رويس... فيلسوف مغمور أنقذ سمعة الفلسفة الأميركية

الغريب أنه لا يوجد كتاب واحد باللغة العربية عن رويس ولم يشر له سوى الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه «حياة الفكر في العالم الجديد» والدكتور عزمي إسلام في كتابه «اتجاهات في الفلسفة المعاصرة»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

رويس... فيلسوف مغمور أنقذ سمعة الفلسفة الأميركية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يتصور البعض أن الإسهام الأميركي الوحيد في الفلسفة الحديثة يتمثل في المذهب البراغماتي الذي يعني ببساطة أن تكون «عملياً» تبحث عن طرق مباشرة لتحقيق أهدافك. لكن العقل الجمعي أصبح ينظر لكلمة «البراغماتية» باعتبارها سيئة السمعة، حيث تعنى لدى كثيرين النقيض للمبادئ والمُثل والأخلاق، ويزداد الأمر تعقيداً حين يتردد هذا المصطلح بقوة في وصف خبراء سياسة أميركا الخارجية.
من هنا تأتي أهمية كتاب «العقل الأميركي» الصادر في القاهرة للباحث الدكتور يسري إبراهيم عن دار «أقلام عربية»، الذي يرصد فلسفة الأخلاق والمثالية لدى الفيلسوف الأميركي جوزيا رويس على نحو يقطع بأن لدى أميركا إسهامات مهمة أخرى تتجاوز تلك الأفكار العملية التي تنشد المصلحة!
ورغم أنه لا يحظى في التاريخ الفكري الأميركي بالشهرة التي تحظى بها أسماء أخرى، مثل وليم جيمس، وجون ديوي، يعد رويس أكبر ممثل للمثالية في أميركا الشمالية في الفترة التي تمتد بين الحرب الأهلية الأميركية والحرب العالمية الأولى، أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولكن فلسفة الرجل لم تكن نبتة أميركية خالصة، فقد انبثقت في الحقيقة من الفلسفة الألمانية المثالية الممتدة من كانط إلى هيغل. وحققت المثالية انتشاراً سريعاً في أميركا توج بتأسيس المجلة الفلسفية عام 1892 في جامعة «كورنل» على يد جولد شيرمان.
كان رويس مشغولاً دائماً بهدف واحد هو أن يكشف عن المطلق في الكون، حيث يبدأ بتجربة جزئية وينتهي إلى الذات الأعظم، ومن إمكانية الخطأ يبرهن على الحقيقة المطلقة، ومن القيمة الفردية يصل إلى مقياس عام للقيمة. والعقل المطلق عنده هو الحقيقة النهائية وهو أعظم من العقل الفردي ويشتمل عليه ولا يمكن فهم أي تجربة متناهية إلا عن طريق التجربة المطلقة التي توجد فيها كل الأشياء. إن النزعة الميتافيزيقية الواحدية التي يقدمها رويس في كتابه «الجانب الديني للفلسفة» ترى أن الكون كله عقل مطلق وأن جميع العقول الإنسانية جزء منه، وهذا العقل المطلق عقل أبدي ولا متناه وواحد وكامل ومعصوم من الخطأ، يعلو على كل شيء، وهذا المطلق هو الذي يقود إلى الإيمان بالله. وفي كتابه «العالم والفرد» ينظر رويس إلى الإيمان بوصفه إرادة مطلقة تهدف إلى تحقيق غرض مطلق لامتناهٍ.
يعتمد رويس على هذه النزعة «الميتافيزيقية» في حل المشكلات الأخلاقية الكبرى مثل مشكلة الشر وخلود النفس والحرية، كما يعتمد عليها أيضاً في تحديد المثل الأعلى الأخلاقي النهائي. وهو يرى أن الفلاسفة وعلماء الاجتماع لم ينتبهوا إلى البناء الداخلي للكيانات الاجتماعية، ويذهب إلى أنه يجب أن نميز بين الجماعة الحقيقية وبين ما يسميه «الحشد» الذي هو عبارة عن تجمع عشوائي لأفراد يحتشدون بالصدفة لأداء نشاط ما مؤقت. وقد يتصف هذا الحشد بالعقلانية ولكنه يفتقر إلى المؤسسات والتنظيم والوحدة المترابطة والتاريخ والتقاليد، أما الجماعة الحقيقية فإنها تتكون من أفراد يشاركون في أنشطة مترابطة ومختارة بطريقة واعية كما يتشاركون في تاريخ ومصير واحد أي أن ماضيهم مشترك ومستقبلهم مشترك أيضاً.
