«جيش المدونين الروس».. وحرب إعلامية لتلميع صورة بوتين

الإعلام الغربي ينتقد الرئيس الروسي.. لكنه يقر بكونه «الزعيم الأكثر نفوذًا في العالم»

اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)
اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)
TT

«جيش المدونين الروس».. وحرب إعلامية لتلميع صورة بوتين

اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)
اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)

يخبرنا الموظفون السابقون كيف أن الحكومة تدفع لمئات المدونين لإغراق المنتديات وشبكات التواصل الاجتماعي في الداخل والخارج بالدعاية والتعليقات والتصريحات المناهضة للغرب والموالية للكرملين.
عقب الساعة التاسعة من مساء كل يوم، يغادر صف طويل من الموظفين أحد المباني في 55 شارع سافوشكينا، وهو مجمع حديث للمكاتب مكون من أربعة طوابق ويحمل لافتة صغيرة بالخارج تقول «مركز الأعمال». بعد قضائهم 12 ساعة داخل المبنى، يجري استبدال الموظفين بمجموعة أخرى كبيرة منهم يستمرون في العمل طوال الليل.
ويعرف المبنى الغامض بأنه مقر «جيش المدونين الروس»، حيث يعمل المدونون على مدار الساعة لإغراق المنتديات الروسية على الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، وأقسام التعليقات بوسائل الإعلام الغربية بتعقيبات وملاحظات وتصريحات تحتفي أيما احتفاء بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما تصب في الوقت ذاته جام غضبها على الفساد والظلم المستشري في الغرب.
وتحدثت صحيفة «الغارديان» مع اثنين من الموظفين السابقين في مؤسسة المدونين الروسية، وكان أحدهما يعمل في إدارة وظيفتها تشغيل المدونات الوهمية على شبكة «لايف جورنال» للتواصل الاجتماعي، والآخر كان جزءا من فريق مهمته التطفل بالمدونات الموالية للكرملين على منتديات الدردشة المحلية في مختلف أنحاء روسيا. ولقد صرح كلاهما بأنهما كانا يعملان بصفة غير رسمية ويتلقيان رواتبهما نقدا في أيديهما.
ولقد عرضا صورة لبيئة العمل هناك تتسم بالقسوة والصرامة الشديدة، مع تطبيق الغرامات على التأخير لبضع دقائق أو لعدم تحقيق عدد التدوينات المطلوب في كل يوم. يعمل المدونون في غرف تضم كل واحدة منها 20 موظفا، يشرف عليهم ثلاثة محررين، وظيفتهم مراجعة المدونات وفرض الغرامات إذا وجدوا أن الكلمات المكتوبة مجتزأة ومنشورة من مكان آخر، أو كانت المدونات تحمل انحرافا آيديولوجيا.
وتقول المدونة على شبكة «لايف جورنال»، التي قضت شهرين من العمل لصالح المركز المذكور حتى منتصف مارس (آذار)، بأنها كانت تتلقى راتبا يقدر بـ45 ألف روبل (520 إسترلينيا، 790 دولارا) في الشهر، مقابل إدارة عدد من الحسابات على الموقع. ولم يكن هناك عقد والمستند الوحيد الذي وقعت عليه كان نموذج عدم الإفصاح. ووجهت إليها الأوامر الصريحة بعدم إخبار أصدقائها بوظيفتها، وعدم إضافة أي منهم أيضا على حسابات التواصل الاجتماعي التي تشرف عليها تحت هويات مستعارة.
وتقول: «كان علينا كتابة مدونات اعتيادية، تدور حول صناعة الكعكات التي نفضلها أو الموسيقى التي نحبها، ولكن من وقت لآخر نكتب مقالة سياسية حول فاشية حكومة كييف الأوكرانية، أو شيء من هذا القبيل».
من خلال تتبع أحد الحسابات التي أشرفت عليها في شبكة «لايف جورنال»، فإن النمط يبدو عاديا. هناك مدونات حول «أجمل 20 قلعة في أوروبا»، و«إشارات تدل على أنك تصاحب الفتاة الخاطئة»، وتتخللها عدة مدونات أخرى ذات طابع سياسي حول أوكرانيا أو تلك التي تشير إلى فساد زعيم المعارضة الروسي أليكسي نافالني.
وتأتي التعليمات بشأن المدونات السياسية في صورة «تعليمات فنية» يتلقاها المدونون في كل صباح، في حين أن المدونات غير السياسية يأتي بها الموظف من بنات أفكاره. وتضيف الموظفة السابقة فتقول: «إن أكثر الأمور رعبا هو حين تتحدث مع أصدقائك فتجدهم يرددون الأشياء نفسها التي تتلقها صباحا في التعليمات الفنية للعمل، ثم تدرك أن لكل ذلك تأثيره الحتمي».
وعمل الموظف مارات (40 عاما) في إدارة أخرى، حيث يجوس الموظفون بصورة منهجية خلال منتديات الدردشة في مختلف المدن ويتركون مدوناتهم فيها. ويقول: «أول شيء في الصباح، نجلس إلى مكاتبنا، ونشغل السيرفر الوهمي لإخفاء مواقعنا الحقيقية، ثم نشرع في قراءة التعليمات الفنية التي أرسلت إلينا».
يعمل المدونون في مجموعات من ثلاثة موظفين، حيث يترك الموظف الأول الشكاوى حول إحدى المشكلات أو غيرها، أو ينشر رابطا ببساطة، ثم يشرع الموظفون الآخرون في العمل، مستخدمين روابط المقالات من على المواقع الموالية للكرملين مع الصور الساخرة المسيئة للقادة الغرب أو أوكرانيا مع بعض التعليقات السخيفة.
وتقاسم الموظف مارات ستة من تقارير التعليمات الفنية التي تسلمها خلال عمله في المكتب مع صحيفة «الغارديان». وكل منها كان عبارة عن أحد الأخبار، وبعض المعلومات حوله، و«الاستنتاج» الذي يجب على المعلقين الوصول إليه. أحدها يدور حول تقديم الرئيس بوتين تعازيه للرئيس فرنسوا هولاند عقب الهجوم على صحيفة «تشارلي إيبدو» الفرنسية في باريس. يقول المقطع شارحا النتائج التي يجب أن يخلص إليها المدون في كتاباته: «اتصل الرئيس فلاديمير بوتين بالرئيس الفرنسي على الفور، على الرغم من العلاقات السيئة ما بين روسيا والغرب. ودائما ما وقف الزعيم الروسي ضد العدوان والإرهاب بصورة عامة. وبفضل مبادرات الرئيس الروسي انخفض عدد الحوادث الإرهابية داخل روسيا بشكل كبير». هناك تقارير أخرى تتطلب دعاية فائقة حول الهاتف الروسي الذكي المعروف باسم «يوتا فون»، وتعليقات مسيئة وسخيفة تنال من جنيفر بساكي المتحدثة السابقة باسم الخارجية الأميركية، وثلاثة تعليقات أخرى تتعلق بأوكرانيا والمخططات الغربية هناك.
وعن الاستنتاج المطلوب من أحدها يقول: «يتفق معظم الخبراء على أن الولايات المتحدة تحاول متعمدة إضعاف الدولة الروسية، وتستخدم أوكرانيا فقط ذريعة لتحقيق ذلك الهدف. فإذا لم يصَب أهل أوكرانيا بالذعر وساندوا الانقلاب، كان الغرب سيبحث عن سبيل آخر للضغط على روسيا. ولكن دولتنا لن تمضي قدما في خدمة المخططات الأميركية، ولسوف نقاتل من أجل سيادتنا على الساحة الدولية».
هناك الكثير من المواقع التي تستخدم لإضافة الألوان على مدوناتهم ولمساعدة جيش المدونين الروس. وأحد هذه المواقع يعرض الآلاف من الصور التي يمكن إلحاقها بالمدونات، وأغلبها لقادة أوروبيين، حيث يجري العمل على الصور ليظهروا في أوضاع ساخرة مع تعليقات تشير إلى ضعفهم وفشلهم، أو تلك التي تظهر بوتين في لمحات ذكية وتصوره بالمنتصر دائما.
الكثير من التعليقات تحمل نزعات عنصرية أو رهاب المثلية الجنسية. ومنها صورة لباراك أوباما يتناول موزة أو يوصف بأنه قرد، أو صورة للرئيس الأوكراني بترو بوروشينكو مسحوبا وراء سيارة ويقول: «إننا نستعد للتكامل مع أوروبا». يتعين على المدونين نشر تلك الصور برفقة ما يستطيعون سحبه من معلومات حولها من موقع معروف باسم «الموسوعة الوطنية الروسية»، التي تعرض إصدارات مقبولة من الناحية الفكرية للأحداث العالمية.
وتوضح المدونات الخاصة بثورة الميدان في كييف أن جميع المتظاهرين تناولوا شايا ممزوجا بالمخدرات، مما تسبب في اندلاع الثورة. وصدرت التعليمات الصارمة للمدونين بأنه لا ينبغي أبدا أن يُكتب تعليق سيئ عن الإعلان الذاتي لقيام جمهورية دونيتسك الشعبية، أو جمهورية لوهانسك الشعبية، وعدم كتابة أي شيء جيد عن الحكومة الأوكرانية. ويستطرد الموظف مارات فيقول: «كنت أعود إلى منزلي في نهاية اليوم لأجد عناوين الأخبار نفسها في نشرات التلفاز. كان واضحا أن القرارات بشأن ذلك تصدر من مكان ما». اتهم الكثير من الناس التلفزيون الروسي بتكثيف الدعاية الموجهة عبر الأشهر الـ18 الماضية في تغطيته لأحداث أوكرانيا، حتى إن الاتحاد الأوروبي أدرج ديمتري كيسيليف، مذيع التلفاز المتعنت برأيه ومدير إحدى الوكالات الإعلامية الكبرى، على قائمة العقوبات الأوروبية.
بعد شهرين من العمل في وكالة المدونين، بدأ مارات في الإحساس بأنه يفقد سلامته العقلية، وقرر أنه يتوجب عليه التوقف. ومن واقع المحادثات الخاطفة أثناء تناول القهوة، أشار إلى أن المكتب كان ينقسم تقريبا نصفين؛ الموظفين الذين يؤمنون حقا بصلاحية ما يفعلونه، وأولئك الذين يعتقدون أنه كان أمرا غبيا للغاية لولا الحاجة للمال. وفي بعض الأحيان، كان يلاحظ بعض الموظفين يغيرون من وظائفهم. والهجمات المتوالية التي يتعرض لها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومحاولات إحكام حلقة العزلة السياسية والحصار الاقتصادي حول روسيا من الخارج وزعيمها، يقابلها في الداخل ارتفاع مطرد في نسبة شعبيته وجماهيريته، رغم كل المتاعب الاقتصادية والاجتماعية التي يئن المواطن الروسي تحت وطأتها منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في مطلع عام 2014.
