شلل تام يصيب منظومة الحكم في العراق بعد 19 عاماً من سقوط صدام

صراعات داخل البيت الشيعي وخلافات كردية - كردية

العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)
العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)
TT

شلل تام يصيب منظومة الحكم في العراق بعد 19 عاماً من سقوط صدام

العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)
العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)

في ذكرى سقوط بغداد بأيدي الجنود الأميركيين، عام 2003، يبدو العراق غارقاً اليوم في انسداد سياسي تام، في ظل عجز مكوناته السياسية المختلفة على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وكذلك فشلها في الاتفاق على من هو الطرف الذي يشكل الغالبية النيابية التي تسمح له بتحديد الشخصية التي ستوكل لها مهمة تشكيل الحكومة الجديدة خلفاً لحكومة مصطفى الكاظمي الحالية.
كيف تبدو العلاقة بين الأطراف المتصارعة داخل البيت الشيعي؟ ما مصير مهلة الأربعين يوماً التي منحها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لخصومه الشيعة في الإطار التنسيقي لتشكيل الحكومة الجديدة؟ ما وضع الخلاف بين الأكراد أنفسهم على منصب رئيس الجمهورية؟ هذه جولة على تطورات المشهد السياسي العراقي في ذكرى سقوط النظام السابق...
لم تنجح منظومة الحكم السياسية في العراق، بعد مرور 19 عاماً على سقوط نظام صدام حسين على أيدي الأميركيين، في الاتفاق على عقد سياسي جديد. قال ذلك صراحة الرئيس العراقي برهم صالح في الذكرى التاسعة عشرة لسقوط بغداد، محذراً من استمرار الأزمة السياسية الحالية التي تمر بها البلاد بعد نحو 6 شهور على إجراء الانتخابات النيابية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
قال صالح، وهو أحد 40 مرشحاً يتنافسون على منصب رئيس الجمهورية، في بيان بمناسبة ذكرى سقوط نظام صدام: «في يوم سقوط صنم الاستبداد، الحاجة مُلحة لتلبية مطلب العراقيين بحكم رشيد، ومعالجة الخلل البنيوي في منظومة الحكم». وأضاف: «بعد عقدين من التغيير، يمر بلدنا بظرف حساس وسط انسداد سياسي وتأخر استحقاقات دستورية عن مواعيدها المُحددة، وهو أمر غير مقبول بالمرة بعد مضي أكثر من خمسة أشهر على إجراء انتخابات مُبكرة استجابة لحراك شعبي وإجماع وطني لتكون وسيلة للإصلاح وضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي وتصحيح المسارات الخاطئة وتحسين أوضاع المواطنين والاستجابة لمطالبهم».
وجدد صالح الدعوة إلى «عقد سياسي واجتماعي ضامن للسلم الأهلي، يقوم على مراجعة موضوعية لأخطاء الماضي». لكن واقع الحال يشير إلى أن لا أحد يريد مراجعة أخطاء الماضي. فبعد شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية التي وصفت بأنها مبكرة (أبكر بشهور فقط من موعدها المبدئي)، لا يزال الشلل التام يصيب كل منظومة الحكم في العراق الذي دخل مرحلة الفراغ الدستوري.
وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قائد تحالف الأغلبية الوطنية، قد فاجأ خصومه في البيت الشيعي (الإطار التنسيقي)، حين رمى الكرة في ملعبهم بشأن ما إذا كانوا قادرين على تشكيل حكومة أغلبية وطنية بدلاً منه، أم لا. ويعرف الصدر وخصومه، بالطبع، أن المعادلة فيها اختلال كبير. وقوام هذا الاختلال أنه في الوقت الذي يملك فيه الصدر أغلبية «الثلثين المعطلين» فإن «الإطار التنسيقي» الذي يضم القوى الشيعية التي سبق لها أن رفضت نتائج الانتخابات يملك «الثلث المعطل».
