العليا الطعن الذي قدمه أحد نواب البرلمان العراقي بشأن عدم دستورية فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية للمرة الثانية بعد إقصاء المرشح السابق للحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري. وبينما بدا موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني في غاية الصعوبة نظراً لغموض مصير مرشحه البديل ريبر أحمد البارزاني وزير داخلية إقليم كردستان، فقد اتخذت المحكمة الاتحادية قراراً بدا بمثابة حل وسط مثّل حبل إنقاذ للديمقراطي الكردستاني. فبعد أن اتخذت رئاسة البرلمان قراراً بفتح باب الترشيح لمدة ثلاثة أيام بهدف إتاحة الفرصة للديمقراطي الكردستاني ترشيح بديل لزيباري، فإن المحكمة الاتحادية التي طعنت بهذا القرار منحت في الوقت نفسه البرلمان، بالأغلبية البسيطة وليس نتيجة قرار من رئاسة البرلمان، الحق في إعادة فتح باب الترشيح لمرة واحدة وأخيرة. ونظراً لامتلاك كل من التحالفين («الثلاثي» و«الإطار التنسيقي») ما بات يسمى «الثلث المعطل»، فقد بدا من الصعوبة المضي ببقية الاستحقاقات الدستورية التي تتمثل بانتخاب رئيس جديد للجمهورية ومن ثم تحديد ما هي الكتلة الأكبر التي ستختار مكلفاً بتشكيل الحكومة.
- انغلاق أم انسداد سياسي؟
في هذه الأثناء، زاد المشهد تعقيداً بعد إخفاق البرلمان في انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإخفاق الأكراد في الاتفاق على مرشح متفق عليه بينهم. في كل الأزمات السياسية السابقة، كانت الأطراف المتنازعة تخرج من عنق الزجاجة في الوقت بدل الضائع ونتيجة ضغط إقليمي في الغالب من إيران، وكان كل واحد منها يخرج وهو راضٍ بالغنيمة التي حصل عليها وبالحصص الوزارية التي نالها. لكن الأمر اختلف في هذه الانتخابات، حيث وصل المشهد السياسي إلى ما بات يصنف على أنه «انسداد سياسي» كامل.
حاول الزعيم الكردي مسعود بارزاني أن يفتح كوة في جدار الانغلاق السياسي حين أطلق مبادرة تهدف إلى إقناع الصدر برفع الفيتو عن المالكي، قبل اتصال الصدر بالمالكي فيما بعد. كان الهدف من مبادرة بارزاني التي لم يتعامل معها الصدر، برغم أن بارزاني حليفه، محاولة لحلحلة الأزمة بين التيار الصدر والإطار التنسيقي. وطبقاً لما بدا مشهداً جديداً في العملية السياسية في العراق بعد عام 2003، فإن المتغير الرئيسي هو أن الصدر دخل بنفسه وبكل ثقله بهدف تغيير المعادلات السياسية. وطبقاً لما أبلغ به «الشرق الأوسط» سياسي قريب من الكواليس، فإن الصدر ألغى دور «العراب» الذي كان يقوم في الماضي بترتيب الأمور، ومن ثم يتم التوافق بين الجميع بصرف النظر عما إذا كان هذا العرّاب خارجياً أم داخلياً، بحيث بات اليوم هو الذي يتصرف ويفاوض، بدليل مجيئه إلى بغداد أكثر من مرة واتصالاته الهاتفية من الأطراف السياسية المختلفة. ورداً على سؤال بشأن رفع فيتو الصدر عن المالكي، يقول هذا السياسي إن «هناك أموراً كثيرة حصلت خلال الفترة الأخيرة من بينها تراجع العلاقة بين الصدريين والحزب الديمقراطي الكردستاني، التي تكاد تكون وصلت إلى حافة حرجة، لا سيما بعد قرارات المحكمة الاتحادية وعدم اعتراف السيد بارزاني وحكومة الإقليم بقراراتها»، مضيفاً أن «الأمر نفسه انسحب على الموقف من تحالف السيادة، خصوصاً أن الصدر انزعج كثيراً من الصورة التي جمعت زعيمي تحالف السيادة الحلبوسي وخميس الخنجر مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بحضور مدير مخابراته». ويمضي المصدر السياسي بالقول إنه «بعد هذه الأمور، بالإضافة إلى تصاعد النقمة الشعبية بعد ارتفاع الأسعار وتأخير تشكيل الحكومة نتيجة للفشل في انتخاب رئيس للجمهورية، قرر الصدر قلب المعادلة على الجميع وإعادة بناء التحالفات».
مع ذلك، بقي الانسداد السياسي قائماً، لا سيما مع الفشل المستمر في انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وفي هذا السياق، أكد قيادي في «الإطار التنسيقي» لـ«الشرق الأوسط»، أن «مواقف الصدر لم تعد واضحة بالنسبة لهم قدر وضوحها بالنسبة لشركائه في التحالف الثلاثي»، مبيناً أنه «في الوقت الذي يحترم فيه الصدر تعهداته مع الأكراد والسنة إلى الحد الذي وصل فيه الأمر حد إعلان الدفاع عنهم بدعوى تعرضهم إلى تهديدات، فإنه اعتمد سياسة غير واضحة مع من يفترض أنهم الركن الآخر في البيت الشيعي حتى بافتراض وجود مشاكل داخل هذا البيت». وأضاف أن «الشروط التي طرحها الصدر لمفهوم الأغلبية الوطنية بدت موجهة ضد الأطراف الشيعية، وأولهم زعيم دولة القانون نوري المالكي، بينما لم يضع أي شرط لمشاركة الآخرين، لا سيما الأكراد والسنة بشأن ما يتبناه على صعيد حكومة الأغلبية الوطنية».
ويتضح مما يراه هذا القيادي في «الإطار التنسيقي» أن أزمة الثقة لا تزال عميقة بين الطرفين، حتى بعد اتصال الصدر بالمالكي. فالمعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أكثر من مصدر تفيد بأن «هناك انزعاجاً من وجود قادة سنّة ضمن اجتماع لبحث الأزمة داخل البيت الشيعي في حين لم يتدخل الشيعة في الحوارات بل والسجالات التي كانت تدور بين القادة السنّة والتي لم تحسم الإ خارج العراق، ومن قبل الرئيس التركي تحديداً». وترى مصادر مطلعة أن «الاجتماع كان منذ البداية غير محدد بمناقشة الأزمة داخل البيت الشيعي، خصوصاً بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، إنما كان بهدف مناقشة مفهوم حكومة الأغلبية الوطنية بين التحالف الثلاثي بحضور الصدر وتحالف السيادة بغياب الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي لا أحد يعرف لماذا لم تتم دعوة ممثل عنه لحضور هذا الاجتماع».

