فنلندا والسويد تتأهبان للانضمام إلى «الناتو»... وروسيا تحذر

الحرب على أوكرانيا أحدثت تحولاً عميقاً في أوساط الرأي العام بالبلدين

رئيسة وزراء فنلندا (يسار) أثناء استقبالها نظيرتها السويدية الشهر الماضي (د.ب.أ)
رئيسة وزراء فنلندا (يسار) أثناء استقبالها نظيرتها السويدية الشهر الماضي (د.ب.أ)
TT

فنلندا والسويد تتأهبان للانضمام إلى «الناتو»... وروسيا تحذر

رئيسة وزراء فنلندا (يسار) أثناء استقبالها نظيرتها السويدية الشهر الماضي (د.ب.أ)
رئيسة وزراء فنلندا (يسار) أثناء استقبالها نظيرتها السويدية الشهر الماضي (د.ب.أ)

كل المؤشرات تشي بأن الرئيس الروسي سيحقق على الأقل أحد أهداف الحرب التي أطلقها ضد أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الفائت، وهو فرض حالة الحياد عليها ومنعها من الانضمام إلى الحلف الأطلسي الذي يضم حالياً ثلاثين دولة. إلا أنه من الواضح أن الثمن الذي سيدفعه سيكون مرتفعاً للغاية، ليس فقط على صعيد الخسائر البشرية والعزلة الدبلوماسية والسياسية والعقوبات الاقتصادية وإنهاك روسيا في جميع المجالات، بل أيضاً في رؤية دول أخرى تنضم سريعاً إلى الحلف المذكور. وما سيكون فلاديمير بوتين قد كسبه من ناحية سيكون قد خسره من ناحية أخرى. كان يريد إبعاد النادي الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية عن حدود بلاده الغربية والنتيجة المرجحة جداً أن الأطلسيين سينتشرون بمواجهة الحدود الروسية على مسافة بطول 1340 كلم هي طول الحدود المشتركة بين روسيا وفنلندا. ولن تتوقف الأمور عند هذا الحد بل إن السويد التي كانت في وضعية الحياد العسكري منذ 200 عام ترنو بدورها نحو الحلف بحيث سيحيط عندها بروسيا من الشمال الغربي والغرب بدءاً من النرويج، العضو المؤسس، نزولاً إلى فنلندا ثم دول البلطيق الثلاثة «أستونيا ولتفيا وليتوانيا» وانتهاء برومانيا وبلغاريا المطلتين على البحر الأسود ولكن من غير حدود مشتركة مع روسيا.
- طلب مشترك
أول من أمس، كانت رئيسة وزراء فنلندا سانا مارين في زيارة رسمية إلى السويد حيث التقت نظيرتها ماغدالينا أندرسون. وأحد أهداف اللقاء كان البحث في ملف الانضمام إلى الأطلسي مع رغبة واضحة في تقديم طلب مشترك. وتشير جميع المؤشرات إلى أن طلباً كهذا لن يلقى معارضة جدية من أعضاء الحلف خصوصاً بعد الحرب الأوكرانية. وبما أن قرارات قبول الأعضاء الجدد يجب أن تحظى بالإجماع، فإن التخوف الوحيد مصدره أن تعارض المجر التي يقيم رئيس وزرائها فيكتور أوربان، علاقات قوية مع روسيا، رغبة الدولتين المذكورتين. إلا أن أوساط الحلف في بروكسل أفادت بأن أمراً كهذا مستبعد، وأن أوراق الضغط على بودابست أميركياً وأطلسياً قوية ومتوافرة وبالتالي فإن الانضمام سيكون ميسراً.
