تحدّيات استثنائية لإعادة بناء نظام الرعاية الصحيّة في لبنان

الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز
الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز
TT

تحدّيات استثنائية لإعادة بناء نظام الرعاية الصحيّة في لبنان

الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز
الدكتور محمّد حسن الصّايغ، ألاء مرعي، الدكتور ديفيد م. بيكرز

على مدى العامين الماضيين، تبدّل حال نظام الرعاية الصحيّة في لبنان، الذي كان يُعرف سابقاً باسم «مستشفى الشرق الأوسط»، عما كان عليه في السابق. عبر التاريخ، كان لبنان مركزاً للمراكز الطبية الأكاديمية والوجهة الرائدة للسياحة العلاجيّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولكن هذه المكانة القياديّة تهالكت بسبب الانهيار الاقتصادي في لبنان وانهيار العملة اللبنانية في أواخر عام 2019 وبداية عام 2020، إلى جانب الضغط العالمي لوباء «كوفيد 19». نتيجة لهذه العوامل المؤسفة، غادر الأطباء والممرضون وغيرهم من المتخصّصين في الرعاية الصحيّة المؤهلين تأهيلاً عالياً البلاد إلى مراكز طبية أخرى في منطقة الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، نزل اللبنانيون إلى الشوارع للاحتجاج على عقود من الفساد المستشري الذي بلغ ذروته إلى حالة ميؤوس منها في جميع قطاعات الاقتصاد تقريباً ولكن بشكل أكبر في الرعاية الصحيّة. رافق الفشل الاقتصادي شللاً سياسياً وقلّل الاعتماد على العملة اللبنانية من قدرتها الشرائية بشكل كبير. واقترن ذلك بفرض النّظام المصرفي اللبناني قيوداً مشددة (مراقبة رأس المال) على سحب أو تحويل العملات الأجنبية، مما جعل جميع العناصر الأساسية للسير الطبيعي للاقتصاد تؤثّر على جميع القطاعات وخاصة قطاع الرعاية الصحيّة الذي يعتمد على استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية من خارج الدولة. بالإضافة إلى ذلك، تدمّر نظام الرعاية الصحيّة بسبب النقص المتكرر في الوقود والارتفاع الشديد في الأسعار وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة بشكل يومي، حيث إن الغالبية العظمى من اللبنانيين يحصلون على الكهرباء لأقل من ساعتين في اليوم. تزيد هذه الضغوطات من إجبار المستشفيات على تقنين الخدمات المقدّمة لمرضاها وإيقاع نظام الرعاية الصحيّة في حالة من الفوضى.
في 4 أغسطس (آب) 2020، تسبب ما يقارب 3000 طن من نترات الأمونيوم المخزّنة بشكل غير قانوني في انفجار هائل في مرفأ بيروت أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص وإصابة آلاف آخرين. بعد ذلك، استقالت الحكومة اللبنانية مجتمعة تاركة الدولة اللبنانية في حالة من الفوضى العارمة. في ذلك الوقت، كان لبنان يستضيف أكبر عدد من اللاجئين الأجانب في العالم من حيث نصيب الفرد، بما في ذلك ما يزيد على مليون سوري هربوا من جرّاء الحرب الأهلية بحثاً عن ملاذ آمن لعائلاتهم. خلقت هذه العوامل مجتمعة أزمة قوّضت نظام الرعاية الصحيّة اللبناني وحجبت عن المستشفيات ومقدمي الرعاية الصحيّة الموارد اللازمة لتقديم جودة الرعاية التي كانت سمة مميزة في المنطقة. تشير التقديرات إلى أن الانخفاض الكبير في قيمة العملة اللبنانية أدّى إلى انخفاض بنسبة تصل إلى 80 في المائة من الدخل السابق للأطباء والعاملين الآخرين في مجال الرعاية الصحيّة.1 وقد وجّه تسلسل الأحداث هذا ضربة ساحقة للعديد من العاملين اللبنانيين السابقين في مجال الرعاية الصحيّة، مما أجبرهم على البحث عن فرص بديلة في أماكن أخرى. وفي سبتمبر (أيلول) 2021، أشار تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن حوالي 40 في المائة من الأطباء المهرة و30 في المائة من الممرضين المسجلين قد غادروا لبنان منذ أكتوبر 2019. 2 ولقد أشار رئيس نقابة الأطباء اللبنانيين مؤخراً إلى أن النزوح المستمر للأطباء لا يعرض تقديم خدمات الرعاية الصحيّة للخطر فحسب، بل يهدد أيضاً تعليم الأطباء المستقبليين. في الواقع، سلّط مقال نُشر مؤخراً في الـ«واشنطن بوست» الضوء على الهجرة الجماعية لاختصاصيي الرعاية الصحيّة من لبنان.3
في العام 2009، وبدعمٍ قوي من مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، أطلقنا برنامجاً بعنوان: رؤية المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت لعام 2020، وتمكّنا من تجنيد أكثر من 200 طبيب وعالم وطني سابق في المركز الطبي معظمهم من أميركا الشمالية بين عامي 2009 و2019. ولكن، أكثر من نصف هؤلاء المجندين غادروا لبنان الآن وذلك فقط في مؤسسة واحدة. لسوء الحظ، يحدث هذا في وقتٍ نحن فيه بأمس الحاجة إلى هؤلاء المحترفين أكثر من أي وقت مضى. وقد تسببت هجرة العقول في نَدرة حرجة في العاملين في الخدمات الأساسية والعناية المركزة والطوارئ في الوقت الذي كانت فيه جائحة «كوفيد 19» متفشية في لبنان.