وكانت المعادلة السياسية في العراق تقوم على مبدأ التوافقية التي تعني توزيع المناصب بما فيها السيادية والوزارية، وسواها طبقاً لمبدأ المحاصصة. لكن الذي حصل بعد ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة، في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، هو خروج زعيم التيار الصدري عما كان إجماعاً يحكم البيت الشيعي، حين أصر على تشكيل حكومة أغلبية وطنية ألحقها بشعاره المعروف «لا شرقية ولا غربية». إصرار الصدر على تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية يستلزم مشاركة قوى أخرى خارج البيت الشيعي الذي بات منقسماً بين طرفين: الكتلة الصدرية التي تملك 75 مقعداً في البرلمان العراقي مقابل قوى الإطار التنسيقي (تضم تحالف الفتح بزعامة هادي العامري، ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي، عطاء بزعامة فالح الفياض، السند الوطني بزعامة أحمد الأسدي)، التي تملك كلها نحو 81 مقعداً مع اختلاف كبير في حجومها داخل هذه التركيبة.
- فيتو... لا فيتو
ففي الوقت الذي حصل فيه ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، على 34 مقعداً وهو ما جعله الثاني في البيت الشيعي بعد الصدر بعد أن كان المالكي يملك 24 مقعداً في انتخابات 2018، فإن تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم الذي كان عدد مقاعده في الانتخابات الماضية 22 مقعداً لم يحصل في الانتخابات المبكرة سوى على مقعدين اثنين. وفي الوقت نفسه، فإن زعيم ائتلاف النصر حيدر العبادي الذي كان يملك أكثر من 12 مقعداً في الانتخابات السابقة، لم يحصد في الانتخابات الأخيرة إلا مقعداً واحداً. والأمر نفسه ينطبق على منظمة بدر التي يتزعمها هادي العامري ضمن تحالف الفتح الذي كان يملك 21 مقعداً، إذ لم يحصل إلا على 7 مقاعد.
فاجأت النتائج تماماً قادة هذه الأحزاب الشيعية العراقية، الأمر الذي جعلهم يرفضونها ويصفونها بأنها مزورة. وبرغم أنهم قدموا عدة طعون إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ومن ثم إلى المحكمة الاتحادية العليا بشأن ذلك، فإن النتائج جاءت مطابقة للنتائج المعلنة في البداية. كما أن المحكمة الاتحادية أقرت النتائج النهائية للانتخابات، مؤكدة بذلك أن التيار الصدري يتقدم وبفارق كبير عن أقرب منافسيه من الأحزاب والتيارات الشيعية.
وبعد إعلان النتائج، أعلن الصدر، المتصدر، برنامجه لتشكيل حكومة أغلبية وطنية خارج البيت الشيعي الذي أصبح بيتين: بيت يتزعمه مقتدى الصدر ويملك الأغلبية، وبيت بعدة رؤوس لم يعد عملياً يملك الأغلبية. وفي محاولة من الإطار التنسيقي لإجراء مفاوضات مع الصدر لتأمين الكتلة الأكبر وبقائها ضمن البيت الشيعي، فإن المفاوضات التي أجريت بين بغداد والحنانة بمدينة النجف، حيث مقر الصدر، لم تسفر عن نتيجة بسبب الفيتو الذي وضعه الصدر على نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون والخصم الرئيسي للصدر منذ ما سمي عملية «صولة الفرسان» التي قادها المالكي عام 2007 حين كان رئيساً للوزراء آنذاك ضد «جيش المهدي» الذي شكله الصدر بعد احتلال أميركا للعراق عام 2003 بهدف مقاومة الأميركيين. استمرت المفاوضات بين الطرفين واستمر فيتو الصدر على المالكي، حتى قام الصدر بنفسه برفع هذا الفيتو عبر اتصال هاتفي مفاجئ بالمالكي. وفي الوقت الذي بدا فيه أن هذا الاتصال الهاتفي مثّل بداية انفراجة داخل البيت الشيعي، فإن المفاجأة سرعان ما انتهت أو استوعبها المالكي حين عرض الصدر على المالكي القبول بابن عمه جعفر الصدر (سفير العراق الحالي لدى المملكة المتحدة) مرشحه لرئاسة الوزراء طالباً من خصومه في البيت الشيعي قبول هذا الترشيح.
