مسودة أميركية لاتفاق سوري ـ إسرائيلي: التخلي عن إيران و«حزب الله»... مقابل استعادة كامل الجولان

كتاب فريد هوف «بلوغ المرتفعات» يكشف تفاصيل المحادثات السرية بين دمشق وتل أبيب بين 2009 و2011

الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري في دمشق في 2010 (أ.ب)
الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري في دمشق في 2010 (أ.ب)
TT

مسودة أميركية لاتفاق سوري ـ إسرائيلي: التخلي عن إيران و«حزب الله»... مقابل استعادة كامل الجولان

الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري في دمشق في 2010 (أ.ب)
الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري في دمشق في 2010 (أ.ب)

بين أبريل (نيسان) 2009 ومنتصف مارس (آذار) 2011، كان الدبلوماسي والمبعوث الأميركي فريد هوف «يعيش الحلم». فكرة تحقيق سلام بين سوريا وإسرائيل، خطرت في ذهنه للمرة الأولى عندما كان يزور دمشق وهو في السادسة عشرة من عمره، باعتباره طالباً أميركياً زائراً. وبعد 45 عاماً، سنحت له فرصة تحويل الفكرة إلى «حقيقة». لكنها كغيرها من فرص السلام الضائعة، سرعان ما وصلت إلى «فشل يلاحقني بقية أيام حياتي».
قصة التحليق إلى قمة التفاؤل والانحدار إلى قعر الخيبة، يرويها هوف في كتابه الجديد «بلوغ المرتفعات: قصة محاولة سرية لعقد سلام سوري - إسرائيلي»، الذي صدر عن «المعهد الأميركي للسلام» في واشنطن.
وساطة هوف خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، لم تقم على المقايضات السابقة «الأرض مقابل السلام»، أي أن تقوم إسرائيل بإعادة هضبة الجولان السورية المحتلة مقابل توقيع دمشق اتفاق سلام وإقامة علاقات طبيعية، لا على معادلة «السلام مقابل السلام»، كما اقترحت أفكار أخرى.
مقاربة هوف، قامت على مقايضة من نوع آخر: إعادة الأرض مقابل التموضع الاستراتيجي. ماذا يعني هذا؟ أن تعيد تل أبيب الجولان مقابل تخلي دمشق عن تحالفها وعلاقاتها العسكرية مع إيران و«حزب الله» و«حماس». هذا هو جوهر الحراك الأميركي السري بين 2009 و2011. وهذا ما فهمه أيضاً المبعوث الأميركي السابق دينس روس؛ إذ يقول إن «بلوغ المرتفعات» لم يقدم «صيغة الأرض مقابل السلام، وإنما قدمت صيغة الأرض مقابل إعادة الترتيب الاستراتيجي لسوريا، مع ابتعاد سوريا عن إيران و«حزب الله».
هوف، الخبير والمبعوث والعسكري، الذي عُرف بأنه بين أوائل من رسموا «خط 4 يونيو (حزيران) 1967» الذي كان محور جدل ومقترحات لإبرام الاتفاق السوري - الإسرائيلي، كثيراً ما يتساءل حالياً عما إذا كان الرئيس بشار الأسد بالفعل يريد صفقة «الجولان - التموضع الاستراتيجي»، خصوصاً أنه عزز تحالفه مع طهران و«حزب الله»، بعد احتجاجات 2011.
حالياً، سوريا مقسمة إلى ثلاث مناطق نفوذ. إيران باتت حاضرة في ثلثي سوريا، وروسيا أيضاً. وغارات إسرائيل تلاحق «مواقع طهران» بصمتٍ من موسكو. أميركا وتركيا حاضرتان عسكرياً فيما تبقى من البلاد. وهناك مبادرات سرية وعلنية كثيرة وخطوات «تطبيعية» مع دمشق، لفك الارتباط بين سوريا وإيران و«حزب الله». ولا شك أن محاولة هوف قبل أكثر من عقد، تشكل مرجعاً فيه الكثير من الدروس.

غلاف كتاب فريد هوف «بلوغ المرتفعات: قصة محاولة سرية لعقد سلام سوري - إسرائيلي»

بعد انطلاق عملية السلام في مؤتمر مدريد 1991، جرت جولات عديدة من المفاوضات السورية - الإسرائيلية العلنية والسرية، السياسية والأمنية والعسكرية، في أميركا وأوروبا. وفي 1993، كانت هناك نقطة تحول قادها الرئيس الأميركي بيل كلنتون، لدى تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين بالانسحاب الكامل من الجولان مقابل علاقات سلمية وترتيبات أمنية. وعرفت تلك المبادرة بـ«وديعة رابين». وبعد جمود بسبب اتفاق أوسلو في 1993، جرت محاولات أميركية أخرى على المسار السوري، مع تغير الحكومات في تل أبيب. وكانت على وشك إنجاز اتفاق سلام في قمة الرئيسين حافظ الأسد وبيل كلنتون في 2000، لكن الخلاف على الخط النهائي للانسحاب من الجولان والوصول إلى بحرية طبريا في الهضبة السورية، حالا دون ذلك.
وبعد وصول الرئيس بشار الأسد، جرت محاولات أيضاً، كانت أبرزها خلال فترة العزلة الدولة على دمشق، الوساطة التركية بين عامي 2007 و2008. التي تعمقت في تحديد خط الرابع من يونيو، الذي كانت دمشق تريد الانسحاب الإسرائيلي إليه. كما تناولت تفاصيل الترتيبات الأمنية والعلاقات التطبيعية (دمشق كانت تسميها علاقات سلم عادية أو طبيعية)، إلى حد أن أنقرة اقترحت ترتيب لقاء مباشر سوري - إسرائيلي بين الأسد ورئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت. أيضاً، انهارت الاتصالات وشنّت إسرائيل الهجوم على غزة دون تشاور مع أنقرة.
على هذه الخلفية، جاء جهد هوف بالانضمام إلى الخارجية الأميركية في أبريل 2009، بعد فوز بنيامين نتانياهو (الذي كان فاوض الأسد الأب عبر الوسيط السري الأميركي رولاند لاودر بين 1996 و1999) وقيام أوباما بتكليف السيناتور جورج ميتشل قيادة فريق السلام في الشرق الأوسط.

