خبير دولي: صور الجثث في بوتشا غير كافية لإثبات الاتهامات بجرائم الحرب

فرنسا توفر قدرات مالية وبشرية للتحقيق في المجازر... والبابا يندد ب «وحشية تزداد فظاعة »

في بوتشا يحضرون الأكفان لنقل الجثث إلى ثلاجات الموتى (أ.ب)
في بوتشا يحضرون الأكفان لنقل الجثث إلى ثلاجات الموتى (أ.ب)
TT

خبير دولي: صور الجثث في بوتشا غير كافية لإثبات الاتهامات بجرائم الحرب

في بوتشا يحضرون الأكفان لنقل الجثث إلى ثلاجات الموتى (أ.ب)
في بوتشا يحضرون الأكفان لنقل الجثث إلى ثلاجات الموتى (أ.ب)

بينما تؤكد السلطات الأوكرانية أن الجنود الروس قتلوا مدنيين، وقاموا بأعمال وحشية وقتل جماعي في مدينة بوتشا وبعض المدن الأخرى، والتي ترتقي إلى جرائم حرب، حذّر خبير دولي من أن الصور الصادمة لجثث منتشرة على الطرقات تعكس حصول جرائم حرب؛ لكنّها ليست كافية؛ إذ إن تقديم دليل قانوني وأكثر من ذلك محاكمة المذنبين، هو مهمة يصعب تحقيقها، بينما تنفي موسكو القيام بتلك الأعمال، متّهمة كييف بتركيب هذه المشاهد.
وقالت روسيا إنها لم تستهدف المدنيين، ووصفت الأدلة المقدمة بأنها «تزوير شنيع» عمد إليه الغرب لتشويه سمعتها. ومنذ انسحاب القوات الروسية من البلدات والقرى المحيطة بالعاصمة الأوكرانية كييف، عرضت القوات الأوكرانية على الصحافيين جثثاً لمن وصفتهم بمدنيين قتلتهم القوات الروسية، ومنازل مدمرة وسيارات محترقة.


مسنة بالقرب من بيتها المدمر في بروديانكا (أ.ب)