كان لهذه الأزمات متعددة الطبقات تأثير سلبي مدمّر على السكان اللبنانيين، كما أدى فقدان القوة الشرائية للعملة اللبنانية إلى جعل الرعاية الصحيّة غير متاحة للعديد من الأشخاص الذين لم يعودوا قادرين على الحصول على حتى أبسط احتياجاتهم الصحيّة. وقد أصبح العديد من المرضى يواجهون قراراً صعباً بإنهاء علاجاتهم بسبب القيود المالية. إن هذا الأمر لا يضر فقط بقضايا الرعاية الصحيّة الحالية، بل يؤدي أيضاً إلى تفاقم صحتهم النفسية ورفاهيتهم. وفي حال دخل العالم في ركود عالمي في عام 2022، فإن مصير كل هذه التحديات سيبقى غير مؤكد بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية الحالية المتفاقمة في لبنان.
أكد رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في لبنان أن هناك ثلاثة عوامل اقتصادية على الأقل يمكن أن تؤدّي إلى وفيات بين السكان يمكن الوقاية منها تماماً: 1) عدم توفر الكهرباء و2) نقص الإمدادات الكافية و3) نقص في الموظفين. 4 إن القيود المتمثلة في نقص و- أو عدم توفر العديد من الأدوية الأساسية، وخاصة الأدوية المضادة للسرطان، يمكن أن تؤدي إلى تآكل صحة ورفاهية الشعب اللبناني. على سبيل المثال، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أعلنت وزارة الصحة عن الإلغاء الجزئي لدعم شراء بعض الأدوية مما أدى إلى نقص كبير في إمدادات الأدوية الأساسية. وقد أصبحت بعض الأدوية الآن تكلف أكثر من الحد الأدنى للأجور الشهرية لكثير من الناس.
كما ساهمت الأزمة الاقتصادية في تزعزع العلاقة التقليدية بين الطبيب والمريض. توقفت المستشفيات الخاصة عن قبول المرضى الذين لا يدفعون، بما في ذلك أولئك الذين يغطيهم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. أما المرضى الذين لديهم تأمين خاص، فقد أصبح يُطلب منهم أيضاً دفع الفروق النثرية بين الليرة اللبنانية وسعر صرف الدولار الأميركي الذي تحدده المستشفى وتوافق عليه شركات التأمين. إن هذه الإجراءات تؤدي إلى عبء مالي ضخم على اللبنانيين، نعتقد أنه غير مستدام، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الاعتلال والوفيات بسبب عدم قدرتهم على دفع تكاليف الرعاية الصحيّة. في الواقع، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 في المائة من اللبنانيين يعيشون الآن في الفقر. وهذا بدوره له تأثير سلبي على صحة الأطفال. ففي السنوات الأخيرة، كانت هناك زيادة كبيرة في عدد الأطفال اللبنانيين الذين يعانون من سوء التغذية الحاد خلال هذه الأزمة الصحيّة والاقتصادية. وقد أبلغت العيادات الخاصة عن انخفاض بنسبة 50 في المائة تقريباً في توفير التطعيم الروتيني للأطفال. مع ارتفاع تكلفة الأدوية، سيُحرم هؤلاء الأطفال من الوصول إلى خدمات الرعاية الصحيّة الأولية لتلقي العلاج اللازم.
كما أثّرت الأزمة على الوضع الأكاديمي لأنظمة الرعاية الصحيّة في لبنان. 5 أظهرت الدراسات الحديثة أنه من بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، احتل لبنان المرتبة الثالثة من حيث عدد المنشورات المتعلقة بأبحاث الطب الحيوي والرعاية الصحيّة للفرد. فقد كانت البحوث الصحيّة والتجارب السريرية في لبنان محدودة جداً.
لقد ناشد البنك الدولي «واضعي السياسات» في لبنان عبثاً أن يتبنوا بشكل عاجل خطة إنعاش اقتصادي ومالي شاملة ضرورية لتنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها. صرح البنك الدولي بأن دماراً شاملاً قد يحلّ بالشبكات الاجتماعية والاقتصادية، مع تهديد خطير للأصول البشرية. 6 تشكل حالة عدم اليقين السياسي في لبنان اليوم تهديداً خطيراً للصحة والرفاهية الحالية والمستقبلية للبلد. في الواقع، إذا كان لبنان سيتعافى من حالة الفوضى الحالية، فمن الضروري تنفيذ إصلاحات اقتصادية وسياسية رئيسية لضمان إتاحة خدمات الرعاية الصحيّة على نطاق أوسع للسكان. يجب تطوير السياسات لاستعادة جودة كليات الطب والتمريض والمستشفيات التعليمية لاستعادة تفوق لبنان كمحور طبي رائد في المنطقة. يجب أن تتضمن المفاوضات الحالية بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي رؤية وخطة واضحتين فيما يتعلق بتعافي قطاع الرعاية الصحيّة قريباً وقبل أن يتعذر إصلاح الضرر - خوفاً من أن يكون الأوان قد فات!



لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
TT

لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)

مرّ نحو 3 أشهر منذ تشكيل «لجنة إدارة قطاع غزة» من القاهرة، دون أن يستطيع أعضاؤها عبور معبر رفح الحدودي بين مصر والقطاع لبدء عملهم، وتسلم المسؤولية من حركة «حماس»، كما ينصّ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بالرغم من فتح معبر رفح خلال تلك الفترة.

وبحسب مصادر فلسطينية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن هناك 4 أسباب رئيسية تعرقل وصولها إلى القطاع، في مقدمتها المنع الإسرائيلي المتواصل حتى الآن، وعدم وجود آلية نهائية مع «حماس» بشأن التسليم، وعدم وجود موازنة مالية لدعم عمل اللجنة، أو وجود قوات دولية خارج القطاع أو شرطية داخله تدعم عمل اللجنة.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عقب تشكيل «لجنة إدارة غزة»، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن مصادر، أن حكومة بنيامين نتنياهو ترفض السماح لأعضائها بدخول قطاع غزة، لافتة إلى أنهم يواصلون اجتماعاتهم في القاهرة، ويعمل ممثلو الوسطاء، وخاصة مصر، مع الولايات المتحدة للموافقة على دخول اللجنة إلى غزة بحلول نهاية الشهر ذاته.

اجتماع للجنة إدارة غزة في القاهرة (أرشيفية - هيئة الاستعلامات المصرية)

ولم تتغير قاعدة المنع الإسرائيلية بحق اللجنة، واتهمت وسائل إعلام فلسطينية، الممثل الأعلى للقطاع في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، بالوقوف خلف عرقلة دخول اللجنة التي يرأسها الدكتور علي شعث إلى قطاع غزة، ومنعها من أداء مهامها الإنسانية، بحسب تقرير نقلته وكالة «شهاب»، الخميس.

وعقب زيارة للقاهرة، كشفت «حماس» قبل نحو أسبوع، أن وفد الحركة والفصائل الفلسطينية عقد لقاءً مع ميلادنوف بحضور الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، في إطار جهود استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وفقاً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومواصلة معالجة تداعيات الحرب على القطاع.