- إشكالية الكتلة الأكبر
لا أحد من الشيعة يرفض من حيث المبدأ مرشحاً مثل جعفر محمد باقر الصدر لترؤس الحكومة. فالصدر الابن هو في النهاية نجل أحد أكبر مراجع الشيعة ومفكريهم في القرن العشرين، فضلاً عن كونه المؤسس والمرجع الأول لحزب الدعوة. لكنه في ظل بناء نمط جديد من التحالفات، فإن المشكلة التي واجهت الجميع هي الكتلة الأكثر عدداً التي تملك حق تكليف رئيس وزراء لتشكيل الحكومة. وطبقاً لما تسرب من معلومات حول المكالمة الهاتفية بين الصدر والمالكي، أبلغ الأخير الصدر بأنه لا يوجد اعتراض من حيث المبدأ على شخصية جعفر الصدر، لكن السؤال يتعلق بكيف يمكن تقديمه لرئاسة الوزراء طالما أن الأمر مرهون بالكتلة الأكبر التي تقدمه. وهنا تساءل المالكي: هل يقدم جعفر الصدر من قبل كتلة شيعية أكبر تمثل التيار الصدري والإطار التنسيقي؟ أم يقدم من قبل كتلة الصدر التي تضم تحالف السيادة السنّي بزعامة محمد الحلبوسي والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني؟ عند هذا الحد، انتهت المكالمة الهاتفية وعادت الأمور بين التيار الصدري والإطار التنسيقي إلى المربع الأول. فالصدر بقي مصراً على أن تقدم كتلته (تحالف إنقاذ وطن) المكلف بتشكيل الحكومة، بينما رأى الإطار التنسيقي أنه في حال تم اللجوء إلى هذا الخيار فإن المكون الشيعي الذي يملك أغلبية السكان والبرلمان سيتحول إلى أقلية للمرة الأولى منذ عام 2003.
- عقدة الرئيس
طوال الدورات البرلمانية الأربع الماضية، لم يكن منصب رئيس الجمهورية عقدة بحد ذاته، إذ إن المناصب السيادية العليا (الرئاسات الثلاث) توزع عرفاً على المكونات (رئاسة الجمهورية للكرد، رئاسة البرلمان للعرب السنة، رئاسة الوزراء للشيعة). وطالما أن الحزبين الكرديين الرئيسيين في إقليم كردستان (الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل طالباني) كانا متفقين على تقسيم المناصب بينهما بين بغداد وأربيل، فإنه لم تكن هناك مشكلة في منصب رئيس الجمهورية. حتى عندما حصلت المشكلة المعروفة بين الحزبين عام 2018 ودخلا البرلمان بمرشحين اثنين، فإن الفضاء الوطني داخل البرلمان هو الذي حسم الموقف حين تم انتخاب الرئيس الحالي برهم صالح بأغلبية كبيرة ضد خصمه مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني فؤاد حسين وزير الخارجية الحالي.
وتكررت مشكلة الحزبين الآن، ولكن في ظل ظروف مختلفة قوامها تغيير نمط التحالفات. فالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني انضم إلى التحالف الثلاثي بزعامة مقتدى الصدر. كما انضم إلى هذا التحالف تحالف السيادة السني. وطالما أن منصب رئيس الجمهورية، طبقاً للدستور العراقي، يحتاج أغلبية الثلثين الذي تم تكريسه عبر التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية العليا التي اشترطت أن تكون أغلبية الثلثين قائمة عبر كلتا الجولتين، فإن منصب رئيس الجمهورية تحوّل إلى العقدة الكبرى الآن بسبب النص الدستوري وتفسير الاتحادية. ففي هذه الحالة، فإن تحالف الصدر الثلاثي لا يملك أغلبية الثلثين اللازمة لانتخاب مرشحه لرئاسة الجمهورية وهو مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبر أحمد. وريبر أحمد جاء ترشيحه من قبل الحزب الديمقراطي بعد إقصاء المرشح السابق وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري من قبل المحكمة الاتحادية العليا. وقد حصلت إشكاليات تتعلق بفتح باب الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بعد نهاية المهلة الدستورية للترشح، ذلك أن الديمقراطي الكردستاني، بعد إقصاء زيباري، كان يواجه خطر الحرمان من الترشح لهذا المنصب، وهو ما يعني فتح الطريق أمام مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني الرئيس الحالي برهم صالح لمنصب رئيس الجمهورية. وقد قبلت المحكمة الاتحادية العليا الطعن الذي قدمه أحد نواب البرلمان العراقي بشأن عدم دستورية فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية للمرة الثانية بعد إقصاء المرشح السابق للحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري. وبينما بدا موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني في غاية الصعوبة نظراً لغموض مصير مرشحه البديل ريبر أحمد البارزاني وزير داخلية إقليم كردستان، فقد اتخذت المحكمة الاتحادية قراراً بدا بمثابة حل وسط مثّل حبل إنقاذ للديمقراطي الكردستاني. فبعد أن اتخذت رئاسة البرلمان قراراً بفتح باب الترشيح لمدة ثلاثة أيام بهدف إتاحة الفرصة للديمقراطي الكردستاني ترشيح بديل لزيباري، فإن المحكمة الاتحادية التي طعنت بهذا القرار منحت في الوقت نفسه البرلمان، بالأغلبية البسيطة وليس نتيجة قرار من رئاسة البرلمان، الحق في إعادة فتح باب الترشيح لمرة واحدة وأخيرة. ونظراً لامتلاك كل من التحالفين («الثلاثي» و«الإطار التنسيقي») ما بات يسمى «الثلث المعطل»، فقد بدا من الصعوبة المضي ببقية الاستحقاقات الدستورية التي تتمثل بانتخاب رئيس جديد للجمهورية ومن ثم تحديد ما هي الكتلة الأكبر التي ستختار مكلفاً بتشكيل الحكومة.