ويؤكد المؤلف، أن فلسفة رويس تعد على هذا النحو فلسفة أخلاقية بامتياز تهدف إلى تحقيق «الانسجام» في الحياة الإنسانية. وكان هذا الهدف يشغل رويس منذ وقت مبكر من حياته، فحينما كان في العشرين من عمره نشر مقالاً بعنوان «انسجام الحياة» ناقش فيه إذا ما كانت الحياة الإنسانية تنمو عن طريق الانسجام أو عن طريق التغيرات المفاجئة. وهو ينشد تحقيق الانسجام أولاً داخل الفرد حيث تتنازعه أغراض أو إرادات كثيرة لا يستطيع أن يحققها جميعاً في آن واحد، ويكون لزاماً عليه أن يختار بينها. لقد بدأ رويس حياته في الغرب الأميركي بكاليفورنيا، حيث سادت النزعة الفردية وقيمها ودبّ النزاع بين الأفراد واعتمد كل شيء على الإنسان الفرد القوي والشجاع والمغامر، ولكن دراسته للفلسفة الألمانية بصفة خاصة وتأملاته في حياة الفرد وحياة الجماعة جعلته يدرك أن الفرد لا يحيا حياة أخلاقية حقيقية من دون النظام الاجتماعي، كما أدت به إلى أن يقول في كتابه «كاليفورنيا - دراسة للشخصية الأميركية»، إن النظام الاجتماعي نظام مقدس وحينما نفكر في هذا النظام بوصفه أداة لنا ولعبة ونجعل مصلحتنا الخاصة هي الهدف؛ فإنه يصبح حينئذ نظاماً تافهاً وحقيراً بالنسبة إلينا ونعتبره دنيئاً ومنحطاً وفاسداً وغير روحي ونحاول أن نهرب منه دائماً، ولكننا إذا عدنا مرة أخرى وخدمنا النظام الاجتماعي ولم نخدم أنفسنا فقط فسرعان ما نجد أن ما نخدمه هو مصيرنا الروحي الأعلى في شكل مادي، وأنه في الحقيقة ليس دنيئاً أو فاسداً أو غير روحي، ولكننا نحن الذين نكون كذلك حينما نهمل واجبنا.
يتساءل المؤلف: الغريب أنه لا يوجد كتاب واحد باللغة العربية عن جوزيا رويس، ونستطيع أن نتكلم على نحو أكثر تحديداً فنقول، إنه لم يكتب عنه باللغة العربية سوى الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه «حياة الفكر في العالم الجديد» والدكتور عزمي إسلام في كتابه «اتجاهات في الفلسفة المعاصرة»، ومعنى ذلك أن هناك تقصيراً يجب استدراكه.
ولد رويس في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1855 في مدينة صغيرة تسمى «جراس فالي» بولاية كاليفورنيا، ليس فيها ما يحيي ذكرى الرجل سوى لوحة معدنية تذكارية في مكتبتها المحلية! ويذكر الكتاب، أن شخصية رويس تعد شخصية غامضة في تاريخ الفكر الأميركي فلا نعرف عن حياته سوى القليل، ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان خجولاً حذراً إزاء سيرته الذاتية. وكانت سارة رويس قد أعلنت أن زوجها كان يرى أن تاريخه الشخصي لا يجب أن ينشر. في عام 1849 رحل أبوه مع أسرته في عربة خشبية من أوهاويو في الشرق إلى كاليفورنيا في الغرب بحثاً عن الذهب، وكان رجلاً طموحاً هاجر من إنجلترا إلى كندا ثم إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولكن الحظ لم يحالفه فلم ينجح قط في العثور على الذهب في كاليفورنيا؛ الأمر الذي يجعله يتخلى عن هذا الحلم ويتجه أخيراً إلى العمل أميناً لأحد المخازن.