«المشكلة في الإسرائيليين»

وشرح مصدران فلسطينيان لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، أن الاجتماعات في القاهرة عادة ما تشهد نقاشات بشأن واقع اللجنة ومساعي تسلمها مهامها، وستكون المحادثات المرتقبة بالقاهرة تحمل قدراً هاماً من الأهمية، خاصة أنها تأتي في فترة هدنة حرب طهران وواشنطن، وقد تعزز مساعي حلحلة بعض أزمات اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها عمل اللجنة.

وأوضح أحد المصدرين أن المشكلة الرئيسية في الإسرائيليين، وليس ملادينوف كما يثار، ويواصلون رفض مرورهم حتى الآن، مؤكداً أن نتنياهو لا يعنيه «مجلس السلام» ولا خطة ترمب، متوقعاً أنه «حال تم تشكيل الشرطة الفلسطينية في القطاع قد تسمح إسرائيل تحت ضغوط أميركية بدخول اللجنة، خاصة أن اللجنة لن تنجح دون ذراع على الأرض تنفذ قراراتها وتضمن نجاحها».

ومع تشكيل اللجنة مطلع هذا العام، قالت «حماس»، في بيان، إن الجهات الحكومية في غزة شرعت باتخاذ إجراءات لتسهيل عمل اللجنة الوطنية وتسليمها مقاليد الأمور، مؤكدة أنها لا تضع أي اشتراطات مسبقة لضمان بدء عملها.

«لجنة إدارة غزة» ما زالت في القاهرة بعد 3 أشهر على قرار تشكيلها (الخارجية المصرية)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن هناك 3 أسباب رئيسية في تأخر تسلم اللجنة مهامها، الأول أنه لم يتم الحسم مع «حماس» بآليات التسليم ومهام تسليم السلاح وترتيب العمل، والثاني يتمثل في عدم وجود موازنات مالية، خاصة أنه مطلوب منها تقديم إغاثة وخطط طوارئ إنسانية، وبالتالي لا يمكن للجنة أن تتحمل المسؤولية في غزة دون أن تكون لديها الأدوات اللازمة للعمل.

ويعتقد مطاوع أن عدم دخول قوات دولية يمكن عدّه سبباً ثالثاً في تأخر دخول اللجنة للقطاع، باعتبار أن اللجنة ترى في هذه القوات عاملاً مساعداً للاستقرار ومنع إسرائيل من أي خروقات.

ولا يحمّل مطاوع إسرائيل مسؤولية تأخير عمل اللجنة وحدها، بل يحمّل «حماس» أيضاً المسؤولية، وقال: «رغم ما تعلنه (حماس) باستمرار من أنها مستعدة لتسليم اللجنة مهامها، فإنها في الواقع لم تتخذ إجراءات تتوافق مع ذلك، بل نرى أن الحركة تعيد السيطرة على مفاصل القطاع بطريقة غير مباشرة، بما يجعل قبضتها هي الأقوى، وتحول اللجنة إلى جهة تعمل لدى الحركة».

ويؤكد مطاوع على «أهمية اجتماع القاهرة المرتقب، خاصة أنه يمكن أن يسهم في حلحلة أزمة لجنة إدارة قطاع غزة حال كانت هناك إرادة أميركية، وتوفر أموال لعمل اللجنة، واقتنعت (حماس) أن مسار الحل يجب أن تقدمه في تنازلات حقيقية».


رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
TT

رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)

تشهد جيبوتي، الجمعة، انتخابات رئاسية يتصدرها الرئيس الحالي مرشح حزب «التجمع الشعبي من أجل التقدم»، إسماعيل غيله، في مواجهة محمد فرح سماتر من حزب «المركز الديمقراطي الموحد»، المرشح الوحيد المنافس في السباق وسط غياب أصوات معارضة بارزة.

ويرأس غيله (78عاماً) البلاد منذ 1999، وقد ألغى تحديد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وكذلك الحد الأقصى للفترتين.

وحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإنه الأوفر حظاً للفوز بولاية سادسة في ظل غياب المنافسة القوية والمعارضة البارزة، غير أنه يواجه تحديات متعلقة بسنّه وتحديد خليفته.

تتمتع جيبوتي، التي يبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، بموقع استراتيجي مطل على البحر الأحمر وخليج عدن، يُعد بالغ الأهمية في منطقة القرن الأفريقي، إضافةً إلى استضافة قواعد عسكرية أجنبية.