أحد مؤيدي مقتدى الصدر في مدينة الصدر شرق بغداد (أ.ف.ب)

- الصواريخ على خط الأزمة
> على الرغم من الجهود التي حاول القيام بها قائد «فيلق القدس» بـ«الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قآني، على صعيد إمكانية حلحلة الأزمة داخل البيت الشيعي، حتى لو أدى ذلك إلى الضغط على حلفاء الصدر من الأكراد والسنة، فمن الواضح أن تلك الجهود باءت بالفشل. وفي هذه الأثناء، دخلت الصواريخ على خط الأزمة من أوسع أبوابها، عندما قصفت إيران ما قالت إنه موقع لـ«الموساد» الإسرائيلي في أربيل. وقد بلغ تبادل الأدوار بين إيران وأذرعها في العراق أوجه مؤخراً. فإيران «الحرس الثوري» أعلنت ضرب أربيل بـ12 صاروخاً باليستياً بدعوى وجود مقر للاستخبارات الإسرائيلية هناك. وبينما أعلنت إيران أنها يمكن أن تواصل قصف مواقع جديدة في إقليم كردستان تنطلق منها هجمات تستهدف إيران، فإن فصيلاً مجهولاً لم يعلن عن نفسه كالعادة أمطر قاعدة بلد الجوية بأربعة صواريخ كاتيوشا، بحجة وجود جنود أميركيين داخل هذه القاعدة التي تضم طائرات «إف 16» حصل عليها العراق من الولايات المتحدة.
لم تغيّر الصواريخ في المعادلة كثيراً، كما أنها لم تجعل الصدر يعيد حساباته. لكن القوى السياسية العراقية أدركت مجتمعة، كما يبدو، أنها وصلت إلى طريق مسدودة بشأن إمكانية التوصل إلى حل لأزمة انتخاب رئيس الجمهورية. ولم يعد أمام الصدر سوى أن يعيد رمي الكرة في مرمى خصومه في البيت الشيعي، حين منحهم فرصة تشكيل الحكومة خلال فترة أربعين يوماً تبدأ من اليوم الأول من شهر رمضان وتنتهي في التاسع من شوال، طالما هم يملكون الثلث بينما هو يملك الثلثين. وبين الثلث والثلثين تبقى الأنظار متجهة الآن نحو ما يمكن أن تقوله المحكمة الاتحادية العليا بعد تجاوز كل المدد الدستورية التي منحتها لانتخاب رئيس الجمهورية.



هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.