المبعوث الأميركي جورج ميتشل ومساعده فريد هوف في دمشق في يوليو 2009 (غيتي)

في 2009، قام ميتشل وهوف بزيارة دمشق مرتين وتل أبيب أيضاً، لاختبار احتمال استئناف مفاوضات المسار السوري. وفي 2010، تواصلت رحلات هوف الدورية إلى سوريا وإسرائيل. مفتاح التحرك للوساطة الأميركية، تحول تدريجياً من الحصول على «الوديعة» إلى إقناع قادة إسرائيل بالفوائد الأمنية المحتملة من السلام مع سوريا بدلاً من صيغتهم «الأرض مقابل السلام».
في خضم ذلك، وفي مايو (أيار) 2010، اجتمع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، جون كيري، بالرئيس الأسد في دمشق، حيث ظهر من خلال وثيقة خطية «انفتاح الأسد على اتفاق سلام يلبي جميع المتطلبات الإسرائيلية في مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خط 4 يونيو 1967».
في موازاة ذلك، نجح المبعوث الأميركي السابق دينيس روس في ترتيب عقد لقاءات له وهوف مع نتنياهو. في هذه اللقاءات، عرض الأميركيان مسودة وثيقة، قبل تقديمها إلى الأسد. وحسب قراءة هوف، فإنه «رغم الشكوك القوية حول وثيقة كيري والنوايا السورية، يتفق في نهاية المطاف على أن (ورقة المناقشة) التي صاغتها أميركا لمسودة معاهدة سلام إسرائيلية - سورية، من الممكن أن تشكل الأساس لوساطة السلام الأميركية».
هوف أُطلع ميتشل على لقاءاته مع نتنياهو وعلى مقاربة «ورقة المناقشة». وسافر ميتشل وهوف إلى دمشق في سبتمبر (أيلول) في محاولة للحصول على موافقة الأسد على إجراء من شأنه تجنب طريق «الوديعة» المسدود. و«وافق الأسد فوراً على منهجية الوساطة الجديدة»، حسب قول هوف. وكان هوف وروس كتبا «ورقة المناقشة»، وناقشا المسودة الأولى مع فريق صغير من الإسرائيليين يعينهم نتنياهو.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والمبعوث الأميركي جورج ميتشل في 13 ديسمبر 2010 (غيتي)

وعليه، يُنسى ما يعرف بـ«ما بعد الوديعة»: وجوب تسوية الجوانب الإقليمية لورقة المناقشة قبل كل أمر آخر، ثم تناول أي موضوع آخر تختاره إسرائيل. موقف إسرائيل، كان: وجوب تناول جميع عناصر ورقة المناقشة في آن واحد، بما في ذلك تراجع سوريا وضبط العلاقات الإقليمية التي تشكل تهديدا لأمن إسرائيل. سوريا توافق على أن بحر الجليل (بحيرة طبريا) بأكمله يمكن أن يكون تحت السيادة الإسرائيلية.
«هذا التنازل» الذي كان وراء انهيار قمة الأسد - كلنتون قبل عشر سنوات من ذلك، أي في العام 2000، «شجع الفريق الإسرائيلي على الانخراط بجدية في تحديد خط 4 حزيران 1967، على اعتباره حدوداً مستقبلية بين إسرائيل وسوريا. لكن الجزء الأعلى من نهر الأردن الذي يصب في بحر الجليل لا يزال موضع خلاف»، حسب هوف.
وفي بداية 2011، استمرت جهود بلورة ورقة المناقشة. وتنقل هوف بين دمشق وتل أبيب، مع مشاركة دينيس روس في المباحثات مع الفريق الإسرائيلي. وإذ أبلغ نتنياهو ضيفيه الأميركيين بـ«شكوكه المتزايدة في التزام الأسد الشخصي بوساطة السلام وبالسلام نفسه»، حسب وثائق الاجتماعات، فإنه «رحب بالفكرة الأميركية الخاصة بربط رفع العقوبات الأميركية عن سوريا بتنفيذ دمشق لالتزامات معاهدة السلام».

الرئيس السوري بشار الأسد والمبعوث الأميركي جورج ميتشل في 26 يوليو 2009 (غيتي)

- لقاء مباشر
هذا التفاؤل، شجع هوف في اجتماع مع نتنياهو وفريقه على «السعي لعقد اجتماع مباشر مع الأسد لتقييم التزام الرئيس الشخصي بإعادة توجيه الاستراتيجية السورية التي من شأنها تعزيز الأمن الإسرائيلي». هنا، وفي محادثات هاتفية مع نتنياهو ووزير الخارجية السوري الراحل وليد المعلم والأسد، أكدت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على النوايا الإسرائيلية وتمهد الطريق للقاء هوف مع الأسد.
قبل وصول هوف إلى دمشق في فبراير (شباط) 2011، أبلغ الأسد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركيين الزائرين، أن السلام مع إسرائيل لا بد أن يستند إلى «مراجع محددة» تغطي الأرض والأمن. عندها، قام روس وهوف بصوغ هذه «المراجع المحددة».
في 28 فبراير، وافق الأسد، في اجتماع مع هوف في دمشق، على «المراجع المحددة بشأن الأمن (التي تقضي بإنهاء الأنشطة والعلاقات السورية التي تشكل تهديدا للأمن الإسرائيلي)»، حسب المبعوث الأميركي. ويضيف، أن الرئيس السوري أكد أن «لبنان وإيران و(حزب الله) سوف يلتزمون بمعاهدة السلام بين سوريا وإسرائيل». كما أعرب عن ارتياحه لمفهوم رفع العقوبات الأميركية مع تنفيذ سوريا لالتزاماتها التعاهدية. خلال كل ذلك، بقي الانسحاب الإسرائيلي الكامل حتى خط 4 يونيو 1967 مطلباً أساسياً للأسد.
وفي 2 مارس، أطلع هوف نتنياهو وفريقه على اجتماع الأسد. وعبّر نتنياهو عن ارتياحه، وأعلن أن الوساطة وإمكانيات السلام «حقيقية». وتركزت الاجتماعات اللاحقة مع فريق نتنياهو على خصائص الأراضي ومذكرة الاتفاق. وبقي الاتفاق بشأن أعالي نهر الأردن بعيد المنال، لكن هذا لم يمنع هوف وروس من البدء بترتيب «محادثات تقارب» سورية - إسرائيلية في أوروبا الشرقية في أبريل.

دخان يتصاعد من مزارع شبعا جنوب لبنان في يوليو 2020 (رويترز)