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع أنصاره في منطقة بلبالا (وكالة الأنباء الجيبوتية)

حراك انتخابي

وقبيل انطلاق السباق الرئاسي، استقبل غيله، الأربعاء، في قصر الجمهورية رؤساء وفود المراقبين الدوليين للانتخابات الرئاسية، وبحث معهم قدرة الانتخابات في جيبوتي على الامتثال لمعايير التصويت الدولية، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية.

ومن المتوقع مشاركة 67 مراقباً منتدبين من أربع منظمات، هي: الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، ومنظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية.

وفي آخر تجمع انتخابي له، الأربعاء، أعرب غيله عن ثقته بنجاحه، لافتاً إلى الجهود التي بذلها خلال فتراته الرئاسية الخمس.

أما منافسه سماتر، فقد تعهد في مؤتمر انتخابي قبل أيام بإعطاء الأولوية لتعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية، واتخاذ تدابير لتعزيز توظيف الشباب.

يبلغ عدد الناخبين المسجلين 256467 ناخباً، حسب وكالة الأنباء الرسمية، وتضم مدينة جيبوتي الجزء الأكبر من الناخبين بواقع 162833 ناخباً مسجلاً، فيما تُجرى الانتخابات في 712 مركز اقتراع في أنحاء البلاد.

ويرجح الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، أن يفوز غيله «ليس من خلال توافق ديمقراطي واسع النطاق، بل من خلال استخدام سردية قوية للأمن والاستقرار، مدعومة من حزبه الحاكم، اتحاد الأغلبية الرئاسية، ومن خلال السيطرة الصارمة على أجهزة الدولة، مع مقاطعة قطاعات من المعارضة».

بلا منازع منذ 1999

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن غيله ترشحه لولاية سادسة في الانتخابات، وفقاً لبيان صادر عن الرئاسة.

وجاء ترشحه بعد أيام من تصويت البرلمان على إلغاء البند الدستوري الذي يحدد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وذلك بعد 15 عاماً من تعديل الدستور في 2010 بإلغاء الحد الأقصى للفترتين.

وفاز غيله في آخر انتخابات رئاسية، التي أُجريت في أبريل (نيسان) 2021، بنسبة تزيد على 97 في المائة من الأصوات. ويحتل ائتلافه السياسي موقعاً مهيمناً في البرلمان.

وقبل غيله، كان يتولى الرئاسة حسن جوليد أبتيدون، مؤسس استقلال جيبوتي. وفي عام 1999، خَلَفه غيله بعد أن شغل منصب رئيس ديوانه لمدة 22 عاماً.

ويقاطع حزبا المعارضة الرئيسيان، «حركة التجديد الديمقراطي والتنمية» و«التحالف الجمهوري من أجل الديمقراطية»، الانتخابات منذ عام 2016 اعتراضاً على مسار الانتخابات.

ويعتقد إبراهيم أن «العمر وإعداد خليفة هما أبرز التحديات التي تواجه غيله، خصوصاً أنه يتردد أنه يُعد ابن زوجته، الأمين العام لمكتب رئيس الوزراء نجيب عبد الله كامل (61 عاماً) لتولي مناصب قيادية».

وأشار إلى أن نجيب، وهو ابن رئيس الوزراء السابق عبد الله كامل، ينتمى إلى قومية الدناكل عفر، وهذا يثير تحديات من قومية الصومال التي ينتمي إليها غيله، «مما يُثير تكهنات حول أزمة خلافة محتملة».

ويخلص إبراهيم إلى أن الانتخابات ما هي إلا «توطيد للسلطة أكثر من كونها منافسة حقيقية، لكنها تُخفي مستقبلاً غير مستقر في ضوء عدم حسم تلك التحديات».


غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
TT

غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)

اختتم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة المؤقتة عدن، ركزت على بحث مسارَي السلام والاستقرار في ظل تعقيدات المشهدَين الإقليمي والداخلي، حيث شدد على ضرورة تجنيب اليمن الانجرار إلى دوامة التصعيد الإقليمي، والحفاظ على زخم العملية السياسية، بالتوازي مع دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز فرص التعافي، بما يهيئ الأرضية لحل شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

وشكّلت هذه الزيارة محطة جديدة ضمن مساعي الأمم المتحدة للحفاظ على زخم الوساطة، في ظل بيئة إقليمية متوترة تلقي بظلالها على المشهد اليمني، وتفرض على مختلف الأطراف ضرورة تجنب الانزلاق إلى تصعيد جديد قد يقوض ما تحقق من هدوء نسبي خلال الفترة الماضية.