في المؤتمر الصحافي المشترك بين رئيستي وزراء فنلندا والسويد، أعلنت الأولى أن مسألة الانضمام «سيتم درسها بعناية». لكنها أضافت أن الحرب على أوكرانيا «أحدثت تغيراً جذرياً في الموضوع الأمني» لتخلص إلى القول إن القرار النهائي «سيتم اتخاذه في الأسابيع القادمة». وفي مقابلة مع قناة تلفزيونية محلية، أعلن الرئيس الفنلندي سولي نينيستو أن القرار «سيتم اتخاذه قبل انعقاد القمة الأطلسية المقررة نهاية يونيو (حزيران) في مدريد». إلا أنه أردف قائلاً إن للحلف الأطلسي «وسائل أخرى للرد» «بمعنى غير القمة» إذا أبدت دولة الرغبة في الالتحاق به.
- تحضير الأرضية
حقيقة الأمر أن فنلندا التي كانت تابعة لروسيا حتى عام 1917 حيث حصلت على استقلالها بعد ما يسمى «حرب الشتاء» التي أظهرت قدرة الفنلنديين على مقاومة المحتل. إلا أنه مجدداً وبعد حرب دامت أربع سنوات، فرضت موسكو على هلسنكي بالقوة حالة الحياد التي دامت طيلة الحرب الباردة ولم تتحرر منها فنلندا إلا مع سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه. وفي عام 1990، أصبحت هلسنكي «شريكاً» للحلف وليس عضواً فيه وهو حال استوكهولم وكلا البلدين عضو في الاتحاد الأوروبي. وحتى اليوم، عمدت الحكومة الفنلندية إلى تحضير الأرضية للقيام بنقلة استراتيجية رئيسية أخذت تلقى دعماً من قبل الرأي العام. فقد بينت استطلاعات متواترة للرأي أن الانضمام يحظى بقبول 68 في المائة من السكان بعد أن كان الدعم لا يزيد سابقا على 20 في المائة. كذلك، فإن القوى السياسية التي كانت تعارضه قامت بعملية التفاف حادة وراحت كالحزب اليميني المتطرف تعبر عن دعمها للتوجه الجديد. وبكلام مبسط، شرحت رئيسة الوزراء أهمية الانضمام إلى أكبر تحالف عسكري غربي وقالت في استوكهولم الأربعاء: «الفرق بين أن تكون عضواً أو شريكاً في الحلف الأطلسي واضح للغاية وسيبقى كذلك: ليست هناك وسيلة للحصول على ضمانات أمنية إلا الردع والدفاع المشترك وهذان الأمران تكفلهما المادة الخامسة من شرعة الحلف» التي تنص على أن أي اعتداء على أي عضو هو اعتداء على كل الأعضاء الذين من واجبهم الدفاع عن الحلف المهدد.
- «الكتاب الأبيض»
وكانت الولايات المتحدة الأميركية هي العضو الوحيد الذي طلب تفعيل هذه الفقرة في عام 2001 بعد الهجمات الإرهابية التي ضربتها في سبتمبر (أيلول) ما يفسر أن الحلف الأطلسي كان موجوداً في أفغانستان. وخلال الأسبوع الجاري، قدم وزيرا الخارجية والدفاع الفنلنديان بيكا هافيستو وأنتي كايوكونن تقريراً عن «الوضع الاستراتيجي» لفنلندا بعد تطورات أوكرانيا سمياه «الكتاب الأبيض» الذي من المفترض أن يشكل قاعدة للنقاشات داخل البرلمان الفنلندي. ويشدد التقرير على أهمية الفقرة الخامسة وحاجة فنلندا إلى المظلة الأطلسية العسكرية - النووية الوحيدة القادرة على توفير الأمن للبلاد. وتجدر الإشارة إلى أن فنلندا والسويد قدمتا معاً، بداية مارس (آذار) الماضي كتاباً مشتركاً إلى الاتحاد الأوروبي تطلبان فيه الحماية التي يوفرها وفق المادة 42 «الفقرة السابعة» من اتفاقية لشبونة التي تحث الدول الأعضاء لدعم أي عضو يتعرض لعدوان خارجي. ويراد أن تكون هذه المادة شبيهة بالفقرة الخامسة من شرعة الحلف. بيد أنها حقيقة ليست فاعلة بعد ولم يتم تجريبها حتى اليوم. ومشكلة أوكرانيا الكبرى أنها لا تنتمي لا إلى الحلف ولا إلى الاتحاد.
- تشابه المسارين
