علماء يكتشفون نوعا جديدا من الخلايا مختبئا بجسم الإنسان

علماء يكتشفون نوعا جديدا من الخلايا مختبئا بجسم الإنسان
TT

علماء يكتشفون نوعا جديدا من الخلايا مختبئا بجسم الإنسان

علماء يكتشفون نوعا جديدا من الخلايا مختبئا بجسم الإنسان

اكتشف مجموعة من العلماء نوعًا جديدًا من الخلايا يختبئ داخل الممرات الدقيقة والمتفرعة لرئتي الإنسان، وذلك حسبما نشر موقع «ساينس إليرت» العلمي المتخصص.
ووفق الموقع، تلعب الخلايا المكتشفة حديثًا دورًا حيويًا في الحفاظ على عمل الجهاز التنفسي بشكل صحيح ويمكن أن تلهم علاجات جديدة لعكس آثار بعض الأمراض المرتبطة بالتدخين، وفقًا لدراسة جديدة نشرت بمجلة «نيتشر» العلمية.
وتوجد الخلايا (المعروفة باسم خلايا إفراز مجرى الهواء التنفسي - RAS)، في ممرات صغيرة متفرعة تعرف باسم القصيبات، والتي تميل بالحويصلات الهوائية، وهي الأكياس الهوائية الصغيرة التي تتبادل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون مع مجرى الدم.
وتشبه خلايا RAS الجديدة الخلايا الجذعية؛ وهي خلايا «قماشية فارغة» يمكنها التمايز إلى أي نوع آخر من الخلايا في الجسم، وهي قادرة على إصلاح الخلايا الحويصلية التالفة وتحويلها إلى خلايا جديدة.
وفي هذا الاطار، اكتشف الباحثون خلايا RAS بعد أن أصبحوا محبطين بشكل متزايد بسبب قيود الاعتماد على رئتي الفئران كنماذج للجهاز التنفسي البشري. ومع ذلك، بسبب بعض الاختلافات بين الاثنين، كافح العلماء لسد بعض الفجوات المعرفية حول رئتي الإنسان.
وللحصول على فهم أفضل لهذه الاختلافات على المستوى الخلوي، أخذ فريق الدراسة الجديدة عينات من أنسجة الرئة من متبرعين بشريين أصحاء وقاموا بتحليل الجينات داخل الخلايا الفردية؛ والتي كشفت عن خلايا RAS غير المعروفة سابقًا.
ولتوضيح الأمر أكثر، قال المؤلف الكبير إدوارد موريسي الأستاذ بكلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا المتخصص في أنظمة التنفس لـموقع «لايف ساينس» «لقد كان معروفًا منذ بعض الوقت أن المسالك الهوائية للرئة البشرية تختلف عن تلك الموجودة في الفئران... لكن التقنيات الناشئة لم تسمح لنا إلا مؤخرًا بأخذ عينات وتحديد أنواع الخلايا الفريدة».
كما وجد الفريق أيضًا خلايا RAS في القوارض؛ التي تشبه أنظمتها التنفسية لدى البشر أكثر من الفئران. ونتيجة لذلك، يشتبه الباحثون في أن معظم الثدييات المتساوية أو الأكبر حجمًا من المحتمل أن تحتوي على خلايا RAS في رئتيها، على حد قول موريسي.