ووفق بيانات أممية ويمنية، فقد ناقش المبعوث غروندبرغ مع عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق محمود الصبيحي، ورئيس الوزراء وزير الخارجية الدكتور شائع الزنداني، تطورات الأوضاع على الساحة الوطنية، والتداعيات المباشرة للتصعيد الإقليمي على فرص السلام في اليمن. وجرى التأكيد على أهمية تحييد الملف اليمني عن التوترات الإقليمية، والعمل على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين مختلف الأطراف.

واستعرض غروندبرغ نتائج تحركاته الأخيرة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى استئناف العملية السياسية، والتقدم المحرز في ملف تبادل المحتجزين، الذي يُعدّ من أبرز الملفات الإنسانية المرتبطة بالنزاع.

من جهته، جدد الفريق الصبيحي دعم مجلس القيادة الرئاسي الكامل جهود الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة تحقيق سلام عادل ودائم يستند إلى المرجعيات المتفق عليها، وفي مقدمتها «المبادرة الخليجية»، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرار «2216».

كما عبّر المسؤولون اليمنيون عن تقديرهم الدور الإقليمي والدولي، خصوصاً من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، مؤكدين أهمية استمرار هذا الدور في مختلف المسارات، بما يعزز فرص الاستقرار ويهيئ الأرضية لحل سياسي شامل.

أولوية الاستقرار الاقتصادي

اقتصادياً، حظيت ملفات الاستقرار المالي والنقدي بحيز واسع من نقاشات المبعوث الأممي مع المسؤولين اليمنيين، حيث التقى وزير المالية، مروان بن غانم، ووزير النفط والمعادن، محمد بامقاء، إلى جانب محافظ «البنك المركزي»، أحمد غالب. وتركزت المباحثات على التحديات التي تواجه المالية العامة، وأولويات الحكومة بشأن إقرار ميزانية عام 2026، وتحسين الإيرادات، وتعزيز كفاءة الإنفاق.

غروندبرغ التقى في عدن رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

كما ناقش الجانبان أهمية استئناف إنتاج وتصدير النفط والغاز، بصفتهما ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني، وتوفير موارد مستدامة تسهم في تخفيف الأزمة الإنسانية. وجرى التطرق كذلك إلى فرص تنفيذ إصلاحات اقتصادية أوسع، من شأنها تعزيز ثقة المجتمع الدولي، وجذب الدعم اللازم لعملية التعافي.

وأكد رئيس الوزراء اليمني، شائع الزنداني، حرص الحكومة على «مواصلة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، بما يعالج اختلالات المالية العامة، ويعزز الاستقرار النقدي، ويفتح المجال أمام شراكات دولية أوسع لدعم الاقتصاد اليمني».

تعزيز الشمولية

في سياق دعم الشمولية، التقى المبعوث الأممي وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، حيث جرى التأكيد على «أهمية تعزيز مشاركة المرأة في عمليات صنع القرار السياسي والعام، بوصفها عنصراً أساسياً في تحقيق سلام مستدام». كما ناقش اللقاء «سبل التمكين الاقتصادي للمرأة، وتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية لها في ظل التحديات الراهنة».

وامتدت لقاءات غروندبرغ لتشمل محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، حيث «جرى بحث الديناميكيات المحلية، والجهود المبذولة لتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الاستقرار في المدينة، التي تمثل مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً».

المبعوث الأممي إلى اليمن لدى وصوله لمطار عدن (الأمم المتحدة)

كما حرص المبعوث الأممي على لقاء ممثلين عن المجتمع المدني ووسائل الإعلام، «في إطار توجه الأمم المتحدة إلى تعزيز الشمولية وإشراك مختلف الفاعلين في جهود السلام، بما يعكس تنوع الرؤى ويعزز فرص الوصول إلى حلول توافقية».

وفي ختام زيارته، شدد غروندبرغ على «ضرورة الحفاظ على مساحة للعملية السياسية، وتكثيف الجهود لتجنيب اليمن تداعيات التصعيد الإقليمي»، مؤكداً أن تحقيق السلام يتطلب تضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية، والعمل على مسارات متوازية تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية.