إربين الأوكرانية تعيد للذاكرة مشاهد الحرب العالمية الثانية

«الشرق الأوسط» توثق في شوارعها حجم الدمار في مدينة قريبة من محيط كييف

جنديان أوكرانيان يحاولان إصلاح آلية روسية غنماها في زابوتشايا (الشرق الأوسط)
جنديان أوكرانيان يحاولان إصلاح آلية روسية غنماها في زابوتشايا (الشرق الأوسط)
TT

إربين الأوكرانية تعيد للذاكرة مشاهد الحرب العالمية الثانية

جنديان أوكرانيان يحاولان إصلاح آلية روسية غنماها في زابوتشايا (الشرق الأوسط)
جنديان أوكرانيان يحاولان إصلاح آلية روسية غنماها في زابوتشايا (الشرق الأوسط)

باص صغير عليه إشارة الصليب الأحمر متوقف في وسط الشارع وقربه على الرصيف عربة أطفال متروكة لشأنها، وحولهما دمار وركام. بعض المنازل محترقة والأخرى مدمرة، ودار عبادة على جدرانها آثار طلقات رصاص، والشارع خالٍ من الناس والسيارات. بعد دقائق قليلة تصل قافلة مساعدات يرافقها عربة جنود من الجيش الأوكراني، يتجاوز الموكب الباص الصغير ويتابع طريقه نحو مناطق تجمع المدنيين المحتاجين للمساعدات.

أهلاً بكم في إربين
منذ منتصف الأسبوع بدأت إربين تخلو من الجنود الروس، معارك طاحنة كان يصل دويها إلى مسافة خمسة كيلومترات أدت إلى خروج القوات الروسية من المدينة، قبل أن ينتقل القتال إلى زابوتشايا وبوتشا، المتاخمتين لإربين. واستطاعت القوات الروسية المحافظة على المنطقتين وعملت على قصف إربين بعنف لمدة يومين قبل أن تنهار قدرتها على الصمود وتنسحب مخلفة وراءها كثيراً من المعدات والجنود القتلى وجثثاً لمدنيين قضوا بطلقات القنص أو الرصاص المباشر للقوات الروسية أو عمليات القصف المتبادلة.
أغلق الجيش الأوكراني وقوات الشرطة كل الطرق إلى إربين ومحيطها، وكيفما حاولت التوجه ستجد حاجزاً للشرطة يطلب منك العودة من حيث أتيت، الدخول مستحيل إلا بمساعدة خرائط «غوغل» وبعض الثغرات التي لم تسرع الشرطة العسكرية في الجيش أو الشرطة المدنية إلى إغلاقها. إحداها سمح لنا بالوصول إلى داخل إربين، التي، وكما أبلغنا رجال الشرطة «لا تزال قيد التنظيف».

جثث على الطرقات وقذائف
لم تنفجر وعمليات نهب للمحلات
على أطراف الطريق المؤدية إلى إربين كما في داخلها عدد من قذائف لم تنفجر، تركت في مكانها بانتظار اختصاصيي إزالة المتفجرات. كما تشاهد أيضاً بعض الجثث، فيما تعمل عدة فرق، بحسب ما أفادنا مسؤولون برلمانيون، على تقصي الحقائق وتوثيق ما يمكن أن يشكل جرائم حرب ضد المدنيين في محيط كييف، خصوصاً مكتب المدعي العام الذي يصدر تقارير دورية حول أعمال تحقيقاته.
على تقاطع الطرق في ستويانكا (20 كيلومتراً غرب كييف) المحلات التجارية مدمرة بالكامل، محطة الوقود تعرضت للقصف واحترقت، المخازن التجارية خالية من البضائع، بعد أن تعرض بعضها إلى عمليات نهب منظمة. في محال المأكولات تشاهد بقايا الوجبات وبعض قطع اللحم في أحد البرادات المطفأة، وكذلك الحال بالنسبة لمحال ألعاب الأطفال الخالية هي الأخرى من البضائع تقريباً، كل شيء يوحي بأن عمليات نهب حصلت هنا قبل اشتداد المعارك. الأبواب مكسرة رغم أنها تتعرض للقصف.
ثم تأتي ملامح المعارك، إذ ترى آثار الرصاص على الجدران وفي داخل أنفاق تصل بين جانبي الطريق الدولية كانت قبل المعارك مخصصة للمشاة، ثم ألقيت فيها قنابل يدوية، إضافة إلى تعرضها لرشقات نارية. ولكن ما جرى هنا معارك سريعة، لم تدُم طويلاً ربما ساعات على الأغلب، فكمية الرصاص والقذائف المباشرة تقول إن القوة التي وُجدت هنا حتى يوم الجمعة صباحاً قاتلت فقط لتتمكن من الانسحاب.