وتؤدي خلايا RAS وظيفتين رئيسيتين في الرئتين؛ أولاً، تفرز الجزيئات التي تحافظ على بطانة السوائل على طول القصيبات، مما يساعد على منع الشعب الهوائية الصغيرة من الانهيار وزيادة كفاءة الرئتين. وثانيًا، يمكن أن تعمل كخلايا سلفية للخلايا السنخية من النوع 2 (AT2)؛ وهي نوع خاص من الحويصلات الهوائية التي تفرز مادة كيميائية تُستخدم جزئيًا لإصلاح الحويصلات التالفة الأخرى. (الخلية السلفية هي خلية لديها القدرة على التمايز إلى نوع آخر من الخلايا، على غرار كيفية تمايز الخلايا الجذعية إلى خلايا أخرى).
ويوضح موريسي «خلايا RAS هي ما أطلقنا عليه اسم السلف الاختيارية، مما يعني أنها تعمل كخلايا سلفية ولها أيضًا أدوار وظيفية مهمة في الحفاظ على صحة مجرى الهواء». مضيفا «أن هذا يعني أن خلايا RAS تلعب دورًا حيويًا في الحفاظ على صحة الرئتين».
ويعتقد الباحثون أن خلايا RAS قد تلعب دورًا رئيسيًا في الأمراض المرتبطة بالتدخين مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD) (وهو مرض نتيجة التهاب الممرات الهوائية داخل الرئتين والذي يمكن أن يحدث بسبب التدخين، وأحيانًا تلوث الهواء، وفقًا لمايو كلينك).
وفي هذا الاطار، يؤدي التهاب الممرات الهوائية إلى صعوبة حصول الرئتين على كمية كافية من الأكسجين؛ ونتيجة لذلك، فإن مرض الانسداد الرئوي المزمن له أعراض مشابهة للربو.
ويمكن أن يؤدي مرض الانسداد الرئوي المزمن أيضًا إلى انتفاخ الرئة (حيث يتم تدمير الحويصلات الهوائية بشكل دائم) والتهاب الشعب الهوائية المزمن (وهو سعال حاد طويل الأمد مصحوب عادةً ببلغم زائد).
جدير بالذكر، يموت كل عام أكثر من 3 ملايين شخص حول العالم بسبب مرض الانسداد الرئوي المزمن، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
من الناحية النظرية، يجب أن تمنع خلايا RAS أو على الأقل تخفف، من آثار مرض الانسداد الرئوي المزمن عن طريق إصلاح الحويصلات التالفة. ومع ذلك، يشك الباحثون في أن التدخين يمكن أن يدمر الخلايا الجديدة تمامًا، ما يؤدي إلى ظهور أمراض مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن.
وغالبًا ما يتم وصف الأدوية المضادة للالتهابات أو العلاج بالأكسجين للمرضى الذين يعانون من مرض الانسداد الرئوي المزمن لتخفيف أعراضهم. ومع ذلك، فهذه ليست سوى حلول مؤقتة ولا تفعل شيئًا لعكس تلف الرئة.
وفي الاكتشاف الجديد يمكن استخدام خلايا RAS لتحسين العلاجات أو حتى علاج مرض الانسداد الرئوي المزمن، إذا تمكن الباحثون من تسخير الخصائص التجديدية لهذه الخلايا بشكل صحيح.
ويبين موريسي «لا نعرف حقًا ما إذا كان هذا الاكتشاف يمكن أن يؤدي إلى علاج محتمل لمرض الانسداد الرئوي المزمن حتى الآن... ومع ذلك، نظرًا لأن مرض الانسداد الرئوي المزمن هو مرض لا نعرف عنه سوى القليل جدًا، فإن أي رؤية جديدة يجب أن تساعد على البدء في التفكير بأساليب علاجية جديدة يمكن أن تؤدي إلى علاجات أفضل».