وقال فيليب غرانت مدير منظمة «ترايل» (Trial) المتخصصة في مكافحة الإفلات من العقاب فيما يخص الجرائم ضد الإنسانية، في مقابلة مع وكالة «الصحافة الفرنسية»، إن «الصور بحدّ ذاتها نادراً ما تُعتبر أدلّة قاطعة». وأضاف: «يمكنها أن تكشف عناصر مهمّة؛ لكنها لا تكشف القصة كاملة». وأوصى بالتحلي بـ«الحذر» مذكّراً بعمليات التلاعب التي حصلت في الماضي والتفسيرات الخاطئة.
ويقول مسؤولون أوكرانيون إن ما بين 150 و300 جثة ربما تكون في مقبرة جماعية قرب كنيسة في بوتشا شمال العاصمة كييف. وقالت شركة أميركية خاصة إن صور الأقمار الصناعية التي التقطت قبل أسابيع تظهر جثثاً لمدنيين في أحد شوارع البلدة، مما يقوض مزاعم روسيا بأن القوات الأوكرانية تسببت في سقوط قتلى، أو أن المشهد مدبر.
وشاهد مراسلو «رويترز» 4 ضحايا على الأقل أصيبوا بطلقات نارية في رؤوسهم في بوتشا، أحدهم مقيد اليدين خلف ظهره. وروى سكان حالات قتل أشخاص آخرين، بعضهم أصيب بطلق ناري في الرأس وتعرض أحدهم للضرب حتى الموت والتشويه على ما يبدو.
ودَفن الأوكراني سيرهي لاهوفسكي يوم الثلاثاء جثة صديق طفولته الذي أصيب برصاصة في فمه من مسافة قريبة، بعد أن اختفى عندما احتلت القوات الروسية البلدة. وقال منتحباً: «لماذا أطلقت عليه هذه الحيوانات النار؟ هذه ليست روسيا، هذا وحش». ولم يتسنَّ لـ«رويترز» التحقق بشكل مستقل من تفاصيل رواية لاهوفسكي أو المسؤول عن عمليات القتل في بوتشا.
وندد البابا الأربعاء «بوحشية تزداد فظاعة» تُرتكب في أوكرانيا و«تشمل مدنيين» أيضاً في إشارة إلى «مجزرة بوتشا». وقال البابا: «الأنباء الأخيرة عن الحرب في أوكرانيا (...) تدل على فظائع جديدة مثل مجزرة بوتشا، وحشية تزداد فظاعة ترتكب أيضاً في حق مدنيين ونساء وأطفال».
ورأى غرانت أن في حالة بوتشا تحديداً «يبدو واضحاً أن جرائم حرب ارتُكبت»؛ لكنه قال محذراً إنه لا تزال ذكرى مجزرة تيميشورا المزيّفة في رومانيا عام 1989، حاضرة في الأذهان. وكذلك ذكرى مجزرة كاتين التي ارتكبها عام 1940 الاتحاد السوفياتي واتّهم النازيين بتنفيذها.
وأثار نشر وسائل إعلام دولية صوراً ومقاطع فيديو مُلتقطة في بوتشا تُظهر جثثاً في الشوارع، بعضها يعود إلى أشخاص كُبّلت أيديهم خلف ظهورهم أو أُحرقوا جزئياً، وكذلك مقابر جماعية، غضباً على الصعيد الدولي.
واعتبر مكتب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الثلاثاء، أن «كل المؤشرات تشير إلى أن الضحايا استُهدفوا عمداً وقُتلوا مباشرة»، ما يشكل بحكم الأمر الواقع جريمة حرب. إلا أن فيليب غرانت يشدد على أن الصور وحدها لا تسمح «بتحميل هذه المسؤولية إلى شخص أو مجموعة محددة». وأوضح أنه إذا قيل إن «الروس فعلوها فعلينا معرفة من الذي أمر بذلك» مضيفاً: «أهو (الرئيس الروسي) فلاديمير بوتين؟ أهو قائد ميداني؟ أهي عصابة؟». وأشار إلى أن «من ناحية المسؤولية الجنائية، من المبكر جداً تحديد من يجب أن يمثل أمام محكمة بسبب هذه الجرائم». وهذه آلية قد تكون طويلة ومعقّدة.
وتعتزم المحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وعدد متزايد من الدول، التحقيق في جرائم الحرب المرتكبة في أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي في 24 فبراير (شباط). غير أن غرانت حذّر من أنه سينبغي عليهم القيام بكثير من العمل الشاق.
وأعلن الإليزيه الثلاثاء في أعقاب مكالمة هاتفية بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أنّ باريس ستوفّر قدرات مالية وبشرية للمساعدة في إجراء تحقيقات في المجازر المتّهمة بارتكابها القوات الروسية في أوكرانيا. وقالت الرئاسة الفرنسية في بيان إنّ ماكرون أعرب لزيلينسكي عن «الصدمة والمشاعر التي أشاعتها في فرنسا صور الجرائم المرتكبة في بوتشا ومناطق أخرى»، وأكّد له «استعداد فرنسا لدعم العدالة الدولية والمساهمة في أعمال التحقيق وتوثيق أعمال العنف المرتكبة ضدّ المدنيين، وذلك بهدف محاسبة روسيا». وأوضح البيان أنّ باريس ستقدّم «مساهمة مالية استثنائية قدرها 490 ألف يورو لأعمال المحكمة الجنائية الدولية، وستدفع سلفاً مساهمتها السنوية البالغة 13 مليون يورو. كما عرضت أن تضع في تصرّف المحكمة الجنائية الدولية قاضيين وعشرة دركيين». كما عرضت فرنسا إرسال «فريق تقني إلى أوكرانيا لفحص الأدلّة على الجرائم المرتكبة».