الاستيلاء على عربات روسية وإصلاحها لإعادتها إلى الميدان
ومن ستويانكا تتفرع الطريق نحو إربين مباشرة أو كابتانيفكا ثم زابوتشايا وبوتشا. ومن هذه الطريق تصل عربة روسية استولت عليها القوات الأوكرانية وأخفت الإشارات الروسية عنها وقادتها نحو المناطق الخلفية للإصلاح كما يبدو، بينما كانت فرق أخرى تتولى تأمين الطرق والبحث عن جثث أو ألغام وقذائف غير منفجرة في محيط الطريق البعيدة، وكثير من المصورين الصحافيين يلتقطون الصور ويسجلون لقطات الفيديو.
على الطريق المؤدية إلى زابوتشايا (23 كيلومتراً غرب العاصمة كييف) توقفت مدرعتان وبدأ عدد من الجنود الأوكرانيون العمل على ربط بعضهما ببعض. المدرعة الأوكرانية أتت لجر الآلية الروسية التي أصيبت وتخلى عنها جنودها. جندي أوكراني يبتسم ويسمح لنا بالتصوير، قائلاً: هذه المدرعة الروسية ستعود للقتال بعد أن نصلحها ونغير ألوانها قليلاً.
ينجح الجنود في تحريك العربة وفك بعض الأجزاء المحطمة بفعل قذيفة أوكرانية صغيرة أصابتها بالأمس (أول من أمس)، وتتحرك الآلية الأوكرانية جارة خلفها تلك الروسية مبتعدتين بسرعة، وعلى أطراف الطريق كثير من الآليات الروسية المدمرة، عربات تقنية وناقلات جند من طراز تايغر، وبعض السيارات المدنية التي رسم عليها حرف «زد» رمز الحرب الروسية الحالية. وقربها بعض السيارات الأوكرانية المصابة أو المدمرة التي أيضاً استخدمها الجيش للتحرك بسرعة وضرب القوات الروسية في المناطق الخلفية أو القريبة من الجبهات.
أينما وجهت نظرك في الطريق ستجد آثار معارك وعربات روسية مدمرة، من الصعب إحصاؤها، ولكن على الأقل ثمة دزينة من العربات القتالية الثقيلة المحترقة أو المدمرة جزئياً بفعل صواريخ، الأرجح أنها من طراز جافلين وانفجار الذخائر داخلها.

قرية زابوتشايا شاهدة على معارك طاحنة وعمليات نهب
كانت زابوتشايا، القرية الصغيرة الفقيرة تنام صباح يوم السبت حين انتهى القتال وتوقف القصف وبدأ بعض الناس بتفقد ما يملكون. يبدو كأن أغلب السكان بقوا في منازلهم، ولا أحد منهم يرغب في الإجابة عن أي سؤال، لا أحد يتفاعل بأكثر من هزة رأس في إجابة على تحية الصباح، وعدا ذلك يبادلونك النظرات بصمت. الجنود من ناحيتهم كانوا يستعدون للانتشار من جديد، يقيمون التحصينات، أو يشعلون النار للتدفئة. تعرض على أحدهم السجائر فيشكرك ويقول إنه يفضل ألا يغير دخانه، ويسحب من جيبه علبة مليئة. هؤلاء الجنود يملكون ما يكفي من الطعام والإمداد، ومن نوعية مأكولاتهم يمكنك أن تستنج أنها من مواد الدعم التي تبرع بها السكان والتي كانت تصل إلى أماكن تجميع مثل محطة قطارات كييف.
على طرف زابوتشايا وقبل الوصول إلى مفترق إربين - بوتشا، ثمة قافلة من 10 آليات مدرعة ما بين دبابات وناقلات جند بي إم بي ومدرعات قتالية بي تي آر مدمرة. هنا فتكت القوات الأوكرانية بالدبابات الروسية، والسكان يتحدثون عن سحب الجنود في الصباح الباكر لبعض الآليات التي لا تزال صالحة للعمل. كثير من الآليات لا تزال تحمل بعض المعدات القتالية، أو أسلحة فردية تخلى الجنود الروس عنها بعد هجرهم لمدرعاتهم. وعلى جوانب الطريق ترك الجنود الروس بعض أحذيتهم العسكرية، البعض قتل هنا وسحبه أصدقاؤه دون حذاء وآخرون غيروا أحذيتهم بأحذية رياضية من المخازن التجارية في المناطق المجاورة.
الدبابات شبه المدمرة تفضح حجم السرقات، بعضها مليء بالمعدات المدنية والأدوات المنزلية، وأخرى بثياب ومسروقات جديدة أخرى، أو معدات كهربائية أو حتى معدات للمناشر وغيرها من المصنوعات، سرقت من محلات تجارية سبق أن شاهدناها في الطريق إلى هنا. حتى المأكولات المتناثرة قرب الدبابات المحترقة أو شبه المدمرة تحمل علامات تجارية أوكرانية وأسماء مخازن كبرى في محيط العاصمة.

