إربين الأوكرانية تعيد للذاكرة مشاهد الحرب العالمية الثانية

«الشرق الأوسط» توثق في شوارعها حجم الدمار في مدينة قريبة من محيط كييف

جنديان أوكرانيان يحاولان إصلاح آلية روسية غنماها في زابوتشايا (الشرق الأوسط)
جنديان أوكرانيان يحاولان إصلاح آلية روسية غنماها في زابوتشايا (الشرق الأوسط)
TT

إربين الأوكرانية تعيد للذاكرة مشاهد الحرب العالمية الثانية

جنديان أوكرانيان يحاولان إصلاح آلية روسية غنماها في زابوتشايا (الشرق الأوسط)
جنديان أوكرانيان يحاولان إصلاح آلية روسية غنماها في زابوتشايا (الشرق الأوسط)

باص صغير عليه إشارة الصليب الأحمر متوقف في وسط الشارع وقربه على الرصيف عربة أطفال متروكة لشأنها، وحولهما دمار وركام. بعض المنازل محترقة والأخرى مدمرة، ودار عبادة على جدرانها آثار طلقات رصاص، والشارع خالٍ من الناس والسيارات. بعد دقائق قليلة تصل قافلة مساعدات يرافقها عربة جنود من الجيش الأوكراني، يتجاوز الموكب الباص الصغير ويتابع طريقه نحو مناطق تجمع المدنيين المحتاجين للمساعدات.

أهلاً بكم في إربين
منذ منتصف الأسبوع بدأت إربين تخلو من الجنود الروس، معارك طاحنة كان يصل دويها إلى مسافة خمسة كيلومترات أدت إلى خروج القوات الروسية من المدينة، قبل أن ينتقل القتال إلى زابوتشايا وبوتشا، المتاخمتين لإربين. واستطاعت القوات الروسية المحافظة على المنطقتين وعملت على قصف إربين بعنف لمدة يومين قبل أن تنهار قدرتها على الصمود وتنسحب مخلفة وراءها كثيراً من المعدات والجنود القتلى وجثثاً لمدنيين قضوا بطلقات القنص أو الرصاص المباشر للقوات الروسية أو عمليات القصف المتبادلة.
أغلق الجيش الأوكراني وقوات الشرطة كل الطرق إلى إربين ومحيطها، وكيفما حاولت التوجه ستجد حاجزاً للشرطة يطلب منك العودة من حيث أتيت، الدخول مستحيل إلا بمساعدة خرائط «غوغل» وبعض الثغرات التي لم تسرع الشرطة العسكرية في الجيش أو الشرطة المدنية إلى إغلاقها. إحداها سمح لنا بالوصول إلى داخل إربين، التي، وكما أبلغنا رجال الشرطة «لا تزال قيد التنظيف».

جثث على الطرقات وقذائف
لم تنفجر وعمليات نهب للمحلات
على أطراف الطريق المؤدية إلى إربين كما في داخلها عدد من قذائف لم تنفجر، تركت في مكانها بانتظار اختصاصيي إزالة المتفجرات. كما تشاهد أيضاً بعض الجثث، فيما تعمل عدة فرق، بحسب ما أفادنا مسؤولون برلمانيون، على تقصي الحقائق وتوثيق ما يمكن أن يشكل جرائم حرب ضد المدنيين في محيط كييف، خصوصاً مكتب المدعي العام الذي يصدر تقارير دورية حول أعمال تحقيقاته.
على تقاطع الطرق في ستويانكا (20 كيلومتراً غرب كييف) المحلات التجارية مدمرة بالكامل، محطة الوقود تعرضت للقصف واحترقت، المخازن التجارية خالية من البضائع، بعد أن تعرض بعضها إلى عمليات نهب منظمة. في محال المأكولات تشاهد بقايا الوجبات وبعض قطع اللحم في أحد البرادات المطفأة، وكذلك الحال بالنسبة لمحال ألعاب الأطفال الخالية هي الأخرى من البضائع تقريباً، كل شيء يوحي بأن عمليات نهب حصلت هنا قبل اشتداد المعارك. الأبواب مكسرة رغم أنها تتعرض للقصف.
ثم تأتي ملامح المعارك، إذ ترى آثار الرصاص على الجدران وفي داخل أنفاق تصل بين جانبي الطريق الدولية كانت قبل المعارك مخصصة للمشاة، ثم ألقيت فيها قنابل يدوية، إضافة إلى تعرضها لرشقات نارية. ولكن ما جرى هنا معارك سريعة، لم تدُم طويلاً ربما ساعات على الأغلب، فكمية الرصاص والقذائف المباشرة تقول إن القوة التي وُجدت هنا حتى يوم الجمعة صباحاً قاتلت فقط لتتمكن من الانسحاب.