وطردت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وسلوفينيا عشرات الدبلوماسيين الروس، يومي الاثنين والثلاثاء، في أعقاب اكتشاف مجازر قرب كييف نُسبت إلى القوات الروسية. وأعرب الغربيون عن غضبهم نهاية الأسبوع الماضي، بعد العثور على عشرات الجثث في ثياب مدنية في بوتشا شمال غربي كييف، عقب انسحاب القوات الروسية من محيط العاصمة.
وأشار فيليب غرانت إلى أن الخطوة الأولى في كل تحقيق من هذا النوع هي «التأكد من أن الجريمة حصلت». وذكّر غرانت بأن «ذلك قد يبدو بديهياً؛ لكنه ليس كذلك دائماً»؛ خصوصاً في سياق حرب قائمة. فأثناء الحرب، قتل الناس قد يكون قانونياً؛ إذ إن قتل جندي خلال المعارك لا يُعتبر جريمة؛ لكن إذا قُتل بعد إصابته بجروح أو بعد أسره، فإن ذلك يصبح جريمة. وإذا قُتل جنود أثناء المعارك ودُفنوا في مقبرة جماعية، فهذا لا يشكل جريمة. لكن غرانت أوضح: «إذا وجدتم في المقبرة عائلة، مدنيين، فإن ذلك على الأرجح هو جريمة». ما إن يتمّ تحديد أن الجريمة ارتُكبت، تأتي المهمّة التي تكون غالباً أكثر تعقيداً، وهي تحديد المسؤول عنها.
وأشار غرانت إلى أن جرائم الحرب تشمل «طبقات عديدة» من المسؤولية في كلّ سلسلة القيادة «وحتى رأسها». وتابع بأن في هذه الحال، الأمر الأصعب هو «الوصول إلى المشتبه بهم». واعتبر أنه إذا حمّلت التحقيقات الأوكرانية «المسؤولية الجنائية إلى بوتين، فسينبغي القبض على الشخص»؛ مضيفاً أن «ذلك لن يكون أمراً سهلاً» لكنّه «ممكن». ليس هناك فترة تقادم لجرائم الحرب.
ويشرح غرانت أن إضافة إلى الرئيس بوتين نفسه: «هناك على الأرجح مئات الأشخاص في جهاز الأمن الذين يمكن في وقت من الأوقات تحميلهم المسؤولية، من دون التحدث عن الجنود الذين كانوا على الأرض».
وقال وزير الصحة البريطاني ساجيد جافيد، أمس الأربعاء، إن العالم لا بد أن يتحرك لوقف أعمال القتل الجماعي في أوكرانيا، مشبهاً تقارير عن قتل مدنيين على أيدي القوات الروسية بالإبادة الجماعية في البوسنة عام 1995. وقال جافيد لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «هذا قتل جماعي على نطاق غير مسبوق في أوروبا. أعتقد أننا لم نشهد مثل هذا منذ عام 1995. لا أريد أن أحيي ذكرى إبادة جماعية أخرى في أوروبا بعد سنوات من الآن. لدينا القوة، والعالم لديه القوة لوقف هذا، ولا بد أن يتحرك».
وأعلنت «أطباء بلاد حدود» الثلاثاء، أنّ 3 مستشفيات في مدينة ميكولايف في جنوب أوكرانيا «أُصيبت بعمليات قصف» يومي الأحد والاثنين أثناء وجود أفراد من المنظمة غير الحكومية فيها، مشيرة إلى عدم إصابة أي منهم بجروح. وقالت المنظمة الإنسانية في بيان إنّ فريقاً تابعاً لها مكوّناً من 4 أشخاص كان داخل مستشفى الأورام في ميكولايف عصر الاثنين حين «وقعت انفجارات عدّة بالقرب من طاقمنا على مدار 10 دقائق تقريباً».
ونقل البيان عن ميشال- أوليفييه لاشاريتيه، رئيس بعثة منظمة «أطباء بلا حدود» في أوكرانيا، قوله إنهّ «عند مغادرته المنطقة، شاهد فريق (أطباء بلا حدود) جرحى، وجثة واحدة على الأقلّ»، موضحاً أنّ أيّاً من أفراد طاقم المنظمة «لم يُصَب بجروح». وأصيب في القصف أيضاً مستشفى الأطفال الإقليمي، الواقع على بُعد حوالي 300 متر من مستشفى الأورام، بحسب طاقم المنظمة. ولفتت «أطباء بلا حدود» في بيانها، إلى أنّ طاقمها «لاحظ بعد الانفجارات وجود كثير من الثقوب الصغيرة في الأرض، منتشرة على مساحة كبيرة، ولم تكن هناك أي حفرة كبيرة مرئية في هذه المنطقة. وقد تشير هذه العناصر إلى استخدام قنابل عنقودية».
وبحسب لاشاريتيه، فإنّ «المستشفى رقم 5 الواقع في جنوب المدينة أصيب أيضاً» بقصف يوم الأحد. وخلص البيان إلى أنّ «منظمة (أطباء بلا حدود) تعيد حالياً تقييم انتشار أنشطتها في ميكولايف».
وكان أولكسندر سينكيفيتش، رئيس بلدية ميكولايف، قد أعلن الاثنين مقتل عشرة مدنيين وإصابة ما لا يقلّ عن 46 في قصف روسي استهدف المدينة خلال النهار. والأحد قُتل 8 أشخاص وأصيب 34 بجروح في ضربات شنتها القوات الروسية على مدينتي ميكولايف وأوتشاكيف الواقعة على بعد 60 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي منها، وفقاً للنيابة العامة الأوكرانية.
وميكولايف الواقعة على الطريق المؤدية إلى أوديسا، أكبر ميناء في أوكرانيا، كان عدد سكانها قبل بدء الحرب 475 ألف نسمة. وتعرّضت البلدة للقصف على مدى أيام عديدة عندما كان الجيش الروسي يحاول عبثاً الاستيلاء عليها.


مقالات ذات صلة

أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.