مقالات ذات صلة

مرضى السكري أكثر عرضة للإصابة بالخرف

يوميات الشرق شخص يجري اختباراً لفحص مستوى السكر في الدم (جامعة كولومبيا البريطانية)

مرضى السكري أكثر عرضة للإصابة بالخرف

أظهرت دراسة أميركية أن مرضى السكري من النوع الأول أكثر عرضة للإصابة بالخرف مقارنة بالأشخاص غير المصابين بالسكري؛ ما يسلّط الضوء على أهمية متابعة صحة الدماغ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق من الأخطاء الشائعة تنظيف الأسنان مباشرة بعد تناول الطعام (جامعة ملبورن)

9 عادات يومية تهدد صحة أسنانك

حذّر أطباء أسنان من أن بعض العادات اليومية التي يمارسها كثير من الأشخاص دون انتباه قد تتسبب مع مرور الوقت في إتلاف الأسنان واللثة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك يمد اللوز الجسم بكمية جيدة من فيتامين «هـ» الذي يعمل كمضاد للأكسدة (بكسباي)

فوائد تناول اللوز بشكل يومي

تناول اللوز يومياً يقدم العديد من الفوائد الصحية للجسم، إذ يُعد من المكسرات الغنية بالعناصر الغذائية المهمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الرمان له دور فعال في علاج نقص الحديد (أ.ف.ب)

كيف يساعد الرمان في علاج نقص الحديد؟

يُعد نقص الحديد من أكثر الاضطرابات الغذائية انتشاراً في العالم، إذ يرتبط مباشرة بفقر الدم والشعور بالتعب وضعف التركيز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض

الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

في مارس (آذار) عام 2026 نشر فريق بحثي دولي دراسة حديثة في مجلة «Drug Discovery Today» حول مجال علمي ناشئ يُعرف باسم «علم تحليل أنفاس الإنسان».

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)

سلوى خطاب لـ«الشرق الأوسط»: أحب العمل مع الأجيال الجديدة

سلوى خطاب في مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)
سلوى خطاب في مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)
TT

سلوى خطاب لـ«الشرق الأوسط»: أحب العمل مع الأجيال الجديدة

سلوى خطاب في مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)
سلوى خطاب في مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

قالت الممثلة المصرية سلوى خطاب إن ظهورها في رمضان عبر 3 أعمال درامية لم يكن مخططاً له، إذ وافقت على كل عمل منها في وقت مختلف، لكن توقيت العرض كان معروفاً لها منذ البداية. وأكدت أنها لم تشعر بقلق من هذا الأمر لأسباب عدة، في مقدمتها تنوّع الأدوار التي تقدمها، إضافة إلى حبها العمل مع الأجيال الجديدة من الممثلين.

وأرجعت سلوى خطاب، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، حماسها للمشاركة في مسلسل «المتر سمير» إلى شعورها بأن النص يحمل روحاً مختلفة تجمع بين الكوميديا والملامح الإنسانية القريبة من الواقع. وأوضحت أن شخصية «قدرية» التي تقدمها في المسلسل بدت لها منذ البداية شخصية مليئة بالتفاصيل، لأن دوافعها واضحة بالنسبة إليها؛ فهي أم ترى أن من واجبها الدفاع عن ابنتها، حتى لو كان ذلك بطريقة قد تبدو قاسية أحياناً.

وأشارت إلى أن الشخصية التي تجسدها تنطلق أساساً من إحساسها بأن ابنتها تحتاج إلى مَن يحميها ويقف إلى جانبها، لذلك تتدخل في حياتها بشكل مستمر، وهو ما يخلق حالة من الصراع بينها وبين زوج ابنتها «سمير» المحامي. ولفتت إلى أن هذا الصراع يعد أحد محركات الأحداث داخل المسلسل، خصوصاً أن الزوجة، في المقابل، شخصية هادئة ومتصالحة مع الحياة، تحاول أن تعيش ببساطة بعيداً عن المشكلات، بينما ترى الأم أن من حقها فرض رأيها لحماية ابنتها.

مع ناهد السباعي في مشهد من «المتر سمير» (يوتيوب)

وأضافت سلوى خطاب أن هذه النوعية من الشخصيات موجودة بكثرة في المجتمع؛ فهناك بالفعل نماذج كثيرة من الحموات اللاتي يعتقدن أنهن يفعلن الصواب حين يتدخلن في حياة الأبناء، لكن هذا التدخل قد يتحول أحياناً إلى نوع من السيطرة أو فرض الرأي. وأشارت إلى أن الكوميديا في الأحداث تنبع أساساً من المواقف ومن التناقضات بين الشخصيات، وليس من محاولة افتعال الضحك.