قبل ذلك، اندلعت الاحتجاجات السورية في منتصف مارس. وفي 18 مارس، ردت قوات الأمن السورية بالعنف الشديد على المتظاهرين في درعا. كما ردت قوات الأمن بعنف على الاحتجاجات في دمشق. وقتها، علقت الوساطة «بسبب الفوضى الرسمية» في سوريا. سعى هوف إلى زيارة دمشق، لكنه مُنع الحصول من على إذن من البيت الأبيض كي يناقش مع الأسد الآثار المترتبة على الوساطة إثر العنف الحكومي السوري.
وفي 13 مارس، استقال ميتشل من منصبه كمبعوث خاص للسلام في الشرق الأوسط، وفي 19 من الشهر نفسه، قال أوباما، في خطاب لوزارة الخارجية، إن «الأسد يجب أن يقود انتقال سوريا إلى الديمقراطية أو يتنحى عن الحكم». وفي في 18 أغسطس (آب)، أعلن أوباما أن «الوقت قد حان لتنحي الأسد». أما هوف، فانتقل من فريق السلام في الشرق الأوسط إلى تقديم المشورة إلى وزير الخارجية ومكتب الشرق الأدنى بشأن تفاقم الأزمة السورية.
وفي أغسطس، رفض أوباما توصية من كبار مسؤولي الأمن القومي بأن تساعد الولايات المتحدة في تنظيم وتدريب وحدات عسكرية تابعة للمعارضة السورية. وتم إنهاء عمل «المجموعة الصغيرة» و«الاستعاضة عنها بجهد مشترك بين الوكالات لتحديد الاحتياجات السورية المحتملة بعد الأسد». كما أعلن أوباما أن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا يشكل بالنسبة له «خطا أحمر». وفي سبتمبر، استقال هوف من وزارة الخارجية الأميركية.
وتطورت الأمور في سوريا وانحدرت لسنوات مؤلمة وطويلة. وفي 25 مارس 2019، أصدر الرئيس دونالد ترمب إعلاناً يعترف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان: الجزء الرئيسي من الأراضي موضوع النزاع خلال وساطة السلام بين عامي 2009 و2011، والمسألة المحورية في الجهود الدبلوماسية السابقة التي بذلتها تركيا في عامي 2007 و2008، والولايات المتحدة بين عامي 1993 و2000.
يبقى أن نرى ما إذا كان هذا الإعلان قد رفع مرتفعات الجولان والمناطق المتاخمة المتنازع عليها من جهة الغرب من طاولة محادثات السلام المستقبلية بين إسرائيل وسوريا.
- تعهد خطي من بايدن للأسد
في 22 مايو 2010، زار رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جون كيري دمشق والتقى الأسد في القصر الرئاسي. وقد شجع البيت الأبيض، الذي «انزعج بشدة من التقارير التي تفيد بأن نظام الأسد ينقل صواريخ سكود إلى (حزب الله)»، كيري على القيام بزيارة سوريا و«مواجهة الأسد بشأن هذه المسألة»، موضحاً للرئيس السوري أن «الفوائد التي ستعود على سوريا من الحوار الثنائي، ستنتهي ما لم تكن سوريا راغبة في التخلص من مهمة تزويد حلفاء إيران اللبنانيين وعملائها بالأسلحة الفتاكة».
حسب المحضر الأميركي للاجتماع الذي عقد في التاسعة صباحاً من يوم 22 مايو، قال كيري للأسد «طلب الرئيس أوباما مني شخصياً أن آتي لمقابلتكم. لقد استدعاني إلى البيت الأبيض، وتحدثنا عن المنطقة، وأعرب عن قلقه بشأن الأوضاع الراهنة».
رحب الأسد بكيري، وقال «أنتم أحد أصدقائنا القليلين في الولايات المتحدة. وهذا هو لقاؤنا الخامس منذ عام 2004. نحن نثق بكم. وأنتم تثقون بالرئيس أوباما. لذا؛ فنحن نثق بالرئيس أوباما. ونثق بكم سيناتور كيري. ونرغب منكم الاضطلاع بدور الوساطة. أنت شخصية مستقلة، ولستم جزءاً من مؤسسة بعينها. وليست لديكم أجندة خاصة. ونحن لن نسمح لمسؤولين أميركيين آخرين بالولوج إلى التفاصيل. سنسمح للسيناتور كيري فحسب بالاطلاع على تفاصيل عملية السلام». ورد كيري «ربما أستطيع الاضطلاع بذلك الدور. وأعتقد أن إسرائيل تحمل مسؤولية إعادة الجولان بالكامل حتى حدود الرابع من يونيو 1967».
وصل كيري حاملاً مسودة رسالة مُعدة لتوقيع الرئيس الأسد، تُنقل إلى الرئيس أوباما «من خلال السيناتور كيري. وتتضمن مسودة الرسالة تأكيد الأسد على ما يلي:
1.أن معاهدة السلام بين سوريا وإسرائيل، بما في ذلك الحدود التي تعكس استعادة سوريا الكاملة للأراضي التي فقدتها في يونيو 1967، من شأنها أن تنهي كل دعم سوري للأعمال، والسياسات، والتعاون الذي يهدد أمن إسرائيل من جانب الدول وغير الدول على حد سواء.
2.من شأن معاهدة السلام أن تنهي الصراع بين إسرائيل وسوريا، وأن تشتمل على تسوية جميع المطالبات الناشئة عن الأحداث قبل إبرام الاتفاق.
3.ينجم عن ذلك تطبيع العلاقات الدبلوماسية، بما في ذلك فتح السفارات.
4.تكون علاقات سوريا مع الدول وغير الدول متسقة تماما مع التزاماتها التعاهدية والتزاماتها تجاه إسرائيل كما هي محددة بما يبعث على ارتياح الطرفين.
5.في حال التوصل إلى معاهدة سلام مع إسرائيل، فإن سوريا، تمشياً مع مبادرة السلام العربية، ستقدم دعمها وتعاونها الكاملين لتحقيق سلام عربي - إسرائيلي شامل، بما في ذلك تأمين اتفاقيات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين إسرائيل ولبنان، وما يترتب على ذلك من تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجميع أعضاء جامعة الدول العربية.
قال كيري للأسد «تعكس هذه الرسالة التفاهمات التي توصلنا إليها في المرة الأخيرة». وفي اجتماع سابق، قرأ كيري على الأسد بنود هذه الرسالة، وهي المذكرة التي أعطاها هوف للسيناتور كيري في وقت سابق من عام 2010، والتي تحدد وجهات نظره بشأن البنود الأساسية لاتفاقية السلام المحتملة بين سوريا وإسرائيل.
كان رد فعل الأسد إيجابياً على الفور «يجب أن نوافق على هذه الرسالة». إلا أن وزير الخارجية المعلم اعترض، قائلاً إنه يجب أن يسبق ذلك رسالة من إسرائيل إلى الولايات المتحدة، تؤكد فيها أن الاتفاق الشامل يستلزم انسحاب إسرائيل الكامل إلى خط 4 يونيو 1967. وقد تدخل كيري على الفور قائلاً «هذا ليس ضرورياً: لقد أكدت مع نائب الرئيس (جوزيف بايدن) بالأمس أن موقف الولايات المتحدة يستلزم عودة الجولان بالكامل إلى خط 1967». وكان كيري يحاول استبدال «الوديعة الإسرائيلية»، أي «وديعة رابين» للعام 1993، بموقف سياسي أميركي أحادي الجانب.
تطرق لقاء الأسد وكيري إلى علاقة سوريا بـ«حزب الله»، بالتزامن مع قيام مساعديهما بتنقيح مسودة الاتفاق السوري - الإسرائيلي، بحيث تضمن خمس نقاط، هي:
1.أن معاهدة السلام بين سوريا وإسرائيل، بما في ذلك الحدود التي تعكس الاستعادة السورية الكاملة لمرتفعات الجولان حتى خط 4 يونيو 1967، ستسفر عن علاقة ثنائية بين سوريا وإسرائيل لا يقدم فيها أي من الطرفين المساعدة أو الموافقة على أي عمل يقوم به طرف ثالث، أو دولة أو غير دولة، بما يهدد أمن الطرف الآخر.
2.من شأن معاهدة السلام المذكورة أن تُنهي الصراع بين إسرائيل وسوريا، وأن تشمل تسوية جميع المطالبات الناشئة عن الأحداث قبل إبرام الاتفاق.
3.من شأن ذلك أن يؤدي إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية، بما في ذلك فتح السفارات.
4.احترام سوريا وإسرائيل، في علاقاتهما المتبادلة، بنود معاهدتهما.
5.في حال التوصل إلى معاهدة سلام، فإن سوريا، تمشياً مع مبادرة السلام العربية، ستقدم دعمها وتعاونها الكاملين لتحقيق سلام عربي - إسرائيلي شامل، بما في ذلك المساعدة على إبرام اتفاقات سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وما يترتب على ذلك من تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجميع أعضاء جامعة الدول العربية».
- الأسد: مزارع شبعا سورية... والجميع سيفاجأون بسرعة التزام نصر الله باتفاقنا مع إسرائيل
- أبلغ هوف في فبراير 2011 أن «سوريا ليست عميلة إيران»... وطهران لم تعترض على وساطة أنقرة بين دمشق وتل أبيب
في 27 فبراير (شباط) 2011، وصل هوف إلى دمشق للقاء الأسد، حيث تحدث المبعوث الأميركي عن اهتمامه بتحقيق «سلام سوري - إسرائيلي وبناء علاقة رسمية ودية بين دمشق وواشنطن، يتجلى من خلالها دفء علاقات الصداقة التي تربط بين الشعبين». وقد رد الأسد بشكل إيجابي.
وبعد تناول تصريحات صحافية وزيارات أميركيين لسوريا وعقوبات واشنطن ضد دمشق، تحدث هوف عن مسودة الاتفاق التي كان صاغها وتوصل إليها (نصها موجود هنا لاحقاً). وحسب نص الكتاب «مع ذلك، سيكون ردك على الحواشي، سيدي الرئيس، أساسياً لتحديد بلادي للقرار الخاص بمواصلة هذه العملية. نحن في حاجة إلى معرفة ما إذا كانت سوريا والولايات المتحدة الأميركية متفقتين على ما تحتاج سوريا إلى القيام به لتنفيذ التزاماتها المتعلقة بمعاهدة السلام، ما يلزم الولايات المتحدة الأميركية برفع العقوبات أم لا».
طلب الأسد توضيح ومعرفة ما إذا كانت تلك الحواشي مهمة للطرف الآخر، فأجاب هوف «نعم، لكني أكدت على أن تلك النقاط لها القدر نفسه من الأهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وأن موافقته عليها سوف تمكّن أميركا من المُضي قدماً الآن باتجاه القضايا المتبقية المتعلقة بالأرض، وبدء عملية التخطيط المتعلقة برفع العقوبات. وسوف يتيح تنفيذ سوريا تلك الأمور، بمجرد إقرار معاهدة السلام، للولايات المتحدة الأميركية رفع العقوبات، وقد أشار الأسد إلى تفهمه وموافقته».
سلم هوف الورقة إلى الأسد، وقرأها ببطء وحرص على ما يبدو. وأعرب قبل تطرقه إلى الحواشي عن اهتمامه بفهم أفضل لجوانب النقاط الخمس. وأشار إلى أن النقاط الأربع الأولى تتضمن مرجعيات خاصة بلبنان، لكن النقطة الرابعة فقط ذاتها هي التي تذكر اسم البلد صراحة. وتساءل عما إذا كان من الملائم ذكر لبنان في نص معاهدة سلام سورية - إسرائيلية. وقال إن «هذا هو تحفظه الوحيد».
أعرب الأسد، حسب الكتاب، عن موافقة حماسية على النقطة الخامسة بما تتضمنه من دعوة إلى سلام عربي - إسرائيلي شامل، ثم تحدث لدقيقتين عن «المصالح». وكان مقصده هو أنه في حال توقيعه على معاهدة تلبي «المصلحة» الرئيسية لسوريا، وهي إعادة إسرائيل كامل الأراضي السورية التي احتلتها عام 1967، لن يكون منطقياً بالنسبة إليه القيام بأي فعل يهدد الدولة اليهودية. كذلك، أوضح أن مثل تلك التهديدات سوف تثير الارتياب مما يجعل الناس يسألونه عما إذا كانت هناك معاهدة سلام سوريا مع إسرائيل أم لا.
ويقول هوف «امتنعت عن الرد على النقطة التي أثارها بشأن لبنان؛ لأنني أردت التطرق إلى لبّ المسألة دون التورط في الأمر، فأنا في النهاية لم أكن أعلم الوقت الذي سيمنحه لي الرئيس الأسد، وافترضت أنه نحو ساعة كحد أقصى، وكانت قد مرت خمس عشرة دقيقة بالفعل، واقترحت أن يقرأ أو يعيد قراءة الحواشي حتى نتمكن من مناقشة كل واحدة منها. بدأ بالتركيز على الشرط الخاص بطرد حركة «حماس» وجماعات أخرى، وسأل عما سيكون مطلوباً من سوريا في حال ظهور أحدهم على شاشة التلفزيون السوري وطلبه التزام إسرائيل بالعدالة مع الشعب الفلسطيني؟ هل يعني ذلك أنه من الضروري طرده من البلاد؟ وكان ردي بالنفي، لكنني أضفت أنه سيكون على أي شخص يؤيد أو يخطط أو ينفذ أعمال عنف أو تهديد بتنفيذ أعمال عنف ضد إسرائيل من الأراضي السورية الرحيل بمجرد دخول معاهدة السلام حيز التنفيذ».
تحول انتباه الأسد بعد ذلك نحو اللغة الخاصة بـ«حزب الله»، حيث أشار إلى أن «الجميع سيفاجأون بالسرعة التي سوف يلتزم بها حسن نصر الله، أمين عام (حزب الله)، بالقواعد بمجرد إعلان كل من سوريا وإسرائيل التوصل إلى اتفاق سلام»، حسب هوف. وزاد «أجبته بقولي إنني سأكون من بين الأشخاص الأكثر تفاجؤاً، وسألت الرئيس كيف ستكون لديه تلك القناعة بالنظر إلى ولاء نصر الله لإيران و(للثورة الإسلامية) الإيرانية. بدأ الأسد بإيضاح أن نصر الله عربي لا فارسي، وأشار إلى ضرورة أن تكون سوريا ولبنان ضمن مسار عملية السلام العربي – الإسرائيلي؛ إذ يعتمد المسار اللبناني على سوريا، وقد أخبر ميشال سليمان، الرئيس اللبناني، بضرورة تجهيز فريق مفاوض مع اعتزام سوريا المضي قدماً في حال تعاون إسرائيل. لقد أكّد لي أنه في حال توصل سوريا إلى سلام مع إسرائيل، لن يتمكن نصر الله من الحفاظ على منصبه الحالي كزعيم «للمقاومة». كما وصف الأسد «(حزب الله) بأنه الحزب السياسي اللبناني الوحيد الحقيقي، مشيراً إلى أنه ممثل أكبر جماعة طائفية في لبنان وهي الشيعة، وهي مؤسسة قدرها هو الاضطلاع بدور قيادي في السياسة اللبنانية الداخلية».