مشهد الحرب يمتد
على كل شوارع إربين
على مفترق طرق إربين - بوتشا يقول لنا أحد الجنود الأوكران: الطريق آمنة ولكن انتبهوا من الألغام والقذائف على أطرافها. نسير في منتصف الطريق، وعلى أحد الجوانب جثة لدراج قتل برصاص القنص، قام أحد المارة بتغطية وجهه بأكياس بلاستيكية.
في إربين المنازل والشوارع مدمرة من القصف، ولم يسلم أي شيء من القصف والرصاص. السيارات تعرضت للسحق من قبل الدبابات، وأخرى تعرضت لإطلاق النار، غيرها قتل أصحابها في داخلها إثر حوادث اصطدام عنيفة في الأيام الأولى للحرب خلال محاولاتهم الهروب، وشاحنة ثقيلة للقوات الروسية محروقة بقنابل المولوتوف ومتروكة في مكانها. مشهد الحرب يمتد على كل شوارع إربين المؤدية إلى وسط المدينة.
في حديقة منزل وقف كلب ينبح، وخلف زجاج مهشم ظهر وجه إنسان يختلس النظر ويحتمي بستائر ممزقة، بعض البيوت لا تزال مسكونة، ويتسلل من خلفنا رجل بيده كيس طعام، وحين يشاهدنا يركض داخلاً إلى منزل ومغلقاً الباب بسرعة. من تمكنا من إيقافهم رفضوا الكلام، أو لم يفهموا ما الذي نريده تماماً وأجابونا بالصمت. بعد يومين من توقف القصف لا يزال من بقي هنا تحت تأثير الصدمة.
المدينة المدمرة هنا لا تشير إلى أنها تقع على مسافة 20 كيلومتراً شمال غربي كييف العاصمة، بل هي أقرب إلى المناطق المنكوبة في الحرب العالمية الثانية، حيث المباني التي أطاح القصف بسقوفها وباتت غير صالحة للاستخدام، أو تلك التي أصابتها مدفعية الدبابات في طوابقها العليا أو الوسطى، أو التي احترقت عدة طبقات منها، وأغلب المباني والمنازل فقدت زجاجها، والطرق إلى المستشفيات مقطوعة بفعل القصف أو الأشجار المتكدسة في وسطها بعد عواصف النار والرصاص والقذائف المباشرة.
أرتال عسكرية أوكرانية لجنود النخبة تعبر إربين معيدة الانتشار، يتوقف بعضها ليسمح لقوافل الصليب الأحمر بالعبور، بينما يحاول بعض الجنود قرب وسط المدينة وضع إشارات الخطر قرب مناطق ملغمة وأخرى عثروا فيها على قذائف غير منفجرة. يمكن تماماً فهم أسباب منع القوات الأوكرانية للصحافيين والمدنيين من الدخول حالياً إلى المدينة ومحيطها، والعمل الحثيث على إخراج المدنيين منها بأسرع وقت.
المعارك هنا جرت ما بين يوم السابع والعشرين من فبراير (شباط) ونهاية شهر مارس (آذار)، بعدها تعرضت المدينة لقصف روسي عنيف، ثم انتقلت المعارك نحو بوتشا والطرق الرئيسية. إلا أن إربين ستبقى تعاني لوقت طويل، عدا أن شيئاً لا يؤكد نهاية العمليات الروسية في هذه المنطقة، فكل المعلومات تقول إن إعادة تجميع القوات جارية على قدم وساق في بيلاروسيا والأراضي الروسية، وإن موجة جديدة من العمليات قد تصل إلى العاصمة كييف، تماماً كما حصل اليوم في محيط ثاني أكبر مدينة بأوكرانيا أي خاركيف.



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».