وعن أجواء العمل في «المتر سمير»، قالت سلوى خطاب إن الكواليس كانت مليئة بالمرح، خصوصاً أن الطبيعة الكوميدية للمسلسل انعكست أيضاً على أجواء التصوير. وأضافت أن كثيراً من المشاهد كانت تُعاد أكثر من مرة بسبب الضحك، لأن بعض المواقف كانت طريفة بطبيعتها.

وتحدثت سلوى خطاب أيضاً عن ضغط الموسم الرمضاني، موضحة أن العمل في هذه الفترة يكون مرهقاً للغاية بسبب ضيق الوقت وكثافة ساعات التصوير، إذ إن الأعمال الرمضانية غالباً ما يبدأ تصويرها قبل وقت قصير من العرض، وهو ما يضع فريق العمل تحت ضغط كبير، لكن يظل رمضان في النهاية موسماً مهماً بالنسبة إلى صناعة الدراما.

وأشارت إلى أن ما جذبها في الشخصية أنها ليست شريرة بالمعنى التقليدي، بل هي إنسانة لها وجهة نظرها الخاصة، حتى وإن بدت أفعالها مبالغاً فيها أحياناً. وأكدت أنها لا تنظر إلى الشخصية بوصفها كوميدية أو تراجيدية، لأن هذا التصنيف لا يشغل الممثل أثناء العمل، بل إن ما يهمها هو تقديم الشخصية بصدق، والتعامل معها بوصفها إنسانة حقيقية لها دوافعها ومشاعرها.

ولم يكن «المتر سمير» العمل الوحيد الذي شاركت به سلوى خطاب في الموسم الرمضاني، إذ ظهرت أيضاً في مسلسل «درش» مع مصطفى شعبان. وقالت إن هذا العمل يختلف في طبيعته عن «المتر سمير»، كونه ينتمي إلى الدراما الاجتماعية التي تعتمد على الصراعات الإنسانية والعلاقات المعقدة بين الشخصيات، وقد بدأت تصويره في وقت مبكر.

وأوضحت أن تنوّع الأدوار هو أحد الأمور التي تحرص عليها دائماً في اختياراتها الفنية، لأنها ترى أن بقاء الممثل في منطقة واحدة قد يجعله يكرر نفسه مع مرور الوقت، لذلك تحاول دائماً البحث عن شخصيات تحمل ملامح جديدة أو تقديمها في سياق مختلف.

سلوى خطاب (حسابها على فيسبوك)

كما شاركت سلوى خطاب في مسلسل «المصيدة» مع حنان مطاوع، التي أشادت بموهبتها وبالتجربة، ووصفت دورها بأنه من الأدوار التي تعتز بها.

وأكدت سلوى خطاب أن تحضيرها لأي دور يبدأ دائماً بقراءة النص كاملاً أكثر من مرة، لأنها ترى أن فهم العالم الذي تدور فيه الأحداث هو الخطوة الأولى لبناء الشخصية. وأوضحت أنها تحاول في البداية فهم المجتمع الذي تنتمي إليه الشخصية وطبيعة العلاقات التي تربطها بالآخرين، ثم تبدأ بعد ذلك في بناء ملامحها الخاصة، سواء في طريقة الكلام أو الإيقاع النفسي أو حتى الحركة.

وأضافت أن هذه الطريقة تساعدها على تقديم شخصيات تحمل ملامح إنسانية حقيقية، حتى لو لم يذكر النص كل التفاصيل بشكل مباشر، فالممثل يمكنه أن يكشف كثيراً من الخلفيات عبر الأداء، من خلال نبرة الصوت أو طريقة الجلوس أو حتى النظرات. لذلك تحرص دائماً على أن تكون الشخصية مكتملة داخلياً قبل أن تقف أمام الكاميرا.