- انغلاق أم انسداد سياسي؟
في هذه الأثناء، زاد المشهد تعقيداً بعد إخفاق البرلمان في انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإخفاق الأكراد في الاتفاق على مرشح متفق عليه بينهم. في كل الأزمات السياسية السابقة، كانت الأطراف المتنازعة تخرج من عنق الزجاجة في الوقت بدل الضائع ونتيجة ضغط إقليمي في الغالب من إيران، وكان كل واحد منها يخرج وهو راضٍ بالغنيمة التي حصل عليها وبالحصص الوزارية التي نالها. لكن الأمر اختلف في هذه الانتخابات، حيث وصل المشهد السياسي إلى ما بات يصنف على أنه «انسداد سياسي» كامل.
حاول الزعيم الكردي مسعود بارزاني أن يفتح كوة في جدار الانغلاق السياسي حين أطلق مبادرة تهدف إلى إقناع الصدر برفع الفيتو عن المالكي، قبل اتصال الصدر بالمالكي فيما بعد. كان الهدف من مبادرة بارزاني التي لم يتعامل معها الصدر، برغم أن بارزاني حليفه، محاولة لحلحلة الأزمة بين التيار الصدر والإطار التنسيقي. وطبقاً لما بدا مشهداً جديداً في العملية السياسية في العراق بعد عام 2003، فإن المتغير الرئيسي هو أن الصدر دخل بنفسه وبكل ثقله بهدف تغيير المعادلات السياسية. وطبقاً لما أبلغ به «الشرق الأوسط» سياسي قريب من الكواليس، فإن الصدر ألغى دور «العراب» الذي كان يقوم في الماضي بترتيب الأمور، ومن ثم يتم التوافق بين الجميع بصرف النظر عما إذا كان هذا العرّاب خارجياً أم داخلياً، بحيث بات اليوم هو الذي يتصرف ويفاوض، بدليل مجيئه إلى بغداد أكثر من مرة واتصالاته الهاتفية من الأطراف السياسية المختلفة. ورداً على سؤال بشأن رفع فيتو الصدر عن المالكي، يقول هذا السياسي إن «هناك أموراً كثيرة حصلت خلال الفترة الأخيرة من بينها تراجع العلاقة بين الصدريين والحزب الديمقراطي الكردستاني، التي تكاد تكون وصلت إلى حافة حرجة، لا سيما بعد قرارات المحكمة الاتحادية وعدم اعتراف السيد بارزاني وحكومة الإقليم بقراراتها»، مضيفاً أن «الأمر نفسه انسحب على الموقف من تحالف السيادة، خصوصاً أن الصدر انزعج كثيراً من الصورة التي جمعت زعيمي تحالف السيادة الحلبوسي وخميس الخنجر مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بحضور مدير مخابراته». ويمضي المصدر السياسي بالقول إنه «بعد هذه الأمور، بالإضافة إلى تصاعد النقمة الشعبية بعد ارتفاع الأسعار وتأخير تشكيل الحكومة نتيجة للفشل في انتخاب رئيس للجمهورية، قرر الصدر قلب المعادلة على الجميع وإعادة بناء التحالفات».
