الكاردينال «ريشيليو».. ونهاية الحرب الأهلية الفرنسية

الكاردينال «ريشيليو»
الكاردينال «ريشيليو»
TT

الكاردينال «ريشيليو».. ونهاية الحرب الأهلية الفرنسية

الكاردينال «ريشيليو»
الكاردينال «ريشيليو»

قلما يجود التاريخ السياسي بشخصية مثل شخصية «الكاردينال ريشيليو» الذي كان مما لا شك فيه من أعظم الشخصيات السياسية التي عرفتها فرنسا في التاريخ الحديث، فالرجل لا يمثل فقط طرازًا من رجال الدولة النادرين على المستوى الدولي، ولكنه أيضا يمثل النموذج العظيم للرجل الثاني خلف مركز القوة في الدولة، والآمر والناهي في نفس الوقت، فهو نموذج للشخصية السياسية التي يكرهها كل من هم حول مركز السلطة لتأثيره المباشر على الملك، ولكنه أيضا نموذج للشخصية التي يكرهها الحاكم، ولكنه لا يستطيع أن يستغني عنها، فهو رجل المتناقضات السياسية، كما أنه أيضا رجل المتناقضات الدينية، فهو كاردينال في السلك الكنسي الكاثوليكي، ولكن البابا يلقبه بـ«بطريرك الكفرة»!، ومع ذلك فهو الذي وضع الحد للحرب الأهلية المذهبية في فرنسا وأكمل عمل الملك هنري الرابع، كما أنه صاغ السياسة الفرنسية والتي أصبحت فيما بعد سمة أنظمة الحكم في أوروبا ورسخ لمفهوم القوة المطلقة للدولة النابعة من الدولة وليس الدين أو أي طبقة، فهو الذي صاغ مفهومًا جديدًا في السياسة الفرنسية ثم الأوروبية وهو مفهوم Raison d›etat أو للأسباب التي تتعلق بقوة الدولة، وقد استخدم الكاتب الفرنسي العظيم ألكسندر دوما شخصية «ريشيليو» ليجسد الشخصية السياسية الكريهة، ولكن حتى هو لم يستطع التخلص منها في رواياته أيضًا!
بدأت رحلة الكاردينال «ريشيليو» في السياسة الفرنسية من خلال انعقاد البرلمان الفرنسي إبان حكم لويس الثالث عشر تحت وصاية أمه «ماريا مديتشي»، وقد كان الرجل ممثلاً لأحد الأقاليم الفرنسية باعتباره رجلاً من رجال الكنيسة الكاثوليكية، وعلى الرغم من أن البرلمان انفض دون جدوى، فإن «ريشيليو» كان قد لفت انتباه الملكة الأم التي رأت فيه العقلية السياسية المناسبة كمستشارها، وقد استطاعت مع مرور الوقت أن تُسوق الرجل سياسيًا لابنها، ولكن سرعان ما تمرد الملك الابن وقضى على كل مستشاري أمه وعزلها مع «ريشيليو» الذي كان قد حظي بلقب «الكاردينال» على الرغم من أنه لم يكن قد بلغ السن القانوني لتقلد هذه الدرجة الكنسية وفقًا للقانون الفرنسي.
ومع ذلك فإن الرجل عاد مرة أخرى إلى حضن البلاط الملكي بكل قوة، فلقد بدأ يتدرج في الثقة حتى جعله الملك لويس الثالث عشر رئيس وزرائه، وعلى الرغم من القدرات المحدودة للملك مقارنة بالرجل، فإن «ريشيليو» كان دائمًا يسعى لإقناع الملك بأن الأفكار كلها أفكاره، والمشورة مشورته، فكان كثيرًا ما يوعز للملك بالسياسات وينفذها على أنها سياسات الملك، وهو ما جعله بعيدًا عن الشبهات لأنه لم يتطلع أبدًا لمنافسة سلطة الملك، بل كان دائمًا يكبح جماح نفسه وغيظه أو غروره، فالرجل كان حكيمًا ويعرف كيف يلعب دوره كرجل ثانٍ في الدولة حتى ولو كان الطرف الأذكى في معادلة القوة مع الملك، وقد تركزت سياسة «ريشيليو» في التأكيد على أهمية دور رجل الدولة والسلطة المطلقة للملك، فهاتان كانتا خلاصة فكر هذا العبقري، وهو الدواء الذي كانت فرنسا في أشد الحاجة له لظروفها السياسية والاجتماعية، ولم يكن يأبه في ذلك الوقت بآراء العامة أو الخاصة فيه، فهذا كان زمن السلطة المطلقة للملك التي دشنها هذا الرجل، فلقد عمل على إضعاف كل القوى التي كانت تنتقص من سيادة الملك، وعلى رأسها السلطة المتراكمة للنبلاء والإقطاعيين، والتي لم تأبه كثيرًا بالمراسيم الملكية، بل تلاعبت بها نظرًا لضعف الدولة بسبب الحرب الأهلية التي ضربت البلاد على مدار عقود ماضية، وهنا كان قرار «ريشيليو» تقليم أظافر كل الأرستقراطية وطبقة ملاك الأراضي من خلال قرار ملكي بإزالة كل القلاع الخاصة بهم والتي كانت مشيدة في غير مجال الدفاع عن الدولة، وكان الهدف منها هو القضاء على القوة النسبية لهذه الطبقة حتى تكون القوة للسلطة المركزية، وليس لأي طرف آخر، كما وضع القوانين التي نظمت سلوكياتهم تمامًا بلا أي مجال للفوضى، بل أنه تجرأ على الطبقة وقطع رقاب بعضها، والتي لم تمتثل لقوانين الملك، جاعلاً بذلك يد الدولة العليا.