كما أشارت إلى أن تجربتها الطويلة في المسرح كان لها تأثير كبير في أسلوبها في بناء الشخصيات، «لأن العمل المسرحي يمنح الممثل فرصة لتمرين الشخصية بشكل يومي وصقل تفاصيلها باستمرار». وأضافت أن هذه الخبرة جعلتها تحرص دائماً على تقديم كل شخصية بطريقة مختلفة، حتى لو كانت تنتمي إلى البيئة الاجتماعية نفسها.

وقالت إن «الفنان قد يضع نفسه أحياناً داخل إطار محدد عندما يكرر طريقة الأداء نفسها في كل عمل، في حين يمكن للممثل أن يقدم شخصيات متعددة من البيئة الشعبية مثلاً، لكن مع اختلاف واضح في التفاصيل والملامح»، مؤكدة أن هذا التنوع هو ما يمنح الممثل متعة حقيقية في العمل ويجعله يشعر بأنه يكتشف شخصية جديدة في كل تجربة.

وأكدت كذلك أنها تحب العمل مع الأجيال الجديدة من الممثلين، لأنها ترى فيهم حماساً كبيراً ورغبة واضحة في التعلم والتطور، مشيرة إلى أن هذا الحماس يبث طاقة إيجابية داخل موقع التصوير، ما يساعد الجميع على تقديم أفضل ما لديهم.


إرينه بارتولوميه: انفجار مرفأ بيروت دفعني لصناعة «حلم صيف آخر»

صوَّرت المخرجة الإسبانية فيلمها في لبنان (الشركة المنتجة)
صوَّرت المخرجة الإسبانية فيلمها في لبنان (الشركة المنتجة)
TT

إرينه بارتولوميه: انفجار مرفأ بيروت دفعني لصناعة «حلم صيف آخر»

صوَّرت المخرجة الإسبانية فيلمها في لبنان (الشركة المنتجة)
صوَّرت المخرجة الإسبانية فيلمها في لبنان (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الإسبانية إرينه بارتولوميه إن فيلمها «حلم صيف آخر» جاء نتيجة تجربة شخصية عميقة عاشتها أثناء إقامتها في بيروت، موضحة أن علاقتها بالمدينة بدأت قبل سنوات قصيرة عندما زارتها للمرة الأولى في صيف عام 2019، وهي زيارة تركت لديها انطباعاً قوياً جعلها تشعر بانجذاب خاص نحو المكان.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها كانت مهتمة منذ سنوات بفكرة المدينة والعمران وعلاقة الإنسان بالفضاء الذي يعيش فيه، وهو موضوع تناولته في عدد من أفلامها القصيرة السابقة التي صورتها في مدن مختلفة مثل القاهرة ونيويورك، حيث حاولت في كل تجربة الاقتراب من طبيعة التحولات العمرانية في المدينة، وكيف تؤثر هذه التحولات في حياة السكان وفي مساراتهم اليومية داخل الفضاء الحضري.

وتدور أحداث الفيلم الذي عُرِض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «كوبنهاجن الدولي للأفلام الوثائقية» حول امرأة تعيش حالة من الضياع داخل مدينة بيروت، حيث تتحول رحلتها في شوارع المدينة تجربةً حسية وتأملية في العلاقة بين الإنسان والمكان.

ومن خلال هذه الرحلة البصرية، تستكشف الكاميرا آثار الذاكرة المتراكمة في المباني والفضاءات الحضرية، في حين تتداخل أطياف الماضي مع الحاضر في مدينة عاشت دورات متكررة من الدمار وإعادة البناء.

شكلت لحظة انفجار مرفأ بيروت نقطة تحول لإنجاز الفيلم (الشركة المنتجة)

يقدم الفيلم تجربة سينمائية تأملية تعتمد على الصورة والفضاء العمراني لاستكشاف علاقة الإنسان بالمكان، وقدرة المدن على البقاء رغم ما تتعرض له من صدمات عبر الزمن.

