«جيش المدونين الروس».. وحرب إعلامية لتلميع صورة بوتين

الإعلام الغربي ينتقد الرئيس الروسي.. لكنه يقر بكونه «الزعيم الأكثر نفوذًا في العالم»

اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)
اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)
TT

«جيش المدونين الروس».. وحرب إعلامية لتلميع صورة بوتين

اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)
اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)

يخبرنا الموظفون السابقون كيف أن الحكومة تدفع لمئات المدونين لإغراق المنتديات وشبكات التواصل الاجتماعي في الداخل والخارج بالدعاية والتعليقات والتصريحات المناهضة للغرب والموالية للكرملين.
عقب الساعة التاسعة من مساء كل يوم، يغادر صف طويل من الموظفين أحد المباني في 55 شارع سافوشكينا، وهو مجمع حديث للمكاتب مكون من أربعة طوابق ويحمل لافتة صغيرة بالخارج تقول «مركز الأعمال». بعد قضائهم 12 ساعة داخل المبنى، يجري استبدال الموظفين بمجموعة أخرى كبيرة منهم يستمرون في العمل طوال الليل.
ويعرف المبنى الغامض بأنه مقر «جيش المدونين الروس»، حيث يعمل المدونون على مدار الساعة لإغراق المنتديات الروسية على الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، وأقسام التعليقات بوسائل الإعلام الغربية بتعقيبات وملاحظات وتصريحات تحتفي أيما احتفاء بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما تصب في الوقت ذاته جام غضبها على الفساد والظلم المستشري في الغرب.
وتحدثت صحيفة «الغارديان» مع اثنين من الموظفين السابقين في مؤسسة المدونين الروسية، وكان أحدهما يعمل في إدارة وظيفتها تشغيل المدونات الوهمية على شبكة «لايف جورنال» للتواصل الاجتماعي، والآخر كان جزءا من فريق مهمته التطفل بالمدونات الموالية للكرملين على منتديات الدردشة المحلية في مختلف أنحاء روسيا. ولقد صرح كلاهما بأنهما كانا يعملان بصفة غير رسمية ويتلقيان رواتبهما نقدا في أيديهما.
ولقد عرضا صورة لبيئة العمل هناك تتسم بالقسوة والصرامة الشديدة، مع تطبيق الغرامات على التأخير لبضع دقائق أو لعدم تحقيق عدد التدوينات المطلوب في كل يوم. يعمل المدونون في غرف تضم كل واحدة منها 20 موظفا، يشرف عليهم ثلاثة محررين، وظيفتهم مراجعة المدونات وفرض الغرامات إذا وجدوا أن الكلمات المكتوبة مجتزأة ومنشورة من مكان آخر، أو كانت المدونات تحمل انحرافا آيديولوجيا.
وتقول المدونة على شبكة «لايف جورنال»، التي قضت شهرين من العمل لصالح المركز المذكور حتى منتصف مارس (آذار)، بأنها كانت تتلقى راتبا يقدر بـ45 ألف روبل (520 إسترلينيا، 790 دولارا) في الشهر، مقابل إدارة عدد من الحسابات على الموقع. ولم يكن هناك عقد والمستند الوحيد الذي وقعت عليه كان نموذج عدم الإفصاح. ووجهت إليها الأوامر الصريحة بعدم إخبار أصدقائها بوظيفتها، وعدم إضافة أي منهم أيضا على حسابات التواصل الاجتماعي التي تشرف عليها تحت هويات مستعارة.
وتقول: «كان علينا كتابة مدونات اعتيادية، تدور حول صناعة الكعكات التي نفضلها أو الموسيقى التي نحبها، ولكن من وقت لآخر نكتب مقالة سياسية حول فاشية حكومة كييف الأوكرانية، أو شيء من هذا القبيل».
من خلال تتبع أحد الحسابات التي أشرفت عليها في شبكة «لايف جورنال»، فإن النمط يبدو عاديا. هناك مدونات حول «أجمل 20 قلعة في أوروبا»، و«إشارات تدل على أنك تصاحب الفتاة الخاطئة»، وتتخللها عدة مدونات أخرى ذات طابع سياسي حول أوكرانيا أو تلك التي تشير إلى فساد زعيم المعارضة الروسي أليكسي نافالني.