في هذه الأسرة ولد جوزيا بشعره الأحمر وعاش مع شقيقتين تكبرانه وتشاركان أمه في رعايته والقلق عليه على النحو الذي حرمه من أن يحيا صباه بطريقة طبيعية كغيره من الصبية؛ ما جعله يشعر دائماً بالحاجة إلى الحب والرفقة. ورغم أنه بكاليفورنيا كان في وطنه وبين أهله وأصدقائه، فإنه كان يشعر بعزلة عقلية دفعته في 1879 إلى أن يكتب رسالة إلى صديقه الفيلسوف البراغماتي وليم جيمس، يقول فيها «لا توجد في كاليفورنيا فلسفة، والجو الذي تدرس فيه الميتافيزيقا جو فاسد أود الخروج منه».
وبفضل مساعدة وليم جيمس وجورج هربرت بالمر في قسم الفلسفة بجامعة هارفارد، دعي عام 1882 حيث عمل بها محاضراً للفلسفة لمدة عامين. وفي عام 1885 عُيّن أستاذاً مساعداً بها وظل رويس حتى وفاته في 1916 دعامة أساسية لقسم الفلسفة بالجامعة في عصرها الذهبي. وخلال ذلك الوقت لم تنقطع مناقشاته مع وليم جيمس عن مزايا المثالية المطلقة وعيوبها، تلك المناقشات التي خيمت عليها روح الحب والمودة. لعب وليم جيمس الذي كان يكبر رويس بثلاثة عشر عاماً دوراً كبيراً في حياته ونشأت بين الفيلسوفين علاقة حميمة رغم اختلافهما الفلسفي العميق. يتضح ذلك من خلال الرسائل التي كتبها كل منهما للآخر على مدى ثلاثة وثلاثين عاماً والتي سادها الحب والصدق والاحترام المتبادل رغم الاختلاف في الرأي، ومنها تلك الرسالة التي كتبها رويس إلى جيمس في 12 سبتمبر (أيلول) عام 1900 حينما كان جيمس في ألمانيا. يقول فيها «إن العام المقبل سيكون عاماً موحشاً جداً من دونك ثم إن شغفي بهارفارد مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلاقاتي وصلاتي بك أكثر من أي شيء آخر، فالفلسفة أنا أحبها لذاتها والحياة أحبها لمغزاها العام، أما هارفارد فهي تعني أصلاً أنت».
رد جيمس عليها هذه الرسالة برسالة أخرى كتبها في 26 سبتمبر عام 1900 يقول فيها «الحبيب رويس، كم كان سروري لتسلم رسالتك الطويلة المبهجة مساء الأمس، ولا حاجة لي إلى أن أقول يا فتاي العجوز العزيز كم تأثر فؤادي بما أفصحت عنه من مكنون حبك وودك، وكم أنعمت عليّ من سرور؛ إذ تقول لي إنك افتقدتني. إنني أيضاً أفتقدك جداً وأحنّ إليك من صميم فؤادي، إنني لا أجد في نازلي الفندق ولا خادماته الذين لا أكاد أحظى بصحبة أحد غيرهم، ذلك المزيج الفريد الفذ من سعة الاطلاع والإبداع والعمق والشمول والإحاطة والذكاء والفطنة التي بتعويدك لي عليها طوال كل تلك السنوات أفسدت عليّ رضائي بالذي هو أدنى منها من أنواع الحديث والمعاشرة».
أثر رويس في عدد من الفلاسفة المثاليين الأميركيين مثل هوكنج وهويسون ولويفنبرج، كما أشرف على الرسالة التي تقدم بها الفيلسوف الشهير جورج سنتيانا إلى جامعة هارفارد للحصول على الدكتوراه في الفلسفة وترك تأثيراً كبيراً في فلسفته. وهناك عدد آخر من علماء المنطق الذين تأثروا به، كما أنه أول من درس علم المنطق في جامعة هارفارد.


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.