وعلى الرغم من أن الشعبية الواسعة النطاق التي يتمتع بها الرئيس بوتين في الداخل تُرَشحه للفوز بولاية رابعة على عرش الكرملين تستمر حتى عام 2024، فإنها لا تقف حائلا دون الخوض في «سيرته» وكذلك «سيرة» بعض المحسوبين عليه من قدامى الأصدقاء والرفاق من أبناء مدينته الأم سان بطرسبرغ، وهو ما يستقي الكثيرون تفاصيله من الصحافة الغربية. وعلى الرغم من الحملات الشديدة الوطأة التي تتواصل من جانب معظم الصحف والمجلات وقنوات التلفزيون الغربية والأميركية انتقادا لسياساته ومواقفه من الكثير من القضايا الإقليمية والعالمية وفي مقدمتها الأزمة الأوكرانية و«ضم» شبه جزيرة القرم، فإن هناك منها من اضطر للاعتراف بثقل وزنه ورجاحة مواقفه تجاه الكثير من هذه القضايا، ما جعل مجلة عريقة مثل «فوربس» الأميركية تضطر إلى الاعتراف باختياره «أكثر زعماء العالم تأثيرا ونفوذا لعام 2014» للعام الثاني على التوالي على غرار ما سبق وفعلته «التايم» الأميركية أيضا. ولعل الاهتمام المتزايد بالرئيس الروسي للدرجة التي جعلت الصحافة الألمانية وحدها تفرد للحديث عنه 143 مقالا وتقريرا خلال الأسبوع الأخير فقط، يقول بأنها ليست وحدها التي تبدي مثل هذا القدر من الاهتمام الذي نجده كذلك من جانب وسائل الإعلام البريطانية والفرنسية والأميركية لتجتمع كلها حول انتقاد سياساته المناوئة للتوجهات الغربية، وتصويره متشحا بمعطف رجل المخابرات، ممسكا بمسدسه باحثا عن ضحاياه ومقاصده في أروقة السياسة الغربية.
ويتركز اهتمام هذه المطبوعات والقنوات حول الموضوعات التي تتعلق بسياسات الكرملين تجاه أوكرانيا وعلاقاته مع أوروبا والولايات المتحدة. غير أن الانتقادات الأكثر حدة وحسب المصادر الروسية يمكن أن نجدها بالدرجة الأولى وأكثر من غيرها في الصحف الأميركية وإعلام بلدان البلطيق وأوكرانيا التي تتهم الرئيس الروسي بأنه الأكثر عدوانية وخطورة على أمن وسيادة ووحدة أراضي هذه البلدان. ومن اللافت أن كل الاتهامات التي تنشرها هذه الصحف تبدو في معظمها مستوحاة من مصادر واحدة بعينها، في الوقت نفسه الذي تفتقد فيه السند والدليل. ويذكر المراقبون الحملة كاملة العدد التي اشتعلت في إطار اتهام روسيا بأنها وراء إسقاط طائرة الركاب الماليزية فوق أوكرانيا في يوليو (تموز) من العام الماضي، دون أن يتمكن أي من أجهزة الاستخبارات الغربية، رغم مضى ما يقرب من العام، من تقديم ما يثبت ذلك. ويمكن الإشارة أيضا إلى الاتهامات التي تتواصل للعام الثاني على التوالي حول غزو القوات الروسية النظامية للأراضي الأوكرانية واستمرارها في احتلال أراضي منطقة الدونباس في جنوب شرقي أوكرانيا، وأيضا دون تقديم ما يثبت ذلك رغم استمرار الأقمار الصناعية الأميركية والغربية في مسح وتصوير هذه المناطق.
على أن الانتقادات التي تتوالي في حق بوتين لا تقتصر على السياسات والتوجهات الرسمية وتتعداها إلى الشخصية التي تتراوح أيضا بين التشكيك في ذمته المالية وتصرفاته الشخصية وعلاقاته مع أصدقائه وحتى تربيته في كنف آخرين ممن تتبنوه بعد وفاة الأم، حسب زعم عدد من الصحف الغربية.
أما عن الفساد المالي في روسيا الذي تتهم به أجهزة الإعلام الغربية الكثير من أعضاء النسق الأعلى للسلطة فإنه يظل أيضا يفتقد «المستندات» والأدلة الدامغة على ذلك، وإن كان ذلك لا يعني إنكارا للكثير من النواقص التي يشهدها المجتمع الروسي، وينال من قدسية العدالة الاجتماعية، وهو ما تركز عليه فصائل المعارضة التي تبدو مصدرا أساسيا لما يجري ترويجه من اتهامات وانتقادات في حق بوتين وسياساته.
وبهذه المناسبة نشير إلى أن الدعاية الغربية لا تترك شاردة أو واردة في سياسات بوتين دون أن تحاول استغلالها لخدمة مآرب وأهداف بعينها. ويذكر الكثيرون أن الحملات الدعائية المضادة للرئيس الروسي كانت استهدفت وقبل الأزمة الأوكرانية النيل من الجهود التي بذلتها حكومة بوتين استعدادا للدورة الأولمبية الشتوية في سوتشي في 2012، ولم تقتصر على الاتهامات بالفساد وانتقاد ما وصفته بالبذخ غير المبرر في الإنفاق على هذه الدورة، وهو سرعان ما تحول إلى اتهامات أخرى بانتهاك «حقوق المثليين» في روسيا، الأمر الذي دفع عددا من الزعماء الغربيين ومنهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، ونظيره الفرنسي فرنسوا هولاند، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وآخرين إلى الاعتذار عن حضور مراسم افتتاح دورة سوتشي الأولمبية للألعاب الشتوية.



لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».


تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
TT

تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)

تجاوز «البودكاست»، للمرة الأولى، الإذاعة بوصفها إحدى أبرز الوسائل الشعبية للاستماع للمحتوى الصوتي، ما يدفع بالمنافسة بينهما لمزيد من الاحتدام. وفي حين تشير البيانات إلى أن السوق تتجه إلى مزيد من الاعتماد على «البودكاست»، قال خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» إن الراديو لا يزال يتمتع بمزايا تنافسية وفرص لجذب الجمهور.

مؤسسة «إديسون ريسيرش» الأميركية كانت قد أجرت مسحاً ونشرت نتائجه في نهاية فبراير (شباط) الماضي، وكشفت النتائج عن زيادة إقبال الجمهور على الاستماع لـ«البودكاست» ليتجاوز للمرة الأولى جمهور الإذاعة.

وأكدت المؤسسة، المتخصصة في استطلاعات الرأي ودراسات السوق والإعلام، أن الباحثين ظلوا على مدار العقد الماضي، يتتبعون سلوك الجمهور فيما يتعلق بالمحتوى الصوتي وتفضيلاته. ورصدوا، بالفعل، نمواً مستمراً في نسبة الوقت المخصص للاستماع إلى «البودكاست»، مقابل تراجع في حصة الوقت المخصص للإذاعة، لينتهي الأمر بتفوق «البودكاست» بنسبة 40 في المائة من إجمالي وقت الاستماع، مقابل 39 في المائة للإذاعة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه النسبة تتعلق بالإذاعة الحوارية فقط، ويستثنى منها وقت الاستماع للموسيقى مقابل «البودكاست المصور».

من ناحية أخرى، مع أن الفارق لا يزال محدوداً، فإن الخبراء أثاروا تساؤلات حول التنامي الذي لا يمكن إنكاره لهذا النمط من المحتوى الصوتي، لا سيما في ظل دخول منصّات مثل «سبوتيفاي» و«يوتيوب» في المنافسة، ما يمثل توجهاً محورياً في الصناعة.

هيفاء البنا، الصحافية اللبنانية والمدربة في الإعلام ومواقع التواصل، رأت أن تجاوز «البودكاست» للإذاعة التقليدية القائمة على البث الخطي، يعكس تحولاً بالأساس في سلوك الجمهور. وأوضحت أن «التحول مرتبط أساساً بتغير عادات استهلاك المحتوى بشكل عام، وليس الصوت فقط».

وتابعت البنا أن الجمهور اليوم اعتاد نموذج «المحتوى عند الطلب» في كل شيء تقريباً، من الفيديو إلى الموسيقى، ومن ثمّ أصبح من الطبيعي أن يتوقع التجربة نفسها مع المحتوى الصوتي. وتابعت أن «البودكاست» يمنح المستمع التحكم الكامل، اختيار الموضوع، الحلقة، والتوقيت، بينما يظل الراديو التقليدي «مرتبطاً بجدول بث ثابت يفرض على المستمع التكيف معه».

أيضاً أشارت البنا إلى «عامل التخصص»، فقالت إن «البودكاست» يسمح بوجود برامج شديدة التخصص، تستهدف اهتمامات محددة، وهو ما يصعب تحقيقه في الإذاعات العامة التي تخاطب جمهوراً واسعاً. وذكرت أن انتشار أنظمة الترفيه الذكية في السيارات وربط الهواتف الذكية بالسيارة، ساهما في الوصول بسهولة إلى تطبيقات «البودكاست» أو الموسيقى أو الكتب الصوتية.

في سياق متصل، وفي خطوة تعكس تغيراً واضحاً في اتجاهات صناعة الإعلام، أبرمت شركة «نتفليكس» صفقات مع مؤسستي «آي هارت ميديا» و«بارستول سبورتس» لعرض إنتاجاتهما من «البودكاست» عبر المنصة بصيغة بصرية متطورة تتجاوز القوالب التقليدية.

وتتوافق هذه الخطوة مع البيانات الصادرة عن «يوتيوب» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي أفادت بنمو ملحوظ في مشاهدة «البودكاست المصور» عبر أجهزة التلفاز الذكية، إذ سجلت المنصة 700 مليون ساعة مشاهدة شهرية خلال عام 2025 ارتفاعاً من 400 مليون ساعة في عام 2024.

وهنا، قال الحسيني موسى، خبير تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، إننا أمام محتوى واحد يُقدم من خلال نموذجين مختلفين، من حيث الإنتاج والتوزيع وشكل العلاقة مع الجمهور. وأوضح أن «هناك اختلافات جوهرية في النموذجين، ففي حين تتميز المنظومة الإذاعية بالدقة والمهنية والتحقق من المعلومات، وهذا يجعل نسب الخطأ أو التضليل أقل، يتمتع البودكاست بمساحات من الحرية تكسر القوالب التقليدية؛ لكن في الوقت نفسه قد يَعرض محتوى مضللاً دون رقيب».

وفي سياق المقارنة، أورد موسى أن ما يميز «البودكاست» هو اعتماده على «ارتباط شخصي وثيق» بالمستمع أو المشاهد، وأن «البودكاست يقدم حلقات طويلة تمتد لبضع ساعات أحياناً، وهذا النموذج يشعر الجمهور بثقة منشؤها التواصل الإنساني المستمر وليس بالضرورة البراهين المادية».

في المقابل، رغم البيانات التي قد تقوّض فرص الإذاعة، رأى موسى أنه لا تزال الإذاعة لديها فرص ومزايا تنافسية، وأن «نقطة القوة الأولى هي الثقة، فجمهور الراديو يشعر بطمأنينة تجاه المحتوى المقدم، ويثق بأنه تم تدقيقه وتحريره باحترافية».

وأردف: «الميزة الثانية هي الآنية، إذ تعد الإذاعة من أقوى وسائل الإعلام في مساحة الخبر العاجل، بينما يظل البودكاست بعيداً عن هذه الميزة». وأما الميزة الثالثة بحسب موسى فهي التحوّل للديجيتال (الرقمية)، شارحاً «حان الوقت ألا تكتفي الإذاعة بالبث التقليدي، وتنطلق نحو إعادة توزيع محتواها بشكل ذكي قريب من الديجيتال، وهذا سيساهم في الوصول للجمهور الأصغر سناً».


فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.