وتأتي التعليمات بشأن المدونات السياسية في صورة «تعليمات فنية» يتلقاها المدونون في كل صباح، في حين أن المدونات غير السياسية يأتي بها الموظف من بنات أفكاره. وتضيف الموظفة السابقة فتقول: «إن أكثر الأمور رعبا هو حين تتحدث مع أصدقائك فتجدهم يرددون الأشياء نفسها التي تتلقها صباحا في التعليمات الفنية للعمل، ثم تدرك أن لكل ذلك تأثيره الحتمي».
وعمل الموظف مارات (40 عاما) في إدارة أخرى، حيث يجوس الموظفون بصورة منهجية خلال منتديات الدردشة في مختلف المدن ويتركون مدوناتهم فيها. ويقول: «أول شيء في الصباح، نجلس إلى مكاتبنا، ونشغل السيرفر الوهمي لإخفاء مواقعنا الحقيقية، ثم نشرع في قراءة التعليمات الفنية التي أرسلت إلينا».
يعمل المدونون في مجموعات من ثلاثة موظفين، حيث يترك الموظف الأول الشكاوى حول إحدى المشكلات أو غيرها، أو ينشر رابطا ببساطة، ثم يشرع الموظفون الآخرون في العمل، مستخدمين روابط المقالات من على المواقع الموالية للكرملين مع الصور الساخرة المسيئة للقادة الغرب أو أوكرانيا مع بعض التعليقات السخيفة.
وتقاسم الموظف مارات ستة من تقارير التعليمات الفنية التي تسلمها خلال عمله في المكتب مع صحيفة «الغارديان». وكل منها كان عبارة عن أحد الأخبار، وبعض المعلومات حوله، و«الاستنتاج» الذي يجب على المعلقين الوصول إليه. أحدها يدور حول تقديم الرئيس بوتين تعازيه للرئيس فرنسوا هولاند عقب الهجوم على صحيفة «تشارلي إيبدو» الفرنسية في باريس. يقول المقطع شارحا النتائج التي يجب أن يخلص إليها المدون في كتاباته: «اتصل الرئيس فلاديمير بوتين بالرئيس الفرنسي على الفور، على الرغم من العلاقات السيئة ما بين روسيا والغرب. ودائما ما وقف الزعيم الروسي ضد العدوان والإرهاب بصورة عامة. وبفضل مبادرات الرئيس الروسي انخفض عدد الحوادث الإرهابية داخل روسيا بشكل كبير». هناك تقارير أخرى تتطلب دعاية فائقة حول الهاتف الروسي الذكي المعروف باسم «يوتا فون»، وتعليقات مسيئة وسخيفة تنال من جنيفر بساكي المتحدثة السابقة باسم الخارجية الأميركية، وثلاثة تعليقات أخرى تتعلق بأوكرانيا والمخططات الغربية هناك.
وعن الاستنتاج المطلوب من أحدها يقول: «يتفق معظم الخبراء على أن الولايات المتحدة تحاول متعمدة إضعاف الدولة الروسية، وتستخدم أوكرانيا فقط ذريعة لتحقيق ذلك الهدف. فإذا لم يصَب أهل أوكرانيا بالذعر وساندوا الانقلاب، كان الغرب سيبحث عن سبيل آخر للضغط على روسيا. ولكن دولتنا لن تمضي قدما في خدمة المخططات الأميركية، ولسوف نقاتل من أجل سيادتنا على الساحة الدولية».
هناك الكثير من المواقع التي تستخدم لإضافة الألوان على مدوناتهم ولمساعدة جيش المدونين الروس. وأحد هذه المواقع يعرض الآلاف من الصور التي يمكن إلحاقها بالمدونات، وأغلبها لقادة أوروبيين، حيث يجري العمل على الصور ليظهروا في أوضاع ساخرة مع تعليقات تشير إلى ضعفهم وفشلهم، أو تلك التي تظهر بوتين في لمحات ذكية وتصوره بالمنتصر دائما.