أما الطبقة الثانية التي نوى الكاردينال التخلص من ثقلها السياسي فكانت مجموعات البروتستانت الخارجة عن الديانة الكاثوليكية، والتي كانت الحرب بينها وبين الكاثوليك هي سبب الحرب الأهلية الفرنسية لمدة عقود ممتدة، وذلك دون الإقلال من مكتسباتها وحقوقها، فلقد سمح مرسوم «نانت» الذي أصدره الملك هنري الرابع كما رأينا بأحقية البروتستانت في إقامة الميليشيات في قرابة مائة مدينة لحمايتها، كما أنهم باتوا يهددون وحدة الدولة مرة أخرى من خلال الدعم الإنجليزي الذي تلقوه، والذي بدأت بمقتضاه بشائر الحرب الأهلية مرة أخرى تهل، وهنا وضع «ريشيليو» نهاية للحرب الأهلية قبل تفشيها من خلال هزيمة البروتستانت هزيمة عسكرية كاملة، ولكنه عقد لهم ما هو معروف بصلح «أليه» في 1629، والذي بمقتضاه فكك كل الحقوق العسكرية التي كانت لهم، ولكنه منحهم حقوق المواطنة الكاملة والمتساوية مع الكاثوليك في البلاد، واضعًا بذلك نهاية للحرب الدينية في فرنسا، ولكن أغرب ما في الأمر أن كاردينالاً كاثوليكيًا هو الذي منح البروتستانت حقوقهم المتساوية في فرنسا ووضع أسس فكرة المواطنة في البلاد! ولكن هذه الحقيقة تشهد لـ«ريشيليو» وليس ضده رغم ما تردد عن فساده الأخلاقي الذي كان مثار الكثير من الأحاديث والنوادر، وبالقطع كان هذا أحد الأمور التي دفعت البابا في روما إلى كراهيته كراهية التحريم، فمن الذي كان يمكن أن يصدق أن كاردينالاً كاثوليكيًا هو الذي سيمنح البروتستانت في فرنسا الحرية الكاملة والمواطنة العادلة؟ ولكن هذه سمة رجل الدولة العظيم.
ولكن عظمة الرجل السياسية كانت أعمق من ذلك، فلقد اتبع الرجل سياسة مزدوجة ومتناقضة على المستوى المحلي مقابل الدولي، فعلى حين شد ساعده على البروتستانت في الداخل ليجعلهم مواطنين فرنسيين وليس مواطني أقليات دينية، فإنه كان يدعم حركات البروتستانت في ألمانيا، فلقد كان الرجل أفضل من لعب بكارت الاختلاف المذهبي في الإمبراطورية الرومانية المقدسة لكسرها من الداخل، بل إنه قام بدعم الدنمارك والسويد من أجل الدخول في حروب مذهبية لتحرير البروتستانت في ألمانيا، كما أنه كان يمول هذه الجماعات بشكل مباشر خاصة بعد اندلاع حرب الثلاثين عامًا، والتي كانت بمثابة السرطان السياسي الذي كسر الإمبراطورية وأدى لتفتتها بإقرار أحقية الملوك والأمراء تحديد المذاهب بأراضيهم ضاربًا الشعار السامي الكاثوليكي «إله واحد - إمبراطور واحد» في مقتل، ولكن القدر لم يمهل الرجل ليرى نجاح سياسته في 1648 بعد إقرار اتفاقية «وستفاليا»، والتي وضعت حدًا للقوة السياسية الألمانية لمدة قرنين من الزمان فلم تعد هذه الدولة تمثل لفرنسا العدو القاتل الذي كانت تمثله من قبل، وذلك إلى أن وحّدها بسمارك مرة أخرى في منتصف القرن التاسع عشر.
لقد وجه «ريشيليو» كل جهده نحو تقوية قوة التاج بكل ما أوتي من قوة، وذلك لاعتقاده الكامل بأن الدولة الفرنسية في حاجة إلى قوة مركزية تحكمها بعد تفتتها سياسيًا بسبب الحروب المذهبية والفوضى الداخلية، وقد كانت هذه المرحلة من التاريخ الفرنسي في حاجة لمثل هذه السياسة، فالدول عندما يتهدد كيانها وتتفتت وحدتها وتصير مهددة تصبح القوة المطلقة للدولة طوق نجاتها لفرض النظام بداخلها، من ثم ضرورة الحكم على «ريشيليو» من منظور عصره ومن منظور الحاجة السياسية لفكره آنذاك، ورغم الاختلافات الممتدة حول هذه الشخصية فإنها ستظل أيقونة سياسية لا خلاف على عظمتها، فهو تجسيد لمفهوم رجل الدولة الذي انتشل بلاده من الحرب الأهلية والخيبة الملكية والعسر الطبقي وحوّلها إلى أقوى دولة في أوروبا، ولو حكمنا على الرجل من وجهة نظر البابا في روما لوجدناه «كافرًا»، ولو حكمنا عليه من وجهة نظر الدولة الفرنسية سنجده «عظيمًا»، فالدور الذي لعبه «ريشيليو» كان سياسيًا وليس دينيًا، ومن ثم وجب الحُكم عليه من هذا المنطلق، فهكذا تُحكم الدول.



ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

ماركواين ملين
ماركواين ملين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

ماركواين ملين
ماركواين ملين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية. خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.


سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن


مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)
TT

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن


مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران يتلخص بـ«لا للحرب» No a la Guerra، كان يعرف أنه يتكلّم باسم غالبية مواطنيه، وأيضاً غالبية الأوروبيين الذين ما زالت تحترق أصابعهم بنار الحرب الدائرة في أوكرانيا. وكان يعرف أيضاً أن خطوته تلك هي المجازفة الأكبر في مسيرته السياسية الحافلة بالمفاجآت والانعطافات المذهلة. لكنه لم يكن يتوقع أبداً، كما قال لنا أحد مساعديه المقربين، أنه قبل نهاية الأسبوع الثاني من هذه الحرب التي بدأت شظاياها الاقتصادية تتساقط على الاتحاد الأوروبي، سيبني شركاؤه الأوروبيون موقفهم المشترك استناداً إلى تلك الخطوة المتقدمة التي قام بها. «الشرق الأوسط» رافقت من كثب صيرورة هذا الموقف الإسباني، الذي استبق مواقف العواصم الأوروبية الكبرى من الحرب التي فتحت خامس أزمة بين واشنطن وبروكسل في غضون أقل من 14 شهراً منذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

بعدما شكّل بيدرو سانشيز ثلاث حكومات متتالية وهو لا يزال دون منتصف العقد الخامس من العمر، يُعدّ رئيس الوزراء الإسباني الحالي الرئيس الأكثر تمرّساً وخبرة في الشؤون الخارجية، مقارنة بكل من سبقه منذ أن عادت الديمقراطية إلى إسبانيا.