سأل هوف الأسد «عما إذا كانت رؤيته بشأن خروج نصر الله من عالم المقاومة سوف تتطلب من سوريا إعادة مزارع شبعا إلى لبنان بمجرد جلاء إسرائيل عن قطاع هضبة الجولان؟». وأضاف «مع ذلك، في ظل عدم حديث الأسد الآن عن الحق في مزارع شبعا، أكّد لي أن الخرائط توضح أن مزارع شبعا هي أراض سورية، وربما يكون إجراء تعديلات مستقبلية مع لبنان أمراً ممكناً، لكن الأرض محل التساؤل كانت سوريا. وأكّد الأسد بشكل عفوي أن سوريا لم تكن دولة عميلة لإيران، حيث كان اتفاق سلام مع إسرائيل شأناً سورياً لا إيرانياً، وأضاف أنه لم يخطر إيران حين بدأت جهود الوساطة التركية في اتفاق السلام».
يضيف هوف «سألت الأسد عما إذا كان قد وجد أمراً مستهجناً في حواشي مسودة الاتفاق، وكان رده مباشراً وقاطعاً بالنفي، وطلب أن أخبر الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية كلينتون بأنه ليس لديه مشكلة في أي منها. وطلب الأسد أن يتم إخبار إسرائيل بأن سوريا أيضاً لديها رأي عام، وعلى السوريين الاقتناع بأنه قد تمت استعادة أرضهم بالكامل، فلا يوجد أي مجال للتلاعب. وكان ردي هو التأكيد مرة أخرى للأسد على اعتقادي بإحراز تقدم جاد في المسائل المتعلقة بالأرض، وبأننا قد تجاوزنا حقبة الاهتمام بالمخزون (المائي) وانخرطنا في مرحلة جديدة مع وجود مياه وادي الأردن في قلب النزاع الباقي. أقرّ الأسد بأن إسرائيل كانت في حاجة إلى المياه المذكورة وأن المشكلة قابلة للحل، وأشار أيضاً إلى أن المياه تتدفق نحو الأسفل لا الأعلى». وبالعودة إلى المرجعية المحددة الخاصة بالأمن المطروحة أمامه، أكّد الأسد مرة أخرى على عدم وجود مشكلة فيها، باستثناء تحفظ واحد. فقد أراد أن يتم الانتهاء من المرجعية الخاصة بالأراضي أولاً. مع ذلك، كنت أتمتع بحرية مناقشة المرجعية الخاصة بالأمن، بما في ذلك الحواشي، مع وليد المعلم».
وتابع «هممت بالمغادرة، وشكرت الأسد على وقته، وقد أكّد مرة أخرى تحياته إلى الرئيس أوباما، وكلينتون، وزيرة الخارجية، وميتشل المبعوث الخاص. كذلك طلب مني أن أبلغ الرئيس أوباما بموافقته على كل ما هو مطروح، وكان ممسكاً بنسخته من الورقة أثناء مغادرتي. كانت قد مرّت نحو خمسين دقيقة منذ بدء محادثتنا».
- «اتفاق الفصل»... مقدمة وديباجة وحواشٍ
> بعد جولات بين دمشق وتل أبيب وواشنطن، توصل الوفد الأميركي إلى مسودة اتفاق سلام سوري - إسرائيلي يتضمن ابتعاد دمشق عن طهران و«حزب الله»، يتضمن مقدمة وفقرات تنفيذية وحواشي، هذا نصه:
«سينهي هذا الاتفاق (اتفاق الإطار المحتمل/معاهدة السلام المحتملة) حالة الحرب بين سوريا وإسرائيل، ويرسي السلام، ويتطلب أفعالاً من جهة الطرفين لإقامة علاقة ثنائية وعلاقات مع كافة الأطراف الأخرى الفاعلة، اتساقاً مع هذا الواقع الجديد. وفقاً لذلك، لن يهدد أي من الطرفين، طبقاً لمبادئ القانون الدولي المعمول بها، ووثيقة الأمم المتحدة، أو يدعم بشكل مباشر أو غير مباشر، أي أفعال أو جهود أو خطط من جانب طرف يمثل دولة أخرى أو لا يمثل دولة، من شأنها تهديد أمن أو سلامة الطرف الآخر أو مواطنيه، بوجه خاص عند دخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ:
1 - سيمتنع الطرفان عن ممارسة أي تهديد أو استخدام للقوة بشكل مباشر أو غير مباشر ضد بضعهما بعضاً، وسيعملان على تسوية كافة الخلافات والنزاعات بينهما بالطرق السلمية.
2 - سينهي الطرفان ويحظران القيام بأي أنشطة على أراضيهما أو من جانب مواطنيهما تساعد أي قوات نظامية أو غير نظامية أو شبه عسكرية تسعى نحو الإضرار بالطرف الآخر أو مواطنيه. (حاشية رقم 1).
3 - لن يستخدم أي من الطرفين حقه بموجب أي معاهدة أو اتفاق أو التزام مع أي طرف يمثل أو لا يمثل دولة في الاستخدام الجماعي للقوة ضد الطرف الآخر، أو يستجيب بالموافقة على أي طلب مساعدة في ممارسة تهديد أو استخدام لقوة ضد الطرف الآخر بموجب مثل تلك المعاهدة، أو الاتفاق أو الالتزام، أو المشاركة أو الحفاظ على المشاركة في تحالف عدائي ضد الطرف الآخر. (حاشية رقم 2).
4 - لن يقوم أي طرف بنقل أسلحة أو معدات عسكرية إلى لبنان، أو السماح بأن تتم مثل تلك العمليات عبر أراضيه، باستثناء تلك المرسلة إلى قوات الأمن الرسمية للحكومة اللبنانية. (حاشية رقم 3).
5 - يتشارك الطرفان هدف تحقيق سلام عربي - إسرائيلي شامل، ويدركان أن هذا سوف يتطلب إبرام اتفاقيات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولبنان وإسرائيل، وتطبيع العلاقات بين الدول الأعضاء كافة في جامعة الدول العربية وإسرائيل. وسوف يبذل الطرفان قصارى جهديهما لتحقيق هذا الهدف.
تمت صياغة الديباجة والنقاط الخمس بطريقة تتيح دمج جزء كبير من اللغة مباشرة في اتفاق إطار سوري - إسرائيلي أو معاهدة إطار سورية - إسرائيلية. وتطرقت الحواشي إلى حالات خاصة:
1 - عملياً، بالنظر إلى السياسات الحالية لتلك الجماعات، سينبغي على سوريا الامتناع عن تقديم المساعدة العسكرية والمالية، بما فيها الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج والتدريب والمعلومات الاستخباراتية، إلى تنظيم «حزب الله»، سواء في سوريا أو لبنان، وكذلك حركة «حماس» وغيرها من الجماعات الفلسطينية التي تخطط وتدعم وتشارك في أعمال عنف ضد إسرائيل والإسرائيليين، وتطرد من سوريا كل الأفراد التابعين لتلك الجماعات أو أي جماعة أخرى تستخدم الأراضي السورية في تنفيذ الأنشطة المحظورة إلى دول أخرى غير لبنان.
2 - يقال إنه لدى سوريا اتفاقات أمنية جماعية مع كل من إيران و«حزب الله» وأطراف في جامعة الدول العربية قد تقع ضمن نطاق هذا المتطلب. من الأمثلة على ذلك، أنه ينبغي على سوريا إنهاء علاقتها مع الحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك «فيلق القدس»، ومنع عبور أفراده ومعداته عبر الأراضي السورية أو المجال الجوي السوري. كذلك، سيتعين على سوريا إنهاء أي اتفاقات تتيح وجود تهديد أو استخدام للقوة ضد إسرائيل والمواطنين الإسرائيليين إن وجدت.
3 - بناءً على ذلك، سوف يتعين على سوريا إنهاء مشاركتها في كل عمليات نقل الأسلحة والمعدات العسكرية، بما في ذلك المواد ذات الاستخدام المزدوج، إلى تنظيم «حزب الله» سواء في لبنان أو إلى لبنان وتيسيرها لتلك العمليات، كما سيتعين على سوريا وقف تدفق الأسلحة إلى الجماعات الفلسطينية في لبنان ودعم الجهود الرامية إلى نزع سلاحها».



عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

قرَّر القاضي قاهر مصطفى، النائب العام اليمني، السبت، تكليف لجنة قضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وجميع الجرائم المنسوبة إلى المتهم عيدروس الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

وستُحقِّق اللجنة في أعمال الفساد واستغلال السلطة ونهب الأراضي وتجارة النفط والشركات التجارية من قِبل الزبيدي، التي أسهمت تداعياتها الخطيرة، وفق مراقبين، في خلق حالة من الانقسام السياسي والشعبي في المحافظات الجنوبية اليمنية نتيجة الفساد المالي والإداري والمظالم.

استغلال الصلاحيات

يرى الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عيدروس الزبيدي شخصية ليست صاحبة رصيد سياسي ولا نضالي ولا خبرة إدارية مطلقاً، لكن الصدفة والدور الخارجي دفعا به إلى أعلى المناصب في سلطة يمنية تعيش أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك استغل مناصبه وصلاحياته للاستحواذ على المال العام، وإفساد الوظيفة العامة والتآمر مع طرف خارجي ضد الوطن».

وثيقة الاستحواذ على حوش النقل البري

وأشار البيل إلى فساد كبير مارسه الزبيدي، مستغلاً الصلاحيات الممنوحة له إبان رئاسته لجنة الموارد السيادية، وهي أعلى سلطة تدير المال العام في اليمن، وقال إنه «استحوذ باسم (المجلس الانتقالي) على ميزانيات ضخمة خارج القانون لصالح المجلس وأفراده تُقدّر بـ10 مليارات ريال شهرياً. كما سخّر كثيراً من الموارد لصالحه مثل إيرادات المواني (عدن)، والجمارك، والضرائب، دون توريدها إلى البنك المركزي»، وقام بـ«توظيف هذه الإيرادات في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة».

وأضاف البيل أن عيدروس «فرض رسوماً غير قانونية على التجار والمواطنين، وخلق تعدد نقاط الجباية التابعة لتشكيلات مختلفة محسوبة على (الانتقالي)»، ناقلاً أمثلة لفساده أوردتها تقارير، منها «الاستحواذ على نحو 6 مليارات ريال شهرياً ضرائب على القات لا تُورّد إلى الخزينة العامة، وما يقارب 9 مليارات ريال شهرياً ضرائب على الوقود، وكذلك جبايات على الأسمنت والنقل، والمشاريع السياحية والنقاط الأمنية بموارد ضخمة، وكذلك الاستثمارات الخاصة والشركات وغيرها».

وتمثّل الفساد الإداري والمؤسسي للزبيدي، وفق البيل، في «تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال كوادر موالية له بدلاً من الكفاءات، وكذلك تعطيل مؤسسات خدمية (الكهرباء، والمياه، والقضاء) لصالح إدارته الموازية، وخلق أزمات خدمية لابتزاز الحكومة وإثارة سخط المواطنين، فضلاً عن خلق أجهزة أمنية متعددة بمرجعيات مختلفة لا تتبع الدولة، مما أنتج فوضى إدارية وانعداماً للمساءلة»، وانتهاكه لحقوق الإنسان «عبر إنشائه السجون السرية وما شملته من انتهاكات واتهامات موثّقة بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات خارج القانون بحق معارضين وصحافيين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

احتكار سياسي

من الناحية السياسية فيقول رئيس «مركز المستقبل»، إن الزبيدي «اختزل (القضية الجنوبية) في شخصه وطموحه وحوّلها إلى أداة احتكار سياسي ومكاسب نخب محدودة، ومارس باسمها ابتزازاً للدولة والمجتمع الدولي»، منوهاً إلى تورطه بـ«تهمة العمالة وخيانة الوطن» التي «تكاد تكون الجريمة الأكثر فظاعة في الدستور والقانون»، وهي «جزء من قائمة اتهامات طويلة ارتكبها عيدروس بحق الوطن والدولة والمواطن اليمني».

من جانبه، عدَّ إبراهيم جلال، الباحث والاستشاري في الأمن وتحليل النزاعات والاقتصاد السياسي، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، الفساد الذي مارسه الزبيدي انعكاساً لمنطق الغلبة وأنماط الاستئثار بالثروة والسلطة، بما في ذلك على نحو غير قانوني، وعلى حساب معاناة الناس ومصالحهم المعيشية.

بدوره، رأى عادل شمسان، الباحث الاقتصادي اليمني، أن بدء الإجراءات القضائية من النائب العام بالتحقيق فيما نُسب إلى عيدروس الزبيدي بالفساد والإثراء غير المشروع ومخالفة القانون وقضايا تمسّ سيادة الدولة بمثابة خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة. ونوَّه شمسان بأن «الإسراع في فتح التحقيق يعكس توجيهاً لتعزيز مبدأ المساءلة وسيادة القانون، واحتواء تداعيات القضية قبل اتساعها سياسياً»، لافتاً إلى أنه «سيُسهم في إعادة ضبط المشهد وتخفيف حدة الاستقطاب وإثارة التوتر الذي يسعى له عيدروس وأطراف داعمة من خلال إجراءات شفافة ومستقلة».

ومن الناحية الاقتصادية، يقول الباحث شمسان إن «هذا التحرك السريع يبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق والمانحين حول جدية المؤسسات، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحدّ من المخاطر المرتبطة التي يشوبها عدم اليقين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

أراضٍ وعقارات

وحسب وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، استحوذ الزبيدي على مساحة شاسعة من أراضي المنطقة الحرة في عدن والمخصصة بوصفها مخازن ومستودعات للميناء، حيث تم توثيق الأرض الممتدة من جولة كالتكس في المنصورة إلى محطة الحسوة بمدينة الشعب، وتوثيق الأرض باسم صهره جهاد الشوذبي.