تؤكد المخرجة الإسبانية أنها عندما زارت بيروت للمرة الأولى شعرت بأن الماضي حاضر بقوة في تفاصيلها، سواء في المباني القديمة أو في آثار الحروب والدمار التي لا تزال واضحة في أجزاء مختلفة من المدينة، لافتة إلى أن هذا الحضور الكثيف للتاريخ داخل النسيج العمراني جعلها تشعر بأن المدينة تحمل طبقات متعددة من الزمن في وقت واحد؛ وهو ما دفعها للتفكير في إمكانية العمل على مشروع سينمائي يتعامل مع هذه الفكرة.

وأوضحت أنها انتقلت بالفعل للعيش في بيروت في فبراير (شباط) 2020، لإنهاء دراستها العليا، ولم تكن في البداية تخطط لتصوير فيلم هناك، بل كانت تعيش في المدينة وتحاول اكتشافها بشكل يومي، لافتة إلى أن حادث انفجار «مرفأ بيروت» في تلك السنة كان لحظة مفصلية بالنسبة لها؛ لأنها كانت موجودة في المدينة وقت وقوعه وشهدت آثاره بشكل مباشر، مشيرة إلى أن منزلها تعرَّض لأضرار كبيرة نتيجة الانفجار.

المخرجة الإسبانية إرينه بارتولوميه (الشركة المنتجة)

وأضافت أن تلك اللحظة جعلتها تفكر بعمق في فكرة الدمار المتكرر الذي عاشته العاصمة اللبنانية عبر تاريخها، وفي الطريقة التي تستمر بها المدينة رغم هذه الصدمات المتكررة، مشيرة إلى أن الفيلم لا يتناول الانفجار بشكل مباشر، بل جاء ردَّ فعل شخصي على التجربة، ومحاولة للتأمل في علاقة الإنسان بالمكان وفي الذاكرة التي تحتفظ بها المدن بعد لحظات الدمار.

وأوضحت أن «الفيلم لا ينتمي إلى الشكل الوثائقي التقليدي، بل يتحرك في مساحة بين الوثائقي والخيال؛ إذ يعتمد على بناء تجربة بصرية أقرب إلى رحلة داخل المدينة؛ فالعمل يقوم على شخصية متخيلة تسير في شوارع بيروت وتتلقى رسائل صوتية، في حين تتحرك الكاميرا في الفضاء الحضري لتلتقط تفاصيل الحياة اليومية وأثر التحولات التي تعيشها المدينة».

وأضافت أن «الهدف لم يكن تقديم تحليل سياسي أو تاريخي مباشر لما حدث في بيروت، بل محاولة التقاط شعور خفي بأن شيئاً ما غير مستقر في المدينة، خصوصاً خلال السنوات التي أعقبت الانفجار وشهد فيها لبنان أزمة اقتصادية حادة وانقطاعاً واسعاً في الخدمات الأساسية».

وأشارت إرينه بارتولوميه إلى أن إحدى الأفكار الأساسية التي ينطلق منها الفيلم هي أن بيروت ليست مدينة واحدة، بل مدن عدّة متراكمة فوق بعضها بعضاً، فكل مرحلة تاريخية تترك آثارها فوق ما سبقها، وهذه الطبقات المتراكمة من التاريخ هي ما منح المدينة قدرتها على الاستمرار؛ لأن الدمار لا يعني النهاية، بل يتحول في كثير من الأحيان بدايةً جديدة لمرحلة أخرى من الحياة.

وعن بناء الشخصية الرئيسية في الفيلم، قالت بارتولوميه إن العمل يعتمد على فكرة مختلفة؛ إذ إن البطلة لا تظهر تقريباً على الشاشة، فالكاميرا تتحول إلى عيني هذه الشخصية، بحيث يصبح المشاهد هو من يرى ويسمع ما تراه وتسمعه البطلة، وهي فكرة تمنح الجمهور موقعاً مختلفاً داخل الفيلم؛ لأن المشاهد يتحول جزءاً من التجربة ويعيش الرحلة داخل المدينة بنفسه؛ وهو ما يسمح بتكوين علاقة أكثر حميمية مع المكان ومع التفاصيل التي تلتقطها الكاميرا.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان كوبنهاغن (الشركة المنتجة)