سانشيز وصل إلى قيادة الحزب الاشتراكي الإسباني من الصفوف الخلفية، وضد إرادة القيادات التاريخية للحزب. واستطاع أن يكمل ولايتيه الأوليين ضد كل التوقّعات التي رجَّحت سقوطه غير مرة بسبب عوزه للدعم البرلماني الكافي وهشاشة تحالفاته. وها هو اليوم في طريقه لإكمال الولاية الثالثة مع أن حزبه خسر الانتخابات العامة الأخيرة لصالح الحزب الشعبي المحافظ، الذي فشل في جمع الغالبية البرلمانية اللازمة لتشكيل حكومة.

آخر يساريي أوروبا

يقود بيدرو سانشيز اليوم الحكومة اليسارية الوحيدة المتبقية في الاتحاد الأوروبي، والحكومة الوحيدة بين الدول الأعضاء التي رفعت الصوت بوجه إسرائيل خلال «حرب غزة» إلى أن سحبت أخيراً سفيرتها من تل أبيب. وهذا، بجانب كونها الوحيدة بين حكومات البلدان الوازنة في الاتحاد التي قالت «لا» للحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وبهذا الموقف، جازفت وتجازف بمواجهة غير متكافئة على كل الصُّعد ضد «الحليف» الأميركي الذي سارع إلى التهديد بمعاقبتها، كذلك تخاطر بأن تبقى وحدها في أوروبا مبحرة بعكس الرياح الترمبية.

غير أن هذا الموقف الإسباني، الذي فاجأ بوضوحه وقوته القاصي والداني، جاء – كما يقول مراقبون – ثمرة دراسة متأنية للمشهدين الإقليمي والدولي، كما هو وليد خبرة سانشيز وحدسه السياسي، ورهانه الذي بدأت مؤشرات نجاحه تتبدّى في الأفق الأوروبي.

في الواقع، بعد ساعات قليلة من اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، صدرت عن رئيس الوزراء الإسباني مواقف قوية ومختلفة عن تلك التي صدرت عن نظرائه الأوروبيين الذين أحجموا في تصريحاتهم عن انتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولذا؛ بدا سانشيز وكأنه سيبقى وحيداً في الاعتراض على القرار الأميركي عندما قال: «نرفض العملية العسكرية الأحادية التي تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل، مثلما نرفض أعمال النظام الإيراني و(الحرس الثوري). إننا لا يمكن أن نسمح بنشوب حرب أخرى مدمّرة في الشرق الأوسط». وجاء هذا الموقف من إسبانيا، بينما اختارت كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا الصمت أو إطلاق تصريحات خشبية للتعليق على القرار الأميركي - الإسرائيلي.

موقفان لليمين الإسباني

المعارضة اليمينية في إسبانيا سارعت إلى انتقاد سانشيز، وأبدت في البداية ارتياحها لقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، معتبرة أن رئيس الوزراء سانشيز «يغرّد وحده بعيداً عن السرب» الأوروبي. لكن مع مرور الساعات والأيام بدأ المشهد يتغّير، ونحت معظم العواصم الأوروبية، بما فيها روما التي تفاخر بعلاقات رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني الوثيقة مع ترمب، إلى الاقتراب من موقف سانشيز.