ثمة تشابه كبير بين المسارين الفنلندي والسويدي. السويد ترتبط بـ«شراكة» مع الأطلسي وكانت، حتى التطورات الأخيرة، متمسكة بحيادها الذي وفر لها الحماية خلال الحرب العالمية الثانية. بيد أن الأمور شهدت تحولاً بيناً على صعيد الرأي العام. فاليمين السويدي المتطرف الذي كان أحد أشد المعارضين للانضمام إلى الحلف الذي يمثله حزب «الديمقراطيون» ورئيسه جيمي أكيسون، انتقل من النقيض إلى النقيض إذ إنه بعد أن كان أحد أشد معارضي الانضمام، أعلن يوم السبت الماضي أنه «مستعد لدعم طلب الانضمام إذا فعلت فنلندا الأمر نفسه». ومن جانبه، اعتبر زعيم اليمين المحافظ أولف كريسترسون أن «الاعتداء الروسي (على أوكرانيا) كشف عن هشاشة السويد طالما بقيت خارج الضمانات الأمنية المشتركة» للحلف الأطلسي. يبقى في الساحة السياسية الحزب الديمقراطي - الاشتراكي الحاكم الذي تقوده رئيسة الحكومة ماغدالينا أندرسون. فأمينه العام توبياس بودان أفاد بأنه أطلق حواراً واسعاً حول المسألة الأمنية وأن «قراراً سوف يتم اتخاذه قبل الصيف القادم». بيد أن أندرسون تعرضت لانتقادات بسبب تضارب في تصريحاتها: ففي حين أعلنت يوم 8 مارس أن «الانضمام في الوضع الحالي سيزيد البلبلة» لتؤكد نهاية الشهر المذكور أنها «لم تعد تستبعد الانتماء» إلى الأطلسي. وما زاد الغموض بلة أن وزيرة الخارجية أنا ليند أعلنت بداية الأسبوع الماضي أنه «ليس من المؤكد أن السويد وفنلندا سوف تتوصلان إلى الخلاصات نفسها» بخصوص الأطلسي يبين أنه يتعين على الديمقراطيين الاشتراكيين أن يتوصلوا إلى موقف موحد لأنهم من يتحمل مسؤولية السلطة التنفيذية. لكن، في أي حال، ثمة تغيرات واسعة على صعيد الرأي العام، الأمر الذي تظهره استطلاعات الرأي، حيث إن الراغبين بالانضمام يتفوقون على معارضيه.
- الحلف «يفتح ذراعيه»
أكثر من مرة، أعلن أمين عام الحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ أن الحلف «يفتح ذراعيه» لاستقبال الدولتين المذكورتين وأن قراراً سريعاً يمكن اتخاذه بحيث لا تطول فترة الانتظار على بوابة الحلف. بيد أن السؤال الذي يفترض أن يكون رئيسياً يتناول ردة فعل موسكو التي صدر آخر تعليق عنها على لسان الناطق باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف الذي أعلن يوم الثلاثاء أن أمراً كهذا «لن يساهم في تحقيق الاستقرار في أوروبا». وقبل ذلك، صدرت ردود فعل بالغة العنف من الجانب الروسي الذي حذر من أن أمراً كهذا ستكون له «تبعات خطيرة سياسياً وعسكرياً». وسبق للرئيس الفنلندي أن أشار نهاية مارس (آذار) الماضي إلى أن ردة الفعل الروسية يمكن أن تكون «متهورة». والتخوف، زمنياً، يمكن أن يمتد من تاريخ تقديم طلب الانضمام حتى قبوله رسمياً وتحوله إلى أمر واقع. وقال وزير الخارجية الفنلندي إن فترة زمنية تتراوح ما بين 4 و12 شهراً ستكون ضرورية للتصديق على طلب الانضمام. وأطلقت مواقع فنلندية تسمية «المنطقة الرمادية» على هذه الفترة حيث المظلة الأطلسية لن تكون قد فتحت بعد فوق هلسنكي واستوكهولم.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.