وكشفت الوثائق عن استحواذ الزبيدي أيضاً على مساحة أرض في جزيرة العمال مطلة على البحر مباشرة وتتبع هيئة مواني عدن، وتم تسجيل الأرض باسم الشوذبي، بحيث يقسمها إلى مجموعة أراضٍ، وتُوزع على عيدروس ومجموعة من المقربين منه.

ووفقاً لمراقبين، استحوذ الزبيدي على نحو 100 فدان في بئر فضر بعدن، تابعة لشخص من أبناء المحافظات الشمالية يُدعى (الدفيف)، وتجري مساومته وابتزازه للتنازل عنها أو الدخول معه في شراكة من قِبل الشوذبي لعمل مدينة سكنية أو بيع هذه المساحة بوصفها أراضي نقداً.

وأشارت الوثائق إلى استحواذ عيدروس على 4 آلاف فدان بمنطقة راس عمران في عدن وتوثيقها باسم محمد قاسم الزبيدي، وكذلك على حوش النقل البري بمنطقة الدرين في الشيخ عثمان بعقد إيجار ومبلغ زهيد جداً يتم دفعه إلى الدولة، والمستفيد من هذه العملية عماد أبو الرجال مدير مكتب عيدروس، بالإضافة إلى حوش تابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر بتوجيهات من عيدروس، وعلى نحو 1000 فدان في محافظة لحج وتوثيقها باسم وسيط لمصلحة عيدروس، والمعهد الهندسي في التواهي المخصص لتأهيل الطلبة والمهندسين، وقطع أراضٍ بالقرب منه في جبل هيل.

وثيقة تأجير منتجع خليج الفيل لأحد أقارب عيدروس الزبيدي

النفط والشركات التجارية

أفاد مراقبون بأنه تم الضغط على شركة النفط اليمنية، ومديرها طارق الوليدي، بمنع استيراد البترول إلا عبر شركة تتبع الشوذبي ووزير النقل عبد السلام حميد، مشيرين إلى أنه منذ نحو عامَين، والأول هو من يورّد فقط بفوائد كبيرة تذهب إلى خزينة عيدروس. كما تم من وقت إلى آخر خلال الفترة ذاتها توريد شحنات نفطية إلى ميناء قنا بمحافظة شبوة لمصلحة الزبيدي والشوذبي، إلى جانب كميتين من النفط كان معهما فيها محمد الغيثي.

وأشار مراقبون إلى رصد قضايا فساد أيضاً على الشركة الأهلية للصرافة والتحويلات، والشركة العربية «إيكا» للأثاث، ومقرهما الرئيسي عدن، وتتبعان للشوذبي، بدعم من عيدروس.


«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)

عزّزت قوات درع الوطن اليمنية انتشارها العسكري، والأمني في الشريط الحدودي لمحافظة المهرة مع سلطنة عُمان، بالتوازي مع استعادة كميات من الأسلحة التي كانت قد نُهبت من مخازن عسكرية خلال عملية إخراج قوات المجلس الانتقالي المنحل من المحافظة، في إطار حملة أمنية متواصلة تشمل أيضاً محافظة حضرموت.

ووفق بلاغ عسكري حديث، نفذت وحدات من قوات «درع الوطن» في محافظة المهرة مهام تأمين استراتيجية في مديرية شحن، والمنفذ الحدودي الدولي مع سلطنة عُمان، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني، وحماية المواقع الحيوية، والمرافق السيادية، وضمان استقرار الحدود الشرقية للبلاد.

وشاركت في تنفيذ هذه المهام وحدات من اللواء الرابع – الفرقة الثانية بقيادة عبد الكريم الدكام، واللواء الخامس – الفرقة الأولى بقيادة منصور التركي، وذلك في سياق جهود توحيد العمل بين التشكيلات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية، والانضباط الأمني، بما يعكس توجه القيادة العسكرية نحو تعزيز حضور الدولة، وبسط سلطتها في المناطق المحررة.

وأكدت القيادات العسكرية أن هذه الخطوة تمثل صمام أمان لحماية المقدرات الاقتصادية، والاستراتيجية، وتؤكد التزام قوات درع الوطن بمسؤولياتها الوطنية في حفظ الأمن، والاستقرار، وبالتنسيق الكامل مع مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة اليمنية، وبدعم وإسناد من المملكة العربية السعودية، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية لتعزيز الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة من سيطرة جماعة الحوثي.

ضبط أسلحة في المهرة

ضمن حملتها لجمع السلاح، واستعادة ما نُهب من المعسكرات، تمكنت قوات «درع الوطن» اليمنية من ضبط كمية من الأسلحة، والذخائر في منطقة نشطون بمحافظة المهرة، في إطار جهودها الأمنية الرامية إلى مكافحة تهريب السلاح، ومنع انتشاره.

وأفادت السلطات المحلية في المحافظة بأن عملية الضبط جرت أثناء إجراءات تفتيش روتينية في النقطة الأمنية، حيث تم الاشتباه بإحدى المركبات، ليُعثر بداخلها على أسلحة وذخائر، جرى التحفظ عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، وفقاً للقوانين النافذة.

وأكدت قيادة قوات «درع الوطن» في المهرة أن هذه الجهود تأتي ضمن مهامها الأساسية لحفظ الأمن، وحماية المواطنين، ومنع تسرب السلاح، مشددة على استمرارها في أداء واجبها الوطني بكل حزم، ومسؤولية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، بما يسهم في تعزيز حالة الأمن والاستقرار في المحافظة الحدودية.

استعادة بعض الأسلحة التي نُهبت من مخازن قوات «الانتقالي» المنحل (إعلام حكومي)

من جهتها، أشادت قيادة السلطة المحلية في المهرة بأداء قوات «درع الوطن» العاملة في ميناء نشطون، مثمنة جهود قائد أمن الميناء ملازم أول عبد القادر السليمي، وقائد نقطة التفتيش محفوظ علي بن جعرة، ودورهما في تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المنفذ البحري من أي أنشطة غير مشروعة.

وفي موازاة ذلك، أكد مواطنون في المحافظة أن ما تحقق مؤخراً في المحافظات المحررة يمثل فرصة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، وتعزيزها، عبر اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة، والاستفادة الجادة من أخطاء المرحلة السابقة، والاعتراف بها، وضمان عدم تكرارها.

وشدد المواطنون على أهمية استكمال دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة تخضع لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، باعتبار ذلك ضرورة وجودية لبناء دولة قوية، ومستقرة.

كما طالبوا، في الوقت ذاته، بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءات، بعيداً عن المحاصصة السياسية، ومنح السلطات المحلية صلاحيات كاملة لإدارة شؤون محافظاتها، مع تكثيف جهود مكافحة الفساد.

نفي مهاجمة المحتجين

في سياق متصل بتطبيع الأوضاع الأمنية في محافظات شرق وجنوب اليمن، نفت قيادة الفرقة الثانية من قوات «العمالقة»، بقيادة العميد حمدي شكري، نفياً قاطعاً صحة بيان متداول تضمّن اتهامات باستهداف مشاركين في مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي المنحل، مؤكدة أن البيان مفبرك ومحرّف.

وأوضح المركز الإعلامي لقوات «درع الوطن» أن الفرقة الثانية عمالقة لم تستهدف أي متظاهرين، ولم تستخدم السلاح ضد المدنيين، وأن مهامها في النقاط الأمنية تقتصر على تنظيم الحركة، وتأمين الطرق، ومنع أي اختلالات أمنية قد تهدد سلامة المواطنين. وأكد أن الادعاءات حول سقوط قتلى أو جرحى نتيجة أعمال منسوبة للقوات عارية تماماً عن الصحة.

«درع الوطن» تواصل حملة جمع الأسلحة في حضرموت (إعلام محلي)

وحملت قيادة الفرقة مروّجي هذه الادعاءات المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن نشر معلومات مضللة، والتحريض على العنف، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يقف خلف فبركة البيانات، أو الترويج لها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الاجتماعي، ومحاولة لخلط الأوراق، واستهداف المؤسسة العسكرية.

وجددت قيادة الفرقة التزامها بحماية المواطنين، واحترام النظام والقانون، وتنفيذ مهامها وفق التعليمات العسكرية، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.


حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
TT

حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)

في موجة جديدة من العقوبات الأميركية منذ إدراج الحوثيين في اليمن على لوائح الإرهاب، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية حزمة عقوبات جديدة استهدفت البنية الاقتصادية الخفية للجماعة، من النفط والسلاح، إلى الطيران والتهريب البحري.

القرار، الذي شمل 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة، لا يكتفي بتجفيف الموارد، بل يسعى إلى خنق شبكات التمويل العابرة للحدود التي تربط الحوثيين بإيران، مروراً بالإمارات وسلطنة عمان، وصولاً إلى مواني البحر الأحمر.

وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تأتي في سياق استراتيجية أوسع لحرمان الحوثيين من القدرة على تمويل أنشطتهم العسكرية، وهجماتهم على الملاحة الدولية، واستخدام الاقتصاد سلاحاً ضد اليمنيين أنفسهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات من الضغوط الدولية، فإن وزارة الخزانة الأميركية تكشف عن أن الحوثيين ما زالوا يجنون أكثر من مليارَي دولار سنوياً من مبيعات نفطية غير مشروعة. هذه الإيرادات لا تُستخدَم لتحسين الأوضاع المعيشية، بل تُحوَّل مباشرة إلى خزائن الحرب، بينما يُفرض على اليمنيين شراء الوقود بأسعار باهظة.

تمثال للسيناتور السابق ألبرت غاليتين أمام وزارة الخزانة في واشنطن (رويترز)

العقوبات الجديدة استهدفت شبكة شركات واجهة لعبت دور الوسيط بين النفط الإيراني والحوثيين، أبرزها شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة، مثل «الشرفي لخدمات النفط»، و«أديما للنفط»، و«أركان مارس للبترول».

وتقول واشنطن إن هذه الشركات تلقت دعماً مباشراً من الحكومة الإيرانية، وسهّلت شحنات نفط شهرية، بينها شحنات مجانية، مخصصة لتعزيز القدرات المالية للحوثيين.

كما برزت شركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي بوصفها حلقة وصل لتحويل الأموال، من بينها «جنات الأنهار للتجارة العامة»، التي أُعيدت تسميتها بعد إدراجها سابقاً تحت اسم آخر، في محاولة للالتفاف على العقوبات.

وتشير «الخزانة» إلى أن هذه الشبكات لم تكن تجارية بحتة، بل كانت جزءاً من منظومة سياسية - عسكرية هدفها إبقاء الجماعة قادرة على تمويل التصعيد، داخلياً وإقليمياً.

تهريب الأسلحة

الضربة الأميركية لم تقتصر على النفط، بل طالت شبكات تهريب الأسلحة التي تعتمد على شركات لوجيستية وهمية، ومستودعات، ومسارات معقّدة عبر البر والبحر.

ومن بين أخطر القضايا التي كشفتها «الخزانة»، محاولة تهريب 52 صاروخ «كورنيت» مضاداً للدبابات داخل مولدات كهربائية مزيفة، عبر سلطنة عمان إلى صنعاء، قبل أن تتم مصادرتها.

كما أُدرجت شركات صرافة حوثية، أبرزها شركة «الرضوان للصرافة والتحويل»، التي وُصفت بأنها «الخزنة المالية» لعمليات شراء السلاح، حيث استُخدمت أموال المودعين لتمويل شبكات التهريب، ودفع أثمان مكونات صواريخ وأنظمة عسكرية متقدمة.

الجماعة الحوثية تستغل العقوبات داخلياً لقمع السكان وإجبارهم على مناصرتها (أ.ب)

وفي تطور لافت، كشفت العقوبات عن محاولة الحوثيين دخول مجال الطيران التجاري ليس لأغراض مدنية، بل كأداة مزدوجة لتهريب البضائع وتوليد الإيرادات. فقد تعاونت قيادات حوثية مع رجال أعمال موالين للجماعة لتأسيس شركتَي «براش للطيران» و«سما للطيران» في صنعاء، مع مساعٍ لشراء طائرات تجارية، بعضها بالتواصل مع تاجر أسلحة دولي مدان.

وترى واشنطن أن هذا التوجه يكشف عن انتقال الحوثيين من اقتصاد حرب محلي إلى اقتصاد تهريب إقليمي، يستخدم واجهات مدنية لتغطية أنشطة عسكرية.

الشحن البحري

كان البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى بؤرة توتر دولي، حاضراً بقوة في لائحة العقوبات الأميركية الجديدة، فبعد انتهاء التراخيص الإنسانية التي سمحت بتفريغ شحنات نفطية لفترة محدودة، واصلت بعض السفن نقل الوقود إلى موانٍ يسيطر عليها الحوثيون، في خرق صريح للقيود الأميركية.

العقوبات طالت شركة «البراق للشحن»، وسفينتها «ALBARRAQ Z»، إضافة إلى عدد من قباطنة السفن الذين أشرفوا على تفريغ شحنات نفطية في ميناء رأس عيسى. وتؤكد «الخزانة» أن هذه العمليات وفَّرت دعماً اقتصادياً مباشراً للحوثيين، بعد تصنيفهم «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً».

هجمات الحوثيين البحرية أدت إلى غرق 4 سفن شحن وقرصنة خامسة خلال عامين (أ.ف.ب)

الأخطر، وفق واشنطن، هو التحذير من العقوبات الثانوية، التي قد تطال مؤسسات مالية أجنبية تُسهّل «عن علم» معاملات كبيرة لصالح أشخاص أو كيانات مدرجة. فمكتب «OFAC» يملك صلاحية حظر أو تقييد الحسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة، ما يعني عملياً عزل أي بنك مخالف عن النظام المالي العالمي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أدرجت الحوثيين «منظمةً إرهابيةً عالميةً مصنفةً تصنيفاً خاصاً»، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة، اعتباراً من 16 فبراير (شباط) 2024، ثم صنّفتها لاحقاً أيضاً «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً» بموجب المادة 2019 من قانون الهجرة والجنسية في 5 مارس (آذار) 2025.