وعن ظروف التصوير في بيروت، قالت المخرجة الإسبانية إن «التحدي الأكبر لم يكن فنياً بقدر ما كان لوجيستياً؛ بسبب الأزمة الاقتصادية التي عاشها لبنان خلال تلك الفترة، فانقطاع الكهرباء لساعات طويلة كل يوم يعد من أكبر الصعوبات التي واجهت فريق العمل؛ لأن ذلك كان يؤثر بشكل مباشر في قدرة الفريق على شحن بطاريات الكاميرات والمعدات التقنية؛ الأمر الذي جعل التصوير يتطلب تخطيطاً دقيقاً وفق ساعات توفر الكهرباء، وهو ما جعل عملية العمل أكثر تعقيداً».

وقالت إن بعض الاجتماعات التحضيرية كانت تُعقد في شقتها على ضوء الشموع بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء؛ وهو ما جعل الفريق يعمل في ظروف غير معتادة، فنقل المعدات كان يمثل تحدياً إضافياً، خصوصاً أن شقتها تقع في الطابق السابع من المبنى، وأن المصعد لم يكن يعمل في كثير من الأحيان بسبب انقطاع الكهرباء؛ ما اضطر مدير التصوير إلى حمل المعدات الثقيلة عبر السلالم في ساعات الفجر قبل بدء التصوير.

ورغم هذه الصعوبات، أوضحت بارتولوميه أن التصوير في الشوارع كان أسهل مما توقعت؛ إذ لم تواجه مشكلات كبيرة مع السكان أو مع الجهات الرسمية بعد الحصول على التصاريح اللازمة، لأن الناس في بيروت كانوا متعاونين إلى حد كبير مع فريق العمل، وهو ما ساعدهم على التصوير في أماكن مختلفة داخل المدينة دون عقبات كبيرة.

وفي الختام، عبرت المخرجة الشابة عن سعادتها بعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «كوبنهاجن الدولي للأفلام الوثائقية»، مشيرة إلى أن مشاركة العمل في مهرجانات سينمائية دولية تمنحه فرصة للوصول إلى جمهور أوسع ومشاركة التجربة التي يحاول نقلها.


الدراما المصرية لتجاوز مشاهد «العنف والمخدرات»

أعمال درامية في النصف الثاني من رمضان (الشركة المتحدة)
أعمال درامية في النصف الثاني من رمضان (الشركة المتحدة)
TT

الدراما المصرية لتجاوز مشاهد «العنف والمخدرات»

أعمال درامية في النصف الثاني من رمضان (الشركة المتحدة)
أعمال درامية في النصف الثاني من رمضان (الشركة المتحدة)

تمكنت الدراما المصرية خلال شهر رمضان من اتخاذ خطوات باتجاه تجاوز مشاهد العنف والمخدرات والسلوكيات السيئة والألفاظ النابية التي أدت لانتقادات سابقة وُجهت للدراما من القيادة السياسية بالدولة العام الماضي، في حين أشاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هذا العام بالتقدم الإيجابي الذي حققته الدراما المصرية فيما يتعلق بمستوى البرامج والأعمال الدرامية وتأثيرها على الأسرة المصرية، وطالب بالمزيد من هذا التوجه البنّاء في الأعمال المقدمة للجمهور، وضرورة أن تعكس الدراما قيم المجتمع المصري الراسخة ووعيه الحضاري، وأن تسهم في بناء وجدان وطني يليق بمصر ومكانتها، ويعبر عن رسالتها الثقافية الممتدة عبر العصور. جاء ذلك ضمن خطاب الرئيس في «إفطار الأسرة المصرية».

وثمّنت لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هذه التصريحات، وأكدت اللجنة أهمية استمرار هذا التطور الإيجابي والإبداع خلال المواسم الدرامية المقبلة، والبناء على ما تحقق من خطوات لتعزيز تقديم أعمال درامية أكثر وعياً بقضايا المجتمع، وأكثر التزاماً بالقيم المهنية والفنية، وفق بيان للجنة.