الكثير من التعليقات تحمل نزعات عنصرية أو رهاب المثلية الجنسية. ومنها صورة لباراك أوباما يتناول موزة أو يوصف بأنه قرد، أو صورة للرئيس الأوكراني بترو بوروشينكو مسحوبا وراء سيارة ويقول: «إننا نستعد للتكامل مع أوروبا». يتعين على المدونين نشر تلك الصور برفقة ما يستطيعون سحبه من معلومات حولها من موقع معروف باسم «الموسوعة الوطنية الروسية»، التي تعرض إصدارات مقبولة من الناحية الفكرية للأحداث العالمية.
وتوضح المدونات الخاصة بثورة الميدان في كييف أن جميع المتظاهرين تناولوا شايا ممزوجا بالمخدرات، مما تسبب في اندلاع الثورة. وصدرت التعليمات الصارمة للمدونين بأنه لا ينبغي أبدا أن يُكتب تعليق سيئ عن الإعلان الذاتي لقيام جمهورية دونيتسك الشعبية، أو جمهورية لوهانسك الشعبية، وعدم كتابة أي شيء جيد عن الحكومة الأوكرانية. ويستطرد الموظف مارات فيقول: «كنت أعود إلى منزلي في نهاية اليوم لأجد عناوين الأخبار نفسها في نشرات التلفاز. كان واضحا أن القرارات بشأن ذلك تصدر من مكان ما». اتهم الكثير من الناس التلفزيون الروسي بتكثيف الدعاية الموجهة عبر الأشهر الـ18 الماضية في تغطيته لأحداث أوكرانيا، حتى إن الاتحاد الأوروبي أدرج ديمتري كيسيليف، مذيع التلفاز المتعنت برأيه ومدير إحدى الوكالات الإعلامية الكبرى، على قائمة العقوبات الأوروبية.
بعد شهرين من العمل في وكالة المدونين، بدأ مارات في الإحساس بأنه يفقد سلامته العقلية، وقرر أنه يتوجب عليه التوقف. ومن واقع المحادثات الخاطفة أثناء تناول القهوة، أشار إلى أن المكتب كان ينقسم تقريبا نصفين؛ الموظفين الذين يؤمنون حقا بصلاحية ما يفعلونه، وأولئك الذين يعتقدون أنه كان أمرا غبيا للغاية لولا الحاجة للمال. وفي بعض الأحيان، كان يلاحظ بعض الموظفين يغيرون من وظائفهم. والهجمات المتوالية التي يتعرض لها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومحاولات إحكام حلقة العزلة السياسية والحصار الاقتصادي حول روسيا من الخارج وزعيمها، يقابلها في الداخل ارتفاع مطرد في نسبة شعبيته وجماهيريته، رغم كل المتاعب الاقتصادية والاجتماعية التي يئن المواطن الروسي تحت وطأتها منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في مطلع عام 2014.
وعلى الرغم من أن الشعبية الواسعة النطاق التي يتمتع بها الرئيس بوتين في الداخل تُرَشحه للفوز بولاية رابعة على عرش الكرملين تستمر حتى عام 2024، فإنها لا تقف حائلا دون الخوض في «سيرته» وكذلك «سيرة» بعض المحسوبين عليه من قدامى الأصدقاء والرفاق من أبناء مدينته الأم سان بطرسبرغ، وهو ما يستقي الكثيرون تفاصيله من الصحافة الغربية. وعلى الرغم من الحملات الشديدة الوطأة التي تتواصل من جانب معظم الصحف والمجلات وقنوات التلفزيون الغربية والأميركية انتقادا لسياساته ومواقفه من الكثير من القضايا الإقليمية والعالمية وفي مقدمتها الأزمة الأوكرانية و«ضم» شبه جزيرة القرم، فإن هناك منها من اضطر للاعتراف بثقل وزنه ورجاحة مواقفه تجاه الكثير من هذه القضايا، ما جعل مجلة عريقة مثل «فوربس» الأميركية تضطر إلى الاعتراف باختياره «أكثر زعماء العالم تأثيرا ونفوذا لعام 2014» للعام الثاني على التوالي على غرار ما سبق وفعلته «التايم» الأميركية أيضا. ولعل الاهتمام المتزايد بالرئيس الروسي للدرجة التي جعلت الصحافة الألمانية وحدها تفرد للحديث عنه 143 مقالا وتقريرا خلال الأسبوع الأخير فقط، يقول بأنها ليست وحدها التي تبدي مثل هذا القدر من الاهتمام الذي نجده كذلك من جانب وسائل الإعلام البريطانية والفرنسية والأميركية لتجتمع كلها حول انتقاد سياساته المناوئة للتوجهات الغربية، وتصويره متشحا بمعطف رجل المخابرات، ممسكا بمسدسه باحثا عن ضحاياه ومقاصده في أروقة السياسة الغربية.
