الانتخابات الفرنسية: المفاجآت غير مستبعدة

ماكرون يوجّه سهامه للوبن... وميلونشون «متربص»

فرنسية تلتقط صورة «سيلفي » مع الرئيس ماكرون في سوق مفتوحة قرب باريس أمس (أ.ف.ب)
فرنسية تلتقط صورة «سيلفي » مع الرئيس ماكرون في سوق مفتوحة قرب باريس أمس (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات الفرنسية: المفاجآت غير مستبعدة

فرنسية تلتقط صورة «سيلفي » مع الرئيس ماكرون في سوق مفتوحة قرب باريس أمس (أ.ف.ب)
فرنسية تلتقط صورة «سيلفي » مع الرئيس ماكرون في سوق مفتوحة قرب باريس أمس (أ.ف.ب)

بدأت منتصف الليل الماضي فترة «الصمت الانتخابي» التي تمنع أي دعاية انتخابية أو نشر نتائج استطلاعات الرأي أو التحدث إلى وسائل الإعلام، بانتظار الساعة الثامنة من مساء الغد حيث تظهر أولى نتائج الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية.
وفيما يخيِّم جو من الترقب، أو التخوف، حول نسبة مشاركة الـ48 مليون ناخب في هذا الاستحقاق الرئيسي في الحياة السياسية في فرنسا نظراً إلى الصلاحيات الواسعة التي يوفرها دستور الجمهورية الخامسة لرئيس الجمهورية، فإن ما أفرزته استطلاعات الرأي المتعاقبة في الأسابيع الثلاثة الأخيرة تبيِّن أن اثنين من ثلاثة مرشحين سيتمكنان من التأهل للدورة الثانية التي ستجرى في 24 الجاري. والثلاثة هم: الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، ومرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون.
وإذا كانت استطلاعات الرأي الأخيرة ترجِّح تأهل ماكرون ولوبن للجولة الحاسمة بحيث يحصل الأول على 26% إلى 27% من الأصوات، فيما الثانية ستحصل على 23% إلى 24%، إلا أن عدداً من المحللين لا يستبعد حصول مفاجأة تحمل ميلونشون، الذي يخوض المنافسة الرئاسية للمرة الثالثة كما مارين لوبن، من أن يقارع للمرة الأولى الرئيس ماكرون باسم كتلة وناخبي اليسار بمختلف تياراته. لكن ميلونشون ما زال بعيداً عن الالتصاق بمنافسيه الأولين (ما بين 16 و17%). ويقوم رهانه على تعبئة محازبيه وأنصاره، وعلى اجتذاب نسبة مهمة من ناخبي مرشحي الحزبين الاشتراكي والشيوعي (آن هيدالغو وفابيان روسيل) وبعض ناخبي مرشح الخضر يانيك جادو، إضافةً إلى تخلف بعض ناخبي لوبن.
تعد نسبة المشاركة المجهول الأكبر في هذه الانتخابات وربما وصلت إلى 30% أو جاورتها. وبما أن شريحة كبيرة من الناخبين تقرر في اللحظة الأخيرة لمن تعطي صوتها، فإن الركون إلى ما تحمله استطلاعات الرأي في هذه المنافسة لا يخلو من المقامرة. ثم إن غياب اليقين ينسحب على الجولة الثانية.


             مرشحة اليمين المتطرف ماري لوبن وسط مؤيديها خلال جولة انتخابية في جنوب فرنسا أمس (أ.ف.ب)

وللتذكير، فإن الرئيس ماكرون سحق في الجولة الثانية من انتخابات عام 2017 منافسته لوبن. إذ حصل على 66% مستبِقاً الأخيرة بـ32 نقطة. لكنّ الأمور تغيّرت بعد خمس سنوات من وجوده في قصر الإليزيه. ذلك أن استطلاعات الرأي تبيّن تقلص الفارق بشكل كبير، بحيث يتأرجح ماكرون ما بين 52% و53%، ولوبن ما بين 47% و48%. والحال أن هامش الخطأ يصل إلى 2%، ما يعني أن مصير المنافسة الرئاسية ليس معروفاً سلفاُ. والنتيجة أن نوعاً من القلق أخذ يدبّ في صفوف الطاقم الرئاسي. إضافةً إلى أن ماكرون أخذ في الأيام الأخيرة يستهدف لوبن بشكل مباشر. واستغل المقابلة التي نشرتها صحيفة «لو باريزيان» أمس، وكذلك الحديث الصحافي إلى إذاعة «آر تي إل» لمهاجمة لوبن والتنديد ببرنامجها الانتخابي. ففي نظره، «لم تتغير أساسيات برنامج لوبن الانتخابي إذ إنه برنامج عنصري وعنيف يهدف إلى إحداث انشقاق داخل المجتمع». واتهم ماكرون منافسته بـ«الكذب» واتباع نهج «التقية»، معتبراً أنها ستكون «عاجزة» عن تنفيذ وتمويل برنامجها الاقتصادي – الاجتماعي، مندداً في الوقت عينه، بالصورة التي تريد الترويج لها من أنها تخلت عن التطرف وأصبحت مرشحة عادية.
لم يحن بعد زمن النظر في الأخطاء التي ارتكبها فريق ماكرون. لكن يبدو اليوم أن دخوله المتأخر الحملة الانتخابية أحد أسباب تراجع شعبيته مقارنةً بمنافسته. ذلك أن لوبن أعلنت ترشحها رسميا في 9 أبريل (نيسان) من العام الماضي، أي قبل عام تماماً، بينما ماكرون أعلن ترشحه في 3 مارس (آذار)، أي بعد نحو عام من منافسته. وبالطبع، ماكرون، كرئيس للجمهورية وللاتحاد الأوروبي، كان منشغلاً للغاية (وما زال) بالحرب في أوكرانيا وبمساعيه لنفح النادي الأوروبي بدينامية جديدة وبمشاركته في الاجتماعات المتلاحقة متعددة الأشكال (الاتحاد الأوروبي، والحلف الأطلسي، ومجموعة السبع...) فضلاً عن إدارة شؤون فرنسا. وبالتالي لم تكن أجندته تسمح له بأن يتفرغ للمعركة الرئاسية ومن أجل ولاية ثانية.
إلا أن المحللين السياسيين يرون أسباباً أخرى وراء تراجع التأييد لماكرون وأولها برنامجه الانتخابي وما نص عليه (أو ما لم ينص عليه) من مقترحات. فماكرون، على سبيل المثال، يقترح رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، داعياً الفرنسيين، في حال رغبوا في المحافظة على نظامهم الاجتماعي، إلى العمل لفترة أطول. ففي ألمانيا، يقع التقاعد في سن الـ67 عاماً. والحال أنه سعى، إبان حكومة إدوار فيليب وقبل جائحة «كوفيد - 19» إلى تعديل قانون التقاعد، الأمر الذي أثار موجة من الاحتجاجات والإضرابات. وكانت المحصلة أن مشروع القانون الذي أُعد وُضع على الرف. كذلك رأى كثيرون أن برنامج ماكرون يميل يميناً بحيث ابتعد عنه ناخبو اليسار. وفي المقابل، فإن منافسته سعت إلى أن تكون أقرب إلى الناس وجعلت الدفاع عن القوة الشرائية لولب دعايتها الانتخابية بالتوازي مع التركيز على مسائل الأمن والهجرات.
وعلى الرغم من محاولات لوبن أن تقدم نفسها على أنها مرشحة معتدلة، فإن برنامجها يقول عكس ذلك. ففي موضوع الهجرات، فإنها تريد استشارة الفرنسيين في استفتاء عام. وليس سراً أنها تريد وضع حد للهجرات العشوائية واتباع سياسة «الكوتا» المرتبطة بحاجة الاقتصاد، وإلغاء الحصول على الجنسية الفرنسية بشكل آليّ للذين يولدون على الأراضي الفرنسية من أبوين مهاجرين، وحصر الحصول على الهوية الفرنسية عبر عملية التجنس المعقدة عادةً. وتريد بالتوازي إلغاء سياسة الشمل العائلي واتباع سياسة تفضيلية لصالح الفرنسيين في العمل وتخصيص المساكن والمساعدات الاجتماعية. كذلك ينص برنامجها على حرمان الأجنبي من تأشيرة الإقامة إذا كان عاطلاً عن العمل لأكثر من عام، والطرد المنهجي للمهاجرين غير الشرعيين وللأجانب الذين يُمضون أحكامهم في السجون الفرنسيون وكل من لا يحصل على حق اللجوء...
هذا غيض من فيض ما تقترحه لوبن التي تريد أيضاً منع أي إشارة دينية في القضاء وتشديد سياسة التعاطي مع الإسلامويين. إلا أنها تبدو أقل تطرفاً قياساً لما يطرحه مرشح اليمين الشعبوي إريك زيمور الذي يرى في الإسلام وليس في الإسلام الراديكالي المتطرف أو الإسلامويين، الخطر الأكبر الذي يهدد الجمهورية الفرنسية والثقافة والحضارة الغربيين، وتصل به الأمور إلى طلب منع الأسماء العربية واستبدال أسماء غربية بها...
تسير انتخابات عام 2002 على الأرجح، باتجاه استنساخ ما جرى عام 2017 مع فارقين أساسيين: الأول، أن ماكرون اليوم، افتقد الدينامية التي نجح في استثارتها المرة الماضية وخسر الكثيرين ممن آمنوا برغبته الإصلاحية وبسعيه لتخطي الأحزاب التقليدية فضلاً عن أن كثيرين ما زالوا يرون فيه «مرشح الأغنياء». وبعد أن كان متيقناً من اجتياز الامتحان الرئاسي بسهولة، تبدلت الأمور في المائة متر الأخيرة. وفي المقابل، فإن لوبن تعلمت من تجربتها الماضية، وهي تؤكد أنها اليوم «جاهزة» لتسلم إدارة شؤون البلاد. ويقف مرشح اليسار المتشدد «متربصاً»، وهو الذي كرر كثيراً أن «لحظته قد أتت». وثمة إجماع على أن ميلونشون قام بالحملة الانتخابية الأكثر نجاحاً، إذ قفزت شعبيته من أقل من 10% إلى حدود 17% على الرغم من وجود خمسة مرشحين يمكن تصنيفهم على يسار المشهد السياسي الفرنسي.
يبقى أن الكلمة الفصل ستكون لصناديق الاقتراع التي ستعين المرشحين الذين ستظهر صورتهما على شاشات التلفزة في الساعة الثامنة من مساء الغد.



أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).