الاستيلاء على عربات روسية وإصلاحها لإعادتها إلى الميدان
ومن ستويانكا تتفرع الطريق نحو إربين مباشرة أو كابتانيفكا ثم زابوتشايا وبوتشا. ومن هذه الطريق تصل عربة روسية استولت عليها القوات الأوكرانية وأخفت الإشارات الروسية عنها وقادتها نحو المناطق الخلفية للإصلاح كما يبدو، بينما كانت فرق أخرى تتولى تأمين الطرق والبحث عن جثث أو ألغام وقذائف غير منفجرة في محيط الطريق البعيدة، وكثير من المصورين الصحافيين يلتقطون الصور ويسجلون لقطات الفيديو.
على الطريق المؤدية إلى زابوتشايا (23 كيلومتراً غرب العاصمة كييف) توقفت مدرعتان وبدأ عدد من الجنود الأوكرانيون العمل على ربط بعضهما ببعض. المدرعة الأوكرانية أتت لجر الآلية الروسية التي أصيبت وتخلى عنها جنودها. جندي أوكراني يبتسم ويسمح لنا بالتصوير، قائلاً: هذه المدرعة الروسية ستعود للقتال بعد أن نصلحها ونغير ألوانها قليلاً.
ينجح الجنود في تحريك العربة وفك بعض الأجزاء المحطمة بفعل قذيفة أوكرانية صغيرة أصابتها بالأمس (أول من أمس)، وتتحرك الآلية الأوكرانية جارة خلفها تلك الروسية مبتعدتين بسرعة، وعلى أطراف الطريق كثير من الآليات الروسية المدمرة، عربات تقنية وناقلات جند من طراز تايغر، وبعض السيارات المدنية التي رسم عليها حرف «زد» رمز الحرب الروسية الحالية. وقربها بعض السيارات الأوكرانية المصابة أو المدمرة التي أيضاً استخدمها الجيش للتحرك بسرعة وضرب القوات الروسية في المناطق الخلفية أو القريبة من الجبهات.
أينما وجهت نظرك في الطريق ستجد آثار معارك وعربات روسية مدمرة، من الصعب إحصاؤها، ولكن على الأقل ثمة دزينة من العربات القتالية الثقيلة المحترقة أو المدمرة جزئياً بفعل صواريخ، الأرجح أنها من طراز جافلين وانفجار الذخائر داخلها.

قرية زابوتشايا شاهدة على معارك طاحنة وعمليات نهب
كانت زابوتشايا، القرية الصغيرة الفقيرة تنام صباح يوم السبت حين انتهى القتال وتوقف القصف وبدأ بعض الناس بتفقد ما يملكون. يبدو كأن أغلب السكان بقوا في منازلهم، ولا أحد منهم يرغب في الإجابة عن أي سؤال، لا أحد يتفاعل بأكثر من هزة رأس في إجابة على تحية الصباح، وعدا ذلك يبادلونك النظرات بصمت. الجنود من ناحيتهم كانوا يستعدون للانتشار من جديد، يقيمون التحصينات، أو يشعلون النار للتدفئة. تعرض على أحدهم السجائر فيشكرك ويقول إنه يفضل ألا يغير دخانه، ويسحب من جيبه علبة مليئة. هؤلاء الجنود يملكون ما يكفي من الطعام والإمداد، ومن نوعية مأكولاتهم يمكنك أن تستنج أنها من مواد الدعم التي تبرع بها السكان والتي كانت تصل إلى أماكن تجميع مثل محطة قطارات كييف.
على طرف زابوتشايا وقبل الوصول إلى مفترق إربين - بوتشا، ثمة قافلة من 10 آليات مدرعة ما بين دبابات وناقلات جند بي إم بي ومدرعات قتالية بي تي آر مدمرة. هنا فتكت القوات الأوكرانية بالدبابات الروسية، والسكان يتحدثون عن سحب الجنود في الصباح الباكر لبعض الآليات التي لا تزال صالحة للعمل. كثير من الآليات لا تزال تحمل بعض المعدات القتالية، أو أسلحة فردية تخلى الجنود الروس عنها بعد هجرهم لمدرعاتهم. وعلى جوانب الطريق ترك الجنود الروس بعض أحذيتهم العسكرية، البعض قتل هنا وسحبه أصدقاؤه دون حذاء وآخرون غيروا أحذيتهم بأحذية رياضية من المخازن التجارية في المناطق المجاورة.
الدبابات شبه المدمرة تفضح حجم السرقات، بعضها مليء بالمعدات المدنية والأدوات المنزلية، وأخرى بثياب ومسروقات جديدة أخرى، أو معدات كهربائية أو حتى معدات للمناشر وغيرها من المصنوعات، سرقت من محلات تجارية سبق أن شاهدناها في الطريق إلى هنا. حتى المأكولات المتناثرة قرب الدبابات المحترقة أو شبه المدمرة تحمل علامات تجارية أوكرانية وأسماء مخازن كبرى في محيط العاصمة.