وشهد الموسم الدرامي الرمضاني الحالي طرح ومناقشة عدد من القضايا الاجتماعية المهمة، من بينها قضايا الأطفال، والصحة النفسية، ودمج ذوي القدرات الخاصة في المجتمع، وأشارت لجنة الدراما إلى أن تناول هذه الموضوعات يسهم في زيادة الوعي المجتمعي، وتسليط الضوء على عدد من التحديات الإنسانية والاجتماعية.

اجتماع لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «الدراما الرمضانية هذا العام شهدت تناول موضوعات مختلفة على مدى نحو 35 عملاً درامياً، وشهدت تراجعاً كبيراً في نسبة العنف والتجاوزات التي قد تضر بالمجتمع»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «وإن كانت هناك بعض المسلسلات التي تبرز العنف أو العشوائية، أو تعتمد على فكرة البطل الشعبي، فهي قليلة إلى حد كبير. ومن اللافت هذا العام تناول موضوعات مأخوذة عن قصص أو وقائع حقيقية».

ولفت سعد الدين إلى أن «الدراما الرمضانية هذا العام تعد مقبولة وجيدة بنسبة 25 في المائة، وهي نسبة مقبولة وإن كنا نطمح لزيادتها في الفترة المقبلة، لتعكس وعي الفنانين بقضايا المجتمع بشكل أكثر وضوحاً»، على حد تعبيره.

وتقوم لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمناقشة الأعمال الدرامية الرمضانية التي عُرضت خلال النصف الأول من شهر رمضان، وذلك ضمن جهودها لرصد وتقييم ما يقدم للمشاهد المصري، بما يضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأكواد المنظمة للعمل الإعلامي، مع الحفاظ على حرية الرأي والتعبير والإبداع الفني.

وشهد شهر رمضان هذا العام عرض نحو 40 عملاً درامياً على الشاشات المصرية والمنصات المختلفة، من بينها أعمال «رأس الأفعى»، و«صحاب الأرض»، و«فن الحرب»، و«منّاعة»، و«وننسى اللي كان»، و«الست موناليزا»، و«حد أقصى»، و«علي كلاي»، و«كان ياما كان»، و«أب ولكن»...

بعض الأعمال الدرامية في الموسم الرمضاني الحالي (الشركة المتحدة)

في حين يرى الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، أنه «من الضروري الخروج من الدائرة الضيقة في النظر للأعمال الدرامية التي تقيّم كل مشهد بشكل مستقل، وفق رؤية الجمهور أو انطباعاتهم، وأن تكون هناك معايير أكثر مرونة في التعامل مع الأعمال الدرامية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يجب مراعاة الفئات العمرية في التعامل مع الدراما، وذلك من خلال دور الأسرة والأهل في توجيه أطفالهم وحمايتهم، لكن بشكل عام أعتقد أن هذا الموسم الدرامي لم يشهد تجاوزات مثلما كنا نرى في السابق».

وكان الرئيس المصري قد انتقد الموسم الدرامي السابق في 2025، ووجّه بتناول موضوعات تراعي قيم الأسرة المصرية وتبتعد عن العنف والتجاوزات. وتدخلت أكثر من جهة في إنتاج الدراما والعمل الإعلامي لوضع ضوابط للأعمال الدرامية لمراعاة قيم المجتمع.

في السياق، أشادت لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بعدد من الأعمال التي عُرضت خلال النصف الثاني من شهر رمضان، من بينها «حكاية نرجس»، و«اللون الأزرق»، و«فرصة أخيرة»، و«عرض وطلب»، و«النص التاني»، وكذلك المسلسل الإذاعي «مرفوع مؤقتاً من الخدمة». ومن المنتظر أن تصدر اللجنة تقييماً نهائياً بإيجابيات وسلبيات الموسم الدرامي الحالي بعد انتهائه.