ويتركز اهتمام هذه المطبوعات والقنوات حول الموضوعات التي تتعلق بسياسات الكرملين تجاه أوكرانيا وعلاقاته مع أوروبا والولايات المتحدة. غير أن الانتقادات الأكثر حدة وحسب المصادر الروسية يمكن أن نجدها بالدرجة الأولى وأكثر من غيرها في الصحف الأميركية وإعلام بلدان البلطيق وأوكرانيا التي تتهم الرئيس الروسي بأنه الأكثر عدوانية وخطورة على أمن وسيادة ووحدة أراضي هذه البلدان. ومن اللافت أن كل الاتهامات التي تنشرها هذه الصحف تبدو في معظمها مستوحاة من مصادر واحدة بعينها، في الوقت نفسه الذي تفتقد فيه السند والدليل. ويذكر المراقبون الحملة كاملة العدد التي اشتعلت في إطار اتهام روسيا بأنها وراء إسقاط طائرة الركاب الماليزية فوق أوكرانيا في يوليو (تموز) من العام الماضي، دون أن يتمكن أي من أجهزة الاستخبارات الغربية، رغم مضى ما يقرب من العام، من تقديم ما يثبت ذلك. ويمكن الإشارة أيضا إلى الاتهامات التي تتواصل للعام الثاني على التوالي حول غزو القوات الروسية النظامية للأراضي الأوكرانية واستمرارها في احتلال أراضي منطقة الدونباس في جنوب شرقي أوكرانيا، وأيضا دون تقديم ما يثبت ذلك رغم استمرار الأقمار الصناعية الأميركية والغربية في مسح وتصوير هذه المناطق.
على أن الانتقادات التي تتوالي في حق بوتين لا تقتصر على السياسات والتوجهات الرسمية وتتعداها إلى الشخصية التي تتراوح أيضا بين التشكيك في ذمته المالية وتصرفاته الشخصية وعلاقاته مع أصدقائه وحتى تربيته في كنف آخرين ممن تتبنوه بعد وفاة الأم، حسب زعم عدد من الصحف الغربية.
أما عن الفساد المالي في روسيا الذي تتهم به أجهزة الإعلام الغربية الكثير من أعضاء النسق الأعلى للسلطة فإنه يظل أيضا يفتقد «المستندات» والأدلة الدامغة على ذلك، وإن كان ذلك لا يعني إنكارا للكثير من النواقص التي يشهدها المجتمع الروسي، وينال من قدسية العدالة الاجتماعية، وهو ما تركز عليه فصائل المعارضة التي تبدو مصدرا أساسيا لما يجري ترويجه من اتهامات وانتقادات في حق بوتين وسياساته.
وبهذه المناسبة نشير إلى أن الدعاية الغربية لا تترك شاردة أو واردة في سياسات بوتين دون أن تحاول استغلالها لخدمة مآرب وأهداف بعينها. ويذكر الكثيرون أن الحملات الدعائية المضادة للرئيس الروسي كانت استهدفت وقبل الأزمة الأوكرانية النيل من الجهود التي بذلتها حكومة بوتين استعدادا للدورة الأولمبية الشتوية في سوتشي في 2012، ولم تقتصر على الاتهامات بالفساد وانتقاد ما وصفته بالبذخ غير المبرر في الإنفاق على هذه الدورة، وهو سرعان ما تحول إلى اتهامات أخرى بانتهاك «حقوق المثليين» في روسيا، الأمر الذي دفع عددا من الزعماء الغربيين ومنهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، ونظيره الفرنسي فرنسوا هولاند، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وآخرين إلى الاعتذار عن حضور مراسم افتتاح دورة سوتشي الأولمبية للألعاب الشتوية.



حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».