مشهد الحرب يمتد
على كل شوارع إربين
على مفترق طرق إربين - بوتشا يقول لنا أحد الجنود الأوكران: الطريق آمنة ولكن انتبهوا من الألغام والقذائف على أطرافها. نسير في منتصف الطريق، وعلى أحد الجوانب جثة لدراج قتل برصاص القنص، قام أحد المارة بتغطية وجهه بأكياس بلاستيكية.
في إربين المنازل والشوارع مدمرة من القصف، ولم يسلم أي شيء من القصف والرصاص. السيارات تعرضت للسحق من قبل الدبابات، وأخرى تعرضت لإطلاق النار، غيرها قتل أصحابها في داخلها إثر حوادث اصطدام عنيفة في الأيام الأولى للحرب خلال محاولاتهم الهروب، وشاحنة ثقيلة للقوات الروسية محروقة بقنابل المولوتوف ومتروكة في مكانها. مشهد الحرب يمتد على كل شوارع إربين المؤدية إلى وسط المدينة.
في حديقة منزل وقف كلب ينبح، وخلف زجاج مهشم ظهر وجه إنسان يختلس النظر ويحتمي بستائر ممزقة، بعض البيوت لا تزال مسكونة، ويتسلل من خلفنا رجل بيده كيس طعام، وحين يشاهدنا يركض داخلاً إلى منزل ومغلقاً الباب بسرعة. من تمكنا من إيقافهم رفضوا الكلام، أو لم يفهموا ما الذي نريده تماماً وأجابونا بالصمت. بعد يومين من توقف القصف لا يزال من بقي هنا تحت تأثير الصدمة.
المدينة المدمرة هنا لا تشير إلى أنها تقع على مسافة 20 كيلومتراً شمال غربي كييف العاصمة، بل هي أقرب إلى المناطق المنكوبة في الحرب العالمية الثانية، حيث المباني التي أطاح القصف بسقوفها وباتت غير صالحة للاستخدام، أو تلك التي أصابتها مدفعية الدبابات في طوابقها العليا أو الوسطى، أو التي احترقت عدة طبقات منها، وأغلب المباني والمنازل فقدت زجاجها، والطرق إلى المستشفيات مقطوعة بفعل القصف أو الأشجار المتكدسة في وسطها بعد عواصف النار والرصاص والقذائف المباشرة.
أرتال عسكرية أوكرانية لجنود النخبة تعبر إربين معيدة الانتشار، يتوقف بعضها ليسمح لقوافل الصليب الأحمر بالعبور، بينما يحاول بعض الجنود قرب وسط المدينة وضع إشارات الخطر قرب مناطق ملغمة وأخرى عثروا فيها على قذائف غير منفجرة. يمكن تماماً فهم أسباب منع القوات الأوكرانية للصحافيين والمدنيين من الدخول حالياً إلى المدينة ومحيطها، والعمل الحثيث على إخراج المدنيين منها بأسرع وقت.
المعارك هنا جرت ما بين يوم السابع والعشرين من فبراير (شباط) ونهاية شهر مارس (آذار)، بعدها تعرضت المدينة لقصف روسي عنيف، ثم انتقلت المعارك نحو بوتشا والطرق الرئيسية. إلا أن إربين ستبقى تعاني لوقت طويل، عدا أن شيئاً لا يؤكد نهاية العمليات الروسية في هذه المنطقة، فكل المعلومات تقول إن إعادة تجميع القوات جارية على قدم وساق في بيلاروسيا والأراضي الروسية، وإن موجة جديدة من العمليات قد تصل إلى العاصمة كييف، تماماً كما حصل اليوم في محيط ثاني أكبر مدينة بأوكرانيا أي خاركيف.



ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.