وحقاً، صباح الخميس من الأسبوع الماضي استيقظت رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية المتشددة على عناوين الصحف الكبرى منوّهة بموقف سانشيز الذي يتمتع بشعبية واسعة وتقدير في أوساط الرأي العام الإيطالي. وعلى الأثر قرّرت إرسال وزير دفاعها إلى البرلمان ليقول: «من البديهي أن هذه الحرب تجاهلت أحكام القانون الدولي والشرعية الدولية. وأما بالنسبة للقواعد الأميركية في إيطاليا، فإننا سنحذو حذو بيدرو سانشيز...». وفي أول مثول لها أمام البرلمان الإيطالي، قالت ميلوني إن بلادها ليست في وارد الدخول في هذه الحرب التي اندلعت خارج الشرعية الدولية.

وبعد أحد عشر يوماً على إعلان سانشيز قرار حكومته منع استخدام القواعد الأميركية في العمليات العسكرية ضد إيران - الأمر الذي استدعى تهديدات قاسية من لدن ترمب - بدأت الحرب تثير الرفض بين القيادات الأوروبية، وفي أوساط الرأي العام الأوروبي، كما أظهرت جميع الاستطلاعات. وهذا بينما كان الرأي العام الأميركي أيضاً يميل إلى رفضها.

أمام هذا التحول السريع، اندفعت المعارضة الإسبانية إلى القول بأنها لم تؤيد الحرب أبداً، محاولة النأي بنفسها عن القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء الأسبق خوسيه ماريا آزنار بتأييد حرب جورج بوش على العراق عام 2003. ولكن كان من الصعب إبطال مفاعيل التصريحات الأولى التي أدلى بها قياديون بارزون في الحزب الشعبي تأييداً للحرب على إيران.

المعركة السياسية داخل إسبانيا

خارج إسبانيا، رسّخ موقف سانشيز صورته كعدو للرئيس الأميركي ورهان كبير لليسار الأوروبي المترنح منذ سنوات. لكن المعركة الحقيقية بالنسبة لسانشيز تدور رحاها في الداخل الإسباني، حيث تتراجع القوى اليسارية أمام اندفاع القوى اليمينية وصعودها المطّرد كما بيّنت الانتخابات الإقليمية الأخيرة.

أوساط الحزب الاشتراكي تقول إنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان الموقف الرافض للحرب سيعكس هذا المنحى، كما حصل في عام 2003، عندما انقلب الرأي العام لصالح اليسار، وبالتالي خسر الحزب الشعبي رئاسة الحكومة بعدما مني بهزيمة قاسية في الانتخابات العامة.

وحالياً، يركّز سانشيز حملته الداخلية مستنداً إلى موقفه الرافض للحرب وشق المعاناة الاقتصادية التي ستتسبب فيها. إذ يقول: «هذه الحرب ستتسبب في المزيد من التضخم والمعاناة، ولذلك أيضاً؛ يجب أن نرفضها. والرفض هذا هو تأييد للسلم ودعم لشركاتنا وعمالنا وزراعتنا». ويتابع أن حكومته بدأت تستعد لتقديم الدعم إلى الأفراد والمؤسسات، مستفيدة من حسن أداء الاقتصاد الإسباني الذي يسجّل أعلى مستويات النمو في الاتحاد الأوروبي منذ ثلاث سنوات. ولقد جاءت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس صباح الأربعاء؛ لتعزز التوجه نحو الاصطفاف الأوروبي بجانب سانشيز، عندما قال: «ليس من مصلحة أوروبا أن تستمر هذه الحرب التي لا نرى نهاية لها في الأفق».

أكثر من هذا، تذهب بعض الأوساط القريبة من سانشيز في تفاؤلها إلى حد ترجيح انقلاب المشهد السياسي الداخلي، وإقدام رئيس الوزراء على حل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات مسبقة.

لكن يبدو ان سانشيز ما زال يتريّث في اتخاذ هذا القرار وانتظار تحوّل أوضح في الموقف الأوروبي المشترك لناحية موقفه؛ إذ إنه يدرك جيداً مدى ضعفه في البرلمان، ويتفهّم الهزائم التي تعرّض لها حزبه أخيراً في الانتخابات الإقليمية. وهذا، فضلاً عن فضائح الفساد التي تطال قيادات بارزة في حزبه... والتي لم تصل بعد إلى خواتيمها القضائية.

الأبعاد والتداعيات الأوروبية

أما على الصعيد الأوروبي، فيتطلّع كثيرون إلى أن يؤدي هذا التحوّل إلى استعادة القوى «التقدمية» (الليبرالية والاشتراكية) تفاؤلها بكبح موجة اليمين المتطرف التي تجتاح العالم، مدعومة من الرئيس الأميركي، بعدما بدأت تتضّح تبعات بعض سياساته على العالم منذ وصوله إلى السلطة. ويعوّل هؤلاء على انحسار ما يسمونه «الإعصار الترمبي» بعد الانتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة الخريف المقبل.

في هذه الأثناء، الدائرة الضيقة حول سانشيز، والتي تحدثت «الشرق الأوسط» إلى بعض أفرادها، تبدو على يقين من أن رئيس الوزراء الإسباني أصاب في قراءته المشهد السياسي منذ اللحظة الأولى، وأن خبرته في استباق الأحداث هي التي كانت وراء ذلك. إذ كشف أحد مساعديه عن أن سانشيز كان يتابع منذ أسابيع طويلة كل التطورات في المنطقة، وأيضاً الموقف الأميركي، على ضوء تصريحات ترمب. وبدأ، من ثم، يستعد لمثل «السيناريو» الراهن وخيارات الردّ عليه، ووفق هؤلاء، كان هذا الرد كان جاهزاً عندما بدأت العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية.

ثم أن الزعيم الإسباني، وفق هؤلاء المقرّبين، كان على تواصل دائم مع غالبية نظرائه الأوروبيين، وأيضاً بعض القيادات الوازنة في منطقتي الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. وأن تنسيقه بعيداً عن الأضواء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعب دوراً حاسماً في اتخاذه الموقف الرافض للحرب. وكشفت مصادر أخرى عن أن ماكرون سارع إلى الاتصال بسانشيز والإعراب له عن تضامنه بعد تهديدات الرئيس الأميركي بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا لرفضها السماح باستخدام القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها.

ومن معلومات مصدر مطّلع، أن سانشيز كان قد اتفق مع ماكرون على إرسال سفينة حربية إسبانية للمشاركة في تشكيل قوة أوروبية للدفاع عن قبرص، التي تتولى حالياً الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي. إلا أن مدريد قرّرت التريّث في الكشف عن ذلك الاتفاق للإيحاء بأنها تتردّد في اتخاذ هذا الموقف.

وفي سياق متّصل، فإن بعض الأوساط الأوروبية تتطلّع إلى أن يصبح الموقف الإسباني «نواة» للموقف المشترك من هذه الحرب، التي بدأت تظهر تداعياتها القوية في أوساط الرأي العام على مستوى القارة.

وحسب هذه الأوساط، ثمة ميل أوروبي واضح لرفض فكرة ظهور الولايات المتحدة كقوة استبدادية ومزاجية واعتباطية قادرة على المجازفة بشن حرب غير شرعية في أكثر مناطق العالم سخونة في غياب استراتيجية واضحة لها أو احتساب تداعياتها الاقتصادية والأمنية والإنسانية.

بالتوازي، يرى مراقبون، أن ما يعزّز موقف سانشيز، أنه يتطابق تماماً مع الموقف الذي اتخذته إسبانيا عندما نشبت الحرب في أوكرانيا، وأيضاً عندما شنت إسرائيل عدوانها الوحشي على غزة حين اكتفى رئيس الوزراء الإسباني بالدفاع عن القانون الدولي والشرعية المنبثقة من الأمم المتحدة، ليصبح الصوت الأوروبي الأعلى المناهض لإسرائيل، ومرجعاً لليسار على الصعيد الدولي. رئيس الوزراء الإسباني: «نرفض العملية العسكرية الأحادية التي تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل

مثلما نرفض أعمال النظام الإيراني والحرس الثوري»