مع ذلك، بقي الانسداد السياسي قائماً، لا سيما مع الفشل المستمر في انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وفي هذا السياق، أكد قيادي في «الإطار التنسيقي» لـ«الشرق الأوسط»، أن «مواقف الصدر لم تعد واضحة بالنسبة لهم قدر وضوحها بالنسبة لشركائه في التحالف الثلاثي»، مبيناً أنه «في الوقت الذي يحترم فيه الصدر تعهداته مع الأكراد والسنة إلى الحد الذي وصل فيه الأمر حد إعلان الدفاع عنهم بدعوى تعرضهم إلى تهديدات، فإنه اعتمد سياسة غير واضحة مع من يفترض أنهم الركن الآخر في البيت الشيعي حتى بافتراض وجود مشاكل داخل هذا البيت». وأضاف أن «الشروط التي طرحها الصدر لمفهوم الأغلبية الوطنية بدت موجهة ضد الأطراف الشيعية، وأولهم زعيم دولة القانون نوري المالكي، بينما لم يضع أي شرط لمشاركة الآخرين، لا سيما الأكراد والسنة بشأن ما يتبناه على صعيد حكومة الأغلبية الوطنية».
ويتضح مما يراه هذا القيادي في «الإطار التنسيقي» أن أزمة الثقة لا تزال عميقة بين الطرفين، حتى بعد اتصال الصدر بالمالكي. فالمعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أكثر من مصدر تفيد بأن «هناك انزعاجاً من وجود قادة سنّة ضمن اجتماع لبحث الأزمة داخل البيت الشيعي في حين لم يتدخل الشيعة في الحوارات بل والسجالات التي كانت تدور بين القادة السنّة والتي لم تحسم الإ خارج العراق، ومن قبل الرئيس التركي تحديداً». وترى مصادر مطلعة أن «الاجتماع كان منذ البداية غير محدد بمناقشة الأزمة داخل البيت الشيعي، خصوصاً بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، إنما كان بهدف مناقشة مفهوم حكومة الأغلبية الوطنية بين التحالف الثلاثي بحضور الصدر وتحالف السيادة بغياب الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي لا أحد يعرف لماذا لم تتم دعوة ممثل عنه لحضور هذا الاجتماع».

أحد مؤيدي مقتدى الصدر في مدينة الصدر شرق بغداد (أ.ف.ب)

- الصواريخ على خط الأزمة
> على الرغم من الجهود التي حاول القيام بها قائد «فيلق القدس» بـ«الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قآني، على صعيد إمكانية حلحلة الأزمة داخل البيت الشيعي، حتى لو أدى ذلك إلى الضغط على حلفاء الصدر من الأكراد والسنة، فمن الواضح أن تلك الجهود باءت بالفشل. وفي هذه الأثناء، دخلت الصواريخ على خط الأزمة من أوسع أبوابها، عندما قصفت إيران ما قالت إنه موقع لـ«الموساد» الإسرائيلي في أربيل. وقد بلغ تبادل الأدوار بين إيران وأذرعها في العراق أوجه مؤخراً. فإيران «الحرس الثوري» أعلنت ضرب أربيل بـ12 صاروخاً باليستياً بدعوى وجود مقر للاستخبارات الإسرائيلية هناك. وبينما أعلنت إيران أنها يمكن أن تواصل قصف مواقع جديدة في إقليم كردستان تنطلق منها هجمات تستهدف إيران، فإن فصيلاً مجهولاً لم يعلن عن نفسه كالعادة أمطر قاعدة بلد الجوية بأربعة صواريخ كاتيوشا، بحجة وجود جنود أميركيين داخل هذه القاعدة التي تضم طائرات «إف 16» حصل عليها العراق من الولايات المتحدة.
لم تغيّر الصواريخ في المعادلة كثيراً، كما أنها لم تجعل الصدر يعيد حساباته. لكن القوى السياسية العراقية أدركت مجتمعة، كما يبدو، أنها وصلت إلى طريق مسدودة بشأن إمكانية التوصل إلى حل لأزمة انتخاب رئيس الجمهورية. ولم يعد أمام الصدر سوى أن يعيد رمي الكرة في مرمى خصومه في البيت الشيعي، حين منحهم فرصة تشكيل الحكومة خلال فترة أربعين يوماً تبدأ من اليوم الأول من شهر رمضان وتنتهي في التاسع من شوال، طالما هم يملكون الثلث بينما هو يملك الثلثين. وبين الثلث والثلثين تبقى الأنظار متجهة الآن نحو ما يمكن أن تقوله المحكمة الاتحادية العليا بعد تجاوز كل المدد الدستورية التي منحتها لانتخاب رئيس الجمهورية.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».